د. كريم القاضي

خبير - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

استمتعتُ بقراءة مقال الدكتور إبراهيم عرفات المنشور على الموقع الإليكتروني لمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام يوم 10/5/2026، والذي قدّم فيه وجهة نظره الكريمة حول كيفية حل المعضلة الأمنية لدول الخليج العربي مستقبلاً وطرح فيها فكرة تكوين منظمة الأمن والتعاون في الخليج العربي على غرار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وهي بالطبع فكرة جديرة بالدراسة والاهتمام من جانب الجماعة البحثية المهتمة بالشئون السياسية والاستراتيجية في إقليم الشرق الأوسط إلى جانب صانعي القرار السياسي، وذلك في محاولةٍ منا جميعاً للوصول إلى حالة استقرار وسلام ورفاهية منشودة لهذا الإقليم المضطرب.

أحاول في هذا المقال بالتحديد الاشتباك الفكري البنّاء مع مقال د.عرفات لعرض بعض أوجه الاتفاق والاختلاف مع طرحه المهم، وتقديم اقتراح بديل من زاوية أن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ربما لا تكون النموذج الملائم للاقتداء به كحل لمعضلة الأمن في الخليج العربي. ويرجع ذلك في الأساس لاختلاف البيئة الجيوسياسية لأوروبا عام 1975 عن بيئة الخليج العربي الحالية. كما أن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ربما كانت مجالاً للحوار الاستراتيجي المهم بين الشرق والغرب في نهايات الحرب الباردة وما بعدها، إلا أنها لم تكن يوماً قط الغطاء الأمني المؤسسي الذي يوفر الاستقرار ويمنع اندلاع الحروب بين دول أوروبا. ويدلل على ذلك ما ذكره الزميل الفاضل نفسه من أمثلة لاندلاع حروب روسيا في أوروبا مثل حرب جورجيا في 2008 واحتلال شبه جزيرة القرم في 2014 ثم شن الحرب الجديدة الجارية ضد أوكرانيا في 2022. ولم تنجح المنظمة في أن يكون لها رد فعل مؤثر إزاء الحرب الجارية مقارنة برد فعل أعضاء حلف الناتو بما فيهم الولايات المتحدة الأمريكية، حتى تسلمت إدارة الرئيس دونالد ترامب الثانية السلطة في يناير 2025 وغيرت من مسار السياسة الأمريكية تجاه الحرب.

كما أن توسع حلف الناتو شرقاً وضم دول شرق أوروبا أو دول حلف وارسو سابقاً مثل بولندا ورومانيا إلى عضويته بعد انتهاء الحرب الباردة يؤيد فرضية أن منظمة الأمن والتعاون ليست المظلة الأمنية لأوروبا وإلا لما كان هناك داعٍ لتوسع الحلف شرقاً من الأساس.

ينقسم مقالي هذا إلى ثلاثة أجزاء. في الجزء الأول أؤكد سريعاً بعض نقاط الاتفاق المهمة مع مقال د. عرفات. أما في الجزء الثاني فاستعرض بعض نقاط الاختلاف معه حول مقارنته بين البيئة الاستراتيجية لدول أوروبا عام 1975 ودول الخليج العربي. وأتناول أيضاً اقتراحه بتبني نموذج منظمة الأمن والتعاون في أوروبا كمثال للتطبيق في منطقة الخليج العربي. وأخيراً في الجزء الأخير من مقالي أقترح أنه ربما يكون نظام دول الوفاق الأوروبي The Concert of Europe الذي أقامته الدول الأوروبية الكبرى بعد انتهاء الحروب النابليونية في 1815 هو النموذج الأفضل للدراسة والتطبيق في الخليج العربي.[1]

فقد أسس هذا الوفاق على توازن القوة الحقيقي في الإقليم وتعهدات قيادات الدول بعدم التدخل في الشئون الداخلية لبعضهم البعض، والاتفاق فيما بينهم على الوقوف صفاً واحداً تجاه أي عضو في الوفاق يحاول الإخلال بتوازن القوة فيما بينهم سواء عن طريق استخدام القوة العسكرية أو التدخل في شئون الجيران الداخلية. وربما تكون هذه الفكرة أكثر واقعية وجديرة بالدراسة، لأنه بعد انتهاء حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، أياً كان وقت هذا الانتهاء، فقد تتولد فرصة ما للتوصل إلى تفاهمات دولية وإجراءات إقليمية حول الخليج العربي. فلا شك أن الحروب الإقليمية والدولية تستنزف الدول التي شاركت فيها سواء المهزومة أو المنتصرة، وعلى ذلك تكون البيئة الإقليمية مهيئة، إلى حد ما، لاتخاذ إجراءات جديدة تمنع اندلاع مثل هذه الحروب في المستقبل.

جوانب الاتفاق

أتفق مع مقال د.عرفات في ضرورة السعي الدؤوب للنظر في تاريخ العلاقات الدولية بحثاً عن حلول واقعية تحل معضلة أمن الخليج العربي. وأتفق معه أيضاً في أن أمن الخليج العربي وأهميته للدول الكبرى والاقتصاديات العالمية ليست ظاهرة وليدة، بل هي واقع برز بالأساس بسبب جغرافية الخليج، وذلك من قبل اكتشاف النفط بأزمنة طويلة، وستستمر تلك الأهمية بعد احتمال الاستغناء عن النفط والغاز بأزمنة طويلة أيضاً، مما يعني أنه من الصعوبة بمكان حصر حل معضلة الأمن في الخليج في دول الخليج العربي وحدها، بل يستوجب الأمر لا محالة الأخذ في الاعتبار المصالح الدولية وتبعات العولمة الاقتصادية. وعلى ذلك، تكتسب محاولة النظر في تجارب الدول الأخرى والأقاليم المجاورة للتعلم منها والحرص على استقدام ما قد يفيد منطقتنا ويحل من أزماتها المعقدة بما فيها دراسة تجربة إنشاء منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أهمية خاصة. وأخيراً، أتفق معه أيضاً في أن علم العلاقات الدولية وتاريخ الدبلوماسية لهما أصول وجب فهمهما والاعتماد عليهما دون الحاجة إلى إعادة اختراع العجلة على حسب قوله.  

جوانب الاختلاف

لعل أول جوانب الاختلاف مع مقال د.عرفات أنه لم يوضح بشكل صريح طبيعة المعضلة الأمنية لمنطقة الخليج العربي. فقد أكد على وجود هذه المعضلة دون أن يصفها وتحدث عن "ضعف البنية الأمنية الوطنية" في دولها دون أن يشرح المقصود من هذا المصطلح. وبالتالي، ففي ظل غياب توصيف حقيقي للمعضلة الأمنية يصعب أيضاً تقديم توصية سياسية لحل واقعي على غرار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. وتتحدث بعض أدبيات العلاقات الدولية عن أن معضلة أمن الخليج العربي تكمن في وجود اختلال هيكلي في توازن القوة بين دول صغيرة من حيث تعداد السكان غنية جداً من حيث الموارد النفطية تعيش في جوار دول ذات ثقل كبير من حي تعداد السكان والقدرات العسكرية.[2] ويفرض هذا الاختلال بطبيعة الحال تهديدات مباشرة من جانب بعض الدول الإقليمية، مثل إيران، لدول الخليج العربي. وقد شهدنا مثالاً على هذا الاختلال عندما احتل العراق في عهد الرئيس الأسبق صدام حسين الكويت بكل سهولة في أغسطس 1990، وبالتالي تضطر دول الخليج العربي للاعتماد على "الأمن المستورد" كما وصفه د. عرفات من خلال إقامة تحالفات دولية مع دول كبرى مثل بريطانيا والولايات المتحدة. ولم يكن هذا النهج هو تطور حديث، بل هو ما اعتمدت عليه غالبية دول الخليج العربي منذ أن عرفت استقلالها السياسي في ستينيات وسبعينات القرن الماضي.  

ثانياً، وبناءً على ما سبق، فإن البيئة الجيوسياسية لدول أوروبا خلال الحرب الباردة تختلف كثيراً عن بيئة دول الخليج العربي، ومن ثم فإن عوامل قيام منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ربما لن تتواجد في البيئة الجيوسياسية لدول الخليج في المرحلة القادمة. فعلى سبيل المثال، فقد أنشئت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا خلال الفترة التي عُرفت في تاريخ الحرب الباردة بفترة التهدئة أو تخفيف التوترات -Detente- بين القطبين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وليس كما ذكر د.عرفات بأنها فترة "حالة الاستقطاب الحادة". وكانت أسباب التهدئة نابعة من هزيمة الولايات المتحدة في حرب فيتنام ونشوب خلاف مسلح في المعسكر الشرقي بين الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية، وبالتالي رأت واشنطن وموسكو مصلحة ما لكلٍ منهما في تهدئة الصراع فيما بينهما من خلال تشجيع قيام مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا.

كما أن هذه المؤسسة قامت على أكتاف حالة الردع المستقر وتوازن القوة الموجود بالفعل داخل أوروبا. فعلى سبيل المثال، كان أعضاء حلف الناتو، مثل فرنسا وبريطانيا، قد طوروا بالفعل سلاحهم النووي، هذا بخلاف تواجد قوات أمريكية نووية داخل القواعد الأوروبية، وانضمام ألمانيا الغربية بثقلها الاقتصادي والعسكري للحلف. كل ذلك في مقابل تواجد قوات سوفيتية نووية رادعة هي الأخرى منتشرة في دول شرق أوروبا. وبالتالي فمؤتمر الأمن والتعاون لم يخلق الاستقرار، بل جاءت المنظمة وليدة لبيئة مستقرة بالفعل على ثوابت الردع النووي وتوازن القوة. ولا يوجد خلاف على أن كل دول أوروبا بما فيها الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة أرادت لهذه المنظمة أن تنجح في ترسيخ حالة التهدئة الموجودة بالفعل والبناء عليها، ولكن ليست كاستبدال للردع وتوازن القوة. والأكثر من ذلك أن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا فشلت في منع الاتحاد السوفيتي لاحقاً من احتلال أفغانستان عام 1979، وهو الأمر الذي أدى إلى انهيار فترة التهدئة وعودة احتدام التنافس مرة أخرى وكان ذلك راجعاً بالأساس لتهديد القوات السوفيتية الموجودة في أفغانستان للخليج العربي.

ثالثاً، أختلف أخيراً مع د.عرفات في طرحه لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا على أنها نموذج يصلح للتطبيق في إقليم الخليج العربي. ويرجع ذلك إلى أن المنظمة قامت على أساس اتفاقيات هلسنكي لعام 1975، وتبنت مفهوم أمن الدولة الشامل الذي يضم بخلاف الجوانب السيادية والعسكرية والأمنية الجوانب الاقتصادية والسياسية بما فيها حرية التعبير والتنافس على السلطة وتنظيم انتخابات حرة وحقوق الإنسان. ورغم أهمية مفهوم الأمن الشامل بهذا الشكل، إلا أن الحالة السياسية لدول الخليج وإيران ربما ترى في هذا الطرح تهديداً لها ولاستقرارها السياسي، مما يعني أن طرح المنظمة كمدخل لاستقرار الخليج العربي هو طرح غير ملائم لطبيعة الإقليم السياسية في المستقبل المنظور ودافعاً لمزيد من التوتر بين دول الخليج وغياب الثقة فيما بينها. بالإضافة إلى أن عملية صنع القرار في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا تعتمد على قرارات الإجماع وليس الأغلبية، وبالتالي فمن زاوية صنع القرار فقط لا تختلف المنظمة كثيراً عن مجلس التعاون الخليجي أو حتى جامعة الدول العربية، وبالتالي فما لم تنجح فيه المنظمات الإقليمية العربية من بسط الاستقرار وتهدئة الصراعات في الخليج فلن ينجح فيه كيان على غرار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

الوفاق الأوروبي نموذجاً للتطبيق في الخليج العربي

في الختام، أطرح سريعاً فكرة الوفاق الأوروبي لعام 1815 كنموذج لاستقرار منطقة الخليج العربي وبديلاً عن طرح فكرة منظمة الأمن والتعاون الأوروبي. فقد جاءت فكرة الوفاق الأوروبي بعد انهزام فرنسا النابليونية من دول أوروبا بقيادة بريطانيا في 1815 بسبب محاولات فرنسا للهيمنة على القارة وسعيها لتغيير أنظمة الحكم فيها إلى نظم جمهورية. وقد يكون ذلك الأمر مشابهاً لبعض أهداف النظام الإيراني في الخليج واعتماده على وكلاء له يسعون لبسط سيطرتهم على المنطقة. وربما تكون هناك فرصة ما مناسبة للاتفاق بين دول الخليج العربي وإيران فيما بعد الحرب للتوصل لوفاق ما بينها حتى وإن لم تنهزم إيران بنفس الدرجة التي انهزمت بها فرنسا.

كما أن أهداف الوفاق الأوروبي الرئيسية رغم قلتها تتطابق مع نفس الأهداف الواقعية التي تنشدها دول الخليج العربي في مستقبلنا المنظور وهي منع هيمنة أي دولة علي بقية دول الجوار، واحترام حدود الدول وأنظمتها السياسية والتعهد بعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول. كما لم تقتصر عضوية الوفاق على الدول الأوروبية المنتصرة فقط في الحرب مثل بريطانيا وامبراطورية النمسا والمجر وروسيا، بل انضمت إليها فرنسا ذاتها الدولة المهزومة، وهو الأمر الذي أُعتبر في ذلك الوقت حسن تقدير من الدول المنتصرة، فبدلاً من معاقبة وعزل المهزوم، تكون الدبلوماسية الحصيفة هي احتواءه وضمه في عضوية الوفاق وإحاطته بشبكة واسعة من العلاقات والمصالح الإقليمية والدولية.

واستند الوفاق على واقع توازن القوة بين كل أعضاءه في أوروبا، ولعل هذا التوازن هو الأمر الذي يظل غائباً عن واقع الخليج العربي بسبب المعضلة الأمنية التي ذكرناها سابقاً. ويتطلب غياب هذا التوازن بحثاً دؤوباً عن حلول واقعية تضبط ميزان القوة بين دول الخليج العربي وجيرانها الإقليميين بما فيهم إيران. وقد يتأتى هذا التوازن عن طريق تواجد قوات عسكرية عربية في الخليج العربي من دول ذات ثِقل، أو من خلال تفاهمات دولية وإجراءات ما تُشرف عليها دول كبرى مجتمعة كالولايات المتحدة، والصين وبريطانيا وفرنسا. وتجدر الإشارة هنا إلى أهمية اتفاق دول الوفاق فيما بينها على ضرورة التحالف معاً ضد أي عضو في الوفاق يقرر مخالفة مبادئه ويسعى نحو الهيمنة على الدول الأخرى كما اتفقت دول الوفاق الأوروبي من قبل. وقد نجح الوفاق الأوروبي في منع اندلاع حروب إقليمية لعقود من الزمن إلى أن تبدلت أوضاع الإقليم مرة أخرى.      

في النهاية، يحتاج الخليج العربي وجواره الإقليمي إلى كثير من التفكير العميق والبحث الجاد في نماذج تاريخية مختلفة عن كيفية خلق قواعد ما لاستقراره وتمتع كافة دوله وأنظمتها بالأمن والسلام، فحرب الخليج الدائرة ستنتهي لا محالة وعند إذن يجب أن يكون هناك أفكار ورؤى واقعية عن أوضاع جديدة تمنع اندلاع مثل هذه الحروب، هذا هو ما يبتغيه د.عرفات وكاتب السطور وكثيرون غيرهم.      


[1] Kyle Lascurettes, “The Concert of Europe and Great-Power Governance Today: What Can the Order of 19th-Century Europe Teach Policymakers About International Order in the 21st Century?,” Santa Monica, CA: RAND Corporation, 2017; https://www.rand.org/pubs/perspectives/PE226.html.

[2] F. Gregory Gause, The International Relations of the Persian Gulf, (Cambridge: Cambridge University Press, 2010.)