هناك لحظات في التاريخ لا تكون فيها القمم مجرد لقاءات بين رؤساء، وإنما تتحول إلى إشارات على تغيرات أعمق في حركة العالم وتوازناته. ولعل قمة الرئيس الصيني شي جينبينج والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يومي 19 و20 مايو 2026 تمثل واحدة من هذه اللحظات الفارقة. فهذه القمة تنعقد بعد ساعات فقط من مغادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لبكين، وكأن العالم يشهد، في مشهد واحد وفي أقل من أسبوع، إعادة تشكيل المثلث الأكبر الذي يتحكم في السياسة الدولية، وهو المثلث الذي يجمع بين كل من بكين، وواشنطن، وموسكو.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه القمة الصينية-الروسية اليوم لا يقتصر فقط على مستقبل العلاقات بين بكين وموسكو، بل يمتد أيضاً إلى تساؤل أعمق، وهو هل نحن أمام تشكل محور أوراسي جديد، يبدأ من الصين مروراً بروسيا وصولاً إلى إيران، بما يجعل الشرق الأوسط ساحة محورية في إعادة رسم توازنات القوة على مستوى العالم؟
إن ما يجري بين بكين وموسكو يتجاوز كثيراً حدود "الشراكة بلا حدود" التي أعلنها الرئيسان الصيني والروسي قبل سنوات، لأن العالم نفسه تغير. فالحرب في أوكرانيا، والتصعيد الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران، والتوتر المتزايد حول تايوان وبحر الصين الجنوبي، والأزمات الاقتصادية العالمية، كلها دفعت القوى الكبرى إلى البحث عن تحالفات البقاء، لا مجرد تفاهمات المصالح العابرة.
وهنا بالضبط تبرز أهمية إيران. ذلك أن إيران لم تعد ـ في الحسابات الصينية والروسية ـ مجرد دولة إقليمية في الشرق الأوسط، وإنما تحولت إلى عقدة جغرافية واستراتيجية تمس أمن أوراسيا كلها. فمن يسيطر على طهران يقترب من الخليج العربي، ومضيق هرمز، والبحر الأحمر، وآسيا الوسطى، والممرات التي تتحكم في حركة الطاقة والتجارة العالمية. ولهذا، فإن إيران باتت تؤدي وظيفة تتجاوز حدودها الوطنية، وهي وظيفة "العمق الجنوبي" للمشروع الأوراسي الناشئ بين بكين وموسكو.
العقل الاقتصادي والتكنولوجي للمحور
الصين تدخل هذا المشروع باعتبارها "العقل الاقتصادي والتكنولوجي". فبكين لا تنظر إلى الشرق الأوسط بعين الأيديولوجيا، وإنما بعين الخرائط وخطوط التجارة والطاقة. النفط الخليجي بالنسبة للصين ليس مجرد سلعة، بل شريان حياة. والبحر الأحمر ليس مجرد ممر مائي، بل طريق استراتيجي لمبادرة "الحزام والطريق". ومن هنا نفهم لماذا تعمل الصين على بناء نظام مالي وتقني موازٍ للنظام الغربي، يعتمد على اليوان الرقمي، وشبكات الدفع البديلة، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية العابرة للقارات. فبكين تدرك أن معركتها الكبرى مع الولايات المتحدة لن تُحسم فقط بالأساطيل العسكرية، وإنما أيضاً بمن يسيطر على التكنولوجيا والاقتصاد العالمي. وهنا، لا تبحث الصين عن مغامرات عسكرية خارجية، وإنما هي دولة تفكر بعقل تاجر قديم وإمبراطور تاريخي في الوقت نفسه. هي تريد النفط، والأسواق، والممرات، والاستقرار الذي يسمح لها بأن تتحول إلى القوة الاقتصادية الأولى في العالم.
"العضلات" العسكرية واستراتيجية استنزاف الغرب
أما روسيا، فإنها تدخل هذا المحور الأوراسي الناشئ باعتبارها "العضلات" العسكرية أو "القوة الصلبة". فروسيا بوتين ترى أن الحرب في أوكرانيا ليست مجرد نزاع حدودي، وإنما مواجهة تاريخية مع الغرب على شكل النظام الدولي القادم. ولذلك فإن موسكو تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره "ساحة استنزاف استراتيجية" للولايات المتحدة. فكل حاملة طائرات أمريكية تتجه إلى الخليج العربي هي، من وجهة النظر الروسية، حاملة طائرات أقل على أبواب أوكرانيا وشرق أوروبا.
ومن يتابع الأدبيات الروسية الصادرة عن نادي فالداي أو مجلس الشئون الدولية الروسي يلاحظ بوضوح أن الكرملين يرى في التصعيد الأمريكي ضد إيران فرصة لإشغال واشنطن بعيداً عن الجبهة الأوكرانية، وإعادة توزيع الضغط العسكري والسياسي الأمريكي. ومن هنا، فإن موسكو لا ترى في إيران مجرد حليف تكتيكي، بل "خط دفاع متقدم" عن الأمن الروسي في الجنوب.
العمق الجيوسياسي وخط الدفاع الجنوبي
العنصر الأكثر أهمية في هذا المحور الأوراسي الصاعد هو الدور الإيراني. فطهران ليست بالنسبة للصين وروسيا مجرد حليف إقليمي، وإنما هي، في الحسابات الجيوسياسية، "خط الدفاع الجنوبي" عن أوراسيا كلها. إيران تملك الموقع، وتملك العقيدة، وتملك شبكة النفوذ الممتدة من الخليج العربي إلى شرق المتوسط. وهي بذلك تؤدي وظيفة لا تستطيع بكين أو موسكو القيام بها مباشرة وهي وظيفة الاشتباك الميداني اليومي مع النفوذ الأمريكي والإسرائيلي. ولذلك فإن طهران تحولت إلى ما يشبه "ممتص الصدمات" لهذا المحور كله، بينما تستفيد موسكو وبكين من استنزاف النفوذ الأمريكي دون الانخراط المباشر في المواجهة.
تحالف أوراسي بلا معاهدة
لكن الخطأ الكبير في كثير من التحليلات الغربية أنها تتصور هذا المحور الصيني-الروسي-الإيراني تحالفاً عسكرياً تقليدياً، على غرار حلف وارسو أو الناتو. والحقيقة أن قوته الحقيقية تكمن في أنه ليس كذلك. فالصين لا تريد أحلافاً ملزمة، وروسيا تعرف حدود قدرتها الاقتصادية، وإيران تدرك أنها لا تستطيع فرض رؤيتها على شركائها الكبار في بكين وموسكو. ولذلك نشأ ما يمكن وصفه بـ"التحالف المرن"، أو "تحالف الضرورة". وهو تحالف لا توجد له معاهدة دفاع مشترك، لكن توجد له مصالح مشتركة أعمق من المعاهدات نفسها. وهذا ما يجعل تفكيكه بالغ الصعوبة.
تناقضات داخلية تهدد المحور
غير أن هذا المحور الثلاثي، الآخذ في التشكل، رغم ما يبدو عليه من تماسك، يحمل داخله تناقضاته الخاصة. فروسيا تعرف أنها تتحول تدريجياً إلى "شريك أصغر" أمام القوة الاقتصادية والتكنولوجية الصينية، وهو ما يثير قلقاً داخل بعض النخب الروسية، خاصة مع التغلغل الصيني المتزايد في آسيا الوسطى. ومن جهتها، تدرك بكين أن موسكو قد تجرها إلى صراعات تستنزف مشروعها الاقتصادي العالمي، خاصة وأن روسيا ترى في "الفوضى المدارة" فرصة لإضعاف الغرب بصفة عامة والولايات المتحدة بصفة خاصة. أما إيران، فإنها تخشى أن تتحول في لحظة ما إلى "ورقة تفاوض" في صفقة كبرى بين واشنطن وكل من بكين أو موسكو، بينما تنظر طهران إلى الصراع مع واشنطن باعتباره معركة وجودية مرتبطة ببقاء النظام نفسه.
وهنا، تبدو المفارقة الكبرى وهي أن ما يجمع هذا المحور الثلاثي الصاعد ليس الثقة الكاملة، وإنما الخوف المشترك. الخوف من الهيمنة الأمريكية، والخوف من العقوبات الاقتصادية، والخوف من الاختناق الاستراتيجي.
إسرائيل وقلق التحول الاستراتيجي
أما إسرائيل، فهي تراقب هذا المشهد بقلق متزايد، لأن الخطر بالنسبة لتل أبيب لا يكمن فقط في الصواريخ أو المسيرات الإيرانية، وإنما في احتمال أن تتحول إيران إلى جزء من منظومة ردع أوسع تحظى بغطاء روسي-صيني. فإذا حصلت طهران على منظومات دفاع جوي متطورة، ودعم استخباراتي فضائي روسي، وحماية اقتصادية صينية من العقوبات، فإن ميزان القوى في الشرق الأوسط سوف يتغير بصورة جذرية. ولهذا فإن تل أبيب تدرك أن المعركة لم تعد فقط مع إيران، وإنما مع البيئة الدولية التي تسمح لإيران بالصمود والتحول إلى جزء من محور أوراسي أوسع.
الشرق الأوسط وأفريقيا في قلب الصراع
وفي الواقع، فإن ما يجري اليوم لا يتعلق فقط بالشرق الأوسط، وإنما بشكل العالم القادم. فالصراع بين القوى الكبرى لم يعد مجرد صراع جيوش وأساطيل، وإنما أصبح صراعاً على التكنولوجيا، وأشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد العالمية.
ومن هنا، فإن مشروع الربط بين مبادرة "الحزام والطريق" الصينية وممر "شمال ـ جنوب" الروسي-الإيراني ليس مجرد مشروع اقتصادي، وإنما محاولة لإعادة رسم خريطة التجارة الدولية بعيداً عن الهيمنة الأمريكية على ممرات الملاحة البحرية. كما أن التحركات الصينية والروسية والإيرانية في السودان وليبيا وإثيوبيا والقرن الأفريقي تكشف أن البحر الأحمر وقناة السويس أصبحا جزءاً من معركة النفوذ الكبرى بين الشرق والغرب.
ويبقى السؤال: هل تسفر قمة شي بوتين في بكين عن مولد محور أوراسي جديد في الشرق الأوسط؟
إن الإجابة هي: نعم… ولكن بشروط. فنحن لا نشهد حلفاً عسكرياً تقليدياً، وإنما نشهد ولادة "كتلة أوراسية مرنة"، تقوم على الضرورة الاستراتيجية والمصالح والخوف المشترك أكثر مما تقوم على الانسجام الكامل. ومما يزيد من إمكانية استمرار ونمو هذا المحور الناشئ هو استمرار الضغوط الأمريكية والغربية على أطرافه الثلاثة، بما يدفعهم إلى محاولة تشكيل نظام دولي متعدد الأقطاب.
إلا أن هذا المحور قد يتعرض للاهتزاز، بل وربما الانهيار الكامل، تحت ضغط التناقضات الداخلية بين اطرافه الثلاثة، أو إذا نجحت واشنطن، بقيادة الرئيس ترامب، في تفكيك مصالحه المشتركة عبر "صفقات كبرى" منفصلة مع بكين أو موسكو.
وفي كل الاحوال، تبرز حقيقة جديدة يصعب تجاهلها وهي أن منطقة الشرق الأوسط أصبحت مرة أخرى في قلب الصراع على شكل العالم القادم. فالسنوات الأخيرة كشفت أن التاريخ لا يتوقف، وأن الجغرافيا لا تستسلم، وأن الأمم الكبرى حين تشعر بالخطر الوجودي تعود إلى البحث عن تحالفات البقاء. وهنا بالضبط تبرز أهمية محور بكين ـ موسكو ـ طهران. وهذه هي الرسالة الأهم التي تحملها قمة شي ـ بوتين لعام 2026.