كثيرًا ما جرى تقديم جيل Z في إيران بوصفه الفاعل الاجتماعي الأكثر قدرة على إحداث تحولات في القيود التي تفرضها الدولة، بل وحتى باعتباره القوة الأكثر قابلية للدفع نحو مسار احتجاجي قد يهدد استقرار النظام نفسه. وقد تعزز هذا التصور مع تصدر هذا الجيل موجات الاحتجاج خلال السنوات الأخيرة، وارتباطه بخطاب سياسي جديد أكثر جرأة في نقد السلطة الدينية وأكثر انفتاحًا على قيم الحرية الفردية والفضاء الرقمي العابر للحدود.
إلا أن سلوك هذا الجيل خلال الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران جاء مغايرًا لكثير من التقديرات الغربية التي افترضت أن لحظة التصعيد الخارجي ستتحول تلقائيًا إلى فرصة لتكثيف الضغط الداخلي على النظام. فعلى الرغم من امتلاك جيل Z الإيراني أدوات رقمية متقدمة تجعل لديه قدرة عالية على التعبئة والتأثير في المجال العام، اتجه جانب كبير من حضوره، خصوصًا على المنصات الرقمية، إلى تبني خطاب وطني داعم لموقف الدولة في مواجهة التهديد الخارجي، بدلًا من توظيف الأزمة كدافع لتغيير سياسي داخلي.
ولا يمكن قراءة هذا السلوك باعتباره تحولًا أيديولوجيًا أو اصطفافًا كاملًا مع السلطة، بقدر ما يعكس تعقيدًا في وعي هذا الجيل وهويته السياسية. فجيل Z الإيراني يميز بوضوح بين معارضته للنظام في الداخل وبين رفضه استثمار هذه المعارضة ضمن سياقات خارجية قد تفقدها مشروعيتها الوطنية أو تدفع البلاد نحو سيناريوهات الفوضى وعدم الاستقرار.
جيل Z الإيراني.. ملامح وعي جديد خارج الأطر التقليدية
لطالما تصرفت السلطات في إيران كما لو أن قلقها الرئيسي لم يعد مقتصرًا على التهديدات الخارجية، بل بات يتمثل في تحولات داخلية عميقة تقودها الأجيال الشابة. ونظرت السلطة إلى جيل Z بوصفه فاعلًا غير قابل للاحتواء، خاصة في ظل تكرار موجات الاحتجاج، وقد تعزز إدراك النظام لحساسية هذا الجيل في ظل وجود معارضة إيرانية في الخارج تقدم بدائل سياسية واضحة، مما يرفع مستوى التهديد من مجرد اضطرابات اجتماعية إلى تحدٍ استراتيجي يمس بنية النظام، لا سيما مع سهولة تداول الأفكار عبر الفضاءات الرقمية. غير أن تأثير جيل Z لا يقتصر على المجال السياسي فحسب، بل يمتد إلى المستويين الاجتماعي والثقافي. إذ يظهر هذا الجيل درجة غير مسبوقة من تحدي الأعراف المفروضة، سواء فيما يتعلق بقواعد اللباس أو أنماط الحياة اليومية. وقد عبر من خلال شعارات مثل "المرأة – الحياة – الحرية" عن هذا التحول، حيث لم تعد المطالب محصورة في حدود الإصلاح السياسي، بل اتجهت نحو إعادة تعريف معنى الحياة الطبيعية وحدود الحرية الفردية. وفي هذا الإطار، تغدو الممارسات اليومية، في الملبس والسلوك والتعبير، أفعالًا ذات دلالة سياسية، حتى في غياب صياغة خطاب سياسي مباشر.
ويكتسب هذا السلوك بعدًا أعمق عندما يقرأ في ضوء الأدوات التي يستخدمها هذا الجيل، حيث يوظف التكنولوجيا لتجاوز القيود، ويحول المنصات الرقمية إلى مجال عام بديل ينتج فيه رموزه وخطابه الخاص. كما يتغذى هذا المسار اقتصاديًا من أزمة مستمرة، حيث أدت العقوبات والتضخم إلى تدهور الأوضاع المعيشية، خاصة بين الشباب المتعلم. إلا أن الأهم هو أن هذا التدهور لم يفسر بوصفه أزمة عابرة، بل أعيد تأطيره كدليل على خلل في بنية الحكم، ما ساهم في تحويل الإحباط المادي إلى اغتراب سياسي. بذلك، لم تعد المطالب الاقتصادية منفصلة عن النقد السياسي، بل أصبحت جزءًا من تصور أوسع لفشل النموذج القائم. وفيما يلي أبرز العوامل التي دفعت جيل Z في إيران إلى تبني رؤى تختلف عن تلك التي سادت لدى الأجيال السابقة:
1- جيل Z وقيادة "مشروع هوية" متجدد: نجح النظام الإيراني في سنواته الأولى في بناء حالة من التماسك المجتمعي اعتمادًا على مزيج معقد من الشرعية الثورية والدينية، حيث شكلت ولاية الفقيه إطارًا جامعًا يربط بين السلطة السياسية والمرجعية الدينية في آنٍ واحد. هذا التمازج لم يكن مجرد صيغة دستورية، بل تحول إلى خطاب تعبوي واسع استند إلى مفاهيم الثورة، والتضحية، ومواجهة العدو الخارجي. وقد لعبت الحرب العراقية–الإيرانية دورًا حاسمًا في ترسيخ هذا التماسك، وعززت من شعور الوحدة الوطنية، وسمحت للنظام بإعادة إنتاج شرعيته عبر تعبئة جماهيرية مستمرة. وبالتوازي، اعتمدت الدولة على مؤسساتها الأيديولوجية، بما في ذلك الإعلام والتعليم، لإعادة تشكيل الهوية الجماعية ضمن إطار إسلامي ثوري معادٍ للغرب، ما أسهم في خلق حالة موحدة حول معنى الانتماء والولاء. وبهذا المعنى، لم يكن التماسك في تلك المرحلة ناتجًا فقط عن القمع، بل عن توافق نسبي بين خطاب الدولة وتجربة جيل تشكل وعيه في ظل الثورة والحرب، وهو ما منح النظام قدرًا من المصداقية والاستقرار في البداية.
غير أن هذا التماسك لم يكن ثابتًا، إذ بدأ يتآكل تدريجيًا منذ تسعينيات القرن الماضي بفعل التحولات الاجتماعية والاقتصادية، وتوسع التعليم، والانفتاح النسبي على العالم، وهي مسارات تعززت جزئيًا خلال مرحلة الإصلاح في عهد محمد خاتمي، دون أن تفضي إلى إعادة صياغة جذرية للعلاقة بين الدولة والمجتمع. وفي الأعوام الأخيرة اتجهت الأجيال الشابة نحو القيم العلمانية والنزعة الفردية، حيث يمكن فهم التحولات التي يقودها الشباب في إيران بوصفها تجسيدًا معاصرًا لما يمكن تسميته بـ "مشروع هوية" متجدد، لم يعد منسجمًا مع القوالب التعريفية التي سعت الدولة إلى ترسيخها منذ ما بعد الثورة. فالشباب الإيراني اليوم لا يتعامل مع الهوية باعتبارها معطى نهائيًا أو إطارًا جاهزًا يمكنه الانتماء إليه بسهولة، بل بوصفها عملية ديناميكية مستمرة لإعادة التشكل، تتغذى من الخبرة اليومية، ومن التفاعل المتزايد مع فضاءات اجتماعية وثقافية متغيرة داخل إيران وخارجها، خاصة عبر الوسائط الرقمية. في هذا السياق، تكتسب سياسات الهوية لدى جيل Z طابعًا أكثر تعقيدًا واتساعًا، إذ لا تنحصر في مطالب سياسية تقليدية تتعلق بالمشاركة أو الحقوق، بل تمتد إلى مستوى أعمق يعيد مساءلة معنى "أن تكون إيرانيًا"، في مواجهة خطاب رسمي ظل لعقود يقوم على التجانس الأيديولوجي وتوحيد الهوية ضمن خطاب مركزي واحد.[1]
إذ يتميز جيل Z في إيران عن الأجيال السابقة أيضًا بكونه نتاجًا تراكميًا لعقود من الانفتاح غير الرسمي والمستمر على العالم الخارجي، رغم القيود الصارمة التي فرضها النظام. فمنذ انتشار أشرطة الفيديو في الثمانينيات، مرورًا بعصر القنوات الفضائية في التسعينيات، وصولًا إلى الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في الألفية الجديدة، نشأ هذا الجيل في سياق يتسم بفجوة واضحة بين خطاب رسمي مغلق وواقع ثقافي أكثر انفتاحًا. هذه الفجوة لم تنتج مجرد اطلاع أوسع على العالم، بل أسهمت في تشكيل وعي نقدي مبكر لدى الشباب، وجعلتهم أكثر قدرة على مقارنة حياتهم بما هو متاح خارج حدود بلادهم.
وعلى خلاف الأجيال السابقة التي غالبًا ما اكتفت بتقليد الثقافة العالمية في الخفاء لتفادي الاحتكاك مع السلطة، تجاوز جيل Z هذا النمط إلى توظيف أدوات التكنولوجيا للتعبير العلني، وبناء الشبكات، وحتى الحشد للاحتجاج على القيود التي يفرضها النظام. فبالنسبة إليه، لم يعد الانفتاح خيارًا ثقافيًا هامشيًا، بل جزءًا أصيلًا من تعريفه لذاته. لذلك، فإن رفضه للنظام لا يختزل في اعتبارات اقتصادية أو سياسية فقط، بل يرتبط بإدراك عميق لاختلال منظومة القيم والمعايير التي يفرضها النظام مقارنة بما يراه ممكنًا في العالم.[2] فعلى المستوى اليومي، تتجسد هذه العملية في أنماط التعبير الثقافي واللغوي والرقمي، وفي المظهر وأشكال الحياة اليومية، حيث لا يكتفي الشباب برفض الأطر التقليدية، بل يبتكرون هوية جديدة تعكس خبراتهم الفردية وتطلعاتهم الكونية في آنٍ واحد. وبهذا المعنى، تصبح سياسات الهوية في الحالة الإيرانية مدخلًا لفهم تحول أعمق في بنية الوعي الاجتماعي، حيث يسعى جيل Z إلى إعادة التوفيق بين الانتماء الوطني وبين إعادة تعريف هذا الانتماء وفق شروط أكثر فردية ومرونة، تتجاوز الإطار الأحادي الذي هيمن طويلًا على تعريف الهوية في إيران. ولذلك، يبدو جيل Z في إيران أكثر ميلًا إلى الهويات الهجينة والمتعددة، وأكثر قدرة على مساءلة التصنيفات التقليدية. فهويته تتشكل داخل فضاء دائم التوتر، وبين ما تفرضه الدولة وما يعيد الأفراد إنتاجه لأنفسهم. ومن هنا، لا يمثل هذا الجيل مجرد تحول اجتماعي عابر، بل يعكس تغيرًا أعمق في بنية الوعي الإيراني وفي طبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة في الجمهورية الإسلامية.[3]
وفي هذا السياق، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي بالنسبة لهذا الجيل، وعلى رأسها تيك توك، أكثر من مجرد أدوات للتواصل، بل فضاءات لإعادة إنتاج الوعي والمعنى السياسي والاجتماعي. ووفق تقديرات رسمية، يشكل جيلZ (مواليد 1997–2012) نحو 22% من سكان إيران، يعيش حوالي 77% منهم في المدن[4]، ويستخدم الكثير منهم تطبيقات ومنصات رقمية متقدمة، مما يجعلهم جيلًا رقميًا منظم الحراك لا تستطيع أدوات القمع التقليدية للنظام السيطرة عليه.
2- السوشيال ميديا وتشكل الوعي الجديد لدى جيل Z.. كيف يتمكن من توظيف الترندات: يتسم المحتوى الرقمي بطابع متعدد الوسائط، حيث يدمج بين الصورة والصوت والنص في خطاب مكثف، سريع، وعالي الشحنة العاطفية. لذا فهو لم يغير فقط شكل التعبير، بل يعيد تشكيل طريقة إدراك الواقع نفسه، بحيث تصبح القضايا السياسية جزءًا من تجربة بصرية يومية مباشرة. ومن هنا، لا يمكن فهم المحتوى الاحتجاجي على هذه المنصات بوصفه مقاطع منفصلة، بل باعتباره جزءًا من منظومة ثقافية رقمية مترابطة تنتج المعنى عبر التكرار، والمحاكاة، وتداول الرموز البصرية. وقد أسهم هذا النمط من التفاعل في بلورة ما يمكن تسميته بـ "الجماهير العاطفية"، حيث تتداخل الروابط الاجتماعية مع مشاعر الغضب والتضامن والخوف، لتوليد طاقة احتجاجية تتجاوز الحدود الجغرافية وتعيد ربط الداخل الإيراني بالفضاء العابر للحدود. كما أن الطبيعة البصرية المكثفة لهذه المنصات جعلت الرسائل السياسية أكثر مباشرة وفاعلية، إذ باتت الصورة الواحدة قادرة على اختزال وقائع معقدة عن القمع أو المقاومة دون الحاجة إلى وسيط لغوي، كما في مشاهد رفض الحجاب أو التعبير الجسدي عن الاحتجاج.
فمن خلال إعادة توظيف ترندات شائعة وسهلة التداول، كفيديوهات "Get Ready With Me" وفيديوهات الـ "Make Up"، ينجح هذا الجيل في إدخال القضايا الكبرى مثل العنف والقمع إلى فضاءات يومية مألوفة، مما يمنحها قدرة أكبر على الانتشار والتأثير. ويعد نمط "Get Ready With Me" أحد أبرز الأشكال البصرية على تيك توك، حيث يستخدم عادة لتقديم محتوى يومي متعلق بالمظهر الشخصي. لكن ضمن سياق الاحتجاج الإيراني، تم إعادة توظيف هذا النمط بشكل جذري. إذ تظهر في الفيديوهات عبارات مثل: "استعد معي لترى كيف أقتل في إيران"، هذه الصيغ تعكس إعادة توظيف شكل ترفيهي يومي لتحويله إلى خطاب سياسي يعكس الخوف والعنف والتهديد.[5]
أيضًا، تظهر فيديوهات نساء يرتدين الحجاب ويبدين في حالة حزن أو بكاء، ما يخلق ارتباطًا بصريًا مباشرًا مع صورة مهسا أميني، وهو ما لا يمثل مجرد أداء بصري، بل إعادة ترميز للواقع السياسي في قالب عاطفي مباشر يسهل استيعابه وتداوله. كما يعد قص الشعر وحرق الحجاب رمزًا احتجاجيًا متجذرًا في الثقافة الفارسية، ويستخدم تاريخيًا للتعبير عن الحزن والغضب والاعتراض. وقد استعيد هذا الرمز في الاحتجاجات الحديثة التي نظمها جيل Z، حيث يقوم هذا الجيل بتوظيفه بصريًا لإعادة ربط الحاضر بتاريخ طويل من المقاومة النسائية. أما حرق الحجاب، فهو فعل احتجاجي أكثر حداثة، يعكس رفضًا مباشرًا لفرض السيطرة على الجسد والهوية. ويستخدم هذا الفعل في مقاطع تيك توك كصورة مكثفة للرفض السياسي، غالبًا دون حاجة إلى شرح لفظي.
الأهم من ذلك أن هذا الاستخدام يعكس وعيًا تكتيكيًا بطبيعة المنصات الرقمية، حيث تعمل الترندات كقوالب جاهزة قابلة للتكرار والمحاكاة، ما يسمح بتحويل التجربة الفردية إلى خطاب جماعي متراكم. إذ يتجاوز المحتوى حدود التعبير الشخصي ليبني حالة بصرية تختزل العنف في لحظة إنسانية مكثفة، تخاطب المشاهد على مستوى وجداني عميق. بهذا المعنى، لا يستخدم جيل Z الترندات كوسيلة تعبير فحسب، بل يعيد هندستها لتصبح أدوات احتجاج مرنة، قادرة على التكيف مع القيود الرقابية، وفي الوقت ذاته إنتاج خطاب سياسي واسع الانتشار، وهو ما يميزهم بوضوح عن الأجيال السابقة التي لم تمتلك مثل هذه الأدوات أو هذا المستوى من الوعي الرقمي.[6]
3- مفارقة "القمع- والتعبئة": لطالما شكلت الحركات الشبابية قوة دافعة أساسية للتغيير السياسي في إيران، بدءًا من الحراك الطلابي في أواخر العهد البهلوي، مرورًا بالحركة الخضراء عام 2009، وصولًا إلى موجات الاحتجاج المتتالية بين 2019 و2022. غير أن ما يميز الاحتجاجات التي شهدتها إيران مؤخرًا هو انتقال الشباب من موقع المشاركة الظرفية إلى موقع الفاعل المركزي والمستمر في تشكيل المجال العام. فهذا الجيل لا تحركه فقط دوافع تقليدية كالأزمات الاقتصادية أو القيود الاجتماعية، بل يتشكل وعيه في تقاطع معقد بين انسداد قنوات المشاركة المؤسسية، وتصاعد الوعي بعدم المساواة، خاصة بين الجنسين. ونتيجة لذلك، لم يعد الحراك الشبابي مجرد رد فعل على الأزمات، بل أصبح تعبيرًا عن تحول بنيوي أعمق في علاقة المجتمع بالدولة، وهو ما يفسر الفارق الجوهري بين جيل Z والأجيال التي سبقته.[7]
الأهم من ذلك أن هذا الجيل يظهر استعدادًا غير مسبوق لتحمل كلفة هذا الوعي والدفاع عنه في المجال العام. فإذا كانت تجارب القمع السابقة، مثل منع حفلات موسيقى الروك وغيره قد دفعت الأجيال الأقدم إلى التكيف الحذر، فإنها بالنسبة لهذا الجيل شكلت دليلًا إضافيًا على ضرورة المواجهة لا تجنبها. ويكفي النظر إلى الحياة اليومية في المدن الكبرى الإيرانية، من رموز اللباس إلى أسلوب الاستهلاك الثقافي، والموسيقى السرية، ولغة الجيل الشاب، وحضور النساء المتزايد في الفضاءات الاجتماعية. هذه العلامات تشير إلى تحول عميق. فطهران والمدن الأخرى تخضع لما يمكن تسميته بـ"إعادة بناء للهوية" من دون قرار رسمي أو خطة رسمية. هذا التغيير ينبع من الأسفل ومن قلب المجتمع، وليس من السلطة. هذه التحولات ليست سطحية، بل تعكس انتقالًا من مجتمع يدار من الأعلى إلى مجتمع يعيد إنتاج نفسه من الداخل. لذلك، فإن اختلاف جيل Z لا يكمن فقط في أدواته أو وعيه العالمي، بل في كونه جزءًا من مشروع اجتماعي غير معلن يسعى إلى إعادة بناء إيران بطريقة تدريجية، هادئة، لكنها عميقة الجذور.[8]
وتشير التقديرات إلى أن حملات القمع لا تؤدي إلى إخماد الحراك، بل إلى إعادة تنشيطه خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، ما يعكس تحولًا بنيويًا في العلاقة بين الخوف والمشاركة. هذه الديناميكية، التي يمكن توصيفها بمفارقة "القمع–التعبئة" تكشف أن القمع لم يعد أداة ردع فعالة بقدر ما أصبح محفزًا لتسييس أعمق لدى الشباب. ويتجلى هذا التحول في الطريقة التي يؤطر بها الجيل الجديد تجربته مع القمع، إذ تتحول مشاعر الخوف إلى غضب أخلاقي، وتتبلور الصدمة الجماعية إلى وعي سياسي أكثر حدة، يعيد تعريف الدولة في نظرهم كفاعل فاقد للشرعية. فبخلاف الأجيال السابقة التي كانت تميل إلى امتصاص الصدمات أو إعادة التكيف معها، ينظر جيل Z إلى القمع باعتباره دليلًا إضافيًا على ضرورة المواجهة لا تجنبها، ما يعمق الفجوة الجيلية ويجعل من حركته ليس مجرد امتداد لحراك سابق، بل تحولًا نوعيًا في بنية الفعل السياسي داخل المجتمع الإيراني.[9]
جيل Z ولحظات التهديد الخارجي
جرى التعويل بصورة متزايدة على جيل Z في إيران بوصفه فاعلًا اجتماعيًا وسياسيًا قادرًا على التأثير في مسار التحولات الداخلية، إذ نظر الغرب إلى حضوره الكثيف في الفضاء الرقمي، وإلى أنماط احتجاجه الجديدة، باعتبارها مؤشرًا على إمكانية تحوله إلى قوة ضغط مؤثرة على النظام الإيراني، بما قد يشكل مكسبًا استراتيجيًا في سياق الصراع مع طهران. وقد عزز هذا التصور اتساع مشاركة الشباب في موجات الاحتجاج الأخيرة التي شهدتها إيران قبل الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، حيث خرج آلاف الإيرانيين إلى الشوارع احتجاجًا على انهيار العملة وارتفاع الأسعار، قبل أن تتجاوز الهتافات المطالب الاقتصادية إلى شعارات سياسية مباشرة، مثل: "الموت للديكتاتور".
مع ذلك، فإن الحضور المتصاعد لهذا الجيل لا يعني بالضرورة امتلاكه القدرة على إحداث تحول سياسي بالمعنى التقليدي. فحتى الآن، لا يزال جيل Z يفتقر إلى مشروع سياسي متكامل، أو إلى بنية تنظيمية قادرة على تحويل حالة السخط والزخم الاحتجاجي إلى بديل مؤسسي واضح. بالإضافة إلى أنه يواجه دولة لا تزال تحتفظ بقدر كبير من التماسك الأمني والأيديولوجي، وتمتلك أدوات فعالة للضبط والسيطرة وإعادة إنتاج السلطة.
كما لم تلق الدعوات الخارجية، بما فيها تصريحات دونالد ترامب التي ألمح فيها إلى إمكانية أن يستغل الإيرانيون الحرب لتغيير النظام، استجابة جماهيرية حقيقية داخل الشارع الإيراني، حيث يمكن تفسير ذلك في ضوء عامل تاريخي بالغ الأهمية يتعلق بطبيعة الوعي السياسي الإيراني تجاه التدخل الخارجي. إذ لا يمكن فهم الحساسية الإيرانية المزمنة تجاه أي دعم غربي للحركات الاحتجاجية دون العودة إلى إرث انقلاب عام 1953 ضد رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق، وهو الحدث الذي شكل نقطة مفصلية في الذاكرة السياسية الإيرانية الحديثة. ففي الوعي الجمعي الإيراني، لا ينظر إلى ذلك الانقلاب باعتباره مجرد عملية استخباراتية دعمتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لإسقاط حكومة منتخبة، بل بوصفه لحظة تأسيسية كرست قناعة عميقة بأن القوى الغربية مستعدة للتدخل المباشر كلما تعارضت المصالح الإيرانية مع حساباتها الجيوسياسية.[10]
من هنا، ينجح النظام الإيراني باستمرار في استدعاء هذا الإرث التاريخي لتأطير أي اضطراب داخلي ضمن خطاب التدخل الخارجي والحرب الناعمة. ولذلك، فعندما تتهم طهران الولايات المتحدة أو إسرائيل بمحاولة توظيف الاحتجاجات الداخلية لإضعاف الدولة، فإن هذا الخطاب يستند إلى سابقة تاريخية تمنحه قدرًا من المصداقية حتى لدى بعض الفئات المعارضة للنظام.
في هذا السياق، يمكن فهم إحجام جيل Z عن الانخراط في مشروع إسقاط النظام خلال الحرب، رغم خلافه العميق معه، إذ إن جزءًا مهمًا من هذا الجيل يميز بين معارضة السلطة داخليًا وبين الظهور بمظهر المتحالف مع ضغوط أو تدخلات خارجية في لحظة صراع عسكري. فالنزعة النقدية التي يحملها الشباب تجاه النظام لا تعني بالضرورة استعدادهم لتبني خطاب التغيير المرتبط بالخارج، خاصة في ظل حضور قوي لفكرة السيادة الوطنية والشك التاريخي في النوايا الغربية داخل الوعي الإيراني الحديث. لذلك، بدا موقف قطاع واسع من الشباب الإيراني أكثر تعقيدًا من التصورات الغربية التي افترضت أن الضغوط العسكرية الخارجية قد تدفع تلقائيًا نحو انتفاضة داخلية. فبالنسبة إلى كثيرين، لا ينظر إلى الحرب بوصفها فرصة مثالية للتغيير، بل باعتبارها لحظة تهديد وطني قد تؤدي إلى الفوضى أو إعادة إنتاج أنماط التدخل الخارجي التي تركت أثرًا عميقًا في السابق.
لذا فإن جيل Z في وقت الحرب اتجه نحو إعادة التموضع داخل إطار وطني أوسع، أعاد فيه ترتيب أولوياته بصورة براجماتية. هذا التموضع لا يعكس بالضرورة ولاءًا للنظام، بقدر ما يعبر عن تمييز واعٍ بين معارضة داخلية مشروعة، وبين الانخراط في سياقات صراع خارجي ينظر إليه بوصفه امتدادًا لتوازنات لا تخدم بالضرورة مصالحه المباشرة. في هذا السياق، يصبح من الصعب اختزال جيل Z في ثنائية المعارضة أو الولاء، إذ يظهر هذا الجيل قدرة على الجمع بين معارضته للنظام من جهة، والانخراط في لحظة وطنية عند التهديد من جهة أخرى.
فالحرب، بما تحمله من دمار وعدم استقرار، أعادت إلى الأذهان تجارب دول أخرى في المنطقة. وأظهرت تقارير ميدانية أن الإيرانيين، بمن فيهم الشباب، انقسموا بين الخوف من الحرب والرغبة في التغيير، مع إدراك واسع أن الفوضى قد تكون أسوأ من الوضع القائم. ولم يعد السؤال الدائر بين أبناء هذا الجيل: "كيف نسقط النظام؟"، بل: "ما تكلفة سقوطه في ظل تدخل خارجي؟".
وتتجلى أهمية هذا الجيل في قدرته على إعادة تشكيل الوعي الجمعي وأنماط التفكير والسلوك الاجتماعي، بما يعيد تعريف العلاقة بين الفرد والدولة، ويفرض تدريجيًا تصورات جديدة للهوية والسلطة والانتماء داخل المجتمع الإيراني المعاصر. وبالتالي، فإن جيل Z الإيراني لا يظهر خمولًا سياسيًا بقدر ما يعيد ترتيب أولوياته في لحظات الخطر، منتقلًا من منطق الاحتجاج إلى منطق التماسك المجتمعي، وهو تحول يفسر لماذا لم تتحول الحرب إلى فرصة مباشرة لإسقاط النظام، رغم التراكم السابق في موجات الغضب الشعبي.[11]
في هذا الإطار، برزت المساحات الرقمية بين جيل Z خلال أيام الحرب، كبديل عملي عن الفضاء العام المقيد، فأصبحت منصات مثل Discord وWhatsApp أدوات لإعادة إنتاج التضامن الاجتماعي، وتبادل المعلومات، والدعم النفسي خلال القصف وانقطاع الخدمات. بل واستخدم جيل Z عدة وسائل لإظهار رفضه لتلك الحرب. إذ تظهر رسالة موجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ومساعده لشئون الشباب فيليبي باوليير، وقعها أكثر من 100 ألف من شباب جيل Z في إيران خلال ذروة التصعيد العسكري دلالة سياسية واجتماعية لافتة، حيث أعاد الخطاب الشبابي توجيه البوصلة نحو الخارج، مركزًا على الكلفة الإنسانية للهجمات، من سقوط آلاف الضحايا، بينهم مئات الأطفال، إلى تدمير المدارس والبنية التحتية، ومستندًا إلى مفاهيم القانون الدولي الإنساني وحقوق الطفل لمخاطبة المجتمع الدولي، حيث تراجعت الانقسامات الداخلية مؤقتًا لصالح شعور جمعي بالخطر.
كما أظهر أبناء جيل Z في إيران قدرة لافتة على توظيف توسعهم في الأدوات التكنولوجية والفضاءات الرقمية بوصفها وسائل لإنتاج المعنى وإعادة تشكيل السرديات السياسية، لا مجرد أدوات للتواصل أو الاستهلاك الثقافي. فهذا الجيل، المنخرط بعمق في المجال الرقمي العالمي، لم يتعامل مع الثقافة الغربية باعتبارها انعكاسًا لانفتاح تكنولوجي واتصالي فحسب، بل أعاد توظيف رموزها وأدواتها التعبيرية داخل سياقات سياسية محلية تخدم رؤيته الخاصة للصراع.
تجلى ذلك بوضوح في الاستخدام المكثف للسخرية الرقمية والميمات، التي تحولت إلى أداة فعالة لنقل رسائل سياسية موجهة، ليس فقط إلى الداخل الإيراني، بل أيضًا إلى الجمهور الأمريكي والغربي، بهدف تقديم رواية مغايرة للخطاب الأمريكي السائد بشأن الحرب. وبهذا المعنى، أصبحت الميمات والسخرية الرقمية جزءًا من "القوة الناعمة" التي يوظفها هذا الجيل في الفضاء الرقمي، عبر محتوى لا يكتفي باستخدام اللغة الإنجليزية، بل يستوعب أيضًا مفردات الثقافة الأمريكية وأنماط خطابها وأساليبها الساخرة، ما منح هذه المواد قدرة واسعة على الانتشار والتأثير عبر منصات متعددة، محققة ملايين المشاهدات والتفاعلات.[12]
ورغم أن مدى تأثيرها السياسي الفعلي لا يزال غير واضح، إلا أنها تكتسب أهمية خاصة في سياق المواجهة غير المباشرة مع الولايات المتحدة، حيث يصبح الفضاء الرقمي ساحة لإنتاج المعنى وتوجيهه، فالمتابعون يبتعدون عن المحتوى القاسي للحرب ويتجهون إلى شيء يبسط الأحداث بلغة يفهمونها، وهذا ما فعلته "فيديوهات ليغو" التي أطلقها هؤلاء الشباب، حيث جعلت فهم الصراع من منظور إيران أكثر سهولة، وفي الوقت نفسه لمست مشاعر عدم الرضا داخل الولايات المتحدة.[13] إذ كانت إحدى أكثر الرسائل انتشارًا هي الربط بين ترامب ونتنياهو وقضية إبستين، ومحاولة الإيحاء بأن الحرب تهدف لصرف الانتباه عن هذه القضية، وهي فكرة موجودة بالفعل في بعض الخطابات داخل الولايات المتحدة، مما جعل صحيفة الجارديان تصف ذلك بـ"إذا كانت إيران قادرة على تصنيع صواريخ مدمرة بالسرعة التي تنتج بها مقاطع الميمات الساخرة، لكان القيادة المركزية الأمريكية ستخرج رافعة الراية البيضاء منذ الآن".[14]
ختامًا، يختلف جيل Z في إيران عن الأجيال السابقة لأنه تشكل في سياق اجتماعي ورقمي مختلف جذريًا، فهو جيل نشأ في عالم أكثر اتصالًا وانفتاحًا، حيث تتراجع فعالية الخطاب الأيديولوجي التقليدي لصالح قيم الفردانية والحرية. كما أن تجربة جائحة كورونا عمقت هذا التحول، بعدما دفعت شرائح واسعة من الشباب إلى الفضاء الرقمي، بما وسع إدراكهم للعالم وأنتج وعيًا نقديًا أقل خضوعًا لقيود الدولة. ومع ذلك، فإن هذا التحول لم يترجم إلى مشروع ثوري يسعى إلى إسقاط النظام عند أول لحظة اضطراب خارجي، بما في ذلك لحظة الحرب. فجيل Z الإيراني لا يتحرك بعقلية الأجيال الثورية التقليدية، بل بمنطق أكثر براجماتية، إذ ينظر إلى الحرب باعتبارها لحظة تهدد الاستقرار الاجتماعي والمعيشي أكثر مما تمثل فرصة سياسية مباشرة للتغيير. لذلك، فضّل هذا الجيل التكيف والحفاظ على مسافة نقدية من السلطة بدل الانخراط في مواجهة شاملة قد تفتح الباب لفوضى أوسع أو تدخلات خارجية. ومن هنا، تكمن خصوصية هذا الجيل في أنه لا يواجه النظام عبر استغلال الفرص الخارجية، بل عبر إعادة تعريف العلاقة مع الدولة والمجتمع والهوية الوطنية على المدى الطويل، ولذلك فإن التحدي الحقيقي الذي يفرضه على النظام الإيراني لا يتمثل في خطر إسقاطه الفوري، بل في قدرته المتراكمة على تغيير الوعي الاجتماعي والسياسي بصورة قد تجعل أدوات السيطرة القديمة أقل فاعلية مع مرور الوقت.