فى الثامن من أغسطس عام 2017، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من ملعب الجولف الخاص به فى فلوريدا بأن "كوريا الشمالية سوف تشهد ناراً وغضباً لم يشهد العالم لهما مثيلاً[1]"، وذلك رداً على اختبارات كوريا الشمالية النووية خلال هذه المرحلة. شهدت العلاقات بين ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونج اون تحولاً واضحاً لاحقاً بعقد عدد من القمم الثنائية. واعتبر ترامب ذلك نجاحاً نسبه إلى فضل مناروته باستخدام التهديد المبكر[2]، حتى وإن لم تتراجع كوريا الشمالية عن سياساتها. ويشير إليها البعض على أنها أحد الأمثلة على كيفية توظيف ترامب لنظرية "الرجل المجنون" إبان إدارته الأولى[3].
من ذلك الحين، يُطل علينا النقاش حول استراتيجية "الرجل المجنون" فى العلاقات الدولية مع كل تصريح أو تغريدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحمل تهديداً ووعيداً لأطراف تعارض توجهاته وخططه فى النظام الدولي. وقد نال الشرق الأوسط القسط الأكبر من هذه التهديدات وتحديداً حركة "حماس" إبان مفاوضات ما بعد وقف إطلاق النار فى غزة[4]، وإيران منذ أن بدأ التفاوض حول برنامجها النووي عام 2025، وأثناء الحرب الجارية التى بدأت فى 28 فبراير 2026. ويبدو واضحاً أن هذه الاستراتيجية لم تحقق النتائج المطلوبة من وجهة النظر الأمريكية إلى الآن، ورغم ذلك يواصل الرئيس الأمريكي الاعتماد عليها بإطلاق مزيد من التهديدات العنيفة بالعودة للحرب والقضاء على ما تبقى من قوة فى إيران. هذه الدراسة تحاول الإجابة على سؤال: لماذا فشلت استراتيجية "الرجل المجنون" فى تحقيق أهداف ترامب إلى الآن فى الحرب على إيران؟ وهل يمكن إرجاع الفشل لمشاكل هيكلية فى الاستراتيجية سبق وأن حذر منها الباحثون كافة صانعي ومتخذي القرار؟ أما أن هناك أيضاً أسباباً تخص تفرد الحالة الترامبية جعلت أسباب الفشل تمتد لما هو خارج هذه الاستراتيجية؟ للإجابة على هذين السؤالين، سيتم فى البداية التأصيل لاستراتيجية "الرجل المجنون" وقصورها الداخلي الذي قاد للتحذير منها، ثم تطبيق شروط الاستراتيجية على حالة الرئيس الأمريكي فى حربه على إيران.
استراتيجية "الرجل المجنون"
يكاد يكون أهم أكاديمي تناول هذه الاستراتيجية هو المفكر وأستاذ الاقتصاد توماس شيلينج الحائز على جائزة نوبل، والذي بنى هذه الاستراتيجية على فرضية نجاح طرف فى إقناع الأطراف المعادية فى الساحة الدولية بعدم رشادة قراره وبالتالى إمكانية جنوحه لخيارات انتحارية تشمل تدمير الذات[5]، وبذلك يتمكن هذا الطرف من تحقيق أهدافه والحصول على مزاياه تحت وطأة خوف الأطراف الأخرى من صدق تهديداته. ولقد فصل شيلينج فى هذه الاستراتيجية محاولاً تفسير "المنطق وراء غياب العقلانية"، مشيراً إلى أن التظاهر بغياب العقلانية بشكل متعمد له أهداف ومكاسب[6]. ويعد الرئيس ريتشارد نيكسون هو أشهر من تبنى هذه الاستراتيجية نهاية الستينات فى محاولة منه لإنهاء الحرب فى فيتنام بإقناع الولايات المتحدة قادة فيتنام الشمالية بالقبول باتفاق سلام طبقاً للشروط الأمريكية يضمن بقاء فيتنام الجنوبية "غير شيوعية". شرح نيكسون لكبير مساعديه الاستراتيجية مطلقاً عليها اسم نظرية "الرجل المجنون" عام 1968[7]. فى أكتوبر 1968، أطلقت إدارة نيكسون عملية "الرمح العملاق" التى شملت تدريبات متعددة منها إرسال القاذفات الثقيلة بي-52 إلى شمال ولاية ألاسكا باتجاه الاتحاد السوفيتي، لإظهار رغبة الرئيس نيكسون فى استخدام السلاح النووي لإنهاء الحرب فى فيتنام. فشلت العملية فى إقناع السوفيت بما أراده نيكسون والسبب الرئيسي نقص المصداقية فى التحركات الأمريكية التى تمت فى الخفاء دون علم ودعم الرأى العام الأمريكي[8].
لم تدعم أغلب الدراسات التالية لشيلينج الاستراتيجية، حيث أشارت إلى أنها تؤثر على حالة الردع فى النظام الدولى، وأنها تقود لحالة من عدم الاستقرار التى تمثل تحدياً للأمن والسلم الدوليين[9]. وبينما قدمت العديد من الدراسات الانتقادات لهذه الاستراتيجية فإنها فصّلت فى جوانب الاستراتيجية المختلفة للوقوف على تعريفها لمن هو القائد المجنون؟ والذي يمكن تعريفه بأنه القائد غير المتوقع والذي لا تخضع سلوكياته لقواعد الرشادة المألوفة فى العلاقات الدولية[10]، وهنا لابد من التذكير بأن النظرية لا تتحدث عن القائد المجنون ولكنها تركز على القائد الذي يتظاهر بالجنون لتحقيق أهداف محددة ومحسوبة ضمن استراتيجيات أوسع. وهذه كانت حالة نيكسون الذي كان واعياً بسلوكه الخداعي للسوفيت ومخططاً له، وفى حالة خروج سلوكه عن المألوف فإن الفريق المحيط به وعلى رأسه وزير خارجيته ومستشار الأمن القومي هنري كسينجر كان قادراً على توظيف سلوكه لتحقيق أهداف عقلانية. والأهم مما سبق أن نيكسون كان يدور فى فلك استراتيجية كبرى تقوم على احتواء الاتحاد السوفيتي والخطر الشيوعي، ومنع انتشاره طبقاً لنظرية "الدمينو"، أى أن "الجنون" كان وسيلة لغاية استراتيجية واضحة وراسخة فى السياسة الخارجية الأمريكية إبان الحرب الباردة.
أشارت الدراسات التى تناولت هذه الاستراتيجية إلى أن العقبة الرئيسية التى أفشلتها فى العديد من المواقف هي "المصداقية"، أى قدرة طرف على إقناع الآخر بأنه "مجنون" بالفعل أو غير راشد طبقاً للعلاقات الدولية، وأنه قادر على اتخاذ قرارات تصعيدية من شأنها الإضرار بالذات والآخر[11]. فمثال الرئيس نيكسون المذكور أعلاه يشير إلى فشله فى إقناع السوفيت أنه ينوى بالفعل استخدام السلاح النووي لإنهاء الحرب طبقاً لشروطه. تظهر أيضاً عقبة الدعم الداخلي فى النظم الديمقراطية والتى تؤثر بالسلب على هذه الاستراتيجية، حيث أن الرؤساء الذين يتبعون هذه الاستراتيجية يواجهون انتقادات داخلية من المعارضة والرأى العام واتهامات بتعريض أمن الوطن للخطر لأسباب غير منطقية، الأمر الذي دفع نيكسون لتنفيذ عملية "الرمح العملاق" سراً بعيداً عن الرأى العام الأمريكي، وهو ما أعطى انطباعاً للسوفيت بعدم جدية التهديد.
تعد دراسة روزان ماكمانوس عن إعادة تقييم النظرية عام 2019 هى الأهم، حيث حاولت التفرقة بين قادة راشدين يصورون أنفسهم بأنهم يتبنون سياسات خارجية غير راشدة نتيجة تبنيهم لمعتقدات متطرفة (هتلر)، وآخرين يتبنون سياسات متطرفة نتيجة لعدم إدارة عملية صنع القرار طبقاً لحسابات المكسب والخسارة بكفاءة (ترامب). على جانب آخر، فرّقت بين قادة يتبنون سياسات متطرفة بشكل عام تجاه كافة القضايا، وآخرين يتبنون هذه السياسات تجاه قضايا معينة[12]. وطبقاً لماكمانوس، فإن القادة أصحاب المعتقدات المتطرفة تجاه قضايا بعينها هم الأكثر فرصاً فى الحصول على مزايا من اتباع استراتيجية "الرجل المجنون"، حيث أنهم يستخدمون تهديداتهم في مناسبات محددة وبشكل أكثر حدة مما يخلق لهم مصداقية عند الأطراف الأخرى، الذين يقدمون بعض التنازلات تفادياً للمواجهة واسترضاءً له على أمل تحقيق مكاسب من القائد نفسه فى قضايا أخرى[13]. ويعد هتلر مثالاً بارزاً لهذه الحالة فى ضوء المكاسب التى استطاع تحقيقها من الدول الأوروبية التى سمحت له بالتوسع قبل الحرب العالمية الثانية على أمل استرضائه.
ترامب ونظرية الرجل المجنون
يظل السؤال: أين يقع ترامب على خريطة ماكمانوس للقادة؟
الواقع يشير إلى أن ترامب تنقل بين فئتين للقادة: الأولى هى فئة القادة الذين يتبنون سياسات متطرفة نتيجة لعدم إدارة عملية صنع القرار طبقاً لحسابات المكسب والخسارة بكفاءة تجاه قضايا معينة إبان فترة إدارته الأولى. إذ اتسمت سياساته بالتحفظ الشديد تجاه العديد من ملفات السياسة الخارجية، وكان مقيداً بعدد من المساعدين الذين يمثلون المؤسسات والبيروقراطية الأمريكية مثل وزير الدفاع السابق جميس ماتيس، الأمر الذي قاد ترامب لاتخاذ قرارات ثم تأجيلها أو التراجع عنها مثل سحب القوات الأمريكية من سوريا والذي أعلن عنه للمرة الأولى فى ديسمبر 2018 [14]. ويمكن القول بأن ترامب انتقل فى إدارته الثانية إلى فئة القادة الذين يتبنون سياسات متطرفة نتيجة لعدم إدارة عملية صنع القرار طبقاً لحسابات المكسب والخسارة بكفاءة فى كافة سياساته الخارجية. إذ تحرر ترامب من أى ضغوط فى اختيار معاونيه، الأمر الذي قاد لتعيينه وزراء يدينون له بالولاء الشديد ولا يجرءون على معارضته، مع تهميش كبير للبيروقراطية الأمريكية وإعادة هيكلة العديد من المؤسسات، الأمر الذي أطلق يده فى إدارة شئون السياسة الخارجية كما يريد، بشكل اختبر حدود استراتيجية "الرجل المجنون" في حالة فريدة مثل ترامب.
تفرد حالة ترامب يأتى من عدة مصادر، أولها أنه ينسف الفرضية الرئيسية للاستراتيجية التى تقوم على أن القائد واعٍ وراشد فى إدارة سياسته الخارجية ولكنه يتظاهر بعكس ذلك لتحقيق أهداف معينة تخدم استراتيجيات أكبر. وفي حالة ترامب، فإن سياساته التى تتبنى الصفقاتية كمقاربة مستوردة من عالم الأعمال تستبعد المصالح الاستراتيجية[15]، والقيم الكبرى من كافة حساباته بالإضافة لاختزال القضايا وتسطيحها. وهناك العديد من الأمثلة التى توضح هذه النقطة وعلى رأسها الحرب الحالية على إيران. فعلى الرغم من أن تغيير سلوك النظام الإيراني أو إسقاطه هو مصلحة أمريكية، إلا أن السؤال كان دائماً كيف يمكن تحقيق هذا؟. الملفت للنظر أن ما ذكرته تقارير نيويورك تايمز عن كيفية اتخاذ ترامب لقرار الحرب[16] وتوقعه إسقاط النظام بمجرد تغييب قادته، يكشف عدم فهم واضح للنظام الإيراني لأنه لم يدرك الاختلاف بين النظام الفنزويلي ونظيره الإيراني. وهذا ما عبر ترامب عنه فى مناسبات عدة بأنه كان يتوقع سقوط إيران واستسلامها على غرار فنزويلا. ومع تطور العمليات العسكرية فعَّلت إيران سيطرتها على مضيق هرمز كسلاح، وأصبح فتحه دون تحصيل رسوم مطلباً أمريكياً فى المفاوضات الجارية بين الطرفين. لم يدرك ترامب أن النظام الدولى الذى أسست له الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية -والذي يسعى ترامب لتخريبه- كان يجبر إيران على احترام قواعده والرضوخ للعقوبات الدولية على مدار عقود دون محاولة لتفعيل سيطرتها على المضيق كسلاح تستطيع معاقبة العالم من خلاله، ودون أن تتكبد الولايات المتحدة عناء إطلاق طلقة واحدة[17]. اليوم هدم ترامب جزءاً من قواعد هذا النظام الدولى بدعوى أنه لا يحقق المصالح الأمريكية ويحملها عبئاً ثقيلاً، ويتكشف مع الوقت أنه افتراض غير دقيق ولم يٌدرس بشكل كافٍ.
المصدر الثاني لتفرد حالة ترامب يأتى من مسألة المصداقية، فكان من المفترض بما أن ترامب يتبنى- وفقاً لاتجاهات عديدة- سياسات غير عقلانية، أن تتسم تهديداته بالجدية فى عيون أعدائه. إلا أنه افتقد بالفعل للمصداقية فى نظر الجميع أصدقاءً وأعداءً. ولذلك سببان: الأول غموض التهديدات التى يوجهها وعدم منطقيتها. فعلى سبيل المثال، حذر ترامب حركة حماس فى أكثر من مناسبة من أنه سيفتح أبواب الجحيم على غزة إذا لم تنصاع لطلبات إسرائيل[18]، فى الوقت الذي كانت إسرائيل تكثف من هجماتها على القطاع بدون أى ضوابط. والسبب الثاني أن ترامب اعترف فى أكثر مناسبة أنه كذب وتفاخر بذلك ضمن تنفيذه لخطط خداع بالتنسيق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضد حماس وإيران[19]. الأمر الذي يخلق حالة فريدة أمام استراتيجية "الرجل المجنون"، فعلى الرغم من ثقة الجميع فى غياب الرشادة عن سياسات ترامب، إلا أن ذلك لم يقدهم بشكل تلقائي لتصديق تهديداته.
المصدر الثالث لتفرد حالة ترامب هو عنصر التكنولوجيا وحرية المعلومات التى تسمح للرأى العام فى الولايات المتحدة وكذلك الدول الأخرى بالحصول عن معلومات دقيقة عن عملية صنع واتخاذ القرار لدى إدارة ترامب وحدود خياراته. إذ ركزت استراتيجية "الرجل المجنون" تاريخياً على قادة مثل هتلر ونيكسون وصدام حسين ومعمر القذافي، وهم جميعا إما عاشوا عصوراً لم تشهد الثورة التكنولوجية الراهنة، وإما نظم ديكتاتورية لم يكن للداخل وزن حقيق لديهم فى عمليتي صنع واتخاذ القرار[20]. إدارة ترامب الثانية تواجه الضوابط الديمقراطية المعتادة سواء من الإعلام أو الرأى العام، وهو ما ينعكس في قيام كل من واشنطن بوست ونيويورك تايمز وول ستريت جورنال بالكشف عن تفاصيل دقيقة عن عمليتي صنع واتخاذ القرار داخل الإدارة، مما يؤثر على نظرة الرأى العام للإدارة وأدائها ويخلف ضغوطاً يحاول الحزب الديمقراطي استخدامها لكبح جماح الإدارة وطرح مشاريع قوانين تحد من قدرة ترامب على استخدام القوة العسكرية[21]، وحتى إن لم تمر هذه المشاريع وتتحول إلى قوانين، فإنها تسجل مواقف الأعضاء الجمهوريين من الحرب، وهو ما يريده الديمقراطيون لاستخدامه فى انتخابات التجديد النصفي فى نوفمبر القادم. ومن كل هذه التفاعلات ينشأ رهان النظام الإيراني على الكوابح الداخلية لإدارة ترامب بالنظر لانتخابات التجديد النصفي كمثال لانكشاف حدود خيارات الإدارات الأمريكية أمام النظام الإيراني بشكل يقلل من قدرتها على المساومة فى مواجهة الإيرانيين فى المفاوضات.
الحرب على إيران: كيف تحولت استراتيجية الرجل المجنون إلى فخ؟
بعد انتهاء حرب الإثنى عشر يوماً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر فى صيف 2025، كان الجميع يعلم أن هناك جولة أخرى من الحرب ستكون قريبة. فعلى الرغم من تأكيد ترامب فى عدة مناسبات أنه تم تدمير البرنامج النووي الإيراني[22] -مكذباً كافة التقارير والتسريبات التى تشير إلى احتمالية قوية لعدم القضاء على البرنامج النووي- إلا أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تحققا أهدافهما بتغيير سلوك النظام الإيراني أو إسقاطه بالتركيز على قضيتين محوريتين وهما البرنامج الصاروخي الإيراني والدعم الإيراني للتنظيمات المسلحة فى لبنان والعراق واليمن. وعلى الرغم من تركيز وسائل الإعلام على الدور الإسرائيلي فى دفع الولايات المتحدة للدخول في مواجهة عسكرية ثانية مع إيران، إلا أنه لابد من التذكير بأن تغيير سلوك النظام الإيراني هو مصلحة أمريكية، ولكن السؤال الذي كان مطروحاً طوال الوقت هو حول الوسيلة التي يمكن تحقيق ذلك من خلالها. وقد حرص كل الرؤساء الأمريكيين السابقين على تبني الدبلوماسبة بأشكالها المختلفة كوسيلة لتحقيق المصلحة الأمريكية، إلا أن ترامب خالف ذلك وليس مرة واحدة ولكن مرتين متبنياً استراتيجية "الرجل المجنون" خلال مراحل الحرب الحالية المختلفة:
1-اندلاع الحرب
تعكس تصريحات ترامب الانطلاق من ثلاث فرضيات أساسية فى تعامله مع قضايا السياسة الخارجية، أولها: أن التهديدات الصادرة من دول مثل إيران وكوريا الشمالية[23] والحرب على أوكرانيا استمرت بسبب انعدام كفاءة الرؤساء السابقين وليس لأنها قضايا استراتيجية معقدة، وبالتالى فإنه قادر بمهاراته على التعامل معها وحلها. وثانيها: أن ما ينطبق من أساليب مع فنزويلا سيحقق النتائج ذاتها فى إيران[24]، فترامب لا يرى فروقاً بين الأزمات بقدر ما يرى أن النتائج المرجوة يتم استخدام الأساليب ذاتها لها. وثالث هذه الافتراضات أن الرؤساء السابقين تجنبوا استخدام العديد من الأدوات لحل الأزمات بسبب افتقادهم للشجاعة الكافية وليس لعدم نجاعة هذه الأدوات.
بتطبيق هذه الافتراضات على اتخاذ قرار الحرب على إيران، نجد أن ترامب كان متأثراً بما اعتبره نجاحاً لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وتعديل سلوك النظام باعتلاء سيدة لسدة الحكم. اعتبر ترامب وأنصاره أن ما تم هو نجاح مذهل فى التعبير عن القوة الأمريكية دون خسائر تذكر فى الأموال والأرواح، بل استطاع ترامب الحصول على النفط الفنزويلي وبيعه. فى هذه الأجواء، جاء اقتراح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن القيام بعمل مشابه من خلال قطع رؤوس النظام الإيراني بخطة محكمة تجمعمهم في مكان واحد ثم يتم ضربه، ستؤدي إلى النتائج ذاتها سواء يتغيير القيادة الإيرانية أو انقضاض المعارضين على السلطة[25]. إذا ما قارنا هذه التحركات باستراتيجية "الرجل المجنون"، نجد أن ترامب لم يقم بإطلاق التهديدات بل عمل على خداع الإيرانيين من خلال الانخراط فى المباحثات الدبلوماسية على أمل مفاجأتهم. ولكن هذا السيناريو لم ينطل على الإيرانيين لأن ترامب ما لبث وأن اتبعه فى حرب يونيو 2025. وتوضح عملية صنع واتخاذ القرار أن ترامب تبنى سيناريوهات مضللة تعوزها الدقة، وكان على دراية بأنه لا مبرر قوي يبرر الحرب أمام الداخل الأمريكي، لذا كانت خططه تقوم على النجاح فى إسقاط النظام الإيراني خلال عطلة نهاية الأسبوع، حتى يتسنى له التباهي بالنتائج كما حدث فى فنزويلا دون الحديث عن وجود تهديد إيراني حقيقي من عدمه[26]. لكن ترامب ومستشاريه لم ينتبهوا إلى الفارق بين بنية النظام الإيراني والمكون العقائدي فيه، وما يمثله اغتيال أعلى سلطة دينية فيه، وبنية النظام الفنزويلي الذي يعج بالفساد مما تسبب فى تحلل واضح سمح باختطاف الرئيس دون مقاومة حقيقية.
2- تطور العمليات العسكرية
مثّل صمود النظام الإيراني بعد تلقيه الضربة الأولى مفاجأة للإدارة الأمريكية، وعلى الرغم من توسع الولايات المتحدة وإسرائيل فى تنفيذ ضربات جوية تستهدف البنية التحتية الإيرانية وقوات الأمن المحلية، إلا أن ذلك لم يقوض النظام الذي استطاع توجيه ضربات إلى إسرائيل وإلى القواعد العسكرية الأمريكية فى المنطقة. بدأت الحرب تطول أكثر من خطط ترامب، وتبين أن استهداف المرشد واغتياله قاد لتنفيذ الحرس الثوري لتهديداته سواء بضرب القواعد الأمريكية فى دول الخليج، وبعض البنى التحتية المتعلقة بآبار النفط، وأخيراً النجاح فى زرع ألغام مائية فى المجرى الملاحي لمضيق هرمز وإغلاق المضيق فعلياً، ووضعه تحت السيطرة الإيرانية[27]. فعّلت إيران هذه الوضعية للتأثير على مواقف دول العالم، وقد بدا ذلك جلياً فى التغير السريع لمواقف الدول الأوروبية من مساندة الولايات المتحدة وإسرائيل فى بداية الحرب إلى رفض المشاركة بعد طلب الولايات المتحدة الدعم لفتح المضيق[28]. بل استطاعت إيران تصدير نفطها تحت نظر البحرية الأمريكية للتقليل من تأثير إغلاق المضيق على أسعار الطاقة فى العالم. بعبارة أخرى، تحولت أفعال ترامب غير الراشدة باغتيال المرشد إلى فخ للرئيس الأمريكي، فقد رفع الخوف عن قادة الحرس الثوري لتنفيذ تهديداتهم بغلق المضيق واستهداف دول الخليج. مما أدخل المواجهة فيما أسماه روبرت بيب بفخ التصعيد[29]، حيث أكد ترامب عدم تراجعه دون تحقيق أهداف الحرب كما أعاد تعريفها. إذ اعتبر أن النظام تم تغييره باستبدال قادته، وبدأ التركيز على تغيير سلوك النظام الإيراني.
قرر ترامب أثناء عملية التصعيد اللجوء لاستراتيجية "الرجل المجنون" مجدداً بإطلاق تهديدات مختلفة لإجبار النظام الإيراني على الاستسلام لمطالبه، حيث هدد باستهداف البنية التحتية للطاقة فى إيران والجسور وقتل الحضارة الإيرانية بالكامل[30]. وكان هدف ترامب الرئيسي من وراء هذه التهديدات هو إجبار إيران على إعادة فتح مضيق هرمز للملاحة، إلا أن الحالة الخاصة لترامب وغياب المصداقية وقفت حائلاً دون أخذ النظام الإيراني لتهديداته على محمل الجد، الأمر الذي يعد حالة استثنائية فى استراتيجية "الرجل المجنون" التى أكدت أن اقتناع الطرف المقابل بجنون القائد الذي يواجههم يكفي لإقناعهم بجدية تهديداته، إلا أن ذلك لم يحدث فى الحالة الإيرانية بسبب غياب مصداقية ترامب.
لم يكن غياب مصداقية ترامب هو السبب الوحيد لعدم أخذ الإيرانيين لتهديداته بجدية، ولكن تخطيه للحدود الحمراء من اليوم الأول فى الحرب باغتيال المرشد الذي يعد المرجعية الدينية الأعلى فى البلاد، حرر النظام الإيراني من أي خطوط حمراء، فحتى إذا صدّق البعض فى إيران تهديدات ترامب، فإن الاستجابة لطلباته لم تكن فى تقديرهم هو السبيل الأمثل بعد اغتيال المرشد، وهو ما يضيف بعداً جديداً لاستراتيجية "الرجل المجنون"، وهو أن تهديداته تفقد قيمتها إذا أقدم على تنفيذ أحدها أو ما هو أكبر منها. وبعد أن رفض النظام الإيراني الاستجابة لهذه التهديدات اضطر ترامب للتراجع عنها.
3- وقف إطلاق النار والمفاوضات
فى 8 أبريل 2026، تم التوصل لوقف إطلاق نار بين الأطراف المختلفة. ورغم الاختلاف حول شمول لبنان بالاتفاق، إلا أن إيران استطاعت الضغط لشمول لبنان بالاتفاق لاحقاً. لعبت باكستان دوراً محورياً قى التوصل للاتفاق رغم وجود فجوة واضحة بين طلبات الطرفين، حيث تقدمت إيران بورقة من عشر نقاط شملت طلبات عدة منها دفع الولايات المتحدة لتعويضات، والقبول بنظام جديد للملاحة فى مضيق هرمز تحت سيطرة إيران وسلطنة عمان[31]. فى المقابل، تمسكت الولايات المتحدة بمطالبها الخاصة بشأن البرنامجين النووي والصاروخي والأنشطة الإقليمية المزعزعة للاستقرار من جانب إيران. وقد تعرض وقف إطلاق النار للعديد من الاختبارات إلا أنه صمد. ففي اليوم الأول من وقف إطلاق النار ظهر الخلاف حول شمول لبنان من عدمه فى الاتفاق، وما لبث وأن تم ضم لبنان إليه حتى أعلن ترامب فرض حصار على مضيق السفن الإيرانية فى مضيق هرمز فى 13 أبريل ليضع الإيرانيين تحت ضغط اقتصادي أثناء المفاوضات[32]. وتبع ذلك العديد من الانتهاكات لوقف إطلاق النار.
من جانبه، حاول ترامب التأثير على سير المفاوضات من خلال التهديد من حين لآخر باستئناف الحرب، وفتح مضيق هرمز بالقوة والقضاء على قطاع الطاقة فى إيران. إلا أن الإيرانيين قابلوا هذه التهديدات بالتركيز على مطالبهم من المفاوضات مع رفض أي سقف زمني أو شروط أمريكية. وهكذا، فشلت استراتيجية "الرجل المجنون" مرة أخرى فى هذا الصراع رغم أن ترامب خفّض من سقف تهديداته ليجعلها واضحة وممكنة التنفيذ على أمل أن تؤثر على سلوك الإيرانيين، وهذا ما لم يحدث لعدة أسباب أهمها إدراك الإيرانيين لحدود القيود الداخلية المفروضة على ترامب، وقدرة إيران على رفع أسعار النفط حول العالم وفى الولايات المتحدة مما سيؤثر حتماً على الوضع الاقتصادي الداخلي ويُقوِّض فرص الحزب الجمهوري فى انتخابات التجديد النصفي. هذا إلى جانب الأسباب السابق الإشارة إليها بشأن اغتيال المرشد الأعلى وغياب المصداقية لدى ترامب.
ختاماً، لا تمثل حالة ترامب استثناءً على القواعد العامة لاستراتيجية "الرجل المجنون"، ولكنه طرح عدداً من الأبعاد الاستثنائية للاستراتيجية. فقد رسّخ ترامب صورته كمثال لحالة القائد الخارج على قواعد العقلانية فى جميع سياسياته Dispositional Deviation على غرار معمر القذافي وصدام حسين، والذين لم ينجحوا فى تحقيق أي مكاسب من هذه الاستراتيجية ووضعت قيود واضحة على قدرتهم على التفاوض والمساومة، والسبب فى ذلك أن خصومهم رأوا أن الاستجابة لمطالبهم لن تقود إلى احتوائهم، لكن ستقود إلى مزيد من التطرف. ويعد ذلك أحد الأسباب الرئيسية لفشل تبني استراتيجية "الرجل المجنون" خلال مراحل معينة من الحرب والمفاوضات مع إيران.
ولكن فى السياق ذاته، طرحت أبعاد استثنائية مثل أن مصداقية تهديدات ترامب لم ترتبط فقط بتصديق الطرف الآخر (إيران) لها، ولكنها ارتبطت أكثر بغموض بعض التهديدات، والإقدام على تنفيذ أخطرها. أيضاً لعبت التكنولوجيا والسهولة فى انتقال المعلومات دوراً هاماً فى تمكين الإيرانيين من الوقوف على حقيقة الوضع الداخلى فى الولايات المتحدة وعملية اتخاذ القرار التى أدت لدخول الولايات المتحدة إلى الحرب، وحدود الخيارات المطروحة أمام ترامب، وهو ما انعكس فى تهديد رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف للمواطنين الامريكيين بزيادة أسعار النفط.
كل ذلك يكشف أن استراتيجية "الرجل المجنون" فشلت فى التعامل الأمريكي مع إيران ليس بسبب القصور الداخلى فى الاستراتيجية التى لا تمكن قادة من نوعية ترامب من تحقيق المكاسب المرجوة فى أغلب الأوقات، ولكن أيضاً لأسباب متعلقة بتفرد حالة ترامب التى أثرت على مصداقية تهديداته بشدة.
[1] Jim Sciutto, Barbara Starr, and Zachary Cohen, “Trump Promises North Korea ‘fire and Fury’ over Nuke Threat | CNN Politics,” CNN, August 9, 2017, https://www.cnn.com/2017/08/08/politics/north-korea-missile-ready-nuclear-weapons.
[2] Joshua Fitt, “Stop Calling the Donald Trump-Kim Jong-Un Relationship a Bromance,” CNAS, September 28, 2020, https://www.cnas.org/publications/commentary/stop-calling-the-donald-trump-kim-jong-un-relationship-a-bromance.
[3] Joshua A. Schwartz, “Madman or Mad Genius? The International Benefits and Domestic Costs of the Madman Strategy,” Security Studies 32, no. 2 (March 15, 2023): 271–305, https://doi.org/10.1080/09636412.2023.2197619.
[4] Alexander Cornwell and Nidal Al-Mughrabi, “Trump Threatens Hamas amid Push towards next Steps of Gaza Truce | Reuters,” Reuters, October 22, 2025, https://www.reuters.com/world/middle-east/vance-visit-israel-with-gaza-ceasefire-uncertain-2025-10-21/.
[5] Thomas C. Schelling, The Strategy of Conflict (Hassell Street Press, NY: Oxford University Press, 2022).
[7] Joshua A. Schwartz, Op Cit.
[8] Scott D. Sagan and Jeremi Suri, “The Madman Nuclear Alert: Secrecy, Signaling, and Safety in October 1969,” International Security 27, no. 4 (Spring 2003): 150–183.
[9] Roseanne W. McManus, “Crazy Like a Fox? Are Leaders with Reputations for Madness More Successful at International Coercion?” British Journal of Political Science 51, no. 1 (January 2021).
[11] Roseanne W. McManus, “Revisiting the Madman Theory: Evaluating the Impact of Different Forms of Perceived Madness in Coercive Bargaining,” Security Studies 28, no. 5 (October–December 2019): 976–1009.
[14] Max Hoffman, “Trump’s Syria Shambles - Center for American Progress,” Center for American Progress, October 24, 2019, https://www.americanprogress.org/article/trumps-syria-shambles/.
[15] Ravi Agrawal, “Trump Is Ushering in a More Transactional World,” Foreign Policy, January 7, 2025, https://foreignpolicy.com/2025/01/07/trump-transactional-global-system-us-allies-markets-tariffs/.
[16] Jonathan Swan and Maggie Haberman, “How Trump Took the U.S. to War with Iran - The New York Times,” New York Times, April 7, 2026, https://www.nytimes.com/2026/04/07/us/politics/trump-iran-war.html.
[17] Ahmed Nabil, “Populism and Self-Sabotage: Beyond the Weaponization of the Hormuz Strait,” THE PUNDIT, April 19, 2026, https://thepundit.org/2026/04/19/populism-and-self-sabotage-beyond-the-weaponization-of-the-hormuz-strait/.
[18] Callum Sutherland, “Trump Threatens ‘hell’ on Hamas If They Don’t Accept Deal | Time,” Time, October 3, 2025, https://time.com/7323101/trump-warning-hamas-gaza-peace-deal-deadline/.
[19] Michael Doran, “The Ultimate Deception: How Trump and Bibi Outfoxed Iran,” Hudson Institute, June 13, 2025, https://www.hudson.org/missile-defense/ultimate-deception-how-trump-bibi-outfoxed-iran-michael-doran.
[20] Roseanne W. McManus, op. cit.
[21] Megan Minero, “Senate Votes to Take up Measure to Force Trump to End Iran War - The New York Times,” New York Times, May 19, 2026, https://www.nytimes.com/2026/05/19/us/politics/senate-iran-war-authorization.html.
[22] The White House, “Iran’s Nuclear Facilities Have Been Obliterated - and Suggestions Otherwise Are Fake News,” The White House, June 25, 2025, https://www.whitehouse.gov/releases/2025/06/irans-nuclear-facilities-have-been-obliterated-and-suggestions-otherwise-are-fake-news/.
[23] Tony Shaffer, “Donald Trump Puts Past Presidents to Shame with North Korea Policies,” The Hill, February 3, 2019, https://thehill.com/opinion/international/432343-donald-trump-puts-past-presidents-to-shame-with-north-korea-policies/.
[24] Mostafa Salem, “As Venezuela Buckles under Trump, Iran Sees an Uncomfortable Parallel,” CNN, January 7, 2026, https://www.cnn.com/2026/01/07/world/venezuela-iran-parallel-trump-latam-intl.
[25] Jonathan Swan and Maggie Haberman, op. cit.
[27] Tom Nichols, “Trump Had No Plan B for Iran,” The Atlantic, March 20, 2026, https://www.theatlantic.com/ideas/2026/03/trump-iran-war/686470/.
[28] Romain Fathi, “How the War in Iran Has Brought European Countries Closer Together – without Trump,” The Conversation, April 21, 2026, https://theconversation.com/how-the-war-in-iran-has-brought-european-countries-closer-together-without-trump-281025.
[29] Robert Pape, “Why Escalation Trap Exists,” Why Escalation Trap Exists - by Prof Robert Pape, May 14, 2026, https://escalationtrap.substack.com/p/why-escalation-trap-exists.
[30] Mathias Risse, “‘A Whole Civilization Will Die Tonight:’ The Day the American President Threatened Genocide | Carr-Ryan Center for Human Rights,” Harvard Kennedy School, April 8, 2026, https://www.hks.harvard.edu/centers/carr-ryan/our-work/carr-ryan-commentary/whole-civilization-will-die-tonight-day-american.
[31] Al Jazeera Staff, “Has Iran’s 10-Point Plan Changed, as JD Vance Claims?,” Al Jazeera, April 9, 2026, https://www.aljazeera.com/news/2026/4/9/has-irans-10-point-plan-changed-as-jd-vance-claims.
[32] Ben Finley, David Klepper, and Konstantin Toropin, “Trump Likes a Naval Blockade. but Iran Presents Major Differences from Venezuela and Cuba,” PBS, April 23, 2026, https://www.pbs.org/newshour/world/trump-likes-a-naval-blockade-but-iran-presents-major-differences-from-venezuela-and-cuba.