لم تعد الدبلوماسية المعاصرة مقتصرة على أنماطها التقليدية البروتوكولية الرسمية، وبياناتها المكتوبة، مع تطورها تدريجياً لتصبح في حد ذاتها عملية اتصال متعددة الوسائط، تحتل فيها الصورة موقعاً مركزياً؛ لما تملكه الصورة من قدرة استثنائية على تركيز المعنى، وتجاوز الحواجز اللغوية والثقافية، وإحداث تأثير عاطفي مباشر وآني، ما يجعلها أداة فاعلة في تشكيل الإدراك العام.
في هذا الإطار، تتقدم الصورة بوصفها مدخلاً لفهم التحولات التي تطال ممارسة الدبلوماسية المعاصرة، حيث أصبحت اللقطات المصاحبة للأنشطة الرسمية للمسئولين عناصر منتجة لمعانٍ سياسية وانعكاسات لأجواء وبيئات هذه الأنشطة، من زيارات وحضور مؤتمرات، واجتماعات، والمشاركة في الاحتفاليات. وتتجلى هذه التحولات بوضوح في الطريقة التي جرى بها توظيف المجال العام المصري خلال السنوات الأخيرة بوصفه مساحة دبلوماسية مرئية لإنتاج رسائل سياسية تتجاوز حدود البروتوكول التقليدي.
ومن ثم تأتي صور ومقاطع فيديو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وهو يتريض في شوارع الإسكندرية في زيارته الأخيرة لمصر، وصورته مع الرئيس عبد الفتاح السيسي أمام قلعة قايتباي -التي نشرها الرئيس السيسي على حسابه الخاص على انستجرام، معلقاً "صديقي الرئيس ماكرون أهلاً ومرحباً بكم ضيفاً عزيزاً في الإسكندرية عروس البحر المتوسط"- وقبلها بعدة أشهر جولته في حي الحسين بالقاهرة، وكذلك صور تريض قاده أوروبيين وزوجاتهم في ممشى مصر، في نوفمبر 2025 على هامش حضورهم حفل افتتاح المتحف المصري الكبير، وجولة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في حي الحسين أيضاً، مطلع يونيو 2025؛ كجزء من بنية دبلوماسية مرئية تعيد صياغة العلاقة بين الفعل والنشاط السياسي ومجاله العام، وتحمل دلالات تتجاوز لحظته الزمانية والمكانية، ويشتبك مع أسئلة أوسع تتعلق بما يحمله هذا النشاط من شحنة رمزية تتجاوز النصوص الرسمية التقليدية.
مفهوم "الدبلوماسية البصرية"
يشير مصطلح "الدبلوماسية البصرية" "Visual Diplomacy" إلى توظيف الصور، ومقاطع الفيديو، والرموز، والفعاليات المرئية كأدوات تهدف إلى التواصل مع الجمهور، وتشكيل تصوراته، وكذلك نقل رسائل سياسية ضمنية أو مباشرة دون الحاجة إلى خطاب صريح. وتعد "الدبلوماسية البصرية" امتداداً "للدبلوماسية الرقمية"، حيث يتم توظيف المحتوى المرئي لبناء صورة ذهنية للدولة، وتعزيز حضورها في المجال الدولي، والتأثير في اتجاهات الرأي العام.
ولا يمكن فصل فاعلية "الدبلوماسية البصرية" عن طبيعة البيئة الرقمية ذاتها، حيث تلعب خوارزميات المنصات دوراً مهماً في إعادة إنتاج وانتشار هذه الصور والمشاهد. إذ أن المحتوى البصري القصير، والعفوي، والقابل لإعادة التداول، يحظى بأولوية داخل المنصات الرقمية، بما يمنح الصور السياسية قدرة أكبر على الانتشار والتأثير مقارنة بالخطاب السياسي التقليدي.
ويمكن فهم ماهية وتأثير المصطلح اعتماداً على التحول النظري الأوسع في دراسة العلاقات الدولية، حيث باتت تقاس القوة إلى جانب القدرات المادية الصلبة، بالقدرة على تشكيل الإدراك وصناعة المعنى داخل الفضاء العام العالمي. ومن هنا تتقاطع "الدبلوماسية البصرية" مع حزمة من المقاربات النظرية التي أعادت تعريف مفهوم التأثير الدولي.
في مقدمة هذه المقاربات يبرز مفهوم "القوة الناعمة" الذي صاغه جوزيف ناي، والذي يقوم على فكرة أساسية مفادها أن الجاذبية الثقافية والصورة الذهنية قد تكون أكثر فاعلية من أدوات الضغط والإكراه التقليدية. وفي هذا السياق، تصبح الصورة السياسية أداة لإنتاج حالة من الانجذاب الرمزي للدولة أو الفاعل السياسي.
غير أن ما تضيفه "الدبلوماسية البصرية" على هذا الإطار؛ هو أنها تنقل القوة الناعمة من مستوى الثقافة إلى مستوى الحدث المرئي المباشر، بما يحمله من تأثيرات أكثر تركيزاً من الخطاب أو البيان السياسي والثقافي، وبالتالي تتحول الصورة إلى وحدة تحليل مستقلة، وليست مجرد ملحق بالخطاب السياسي.
كما تتقاطع هذه المقاربة حول وظيفة "الدبلوماسية البصرية" مع التصور البنائي في العلاقات الدولية، الذي يفترض أن الواقع السياسي يعاد إنتاجه من خلال التفاعل الاجتماعي والرمزي. وبناءً عليه، فإن الصور تعكس الواقع، وتشارك في تشكيله، من خلال إعادة تعريف مفاهيم مثل "الاستقرار"، و"الشراكة"، و"الأمن"، و"المكانة الإقليمية والدولية"، داخل الوعي الجمعي.
ومن ناحية أخرى، يمكن قراءة "الدبلوماسية البصرية" ضمن منطق "إدارة السرديات Narrative Management"، حيث تأتي أهمية تشكيل الإطار الذي تفهم من خلاله المعلومة التي تشير إليها الصورة، باعتبارها حدثاً في حد ذاته، وتفسيراً للمجال العام الذي جاءت فيه هذه الصورة، وهو ما يجعل الفضاء العام كما في حالة صور تريض الرئيس الفرنسي في شوارع الإسكندرية بحراسة مخففة، مساحة لإنتاج معنى ورسالة يتلقاها الداخل في الدولة المضيفة، كما يتلقاها العالم الخارجي.
"الدبلوماسية البصرية" كآليه لأنسنة السياسة
تكشف صور ومشاهد الرؤساء والدبلوماسيين في كل من الإسكندرية، وممشى مصر، وحي الحسين، حضوراً أجنبياً في المجال العام المصري، يعيد تعريف هذا المجال بذاته بوصفه مساحة سياسية مرئية قابلة للتوظيف الدبلوماسي. إذ أن اختيار أماكن مفتوحة، ذات طابع حضري وحضاري، يحمل دلالة على إعادة تقديم مصر لنفسها بوصفها دولة مستقرة، قادرة على استضافة فاعلين دوليين كبار في سياق ودي غير أمني بالمعني التقليدي، منفتح على التفاعل الإنساني غير الرسمي بين القادة والجمهور.
وهنا تحديداً، يتحول المكان نفسه إلى خطاب سياسي موازٍ للصورة، كما أن تكرار هذه المشاهد خلال فترات مختلفة، ومع فاعلين متنوعين، يخلق ما يشبه نمطاً بصرياً لصورة الدولة ومكانتها في الإقليم وطبيعة علاقاتها بالأطراف الدولية.
إذ راكم هذا النمط المرئي نفسه من خلال التكرار لأكثر من مرة، حتى تحول هو في حد ذاته مع الوقت إلى سردية مستقرة في الذاكرة الجماعية. وفي الحالة المصرية ومع الرئيس الفرنسي تحديداً استخدمت الصورة لشرح العلاقات المصرية-الفرنسية، بدون كلمات، حيث عبّرت الصور عن مستوى من العلاقات المستقرة بين البلدين، ضمن مساحات من الأمان والثقة والود المتبادل. هذا الاستقرار الرمزي، الذي أخذ كانطباع لصور الرئيس الفرنسي في مصر بات لا يقل أهمية عن الاستقرار السياسي والاقتصادي. إذ أنه يخاطب عواطف الجمهور مباشرة، ويُؤَنسِن السياسة الجامدة ويجعلها أكثر قرباً وفهماً من المتلقي.
ولعل أحد أهم أبعاد هذه المشاهد يتمثل في إعادة تقديم السياسي في صورة أكثر إنسانية وأقل رسمية. فحين يظهر الرؤساء والدبلوماسيون وهم يتحركون داخل فضاء عام مفتوح وسط الجماهير، فإننا لا نكون أمام تمثيل رسمي للسلطة، وإنما أمام إعادة صياغة لصورة السلطة نفسها. إذ تتحول العفوية التي تحملها هذه المشاهد إلى محفز عاطفي لتلقي الحدث بالاستحسان والتفاعل معه.
الصورة كأداة لإعادة تموضع الدولة
لا يمكن فصل هذه المشاهد عن السياق الأوسع لنهج مصر في إعادة تموضعها داخل التوازنات الإقليمية والدولية. إذ تخاطب صور القادة في الفضاء العام المصري الداخل المصري وتمنحه المزيد من الثقة في قدرة الدولة على الحفاظ على موقعها ومكانتها الإقليمية والدولية، كما تستخدم لمخاطبة الخارج كجزء من خطاب بصري يعيد تقديم مصر بوصفهاً فاعلاً مستقراً آمناً في بيئة إقليمية مضطربة.
في هذا الإطار، تصبح الصورة أداة لإدارة الانطباع الدولي حول الدولة، خصوصاً في ظل التنافس المتزايد على الاستثمار، وحيازة مسوغات الأمن الإقليمي. وبالتالي فإن كل ظهور لرئيس وسياسي أجنبي في فضاء عام مصري مفتوح يعد في حد ذاته رسالة غير مباشرة عن درجة الثقة ومستوى الاستقرار وطبيعة الشراكة السياسية.
وبهذا، يمكن القول إن زيارات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمصر تتجاوز كونها زيارات رسمية في أبعادها البروتوكولية، مع تحولها في كل مرة إلى مساحة لإعادة تقديم العلاقة بين مصر وأوروبا داخل إطار بصري شديد التأثير، يتم فيه توظيف الفضاء العام بوصفه وسيطاً سياسياً يوجه الرسائل أكثر مما ينقلها.
كما تكشف هذه الزيارات عن تحول في طبيعة الدبلوماسية الأوروبية نفسها، التي باتت أكثر ميلاً إلى توظيف الصور غير الرسمية لإعادة بناء حضورها في الجنوب العالمي، عبر إنتاج مشاهد تظهر المسئولين الأوروبيين في حالة تفاعل مباشر مع المجال العام في الدول الشريكة.
وفي المقابل، تستفيد مصر كدولة مضيفة من توظيف هذا النوع من الزيارات أوروبياً في إعادة إنتاج صورتها أمام العالم، عبر ما يمكن تسميته بــ"التسويق البصري للمكان والمكانة السياسية"، حيث تتحول المدن إلى منصات عرض، والشوارع إلى فضاءات للخطاب الصامت الذي تعبر عنه الصور ببلاغة، والمشهد اليومي إلى رسالة سياسية موجهة لجمهور حول العالم يتلقى الصورة قبل أن يقرأ النص المصاحب لها.
ومن هنا، فإن أهمية زيارة ماكرون لا تكمن فقط في مضمونها السياسي المباشر، بل في قدرتها على إنتاج معانٍ إضافية، تبنى خارج طاولة المباحثات، في داخل الشارع، وعبر الصورة، في توقيت تبدو فيه السياسة أقرب إلى الأداء البصري منه إلى الخطاب التقليدي. فبذلك، أصبحت المدن إلى جانب كونها خلفية للحدث السياسي، جزءاً من بنية إنتاجه، في عالم باتت فيه الصورة قادرة على ممارسة أدوار دبلوماسية تتجاوز أحياناً تأثير الخطاب الرسمي ذاته في تشكيل الإدراك الدولي وإعادة إنتاج المكانة السياسية للدول.