في السياسة الدولية، لا توجد مقارنات كاملة، لكن توجد لحظات متشابهة في حركة التاريخ. وبينما يعود شبح المواجهة العسكرية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى إلى الواجهة في كل مرة تتعثر فيها المفاوضات بين الجانبين، يعود إلى الذهن أيضًا سؤال يبدو للوهلة الأولى أقرب إلى الخيال السياسي، وهو: هل يمكن أن تصبح إيران، يومًا ما، "يابان الشرق الأوسط"؟
قد يبدو هذا السؤال مستفزًا أو حتى متناقضًا. فاليابان كانت الدولة التي تعرَّضت لأول قصف نووي في التاريخ، بينما تُتهم إيران اليوم بالسعي إلى امتلاك قدرة نووية عسكرية. واليابان الإمبراطورية انتهت بعد الحرب العالمية الثانية إلى دولة سلمية تعمل تحت المظلة الأمنية الأمريكية، بينما تقدم إيران نفسها اليوم باعتبارها "رأس محور مقاوم" للنفوذ الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة. لكن التاريخ لا يتحرك دائمًا بالصور الظاهرة، وإنما بالتحولات الكامنة خلفها.
خلال الشهرين الأخيرين، بدا المشهد في العلاقة بين واشنطن وطهران وكأنه يتأرجح بين مسارين متناقضين، مسار تفاوضي يواجه عقبات متزايدة بسبب الخلافات حول البرنامج النووي الإيراني وفتح مضيق هرمز وترتيبات الأمن الإقليمي، ومسار تصعيدي تعكسه التصريحات المتشددة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يلوّح تارةً بضرورة ممارسة أقصى الضغوط على طهران، ثم يعود ليتحدث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق يفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين.
هذا التناقض ليس جديدًا في السياسة الأمريكية تجاه إيران. فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، تأرجحت واشنطن بين استراتيجيات الاحتواء والعقوبات والتهديد باستخدام القوة العسكرية وتوجيه الضربات العسكرية فعلًا، وبين محاولات التفاوض وإعادة دمج إيران في النظام الإقليمي والدولي. لكن اللافت في تصريحات ترامب الأخيرة أنها لا تقتصر على منع إيران من امتلاك السلاح النووي وفتح مضيق هرمز، بل تتجاوز ذلك إلى الحديث عن مستقبل مختلف للعلاقة معها إذا غيّرت سلوكها السياسي والاستراتيجي. وهنا يبرز سؤال يتجاوز تفاصيل الأزمة الراهنة إلى آفاقها التاريخية الأوسع، وهو: هل تسعى الولايات المتحدة إلى مجرد إضعاف إيران (أو تغيير النظام الحاكم فيها)، أم إلى دفعها نحو تحول استراتيجي يجعلها جزءًا من نظام إقليمي جديد؟
قد يبدو هذا السؤال افتراضيًا في ظل أجواء التصعيد الحالية، لكنه يستند إلى سابقة تاريخية مهمة. ففي صيف عام 1945، كانت طوكيو مدينة تحترق ببطء. والإمبراطورية التي حلمت بالسيطرة على آسيا كانت تتهاوى تحت القصف الأمريكي المتواصل، لكن قادتها لم يكونوا مستعدين بعد للاعتراف بالهزيمة. وفي صباح السادس من أغسطس 1945، ظهرت في سماء هيروشيما طائرة أمريكية واحدة، بدت صغيرة وعادية لمن رآها من الأرض. دقائق قليلة فقط كانت كافية ليتغير وجه العالم إلى الأبد، حيث أسقطت هذه الطائرة قنبلتها النووية. ولم تكن القنبلة الذرية مجرد سلاح جديد، وإنما إعلانًا عن ميلاد عصر جديد، وعن انتقال مركز القوة في العالم إلى الولايات المتحدة. وبعد أيام، حين سقطت القنبلة الثانية على ناجازاكي، انتهت الحرب، لكن القصة الحقيقية بدأت بعدها.
فبعد سنوات قليلة، لم تعد اليابان عدوًا لواشنطن، بل أصبحت أهم حلفائها في آسيا. والجنود الأمريكيون الذين دخلوا طوكيو باعتبارهم قوات احتلال، صاروا لاحقًا حماةً لأمنها. والمصانع التي كانت تنتج الطائرات الحربية تحولت إلى مصانع للسيارات والإلكترونيات. وشيئًا فشيئًا، اختفت صورة اليابان العسكرية لتحل محلها صورة اليابان الاقتصادية.
كل ذلك يبدو اليوم وكأنه حكاية بعيدة من القرن الماضي. لكن الشرق الأوسط، وهو يعيش واحدة من أكثر لحظاته توترًا منذ عقود، أعاد إلى الأذهان سؤالًا غريبًا وهو: هل يمكن تكرار "السيناريو الياباني" مع إيران؟ فربما لا يكون الهدف النهائي من الضغوط الأمريكية المتصاعدة، خلال الأسابيع الأخيرة، مجرد احتواء إيران أو إضعافها، وإنما دفعها إلى إعادة تعريف دورها الإقليمي وموقعها في النظام الدولي، بما يفتح الباب أمام علاقة مختلفة مع الغرب. لكن المقارنة بين الحالتين تكشف، في الوقت نفسه، عن فوارق جوهرية تجعل استنساخ التجربة اليابانية أمرًا بالغ الصعوبة في طهران.
تحديات تكرار السيناريو الياباني
فاليابان التي واجهت الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية كانت دولة قومية ذات نزعة عسكرية توسعية، لكنها لم تكن تحمل مشروعًا أيديولوجيًا عابرًا للحدود. أما إيران، فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية في 1979، أصبحت "أكثر من مجرد دولة قومية". فهي ترى نفسها حاملة لمشروع سياسي وعقائدي يمتد إلى ما وراء حدودها الوطنية، ويستند إلى شبكة واسعة من التحالفات والنفوذ الإقليمي في عدد من دول الشرق الأوسط.
كما أن اليابان بعد الحرب خضعت لاحتلال أمريكي مباشر أتاح لواشنطن إعادة بناء مؤسسات الدولة وصياغة دستور جديد وإعادة هيكلة الجيش والاقتصاد. أما إيران، فتمثل حالة مختلفة تمامًا. فهي دولة كبيرة جغرافيًا وسكانيًا، تتمتع بعمق تاريخي وحضاري، وتقع في قلب منطقة شديدة الحساسية تربط الخليج العربي بآسيا الوسطى والقوقاز وشرق المتوسط. ولذلك فإن أي محاولة لإعادة تشكيلها بالقوة ستكون محفوفة بتداعيات إقليمية ودولية لا يمكن التنبؤ بنتائجها.
ويضاف إلى ذلك أن البيئة الدولية التي شهدت التحول الياباني لم تعد قائمة. ففي عام 1945 كانت الولايات المتحدة القوة المهيمنة بلا منازع، وقادرة على إعادة تشكيل مناطق كاملة من العالم وفقًا لمصالحها. أما اليوم، فإن النظام الدولي يتجه نحو تعددية قطبية متزايدة، حيث تلعب الصين وروسيا أدوارًا مؤثرة في المعادلات الدولية والإقليمية. وهذا الواقع يمنح إيران هامشًا من الحركة والمناورة لم يكن متاحًا لليابان المهزومة بعد الحرب العالمية الثانية.
لكن الفارق الأهم ربما يتعلق بطبيعة الصراع نفسه. فالعلاقة بين الولايات المتحدة واليابان كانت، في جوهرها، صراعًا بين دولتين على النفوذ والمصالح الاستراتيجية. أما الصراع مع إيران، فقد اكتسب على مدى العقود الماضية أبعادًا أيديولوجية ورمزية عميقة. فالعداء للولايات المتحدة أصبح جزءًا من الخطاب السياسي للجمهورية الإسلامية، كما أصبحت إيران، في الرؤية الأمريكية والإسرائيلية، تمثل أحد أبرز التحديات للنظام الإقليمي القائم.
ومع ذلك، فإن التاريخ يعلمنا أن العداوات ليست قدرًا أبديًا. فالولايات المتحدة نفسها أقامت لاحقًا علاقات استراتيجية مع الصين الشيوعية وفيتنام، رغم عقود من الصراعات الدموية والتنافس الحاد. لذلك، فإن السؤال ليس ما إذا كان التحول في العلاقات الأمريكية-الإيرانية ممكنًا من حيث المبدأ، وإنما ما إذا كانت الظروف السياسية والاستراتيجية تسمح بحدوثه.
محورية القضية الفلسطينية
ومن ناحية أخرى، تضيف منطقة الشرق الأوسط عنصرًا آخر لا يمكن تجاهله في إمكانية إدماج طهران في النظام الاقليمي، وهو استمرار الصراع العربي-الإسرائيلي. ففي آسيا، انتهت الحرب العالمية الثانية بولادة نظام جديد واضح المعالم. أما في الشرق الأوسط، فإن كل حرب تفتح الطريق إلى حرب أخرى، لأن الجرح الفلسطيني ظل مفتوحًا طوال الوقت. فبعد حرب الخليج الثانية، ظن العالم أن المنطقة تدخل عصر التسويات، فجاء مؤتمر مدريد، ثم اتفاق أوسلو، ثم معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية. لكن الاستيطان الاسرائيلي استمر، والتطرف تصاعد، وعادت الحروب من جديد.
واليوم، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا. غزة تحترق، ولبنان يقف على الحافة، وإيران وإسرائيل تتبادلان الرسائل بالنار، بينما تحاول العواصم العربية البحث عن صيغة تمنع انهيار المنطقة بالكامل. ووسط هذا المشهد، بدأت فكرة "السلام الإقليمي" تظهر مجددًا، لا باعتبارها حلمًا أخلاقيًا، وإنما باعتبارها ضرورة للبقاء. فمصر والأردن تخشيان انفجارًا إقليميًا واسعًا، ودول الخليج تريد الاستقرار من أجل التنمية، وحتى أوروبا أصبحت تدرك أن حرائق الشرق الأوسط تصل إليها عاجلًا أم آجلًا. وربما لهذا السبب، فإن السؤال عن إيران لم يعد سؤالًا عسكريًا فقط، بل سؤال عن شكل المنطقة كلها في المستقبل. فهل تبقى إيران دولة ثورية تعيش داخل منطق المواجهة الدائمة؟ أم تتحول تدريجيًا إلى قوة إقليمية تبحث عن النفوذ عبر الاقتصاد والسياسة أكثر من الصواريخ والحروب بالوكالة؟
لا أحد يملك الإجابة الآن. لكن المؤكد أن الشرق الأوسط يقف أمام لحظة تشبه، بطريقة ما، تلك اللحظات التي أعقبت الحروب الكبرى في التاريخ. لحظات يكتشف فيها الجميع أن الاستمرار في القتال قد يكون أكثر كُلفة من البحث عن تسوية.
لكن هل تصبح إيران "يابان الشرق الأوسط"؟ ربما لا في المدى المنظور، لأن التاريخ لا يكرر نفسه حرفيًا. كما أن لا الظروف واحدة، ولا البيئة الدولية، ولا طبيعة النظام السياسي، ولا طبيعة الصراع نفسه. لكن الحروب الكبرى كثيرًا ما تُجبر الدول، بعد سنوات من الدم والنار، على إعادة اكتشاف معنى المصالح، وحدود القوة، وقيمة السلام.
تزايد الإرهاق الاستراتيجي
ما يدعم من التقدير السابق أن دول منطقة الشرق الأوسط تبدو أغلبها وكأنها وصلت إلى مرحلة من الإرهاق الاستراتيجي. فإسرائيل تواجه أخطر أزمة أمنية وسياسية منذ تأسيسها، بدءًا من هجوم السابع من أكتوبر، مرورًا بحرب غزة، ووصولًا إلى التوترات مع لبنان وإيران، وتكتشف أن القوة العسكرية وحدها لا تمنحها الأمن الكامل. وإيران تواجه ضغوطًا اقتصادية خانقة وعقوبات متراكمة واستنزافًا ممتدًا عبر جبهات متعددة. والولايات المتحدة نفسها لم تعد تريد حروبًا طويلة بعد تجارب العراق وأفغانستان. والعالم العربي يعيش قلقًا متزايدًا من أن تتحول المنطقة كلها إلى ساحة انفجار دائم.
وفي لحظات الإنهاك الكبرى، تصبح التسويات الكبرى أكثر قابلية للطرح، حتى وإن بدت مستحيلة في بدايتها. لكن ذلك لا يعني أن إيران ستصبح نسخة أخرى من اليابان. فالظروف التي صنعت التحالف الأمريكي-الياباني تختلف جذريًا عن واقع الشرق الأوسط اليوم.
ومع ذلك، فإن التجربة اليابانية تذكرنا بحقيقة مهمة وهي أن الحروب الكبرى لا تُنتج دائمًا أعداء دائمين، وأن أشد الصراعات عنفًا قد تفتح الطريق، في لحظة ما، أمام ترتيبات سياسية جديدة لم تكن ممكنة من قبل. ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إيران ستصبح "يابان الشرق الأوسط"، بل ما إذا كانت الأطراف المختلفة في المنطقة والعالم مستعدة للانتقال من منطق "الصراع المفتوح" إلى منطق "إعادة بناء نظام إقليمي جديد" يقوم على المصالح المشتركة والاستقرار والتنمية. فربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من التجربة اليابانية. فنهاية الحرب لا تُقاس فقط بمن انتصر ومن انهزم، وإنما بما إذا كانت الأطراف المتصارعة قد امتلكت الشجاعة الكافية لصناعة سلام مختلف عما كان قائمًا قبلها.
وفي هذا السياق، يتطلب نجاح منطق "إعادة بناء نظام إقليمي جديد" (تصبح فيه إيران "يابانه") شروطًا غائبة حتى الآن. وأولها هو وجود إرادة سياسية أمريكية حقيقية لتقديم تسوية شاملة، لا مجرد فرض إملاءات أمنية. وثانيها استعداد إيراني لإعادة النظر في فلسفة التدخل في الشئون الداخلية لدول الجوار بناءً على فكرة "المقاومة الدائمة" بوصفها أساسًا للشرعية الإقليمية. وثالثها، وربما الأهم، معالجة جوهر الصراع في الشرق الأوسط عبر تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، لأن استمرار الاحتلال الإسرائيلي والتوسع الاستيطاني سيظل يولد دورات جديدة من العنف والتطرف.