أحمد عليبه

باحث متخصص في الأمن والدفاع

 

يرتهن الشرق الأوسط بصورة متزايدة لتفاعلات وسياسات قوى دولية وإقليمية متشابكة، في ظل وجود منظمات سياسية إقليمية ذات طابع تنسيقي محدود الفاعلية، مقابل غياب شبه تام لمنظومة أمن إقليمي قادرة على إدارة التوازنات والصراعات بصورة مؤسسية مستدامة. وتبدو هذه الفجوة بين حجم التحديات الأمنية وضعف الاستجابة المؤسسية لها هي "الحلقة المفقودة" في معادلة الأمن الإقليمي، التي تسعى هذه الدراسة إلى تشخيصها وفهم أسبابها البنيوية العميقة.

فمنذ نهاية الحرب الباردة، ومع تصاعد موجات الصراع والتدخل الإقليمي، تراكمت تساؤلات جوهرية حول طبيعة الأمن في الشرق الأوسط: لماذا تفشل الترتيبات الأمنية الإقليمية في إنتاج استقرار دائم؟، وهل يمكن الحديث أصلاً عن أمن جماعي في بيئة تتسم بهذا القدر من السيولة والتشابك وعدم اليقين؟، وما الذي يدفع الدول إلى التعاون في ملفات بعينها بينما تتنافس بحدة في ملفات أخرى؟، وهل ثمة نمط جديد من الترتيبات الأمنية يتشكّل داخل الإقليم خارج أطر النظرية التقليدية؟

تنطلق هذه الدراسة من فرضية أن الإجابة عن هذه التساؤلات لا تكمن في البحث عن نموذج أمني جاهز يمكن استيراده أو تطبيقه، وإنما في فهم البيئة الاستراتيجية الشرق أوسطية بتحولاتها البنيوية العميقة، وما تفرضه من منطق مغاير لمقاربات الأمن التقليدية. وعليه، تسعى الدراسة إلى تقديم مقاربة تفسيرية متكاملة تربط بين الأطر النظرية في العلاقات الدولية والمعطيات الميدانية الراهنة، بهدف فهم كيف يُعاد تشكيل مفهوم الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، وما هي الترتيبات الأكثر واقعية وقابلية للاستدامة في ظل بيئة لا تتوقف عن التحول.

أولاً: إشكالية الأمن الإقليمي وتحولات البيئة الاستراتيجية

تُعد إشكالية الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط من أكثر الإشكاليات تعقيداً في حقل العلاقات الدولية، نظراً لارتباطها ببيئة استراتيجية تتداخل فيها الصراعات الجيوسياسية، والتوازنات غير المستقرة، وتعدد الفاعلين الرسميين وغير الرسميين، فضلاً عن تشابك التأثيرات الدولية والإقليمية في منظومة واحدة يصعب فصل مستوياتها أو عزل متغيراتها.

وبالتطبيق على منظور الواقعية البنيوية (Structural Realism - Neorealism) لكينيث والتز (Kenneth Waltz)، يظل سلوك الدول في الإقليم محكوماً باعتبارات البقاء وتعظيم القوة وإدارة التهديدات، في ظل غياب سلطة مركزية قادرة على فرض الاستقرار أو إنتاج نظام أمني ملزم. فالفوضى الدولية بوصفها السمة البنيوية الجوهرية للنظام الدولي تدفع الدول إلى الاعتماد على الذات في تأمين بقائها، وتعقد التعاون حين تتقاطع المصالح، إذ يبقى الشك في نوايا الآخرين عائقاً بنيوياً أمام أي ترتيب أمني مستقر.[1]

كما تعكس حالة انعدام الثقة المستمرة ما تشير إليه الواقعية الهجومية (Offensive Realism) لدى جون ميرشايمر (John Mearsheimer) بشأن صعوبة الاطمئنان المتبادل بين الدول داخل البيئات الفوضوية، إذ يدفع منطق البقاء كل طرف إلى تفسير إجراءات الآخر الدفاعية باعتبارها تهديداً وجودياً يستوجب الرد، فتتولد بذلك دوائر متجددة من التسلح وإعادة الاصطفاف لا تنتهي بتسوية بل تفضي إلى توازنات هشة قائمة على حافة الهاوية[2].

غير أن التحولات التي يشهدها الإقليم خلال السنوات الأخيرة تكشف أن المقاربات الواقعية التقليدية، رغم أهميتها في تفسير الصراع من مقاربة القوة الصلبة، لم تعد كافية وحدها لفهم الطبيعة المتغيرة للبيئة الأمنية، التي باتت تتسم بدرجة مرتفعة من السيولة والتشابك وعدم اليقين.

فالحرب في غزة منذ أكتوبر 2023، وما ارتبط بها من اتساع نطاق التوتر إلى البحر الأحمر ولبنان والعراق وسوريا، أظهرت أن الأمن الإقليمي لم يعد محكوماً فقط بعلاقات الدول، بل بشبكات متداخلة من الفاعلين من غير الدول، التي باتت قادرة على التأثير في توازنات الردع وأمن الممرات الاستراتيجية الدولية، وكذلك في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية. وفي هذا الصدد، برز مؤشر انتشار الفاعلين المسلحين من غير الدول بوصفه أحد أبرز مظاهر التحول في البيئة الأمنية الإقليمية.

لقد شهد الشرق الأوسط على مدار عقد كامل من الصراعات وحتى ذروة التوترات الإقليمية في عام 2025 انتشار أكثر من خمسة آلاف ميليشيا وتنظيم مسلح وفق تقديرات وتقارير أممية، استحوذت سوريا وحدها على ما يزيد على 70% منها قبل تغير النظام السوري في سبتمبر 2024، بينما توزع الباقي على دول مثل العراق ولبنان واليمن والسودان وليبيا، إذ يضم العراق أكثر من 220 فصيلاً مسلحاً، فيما تضم ليبيا ما يقارب 110 تشكيلات مسلحة. ورغم أن تغير النظام السوري أسهم في انكماش هذه الظاهرة نسبياً، فإنها لم تنته بالكامل، بما يعكس استمرار أزمة احتكار القوة وتراجع مركزية الدولة في عدد من دول الإقليم.

كمثال آخر؛ وعلى صعيد التهديدات غير التقليدية، كشفت الهجمات الحوثية على الملاحة الدولية في البحر الأحمر عام 2025 عن تصاعد التهديدات غير التقليدية، وقدرة الفاعلين غير الرسميين على التأثير في الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والطاقة، بما يؤكد أن التهديدات الأمنية باتت عابرة للحدود وتتجاوز الأطر التقليدية للصراع بين الدول. وفي السياق ذاته، برزت الحروب السيبرانية والطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي العسكري كأدوات جديدة لإدارة الصراع الإقليمي، بما يعكس انتقال البيئة الاستراتيجية إلى أنماط من "الحروب الهجينة" التي تمزج بين القوة العسكرية التقليدية، والحرب المعلوماتية، والقدرات التكنولوجية المتقدمة.

وتكشف هذه المعطيات مجتمعة أن البيئة الأمنية الإقليمية انتقلت من حالة يمكن فيها رسم خطوط فاصلة بين التهديدات والفاعلين والمستويات، إلى حالة من السيولة البنيوية التي تتداخل فيها التهديدات التقليدية وغير التقليدية، وتتشابك فيها المستويات المحلية والإقليمية والدولية بصورة تجعل أي تحليل أحادي البعد قاصراً عن استيعاب الصورة الكاملة للمشهد، وهو ما يستدعي مقاربات تفسيرية أكثر تركيباً تستوعب التشابك المتزايد بين الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا والجغرافيا في تشكيل البيئة الاستراتيجية الراهنة.

ثانياً: السيولة الاستراتيجية ومنطق الفوضى والتعقيد

تبدو التفاعلات الأمنية في الشرق الأوسط أقرب إلى ما وصفه جيمس روزناو (James Rosenau) في كتابه "الاضطرابات في السياسة العالمية" (Turbulence in World Politics, 1990) بحالة الاضطراب العالمي (Turbulence)، حيث تتداخل المستويات المحلية والإقليمية والدولية بصورة يصعب معها إنتاج توازنات مستقرة[3]. ويظهر ذلك بوضوح في تفاعل أزمات تبدو في ظاهرها محلية، لكنها سرعان ما تتحول إلى أزمات إقليمية ودولية مترابطة، كما حدث في الحرب في غزة منذ أكتوبر 2023، التي امتدت تداعياتها إلى البحر الأحمر ولبنان والعراق وسوريا، وأثرت بصورة مباشرة في أمن الملاحة الدولية وأسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية.

كما تقترب هذه البيئة من مقاربات الأنظمة المعقدة (Complex Systems) لدى روبرت جيرفيس (Robert Jervis)، التي تفترض أن التفاعلات غير الخطية قد تدفع أحداثاً محدودة إلى إنتاج تداعيات استراتيجية واسعة النطاق، لا سيما من خلال النتائج غير المقصودة التي كثيراً ما تتجاوز في أثرها الاستراتيجي الحسابات الأوّلية للفاعلين أنفسهم[4]. ومن ثم، فإن الإقليم لا يعيش حالة "فوضى" بمعنى غياب النظام بصورة مطلقة، وإنما يعيش حالة من "الفوضى المنظمة" أو "اللااستقرار البنيوي"، حيث تتولد أنماط متغيرة من التفاعلات والتحالفات والتهديدات بصورة مستمرة، دون أن تستقر ضمن توازنات دائمة أو قواعد راسخة. ويتجلى ذلك في التحولات السريعة لأنماط الاصطفاف الإقليمي، فبعض الدول قد تنتقل من حالة التنافس الحاد إلى التهدئة المؤقتة، على غرار ما جرى في التقارب السعودي–الإيراني (اتفاق بكين، مارس 2023)، ثم تعود مجدداً إلى سياسات الاحتواء المتبادل نتيجة تطورات ميدانية أو أمنية جديدة كما حدث مع اندلاع حرب إيران 2026.

وفي مثل هذه البيئات، قد تؤدي متغيرات محدودة أو أحداث موضعية إلى تداعيات استراتيجية واسعة النطاق، نتيجة التشابك الكثيف بين الفاعلين والأزمات والملفات الأمنية. فعلى سبيل المثال، فقد أدى إعادة تشكيل النظام السوري إلى إعادة تشكيل جزئية لخريطة النفوذ الإقليمي، وتغير حسابات القوى الإقليمية والدولية داخل سوريا ومحيطها[5]، وهو ما يجسّد بدقة ما يعنيه جيرفيس بالنتائج غير المقصودة في الأنظمة المعقدة.

أيضاً، تقترب البيئة الإقليمية من مفهوم "مجتمع المخاطر" (Risk Society) لأولريش بيك (Ulrich Beck) وإن كان هذا المفهوم قد نشأ أصلاً في سياق مجتمعات ما بعد الصناعة ومخاطر التحديث الغربي، فإن جوهره المتعلق بانتقال وظيفة الدولة من إزالة التهديدات إلى إدارة المخاطر وعدم اليقين ينطبق بصورة لافتة على البيئة الأمنية الشرق أوسطية الراهنة[6].

ومن ثم، تتحول وظيفة الدولة تدريجياً من السعى إلى إزالة التهديدات بصورة نهائية إلى إدارة مستويات المخاطر وتقليل الهشاشة الاستراتيجية داخل بيئة تتسم بالتقلب والتغير المستمر. وفي هذا الإطار، تعكس خريطة الصراعات والأزمات الإقليمية اتساع نطاق البيئات الهشة؛ فوفقاً لمؤشر السلام العالمي لعام 2026، تقع ثمانية دول على الأقل في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ضمن دائرة المخاطر (Risk Level)، وهي إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن والسودان وليبيا وإسرائيل- لا يشير التقرير إلى فلسطين رغم كونها إحدى بؤر الصراع الرئيسية في الإقليم- وتفوق مساحة المناطق المتأثرة بالصراعات والأزمات أكثر من نصف جغرافيا الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بما يعكس اتساع المجال الجغرافي للهشاشة وعدم الاستقرار.

وفي المقابل، تعكس التحولات الراهنة ما تشير إليه أدبيات "عدم اليقين الاستراتيجي" (Strategic Uncertainty)  كما يرى لورانس فريدمان (Lawrence Freedman) بشأن تراجع القدرة على بناء تقديرات مستقرة للتهديدات والتحالفات وأنماط الصراع[7]. ويعكس "عدم اليقين الاستراتيجي" غموض سلوك الفاعلين، وانعدام القدرة على توقعه نتيجة السرعة المتزايدة للتحولات والتفاعلات، وتعدد مراكز التأثير، وتشابك مستويات الصراع المحلي والإقليمي والدولي. ويظهر ذلك في صعوبة توقع نهاية الحرب مع إيران على سبيل المثال. وربما يدفع الدول إلى تبني سياسات أمنية أكثر مرونة وسيولة تقوم على إدارة المفاجآت واحتواء المخاطر، بدلاً من الاعتماد على افتراضات الردع المستقر أو التوازنات طويلة الأمد.

ثالثاً: معضلة الأمن وغياب نموذج الأمن الجماعي

لا يوصف الشرق الأوسط باعتباره نظاماً إقليمياً مستقراً، وإنما يتكرر توصيفه كإقليم "قيد إعادة التشكل"، بما يعكس حالة السيولة الاستراتيجية المستمرة. فالإقليم لا يعمل وفق نموذج متماسك قائم على قواعد مشتركة أو هياكل أمن جماعي واضحة، بقدر ما يمثل ساحة مفتوحة لتفاعلات متشابكة بين قوى إقليمية ودولية متعددة، تتنافس على النفوذ وتتباين في إدراكاتها للتهديد وأولوياتها الاستراتيجية. وتظل الثقافة الأمنية السائدة محكومة بمنطق "المجال الحيوي"، الذي يقوم على تمديد النفوذ خارج الحدود الوطنية باعتباره شرطاً للأمن والمكانة الإقليمية مع أولوية واضحة للقوة الصلبة والعسكرة، وهو منطق يدفع القوى المختلفة إلى التعامل مع الأمن باعتباره لعبة صفرية تقوم على تقليص نفوذ الآخرين أكثر من بناء توازنات مستقرة ومستدامة[8].

كما أن غياب تعريف إقليمي موحد للتهديدات يزيد من صعوبة بناء ترتيبات أمنية مستقرة؛ فبينما تركز بعض الدول على احتواء النفوذ الإيراني، تنظر دول أخرى إلى الجماعات المسلحة العابرة للحدود باعتبارها التهديد الأكثر إلحاحاً، في حين تضع قوى أخرى أمن البحر الأحمر والطاقة والتكنولوجيا ضمن أولوياتها الاستراتيجية، وهو ما يصعب معه بناء توافق إقليمي حول أي ترتيب أمني مشترك في غياب تصور موحد للتهديد.

وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من مقاربة غراهام أليسون (Graham Allison)، خصوصاً نموذج "السياسة البيروقراطية" (Bureaucratic Politics Model)، لفهم كيف أن السياسات الأمنية في الشرق الأوسط لا تصاغ دائماً عبر قرار استراتيجي موحد، وإنما تتأثر بتعدد مراكز القوة داخل الدولة ذاتها، وتنافس المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية على النفوذ وصناعة القرار[9] .

ومن زاوية أخرى، تقترب البيئة الإقليمية من فكرة "فخ ثيوسيديدس" (Thucydides Trap)، التي تشير إلى احتمالات التصعيد الناتجة عن التحولات في موازين القوى وصعود قوى إقليمية جديدة أو إعادة تموضع قوى قائمة[10]. غير أن تطبيق هذا المفهوم على الشرق الأوسط يكشف عن نسخة أكثر تعقيداً من النموذج الكلاسيكي، إذ لا يواجه الإقليم فخاً واحداً بل ثلاثة فخاخ متداخلة تتغذى على بعضها وتضخم من تداعياتها المتبادلة.

الأول: التنافس الإيراني–الإسرائيلي

تمثل العلاقة الإيرانية–الإسرائيلية النموذج الأكثر وضوحاً لفخ ثيوسيديدس في المنطقة. فإيران لا تسعى إلى تحدي إسرائيل عبر مواجهة عسكرية مباشرة فحسب، بل عبر بناء عمق استراتيجي ممتد يجعل التهديد متعدد الجبهات ومتوزعاً جغرافياً في محطيها، من جنوب لبنان إلى غزة وسوريا والعراق واليمن، منتهجة بذلك منطق "الردع بالاستنزاف" بديلاً عن منطق "الردع بالتدمير". وفي المقابل، تنطلق الاستراتيجية الإسرائيلية من قلق وجودي متصاعد إزاء احتمال امتلاك إيران قدرات نووية، مما دفعها إلى تبني عقيدة "المعركة بين الحروب" القائمة على الضربات الاستباقية والعمليات السيبرانية، بهدف تعطيل البرنامج النووي الإيراني وإضعاف شبكة الوكلاء قبل أن تتحول إلى تهديد وجودي مكتمل حيث كشفت جولات التصعيد المتبادل في عامي 2025 و2026 أن عتبة الاستجابة تتآكل مع كل جولة، في ظل غياب قناة دبلوماسية فعالة أو آلية للتهدئة قادرة على امتصاص صدمات التصعيد قبل بلوغها نقطة اللاعودة.

الثاني: إعادة التموضع التركي الإقليمي والتنافس مع إسرائيل

يعكس الدور التركي المتنامي بعداً مختلفاً من أبعاد فخ ثيوسيديدس في المنطقة، إذ لا يقوم على تنافس عسكري مباشر بقدر ما يقوم على منافسة في إعادة تعريف هوية الإقليم وقيادته. فتركيا باتت تنتهج سياسة أكثر اندفاعاً في إعادة تموضعها كقوة إقليمية مستقلة، مستندة إلى مزيج من الإرث التاريخي والثقل الديموغرافي والاقتصادي والعسكري المتنامي، كما تجلى في تدخلها العسكري في ليبيا وسوريا قبل أن تعيد تموضعها مرة أخرى، بعد تغير الأوضاع في سوريا، الأمر الذي جعلها في حالة تنافس مع قوى إقليمية أخرى، على سبيل المثال أصبح لتركيا نفوذ متداخل مع حدود النفوذ الاسرائيلي، بعد أن أعادت تشكيل العلاقات الإقليمية في ضوء التغيرات في سوريا، ثم الحرب الإيرانية. ومن هنا ظهرت كتابات إسرائيلية تلفت الانتباه إلى ما الذي سيشكله هذا الوضع على المدى الطويل[11].

الثالث: تراجع الهيمنة الأمريكية وفراغ القطبية

يضاف إلى الفخين السابقين فخ ثالث أكثر شمولاً، يتمثل في التحول البنيوي الذي تشهده منظومة القوة الدولية في الشرق الأوسط، في ظل تراجع نسبي للانخراط الأمريكي المباشر وتصاعد متزامن للحضور الصيني والروسي. فعلى مدى عقود، شكل الوجود الأمريكي "سقفاً للتصعيد" يحد من قدرة القوى الإقليمية على الانزلاق نحو مواجهات شاملة. غير أن إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية الأمريكية نحو منطقة الإندو-باسيفيك أفضت إلى اتساع هامش السيولة الاستراتيجية، ودفعت القوى الإقليمية إلى تبني سياسات أكثر اندفاعاً واستقلالية. وفي المقابل، لم تملأ الصين هذا الفراغ بصورة كاملة، إذ تفضل توظيف نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي دون الانخراط العسكري المباشر، كما تجلى في رعايتها لاتفاقية التطبيع السعودي–الإيراني عام 2023، أو دعم المسار التفاوضي الباكستاني في الحرب الإيرانية 2026، وهو ما يُنتج بيئة تفتقر إلى "قوة مرتبة" قادرة على ضبط إيقاع التنافسات الإقليمية أو تحديد سقوف التصعيد.

ثلاثة فخاخ في بيئة واحدة

ما يجعل الحالة الشرق أوسطية استثنائية هو تزامن هذه الفخاخ الثلاثة وتداخلها، بما ينتج حالة من "التصعيد المركب" لا تُعالج بأدوات الردع التقليدية. وإذا كان فخ ثيوسيديدس يفسر محركات التنافس بين القوى، فإن "عقدة التحول المركب" - التي سيتم تسليط الضوء عليها لاحقاً - تفسر لماذا تتزامن هذه الفخاخ الثلاثة وتتشابك في لحظة واحدة، بدلاً من أن تتكشف بصورة متتالية قابلة للإدارة. وفي غياب قناة دبلوماسية مركزية، وبوجود فاعلين من غير الدول يتحركون خارج حسابات الردع الرشيد، وفي ظل تسارع التحولات التكنولوجية التي تقلص زمن اتخاذ القرار، يصبح الشرق الأوسط البيئة الأكثر قابلية في العالم لإنتاج حرب لم يردها أحد[12].

وفي هذا الإطار، يمكن تفسير التحولات الأمنية في الشرق الأوسط من خلال نموذج تفسيري يقوم على الترابط بين أربعة متغيرات رئيسية: أولها: تصاعد حالة عدم اليقين الاستراتيجي، وثانيها: تآكل الثقة المتبادلة بين الفاعلين الإقليميين، وثالثها: فشل المقاربات التقليدية للأمن الجماعي، ورابعها: صعود أنماط مرنة من التعاون الأمني الوظيفي. فكلما ارتفعت مستويات السيولة وعدم القدرة على التنبؤ، تراجعت قابلية الدول للانخراط في تحالفات طويلة الأمد، واتجهت بدلاً من ذلك إلى ترتيبات أمنية جزئية ومحدودة ترتبط بإدارة ملفات محددة. وبذلك، فإن البيئة الإقليمية لا تتجه نحو بناء نظام أمني متكامل، بقدر ما تتجه نحو إعادة تشكيل الأمن بوصفه عملية مستمرة لإدارة التعقيد والتوازنات المتغيرة.

رابعاً: التعاون القطاعي والأمن الوظيفي

يشهد الإقليم أنماطاً أكثر مرونة من التعاون على مستويات ثنائية أو متعددة الأطراف، يمكن تأطيرها ضمن مقاربات "الأمن الوظيفي" (Functional Security) أو "الأمن التعاوني المحدود" (Limited Cooperative Security)، حيث تتجه الدول إلى بناء ترتيبات أمنية قطاعية مرتبطة بملفات محددة، بدلاً من محاولة تأسيس نظام أمني شامل. ويتشكل هذا التعاون حول قضايا مثل أمن الطاقة، والممرات البحرية، والدفاع الجوي، ومكافحة الإرهاب، والأمن السيبراني، بوصفها مجالات تفرض قدراً من التنسيق العملي حتى بين الأطراف المتنافسة. ويظهر ذلك في تنسيق عدد من دول الخليج والولايات المتحدة والقوى الغربية لتأمين الملاحة في الخليج العربي والبحر الأحمر بعد تصاعد الهجمات على السفن التجارية، وفي تنامي مشاريع الربط الدفاعي والإنذار المبكر في مجال الدفاع الجوي والطائرات المسيرة بين بعض دول الخليج، فضلاً عن أشكال من التعاون الأمني المرتبط بمكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات الاستخباراتية بين دول عربية وإقليمية رغم استمرار التباينات السياسية فيما بينها.

ورغم أن هذا النمط من التعاون يقترب جزئياً من التصورات الوظيفية وفقاً لديفيد ميتراني[13] (David Mitrany) وإرنست هاس[14](Ernst Haas) ، اللذين افترضا أن التعاون القطاعي يفضي تدريجياً إلى تكامل سياسي أوسع، فإنه يختلف عنها جوهرياً في كونه لا يقود بالضرورة إلى تكامل سياسي أو مؤسسي، بل يبقى محكوماً باعتبارات براجماتية وسيولة استراتيجية متغيرة. فالتعاون القائم في بعض الملفات الأمنية لا يمنع استمرار التنافس الجيوسياسي أو تضارب المصالح في ملفات أخرى، وهو ما يعكس الطبيعة الجزئية والمؤقتة لهذا النمط من الترتيبات.

كما تقترب هذه البيئة من أنماط "الحوكمة الشبكية" (Network Governance) التي تناولتها آن ماري سلوتر (Anne-Marie Slaughter)، حيث تتداخل الشبكات الأمنية الرسمية وغير الرسمية عبر مستويات متعددة[15]. ويظهر ذلك في تشكل شبكات أمنية مرنة تضم دولاً وتحالفات عسكرية وأجهزة استخبارات وشركات تكنولوجيا وأمن سيبراني، إضافة إلى فاعلين مسلحين من غير الدول، بما يجعل إدارة الأمن الإقليمي تتم عبر شبكات متداخلة أكثر من كونها تتم من خلال مؤسسات مركزية تقليدية. كما أن بعض العمليات الأمنية والاستخباراتية العابرة للحدود باتت تدار عبر ترتيبات غير معلنة أو تحالفات ظرفية مرتبطة بملفات محددة، مثل مكافحة المهددات الأمنية غير التقليدية.

ومن ثم، فإن ما يتشكل داخل الإقليم لا يمكن وصفه كنظام أمني متكامل، وإنما بوصفه شبكة مرنة من الترتيبات الأمنية المتعددة المستويات، تتداخل فيها أدوار الدول والقوى الدولية والفاعلين من غير الدول وفق أنماط متغيرة من التعاون والاحتواء وإدارة المخاطر. فالأمن في هذه البيئة لم يعد قائماً على بناء توازنات نهائية أو مؤسسات صلبة، وإنما على القدرة على إدارة التعقيد وتقليل مستويات التصعيد واحتواء التهديدات العابرة للحدود، بما يجعل المقاربة الأكثر واقعية للأمن الإقليمي مرتبطة ببناء ترتيبات أمنية مرنة وقابلة للتكيف أكثر من ارتباطها بإنتاج منظومة أمن جماعي مستقرة على غرار النماذج التقليدية.

غير أن ثمة قيدين بنيويين يحدان من قدرة هذه الترتيبات على التحول إلى منظومة أمنية متكاملة. فمن جهة، يظل الاندماج الأمني الإسرائيلي في المنطقة محدوداً بسقف الشرعية الإقليمية، رغم أنه بات قائماً على المستوى العملياتي في إطار انتساب إسرائيل إلى القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، إذ أن الاندماج التقني العسكري لا يعني بالضرورة اندماجاً اقليمياً كاملاً، وهو ما يجعل هذا الترتيب هشاً وقابلاً للتعليق في أي لحظة تصعيد. ومن جهة أخرى، يظل إدماج إيران في أي ترتيب أمني إقليمي أمراً متعذراً في ظل العدائيات الموجهة نحو دول الخليج والمنطقة بشكل عام، فضلاً عن دورها بوصفها طرفاً توليدياً للتهديد لا مجرد فاعل خارجي، وهو ما يعني أن ترتيبات ما بعد الحرب ستكون وليدة ضرورة ظرفية لا بناء استراتيجي مستدام، وقابلة للتفكك بتغير موازين القوى والتفاعلات التى أنتجتها الأزمة.

خامساً: عقدة التحول المركب وإعادة تشكيل الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط

لا يمكن فصل التحولات التي يشهدها الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط عن التحولات الأوسع التي يشهدها النظام الدولي، إذ يبدو الإقليم واقعاً داخل ما يمكن وصفه بـ"عقدة التحول المركب"[16]، أي تزامن عملية إعادة تشكل النظام الإقليمي مع التحول الجاري في بنية النظام الدولي في الوقت ذاته. فمن ناحية، يشهد النظام الدولي تراجعاً تدريجياً لمرحلة الأحادية القطبية التي أعقبت الحرب الباردة، مقابل تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، واتساع النزعات القومية والحمائية، وتآكل فعالية المؤسسات الدولية التقليدية. ومن ناحية أخرى، يمر الشرق الأوسط بمرحلة إعادة تشكيل داخلية تتغير فيها موازين القوى وأنماط التحالفات وطبيعة الفاعلين ومفاهيم الأمن والردع، بما يجعل الإقليم أحد أكثر الأقاليم تأثراً بحالة السيولة الاستراتيجية العالمية.

ومن منظور الواقعية البنيوية، يعكس التراجع النسبي لقدرة الأمم المتحدة على احتواء الصراعات الكبرى أو فرض تسويات فعالة حدودَ النظام الدولي القائم على التوافقات بين القوى الكبرى، في ظل تصاعد التنافس الدولي وتآكل مركزية الهيمنة الأحادية. كما تكشف التوترات والخلافات المتزايدة داخل حلف الناتو (NATO) عن الضغوط البنيوية التي تواجهها حتى التحالفات الأكثر مؤسسية، نتيجة اختلاف إدراكات التهديد وتباين الأولويات الاستراتيجية وتغير طبيعة المخاطر الأمنية بين أعضائها. وفي المقابل، انعكست هذه التحولات بصورة مباشرة على الشرق الأوسط، حيث تزايدت أدوار القوى الدولية غير الغربية، خصوصاً الصين وروسيا، بالتوازي مع اتجاه القوى الإقليمية إلى تبني سياسات أكثر استقلالية ومرونة في إدارة التوازنات والصراعات.

وتزداد "عقدة التحول المركب" تعقيداً نتيجة تزامن إعادة تشكيل النظام الإقليمي مع التحولات الجارية في بنية النظام الدولي ذاته، بما يجعل الشرق الأوسط ليس مجرد ساحة لصراعات محلية أو تنافسات إقليمية، وإنما أحد ميادين إعادة توزيع القوة والنفوذ على المستوى الدولي. فالتفاعلات الجارية داخل الإقليم باتت مرتبطة بصورة مباشرة بالتنافس بين القوى الكبرى، والتحولات في الاقتصاد العالمي والطاقة والتكنولوجيا والممرات الاستراتيجية، وهو ما يضاعف من حالة السيولة وعدم اليقين داخل البيئة الأمنية الإقليمية.

وفي هذا السياق، لا تزال الولايات المتحدة تمثل القوة الأكثر قدرة على لعب دور "منظم التفاعلات الأمنية" في الشرق الأوسط، سواء عبر حضورها العسكري أو شبكات تحالفاتها أو تأثيرها في معادلات الردع الإقليمي. ومع ذلك، فإن عدداً متزايداً من حلفائها وشركائها الإقليميين باتت لديه تساؤلات متصاعدة بشأن طبيعة الدور الأمريكي ومدى استدامة الالتزام بأمن الحلفاء وحدود الانخراط الأمريكي في إدارة الأزمات الإقليمية، خصوصاً في ظل توجه واشنطن نحو إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية عالمياً والتركيز بصورة أكبر على التنافس مع الصين في منطقة الإندو-باسيفيك.

وفي المقابل، عززت الصين حضورها الاقتصادي والاستراتيجي في الشرق الأوسط، مستفيدة من تزايد أهمية الإقليم في معادلات الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية. غير أن بكين، رغم اتساع مصالحها، لا تزال تميل إلى تبني سياسة "الاحتواء الهادئ"[17]، عبر تجنب الانخراط العسكري المباشر أو التحول إلى طرف صريح في الصراعات الإقليمية، إدراكاً منها أن البيئة الشرق أوسطية ما تزال شديدة السيولة والتعقيد، وأن الانخراط الأمني المباشر قد يحولها من شريك اقتصادي إلى طرف في الصراع ذاته. ويظهر ذلك في حرص الصين على الجمع بين توسيع النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي من جهة، والحفاظ على مسافة آمنة من الانخراط العسكري المباشر من جهة أخرى.

ومن ثم، فإن الأزمة التي تواجهها المؤسسات والتحالفات الدولية لا ترتبط فقط بتراجع فعاليتها الإجرائية، وإنما تعكس تحولات أعمق تمس طبيعة النظام الدولي ذاته وانتقاله نحو نمط أكثر تعددية وتشابكاً وتعقيداً. وفي مثل هذه البيئة، يصبح من الصعب استنساخ نماذج الأمن الجماعي التقليدية أو إعادة إنتاج التحالفات الصلبة بصورة مستقرة، سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي، وهو ما يفسر الاتجاه المتزايد نحو ترتيبات أمنية مرنة ومتغيرة تقوم على إدارة التوازنات والمخاطر أكثر من قيامها على بناء أنظمة أمنية نهائية أو مستقرة.

سادساً: المقاربة البديلة والمخرج الاستراتيجي

يكشف استعراض البيئة الأمنية في الشرق الأوسط أن المنطقة لا تمر بمرحلة انتقالية مؤقتة، وإنما تقترب من نمط جديد من التنظيم الأمني القائم على الحركية والمرونة وإدارة التفاعلات المتغيرة، وهو ما يعني أن مفهوم الأمن ذاته يشهد تحولاً بنيوياً عميقاً، من أمن يقوم على تحقيق الاستقرار النهائي وبناء التحالفات الصلبة، إلى أمن يقوم على إدارة السيولة والتكيف المستمر مع بيئة تتسم بعدم اليقين والتحولات المتسارعة.

وفي ضوء ذلك، يمكن تصور أن أي مقاربة جديدة للأمن الإقليمي تقوم على ثلاثة محاور متكاملة:

1- الانتقال من صيغة التحالفات إلى صيغة الشبكات: لا تنطلق المقاربة البديلة من فرضية إمكانية بناء منظومة أمن جماعي شاملة على غرار النماذج الكلاسيكية، وإنما من القدرة على إدارة المخاطر والسيولة داخل الإقليم بصورة مرنة ومتعددة المستويات. فبدلاً من السعى إلى إنتاج توازنات نهائية، تقوم هذه المقاربة على التركيز على احتواء التصعيد وتقليل مستويات الهشاشة الاستراتيجية عبر شبكات تعاون متغيرة تخضع لطبيعة التهديدات والمصالح المتقاطعة، لا لمنطق الالتزامات الثابتة.

2- تطوير التنسيق الوظيفي القطاعي: يتطلب المخرج الاستراتيجي تطوير آليات للتنسيق الوظيفي في المجالات الأكثر قابلية لبناء التعاون التدريجي، وهي أمن الطاقة والممرات البحرية والأمن السيبراني وإدارة الأزمات العابرة للحدود. وقد أثبتت التجربة الإقليمية أن هذه الملفات تفرض منطقاً براجماتياً يدفع نحو التنسيق حتى بين الأطراف المتنافسة، وهو ما يجعلها نقاط انطلاق واقعية لبناء ثقة جزئية تدريجية بدلاً من انتظار توافقات سياسية شاملة يصعب تحقيقها.

3- بناء قدرة إقليمية على إدارة التعقيد: لم يعد التحدي الجوهري يتمثل في ردع التهديدات وحسب، وإنما في بناء قدرة إقليمية على إدارة التعقيد واحتواء المفاجآت الاستراتيجية والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في بيئة تتسم بالحركية وعدم اليقين. وهو ما يستدعي تحولاً في الثقافة الأمنية الإقليمية ذاتها، من ثقافة تقوم على منطق المجال الحيوي والأمن الصفري، إلى ثقافة تقوم على إدارة التوازنات المتغيرة وتقليل تكاليف عدم الاستقرار.

ومن ثم، فإن الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط قد يصبح أكثر ارتباطاً بمفهوم "الحوكمة الأمنية المرنة" (Flexible Security Governance)  منه بمفهوم الأحلاف التقليدية أو الأمن الجماعي الصلب. وفي هذا الإطار، لن تكون المقاربة الأكثر واقعية تلك التي تسعى إلى إنتاج توافقات شاملة أو ترتيبات نهائية، بل تلك التي تعتمد على بناء الثقة الجزئية والتعاون الوظيفي التدريجي، مدركة أن الاستقرار في هذه البيئة ليس حالة تُبنى مرة واحدة، وإنما عملية مستمرة لإدارة التعقيد وتجديد التوازنات في مواجهة بيئة لا تتوقف عن التحول.


[1] Kenneth N. Waltz, Theory of International Politics, (Reading, MA: Addison-Wesley, 1979), pp. 102–128.

[2] John J. Mearsheimer, The Tragedy of Great Power Politics, Updated Edition (New York: W.W. Norton & Company, 2014), pp. 29–54.

[3] James N. Rosenau, Turbulence in World Politics: A Theory of Change and Continuity, (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1990), pp. 6–12.

[4] Robert Jervis, System Effects: Complexity in Political and Social Life (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1997), pp. 29–32.

[5] للمزيد انظر؛ فراس فحام، سوريا الجديدة: تموضعها الإقليمي وعلاقاتها الخارجية، 4 مارس 2025. https://studies.aljazeera.net/ar/article/6162

[6]Ulrich Beck, Risk Society: Towards a New Modernity, trans. Mark Ritter (London: SAGE Publications, 1992), pp. 19–24.

[7]Lawrence Freedman, Strategy: A History, (Oxford: Oxford University Press, 2013), pp. 611–614.

[8] Ahmed Eleiba, "Spheres of Influence and Regional Security," Al-Ahram Weekly, 13 May 2026. AT:https://english.ahram.org.eg/NewsContent/4/1204/567774/Opinion/Opinion/Spheres-of-influence-and-regional-security-.aspx

[9] Graham Allison and Philip Zelikow,  Essence of Decision: Explaining the Cuban Missile Crisis , 2nd Edition (New York: Longman, 1999), pp. 255–313.

[10] Graham Allison, Destined for War: Can America and China Escape Thucydides's Trap? (New York: Houghton Mifflin Harcourt, 2017), pp. 1–14.

[11] For further reading, see: Amos Yadlin and Avner Golov, "An Israeli Order in the Middle East: A Chance to Defeat the Iranian Vision for the Region—and Improve on the American Vision," Foreign Affairs, December 17, 2024. AT: https://www.foreignaffairs.com/middle-east/israeli-order-middle-east

[13] David Mitrany, A Working Peace System (Chicago: Quadrangle Books, 1966), pp. 25–35.

[14] Ernst B. Haas, *The Uniting of Europe: Political, Social, and Economic Forces 1950–1957 (Stanford: Stanford University Press, 1958), pp. 16–20

[15] Anne-Marie Slaughter, A New World Order (Princeton: Princeton University Press, 2004), pp. 12–30.

[16] G. John Ikenberry, A World Safe for Democracy: Liberal Internationalism and the Crises of Global Order (New Haven: Yale University Press, 2020), pp. 1–15.

[17] Yun Sun, "China's Strategic Assessment of the Middle East," War on the Rocks, March 8, 2022. Available at: https://warontherocks.com