د. رابحة سيف علام

خبيرة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

 

لم يتصور أكثر المتشائمين المراقبين للمشهد السوري أن من سيتسلم حكم دمشق عقب سقوط نظام الأسد ستكون إحدى التنظيمات المتطرفة العنيفة التي أسهمت في حرف الثورة السورية عن مسارها السلمي الذي بدأت به في عام 2011. ولكن في الوقت نفسه، فإن السياقين السياسي والعسكري السوري شهدا الكثير من التغيرات التي سمحت بتحول أدوار الفاعلين السياسيين والعسكريين وغيرت من طبيعتهم وأوزانهم النسبية بما أسهم في إنتاج مشهد مغاير تمامًا لما كان عليه الحال منذ أكثر من خمسة عشر عامًا.

ينظر هذا العدد بشكل خاص إلى تحولات المشهد السوري وكيف تأثر فضاء الإرهاب والتطرف العنيف بالتغيرات الكبرى المترتبة على سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024. في البداية، تقدم دراسة العدد رؤية شاملة للتحديات التي تواجه سوريا الجديدة في مرحلة الانتقال السياسي، وتركز بشكل أساسي على خريطة التحديات الأمنية، سواء تلك المنطلقة من تعقيدات سوريا الداخلية أو تلك التي تهددها من محيطها الإقليمي.

وقد شهدت هيئة تحرير الشام تحولات متعددة، في السنوات الأخيرة، بما مكنّها من تزعم التحالف العسكري الذي نجح في إسقاط نظام الأسد. وتاليًا تلقت الهيئة دعمًا من أطراف متعددة، ما ساعدها على الخروج من التصنيفات الخاصة بالتنظيمات الإرهابية العالمية. وإزاء هذه التحولات الفكرية، التي خاضتها هيئة تحرير الشام، يبدأ ملف العدد بإبراز تيارين أساسيين، الأول يرى أن هذه التحولات حقيقية ومؤثرة في مسلكها وسياساتها، ولكنها لا تزال في طور التكشف، وهو الطرح الذي يقدمه مقال «تحولات أحمد الشرع: مسار الخروج من السلفية الجهادية». فيما يرى التيار الآخر أن هذه التحولات لن تخرج عن التناقضات الفكرية التي ينتجها تيار الإسلام السياسي في معرض ممارسته للتقية السياسية أو ازدواجية الخطاب، وهو الطرح الذي قدمه مقال «الشرع أم الجولاني لأي نسخه المتناقضة سينحاز رئيس سوريا؟».

وإزاء المشهد السوري الجديد تبرز مسألة إدارة الخطابات في الفضاء العام، ومنها ما يتعلق باستخدام التاريخ كسلاح للإقصاء أو مصادرة المشهد ومخاطره على السلم الأهلي وخطوات بناء دولة ما بعد الأسد، وهو الطرح الذي يناقشه مقال «الخطاب الأموي وإعادة إنتاج الغلبة في سوريا الجديدة». فضلاً عن مسألة إدارة الخطاب الديني في سوريا الجديدة وما ينطوي عليه من تحديات التعدد وإدارة التنوع، وهو الطرح الذي يناقشه باستفاضة ويوصي بشأنه مقال «الخطاب الديني في سوريا الجديدة وتحديات التعدد والإدارة».

فيما نشأت عن تحولات هيئة تحرير الشام مجموعة أخرى من التحديات المتعلقة بإرث الماضي الثقيل، وما تطرحه من عقبات في طريق دورها الجديد الذي تمارسه من موقع السلطة. حيث يناقش مقال «المقاتلون الأجانب في سوريا بوصلة الولاء والانتماء» تحدي إدارة هؤلاء المقاتلين وكيفية التعامل معهم أمنيًا وعسكريًا وحتى دبلوماسيًا في إطار التواصل مع الدول التي ينتمون إليها. فيما يناقش مقال «إلى أين يتجه النشاط الإرهابي في سوريا الجديدة؟» مستجدات فضاء الإرهاب والتطرف العنيف بعدما غادرته هيئة تحرير الشام وتسلمت بدلاً منه موقع السلطة في دمشق، إذن من بقى في هذا الفضاء للسيطرة عليه وزعزعة أمن واستقرار سوريا الجديدة؟!

فيما يناقش مقال «اقتصاد سوريا الجديدة بين تحديات بناء المؤسسات وإعادة الإعمار» معضلات إنعاش الاقتصاد السوري من حيث تقييم الخسائر، وتحديد الأولويات، وتصنيف مصادر التمويل وجدولتها ومحددات جذبها في ظل عدم اليقين بشأن سرعة التعافي أو خطوات إعادة الإعمار.

وفي سياق قضايا تحليلية، تمت مناقشة مجموعة من الطروحات المؤثرة بشكل مباشر في تطورات المشهد السوري حيث تتم الإحاطة به من أبعاده الإقليمية والدولية المتعددة. فيناقش مقال «كيف يؤثر الدعم الأمريكي لحكومة الشرع في مستقبل الجماعات المسلحة في سوريا؟» أهمية التصور الأمريكي في إنجاح نموذج الوصول للسلطة الذي قدمته هيئة تحرير الشام. ويستعرض مقال «الوجود الروسي في سوريا فرص وتحديات البقاء» مستقبل الدور الروسي في سوريا الجديدة من منطلقات المصلحة الاستراتيجية وإعادة اختراع مسوغات بقاء النفوذ الروسي. كما يناقش مقال «الدور التركي في الشراكة مع السلطة السورية الجديدة» خطوات تبني أنقرة لنهج الشراكة والدعم المطلق لسوريا الجديدة. فيما يسلط مقال «السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا الجديدة.. تناقضات الدور والسردية» الضوء على التهديدات والممارسات التي تطرحها إسرائيل في مواجهة مستجدات المشهد السوري ما بعد سقوط الأسد.

أما من حيث المواجهات، فيناقش العدد ركنًا مهمًا من أركان سياسة سوريا الجديدة في مواجهة الإرهاب، من خلال مقال «مخيمات الاحتجاز السورية بين تفكيك «الهول» والخوف من عودة «داعش» الذي يقيّم خطوات الحكومة السورية إزاء سجناء «داعش» وعائلاتهم، ويحدد نواقص هذه السياسة. فيما يختتم العدد بمناقشة قضية الميل نحو التطرف ثم العدول عنه عبر تسليط الضوء على مسيرة الفنان فضل شاكر من خلال مقال «صحَّاك الشوق: إعادة قراءة مساحات الفن والشهرة بين التطرف والتسييس والتغييب».

بالنظر إلى التحولات المتعددة التي طرأت على المشهد السوري منذ لحظة سقوط نظام الأسد، فإن سوريا لا تزال مرشحة لسيناريوهات متعددة ومسارات متنوعة للتحول، فيركز العدد على نقاط التماس مع فضاء الإرهاب والتطرف العنيف، وكيف تأثر عندما غادرته هيئة تحرير الشام؟ وكيف تأثرت الهيئة نفسها عندما غادرته؟ وإلى أي مدى قد غادرته الهيئة بالفعل؟ وكيف ينعكس ذلك على الفضاء السوري العام وفضاء الخطاب الديني بشكل خاص؟ وما التحديات التي تواجهها السلطة الجديدة في المجال الاقتصادي وإعادة الإعمار، وإدارة التحديات الأمنية، وحصر السلاح بيد السلطة الجديدة. فضلًا عن تحدي مكافحة الإرهاب عبر إدارة ملف المقاتلين الأجانب أو الاستجابة لمصادر التهديدات الإرهابية أو التعامل مع إرث الماضي؟ ولكن سوريا ليست بمعزل عن تحولات دولية وإقليمية أوسع تؤثر فيها وتتأثر بها. ولذا، كان من الأهمية بمكان النظر إلى اللاعبين الدوليين والإقليميين المؤثرين في المشهد السوري، لا سيما أمريكا وروسيا وتركيا وإسرائيل للوقوف على تصوراتهم عن التطورات السورية ومدى تأثيرهم فيها، فيما جاء تسليط الضوء على مسار وتحولات فضل شاكر بمنزلة أنسنة لمسار الميل للتطرف والعدول عنه لفهم تداعياته في المجال الشخصي لفنان مؤثر، وليس فقط في المجال الاستراتيجي لاتجاهات التنظيمات والدول.