د. دينا شحاتة

خبيرة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

مقدمة: عودة مفهوم الحضارة في الفكر السياسي المعاصر

ظهرت قناعة منذ تسعينيات القرن العشرين، أن الديمقراطية الليبرالية، واقتصاد السوق، وحقوق الإنسان، والدولة الدستورية، والنظام الدولي القائم على قواعد ما بعد الحرب الباردة، تشكل جميعًا أفقًا شبه كوني للتطور السياسي. لم يكن المقصود أن جميع الدول قد أصبحت ليبرالية بالفعل، بل أن الاتجاه العام للتاريخ، كما صاغته الأدبيات الغربية الصاعدة بعد الحرب الباردة، يسير نحو تعميم النموذج الليبرالي بوصفه معيارًا للحكم على الشرعية السياسية والتقدم المؤسسي والاندماج في النظام الدولي. إلا أن العقود الثلاثة التالية كشفت هشاشة هذا الافتراض، حيث ساهمت الحروب الغربية في الشرق الأوسط، والأزمة المالية العالمية عام 2008، وصعود الصين، وعودة روسيا إلى سياسة دوائر النفوذ، وتحولات الهند في ظل مودي، والأزمات الداخلية للديمقراطيات الغربية نفسها، في إضعاف الادعاء بأن النموذج الليبرالي الغربي يمثل الصيغة النهائية أو الطبيعية للحداثة السياسية. [1]

في هذا السياق، برز مفهوم "الدولة الحضارية" في السنوات الأخيرة بوصفه أحد التعبيرات الفكرية والسياسية عن عالم لم يعد يقبل باحتكار الغرب لتعريف الشرعية والتقدم وشكل النظام العالمي. فالدولة الحضارية لا تقدم نفسها باعتبارها دولة قومية عادية، ولا بوصفها حالة انتقالية في طريقها إلى النموذج الليبرالي، بل باعتبارها التعبير المؤسسي عن تكوين تاريخي وثقافي أعمق من الدولة القومية الحديثة. إنها دولة تدعي أنها لا تستمد شرعيتها فقط من الدستور أو الانتخابات أو الأداء الاقتصادي، بل أيضًا من الاستمرارية التاريخية، والخصوصية الثقافية، والذاكرة الجمعية، والقدرة على تمثيل حضارة ممتدة في الزمان والمكان. بهذا المعنى، يتحول مفهوم الدولة الحضارية إلى أطروحة مضادة للكونية الليبرالية؛ فهو لا يرفض الغرب بوصفه قوة مادية فحسب، بل يرفض أيضًا حقه في احتكار المعايير التي تقاس بها شرعية النظم السياسية. [2]

 تؤكد هذه الدراسة بأن خطاب الدولة الحضارية لا يمثل مجرد عودة إلى الثقافة أو الهوية، بل يمثل لغة سياسية جديدة تسعي من خلالها قوى كبرى غير غربية الي نقد الكونية الليبرالية التي ارتبطت بالنظام الدولي بعد الحرب الباردة. غير أن هذا الخطاب لا يتخذ صورة واحدة؛ ففي الصين يرتبط مفهوم الدولة الحضارية بالاستمرارية التاريخية وشرعية الإنجاز والتنمية والكفاءة السياسية، وفي روسيا يتداخل مع الذاكرة الإمبراطورية والمقاومة الجيوسياسية للغرب، وفي الهند يتجسد في الجدل حول مفهوم باهارات والهندوتفا والتحول من الديمقراطية التعددية إلى الديمقراطية الإثنية. ومن ثم، فإن أهمية المفهوم لا تكمن فقط في مدى دقته الوصفية، بل في الوظائف الفكرية والسياسية التي يؤديها: فهو يكشف حدود الكونية الغربية، لكنه قد يتحول أيضًا إلى لغة لتبرير السلطوية، أو القومية الإثنية، أو التوسع الجيوسياسي. [3]

أولًا: الجذور الفكرية وصعود أطروحة الدولة الحضارية

ليست "الحضارة" مفهومًا جديدًا في دراسة التاريخ والسياسة. فقد استخدمها مفكرون ومؤرخون مثل نيكولاي دانيلفسكي، وأوزوالد شبنغلر، وأرنولد توينبي، ثم صمويل هنتنغتون، بوصفها وحدة كبرى لتحليل التاريخ والصراع والاختلاف الثقافي. غير أن الاستخدام الراهن للمفهوم يختلف عن تلك الصياغات السابقة. فالنقاش لم يعد يدور فقط حول صعود الحضارات وسقوطها، أو حول صدامها، أو حول الفروق الثقافية بينها، بل حول قدرة بعض الدول الكبرى على تقديم نفسها بوصفها تجسيدًا سياسيًا لحضارة كاملة. بذلك تتحول الحضارة من موضوع للتحليل التاريخي إلى مصدر للشرعية السياسية، ومن وصف ثقافي إلى ادعاء سيادي. [4]

يقوم مفهوم الدولة الحضارية على نقد ضمني لفكرة الدولة القومية الحديثة. فالدولة القومية، كما تشكلت في الخبرة الأوروبية الحديثة، تقوم على الإقليم، والسيادة، والمواطنة، والقانون، والتمثيل السياسي، والهوية الوطنية. أما الدولة الحضارية فتدعي أنها أعمق من ذلك؛ فهي لا تمثل شعبًا سياسيًا حديثًا فحسب، بل تمثل استمرارية تاريخية وثقافية ممتدة، تسبق الدولة الحديثة وتمنحها معناها. ولذلك لا ترى نفسها ملزمة بأن تقاس بالمعايير نفسها التي تقاس بها الدولة الليبرالية الغربية. فشرعيتها، بحسب هذا المنطق، لا تستمد فقط من الإجراءات الانتخابية أو التعددية الحزبية أو الحقوق الفردية، بل من قدرتها على حماية وحدة حضارية، واستعادة مكانة تاريخية، وإدارة مجتمع واسع ومعقد وفق تقاليده الخاصة.

وقد اكتسب المفهوم زخمه الراهن نتيجة تلاقي ثلاث تحولات كبرى. أولها تراجع الجاذبية الأخلاقية والسياسية للنظام الليبرالي الغربي، خصوصًا بعد الحروب الأمريكية في الشرق الأوسط، والأزمة المالية العالمية، وصعود الشعبوية داخل الغرب نفسه. وثانيها صعود قوى كبرى غير غربية تمتلك من القدرة الاقتصادية أو العسكرية أو الديموغرافية ما يسمح لها بأن تطالب لا فقط بموقع أكبر داخل النظام الدولي، بل أيضًا بحق المشاركة في تعريف قواعده ومعاييره. وثالثها التحول من عالم أحادي القطبية إلى عالم أكثر تعددية، حيث لم تعد المنافسة تدور فقط حول القوة والمصالح، بل أيضًا حول النماذج والمعاني والشرعيات.

غير أن قوة المفهوم تكمن أيضًا في التباسه. فهو يطرح سؤالًا مشروعًا حول حدود اختزال الحداثة السياسية في التجربة الغربية الليبرالية، لكنه يفتح الباب في الوقت نفسه أمام تحويل الحضارة إلى سردية رسمية تحتكرها الدولة أو الحزب أو الزعيم. فحين تصبح الدولة هي المتحدث باسم الحضارة، يصبح من السهل تصوير المعارضة الداخلية بوصفها خروجًا على الهوية، وتقديم المطالب الحقوقية باعتبارها تغريبًا، والنظر إلى الأقليات لا بوصفها مكونات أصيلة في المجتمع، بل باعتبارها اختبارًا لمدى قبولها بالهوية الحضارية التي تحددها الأغلبية أو السلطة. [5]

لذلك لا ينبغي التعامل مع الصين وروسيا والهند بوصفها نماذج متطابقة للدولة الحضارية. فالصين تقدم الصيغة الأكثر تماسكًا من حيث الربط بين الحضارة والدولة والتنمية والكفاءة السياسية. وروسيا تقدم الصيغة الأكثر ارتباطًا بالذاكرة الإمبراطورية والمقاومة الجيوسياسية للغرب. أما الهند فتقدم الحالة الأكثر التباسًا، لأن خطابها الحضاري يتحرك داخل نظام ديمقراطي انتخابي، لكنه يدفعه في اتجاه أغلبية هندوسية تعيد تعريف معنى الأمة والمواطنة. ومن ثم، فإن القيمة التحليلية للمفهوم لا تكمن في التعامل معه كتصنيف موحد، بل في تتبع اختلافاته الداخلية: كيف تتحول الحضارة في كل حالة إلى لغة مختلفة للسلطة والشرعية والمكانة الدولية؟

ثانيًا: الصين: الاستمرارية الحضارية والشرعية التنموية والكفاءة السياسية

تمثل الصين الحالة الأكثر تماسكًا في خطاب الدولة الحضارية، لأنها لا تكتفي بالقول إن لها خصوصية ثقافية أو تاريخية، بل تقدم هذه الخصوصية بوصفها أساسًا لنموذج سياسي وتنموي مختلف. فالخطاب الصيني المعاصر لا يصف الصين باعتبارها دولة قومية حديثة فحسب، ولا بوصفها نظامًا سلطويًا في مواجهة الديمقراطية الغربية، بل باعتبارها دولة حضارية استطاعت أن تدمج بين استمرارية تاريخية طويلة ومؤسسات دولة حديثة وحزب حاكم ذي قدرة تنظيمية عالية. ومن هنا، فإن الصين لا تطلب أن تُفهم فقط كقوة صاعدة داخل النظام الدولي، بل كقوة تحمل تصورًا مختلفًا للحداثة السياسية وللعلاقة بين الدولة والمجتمع والتاريخ. [6]

يقدم جانغ ويوي الصياغة الأكثر مباشرة لهذا التصور. فهو يرى أن صعود الصين ليس صعود "دولة عادية"، بل صعود دولة حضارية ونموذج تنموي وخطاب سياسي جديد، يتحدى كثيرًا من الافتراضات الغربية حول الديمقراطية والحكم وحقوق الإنسان. وتقوم أطروحته على فكرة أن الصين ليست مجرد كيان سياسي نشأ في العصر الحديث، بل حضارة ممتدة استطاعت أن تتحول إلى دولة حديثة دون أن تفقد ذاكرتها التاريخية أو منطقها السياسي الخاص. وبذلك تصبح الصين، في هذا التصور، استثناءً مقارنًا: فهي ليست إمبراطورية قديمة انحلت إلى دول متعددة، وليست دولة قومية حديثة بلا عمق حضاري، بل حالة دمج بين الحضارة والدولة. [7]

ولا يقف الخطاب الصيني عند مستوى الهوية الحضارية، بل يمنحها مضمونًا مؤسسيًا من خلال فكرة "الكفاءة السياسية". هنا تبرز أهمية دانيال بيل، الذي يحاول أن يقدم النموذج الصيني لا كنموذج سلطوي، بل كنموذج يقوم، في صورته المثالية، على مزيج من المشاركة المحلية، والتجريب في المستويات الوسطى، والاختيار القائم على الكفاءة للنخب السياسية في قمة النظام. فالمشكلة، في نظر بيل، ليست في الديمقراطية كقيمة مطلقة، بل في اختزال الشرعية السياسية في مبدأ "شخص واحد، صوت واحد"، وإهمال سؤال الكفاءة والخبرة والقدرة على الحكم طويل المدى. بهذا المعنى، لا تقول الصين فقط إن لها تاريخًا مختلفًا، بل إن هذا التاريخ يتضمن تقليدًا سياسيًا يولي أهمية لاختيار الحكام الأكفأ، وتدرجهم في المسئوليات، واختبار قدرتهم الإدارية قبل وصولهم إلى قمة السلطة. [8]

ويضاف إلى ذلك بُعد ثالث يتعلق بالنظام العالمي. فالصين، في بعض صيغ خطابها الفكري، لا تقدم نفسها فقط كدولة ذات نظام سياسي مختلف، بل كحاملة لمفاهيم بديلة في التفكير الكوني. وهنا تبرز أهمية تشاو تينغيانغ وأطروحته حول "تيانشيا" أو "كل ما تحت السماء". فالمدخل الأساسي عند تشاو هو نقد النظام الدولي الحديث لأنه يبدأ من الدولة القومية بوصفها الوحدة الأولى للتحليل، بينما ينبغي، في نظره، أن يبدأ التفكير السياسي من "العالم ككل". فالنظام الوستفالي، القائم على سيادة الدول وتوازن القوى، ينتج عالمًا قائما على التمييز بين الذات والآخرين والخصومات والحروب، في حين أن تصور "تيانشيا" يسعى إلى تخيل نظام عالمي لا يُقصي أحدًا إلى الخارج، ولا يحول الاختلاف إلى عداوة دائمة. [9]

تمنح هذه الأطروحات الخطاب الصيني طابعًا مركبًا. فهو يقوم على ثلاثة مستويات: مستوى تاريخي يرى الصين حضارة مستمرة؛ ومستوى مؤسسي يقدم الدولة الصينية بوصفها دولة تنموية قائمة على الكفاءة والانجاز؛ ومستوى كوني يسعى إلى تقديم مفاهيم بديلة للنظام العالمي. ولهذا يبدو النموذج الصيني أكثر تماسكًا من الحالتين الروسية والهندية. فروسيا لا تمتلك نموذجًا تنمويًا قادرًا على منافسة النموذج الصيني، والهند لا تزال في خضم صراع داخلي عميق حول معنى الأمة والحضارة والديمقراطية. أما الصين، فتقدم نفسها كدليل عملي على إمكان التحديث دون الليبرالية، والتنمية دون الديمقراطية التنافسية، والعولمة دون الخضوع للكونية الغربية.

ثالثًا: روسيا: الأوراسية والذاكرة الإمبراطورية والمقاومة الجيوسياسية

تختلف الحالة الروسية عن الحالة الصينية في نقطة جوهرية: فروسيا لا تقدم نفسها بوصفها نموذجًا تنمويًا ناجحًا قادرًا على منافسة الغرب، ولا بوصفها دولة ذات كفاءة مؤسسية يمكن أن تشكل بديلًا عمليًا للديمقراطية الليبرالية. بل إن خطابها الحضاري يتشكل أساسًا من موقع آخر: موقع الذاكرة الإمبراطورية، والشعور بفقدان المكانة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، والرغبة في مقاومة الهيمنة الغربية، وإعادة تعريف روسيا بوصفها فضاءً حضاريًا لا يمكن اختزاله في حدود الدولة القومية الحديثة. ومن ثم، فإن "الدولة الحضارية" في الحالة الروسية لا تبدو مشروعًا للتحديث بقدر ما تبدو لغة لإعادة المعنى إلى قوة فقدت إمبراطورية، وتقاوم التحول إلى دولة قومية عادية داخل نظام دولي غربي القيادة. [10]

تقدم مارلين لارويل أحد أهم المداخل لفهم هذا الخطاب من خلال تحليلها للأوراسية الروسية. فالأوراسية ليست، في قراءتها، عقيدة واحدة متماسكة، ولا برنامجًا رسميًا مباشرًا للسياسة الروسية، بل حقل أيديولوجي واسع ومرن، يسمح بإعادة تخيل روسيا بوصفها أكثر من دولة: إمبراطورية، وفضاءً جيوسياسيًا، وتكوينًا حضاريًا يقع بين أوروبا وآسيا دون أن يذوب في أي منهما. وتكمن أهمية هذا التصور في أنه يحول الالتباس الروسي القديم -هل روسيا أوروبية أم آسيوية؟- إلى مصدر للتمايز والرسالة التاريخية. فروسيا، في هذا الخطاب، ليست دولة هامشية على أطراف أوروبا، بل مركز حضاري الأوراسي مستقل، له منطق تاريخي وثقافي وجغرافي خاص. [11]

وقد اكتسبت الأوراسية الجديدة زخمًا خاصًا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. فالتسعينيات الروسية لم تكن مجرد مرحلة انتقال اقتصادي وسياسي، بل كانت أيضًا لحظة فراغ أيديولوجي وانكسار رمزي. فقدت روسيا الإمبراطورية السوفيتية، وفقدت موقع القوة العظمى، وبدت عاجزة عن الاندماج الندي في الغرب المنتصر. في هذا السياق، وفر الخطاب الأوراسي وسيلة لاستعادة الاستمرارية: فإذا كان الاتحاد السوفيتي قد انهار كأيديولوجيا شيوعية، فإن المجال الروسي الأوراسي يمكن أن يعاد تخيله كحقيقة حضارية أعمق من الشيوعية ومن الدولة الروسية ذاتها. وهكذا تحولت الجغرافيا إلى ذاكرة، والفضاء إلى هوية، والإمبراطورية إلى قدر حضاري.

في هذا السياق، يقدم ألكسندر دوغين الصيغة الأكثر راديكالية لهذا التخيل الحضاري. ففي كتابه "النظرية السياسية الرابعة"، ينطلق دوغين من فكرة أن الأيديولوجيات السياسية الكبرى في القرن العشرين قد استنفدت نفسها: الليبرالية، والشيوعية، والفاشية. فالفاشية هُزمت عسكريًا، والشيوعية انهارت تاريخيًا، أما الليبرالية فقد انتصرت لكنها تحولت، في نظره، إلى نظام عالمي فارغ من السياسة، قائم على الفردانية، والاستهلاك، والعولمة، وما بعد الحداثة، والهيمنة الأطلسية. ومن ثم، يدعو دوغين إلى نظرية سياسية رابعة تتجاوز الأيديولوجيات الثلاث، وتعيد الاعتبار إلى الهوية، والجذور، والتقاليد، والتعددية الحضارية، والفضاءات الكبرى. [12]

وتكمن أهمية دوغين في أنه يمنح الخطاب الحضاري الروسي صياغته الأيديولوجية القصوى: معاداة الليبرالية، ومعاداة الأطلسية، والدعوة إلى عالم متعدد الأقطاب، والنظر إلى روسيا بوصفها ذاتًا حضارية مهددة بالذوبان إذا قبلت الاندماج في النظام الليبرالي العالمي. بهذا المعنى، لا يفسر دوغين السياسة الروسية وحده، لكنه يكشف الحد الأقصى لما يمكن أن يصل إليه منطق الحضارة حين يتحول إلى صراع وجودي مع الغرب. ولهذا تبدو العلاقة بين الخطاب الحضاري الروسي والواقعية السياسية أكثر وضوحًا من الحالتين الصينية والهندية. فالحضارة في الحالة الروسية لا تعمل فقط كلغة للهوية، بل كأداة لإضفاء معنى أخلاقي وتاريخي على الصراع الجيوسياسي. فهي تسمح بتحويل الخلاف حول الأمن، والنفوذ، والحدود، وموازين القوى، إلى صراع حول حماية حضارة مهددة. ومن ثم، يمكن أن تُستخدم مفردات الحضارة لتبرير مناطق النفوذ، أو رفض توسع الناتو، أو الدفاع عن "العالم الروسي"، أو تصوير أوكرانيا لا كدولة مستقلة ذات سيادة كاملة، بل كجزء من فضاء تاريخي وروحي أوسع. هنا لا تلغي الدولة الحضارية منطق القوة، بل تعيد صياغته في لغة الهوية والمصير.

غير أن هذا الخطاب يحتوي على مفارقة عميقة. فهو يتحدث عن التعددية الحضارية في مواجهة الكونية الغربية، لكنه في الوقت نفسه يميل إلى إعادة تمركز روسيا داخل هذا التعدد. فالأوراسية تحتفي، ظاهريًا، بتعدد الشعوب والثقافات والأديان داخل المجال الروسي ـ الأوراسي، لكنها غالبًا ما تفترض أن روسيا هي المركز المنظم لهذا التعدد. وبذلك، يصبح نقد الهيمنة الغربية مصحوبًا بإمكان إعادة إنتاج هيمنة روسية داخل مجالها القريب. لذلك يمكن تلخيص الفرق بين الحالتين في أن الصين تستخدم الحضارة لتطبيع نموذج بديل للحداثة، بينما تستخدم روسيا الحضارة لإضفاء الشرعية على مقاومة جيوسياسية وذاكرة إمبراطورية لم تُحسم بعد. [13]

رابعًا: الهند: باهارات والهندوتفا والديمقراطية الحضارية

تمثل الهند الحالة الأكثر التباسًا بين الحالات الثلاث، لأنها لا تقدم خطاب الدولة الحضارية من داخل نظام حزبي مركزي كما في الصين، ولا من داخل دولة ما بعد إمبراطورية تعرّف نفسها في مواجهة الغرب كما في روسيا، بل من داخل ديمقراطية انتخابية واسعة ومتعددة ومتنازعة على معنى ذاتها. فالهند ليست فقط دولة صاعدة تبحث عن مكانة أكبر في النظام الدولي، بل أيضًا مجتمع سياسي يخوض صراعًا داخليًا حول تعريف الأمة: هل هي جمهورية دستورية تعددية تضم هويات دينية ولغوية وقومية متعددة، أم أنها في جوهرها "باهارات" - وهو الاسم التاريخي للهند - أي وطن حضاري هندوسي تشكل الهندوتفا مرجعيته العميقة؟ من هنا، لا تظهر الدولة الحضارية في الحالة الهندية كصيغة مكتملة، بل كمشروع سياسي وفكري يتقدم داخل الديمقراطية الهندية، ويعيد تشكيلها من الداخل. [14]

تعود الجذور الفكرية لهذا المشروع إلى فيناياك دامودار سافاركار، الذي قدم في نصه المؤسس عن الهندوتفا تعريفًا للهندية/الهندوسية يتجاوز الدين بالمعنى الضيق. فالهندوتفا، عند سافاركار، ليست مرادفة للهندوسية كعقيدة دينية، بل هي هوية قومية ـ حضارية تشمل التاريخ، والأرض، والثقافة، والدم، والذاكرة الجمعية. لذلك يميز بين الهندوسية Hinduism باعتبارها دينًا، و هندوتفا Hindutva باعتبارها الكينونة الأوسع للشعب الهندوسي. وتقوم هذه الكينونة، في تعريفه، على الأمة المشتركة، والأصل أو الجماعة المشتركة، والحضارة أو الثقافة المشتركة. [15]

تكمن أهمية سافاركار في أنه ينقل الانتماء من مستوى المواطنة السياسية إلى مستوى أعمق من الجغرافيا المقدسة. فالهندي الكامل، في تصوره، هو من تكون الهند له "أرض الآباء" و"الأرض المقدسة" في آنٍ واحد. بهذا المعنى، لا يكفي أن يولد المرء في الهند أو أن يعيش فيها أو أن يكون منحدرًا من أصول هندية؛ بل ينبغي أن تكون مراكز ذاكرته الدينية والحضارية داخل الهند نفسها. وهنا يتضح البعد الإقصائي في الهندوتفا: فالمسلمون والمسيحيون قد تكون الهند وطنهم، لكنها ليست، بحسب هذا التصور، أرضهم المقدسة، لأن مراكزهم الرمزية والدينية تقع خارجها. وهكذا يتحول سؤال المواطنة إلى سؤال ولاء حضاري، وتصبح الأقليات الدينية مطالبة بإثبات اندماجها في هوية حضارية تحددها الأغلبية. [16]

غير أن الهندوتفا لم تبقَ مجرد نص أيديولوجي أو تراثي، بل تحولت في العقود الأخيرة إلى مشروع سياسي واسع مع صعود ناريندرا مودي وحزب بهاراتيا جاناتا. وهنا تبرز أهمية كريستوف جافرلو، الذي لا يدرس الهندوتفا كفكرة فقط، بل يتتبع كيفية تحولها إلى إعادة صياغة عملية للديمقراطية الهندية. فبحسب جافرلو، انتقلت الهند في عهد مودي نحو ما يسميه "الديمقراطية الإثنية"، حيث تستمر الانتخابات والتنافس الحزبي والشرعية الشعبية، لكن الأمة تُعاد صياغتها بوصفها أمة الأغلبية الهندوسية، بينما تتحول الأقليات، خصوصًا المسلمين، إلى مواطنين أقل مساواة أو أقل انتماءً في الخيال السياسي المهيمن. [17]

وهذا ما يجعل الحالة الهندية مختلفة عن السلطوية الصريحة. فالتحول لا يتم عبر إلغاء الديمقراطية، بل عبر إعادة تعريف مضمونها. فالديمقراطية هنا لا تُفهم فقط بوصفها نظامًا لحماية التعددية والمواطنة المتساوية، بل كآلية تمنح الأغلبية الاثنية حقًا متزايدًا في إعادة تشكيل الدولة والمجال العام والذاكرة الوطنية. بهذا المعنى، تصبح الانتخابات أداة لتفويض مشروع حضاري أغلبي، لا مجرد وسيلة لتداول السلطة. وهنا تكمن خطورة "الديمقراطية الإثنية": فهي تحتفظ بالشكل الانتخابي، لكنها تغير مضمون المواطنة، فتجعل الانتماء الكامل مشروطًا بالتماهي مع تصور أغلبي للأمة والحضارة.

لكن الخطاب الحضاري الهندي لا يقتصر على الداخل. فهناك أيضًا بعد خارجي واستراتيجي يتضح في كتاب س. جايشانكار، "طريقة الهند". فالهند، في هذا التصور، ليست مجرد دولة نامية خرجت من الاستعمار وتبحث عن التنمية، بل قوة حضارية صاعدة تسعى إلى استعادة مكانتها في عالم متعدد الأقطاب. ويضع جايشانكار التفكير الاستراتيجي الهندي في سياق التاريخ والتقاليد، ويؤكد أن الهند ينبغي أن تطور طريقتها الخاصة في التعامل مع عالم غير مستقر، لا أن تظل أسيرة نماذج غربية أو شعارات القرن العشرين. [18]

وتكمن أهمية جايشانكار في استدعائه للتراث الهندي كمصدر للتفكير الاستراتيجي. فهو يرى أن المهابهاراتا، وكاوتيليا، والتجربة التاريخية الهندية، ليست مجرد عناصر ثقافية أو أدبية، بل مخزون مفاهيمي يمكن أن يساعد الهند على التفكير في القوة، والتحالفات، والمصلحة، والتعدد، والخصومة. وبهذا المعنى، لا يطالب الخطاب الهندي المعاصر فقط بالاعتراف بقوة الهند، بل بالاعتراف بقدرتها على إنتاج مفاهيمها الخاصة في السياسة والاستراتيجية. وهذا يقرّب الهند من الصين في جانب مهم: كلتاهما لا تريد فقط مقعدًا أكبر في النظام الدولي، بل تريد أيضًا أن تؤخذ تقاليدها الفكرية والسياسية بجدية. [19]

ومن هنا تأتي أهمية أمارتيا سن كصوت نقدي داخلي. فسن يرفض اختزال الهند في هوية حضارية واحدة، ويحذر من اختزال البشر والمجتمعات داخل تصنيفات دينية أو حضارية مغلقة. وهو يؤكد أن الهند لا يمكن فهمها بوصفها حضارة هندوسية خالصة، لأن تاريخها وثقافتها ومجالها العام تشكلت عبر تداخل هندوسي وإسلامي وبوذي وجايني وسيخي ومسيحي، وعلماني، ولغوي، وإقليمي. لذلك يمكن القول إن الهند تكشف أن الدولة الحضارية لا تأتي دائمًا في صورة سلطوية مباشرة؛ فقد تأتي أيضًا في صورة ديمقراطية أغلبية تعيد تعريف الحرية والمواطنة والتعددية باسم الحضارة. [20]

خامسًا: الدولة الحضارية بين استعادة التعددية ومخاطر الاختزال

تكمن أهمية أطروحة الدولة الحضارية في أنها لا تطرح نفسها فقط كنقد سياسي للغرب، بل كإعادة فتح لسؤال أعمق حول من يملك حق تعريف الحداثة والشرعية والنظام. فمن منظور كثير من المجتمعات غير الغربية، لم تكن الكونية الليبرالية الغربية يومًا إطارًا محايدًا بالكامل، بل ارتبطت بتاريخ طويل من الاستعمار، والتدخلات العسكرية، وازدواجية المعايير، واحتكار المؤسسات الغربية الكبرى لحق تقييم تجارب الآخرين. ومن ثم، فإن صعود خطاب الدولة الحضارية يعبر، في أحد وجوهه، عن رغبة مفهومة في استعادة القدرة علي تعريف الذات، وتحرير النقاش حول السياسة والحداثة من افتراض أن التجربة الغربية هي النموذج الطبيعي أو النهائي الذي ينبغي أن تقاس عليه بقية المجتمعات. [21]

من هذه الزاوية، لا ينبغي التعامل مع الدولة الحضارية بوصفها مجرد انحراف عن الليبرالية، أو تراجعًا إلى الهوية والثقافة، بل بوصفها محاولة لإعادة الاعتبار إلي التاريخ والخصوصية والتعدد في الفكر السياسي العالمي. فهي تذكرنا بأن الدولة الحديثة لم تنشأ في كل مكان بالطريقة نفسها، وأن العلاقة بين الدولة والمجتمع والدين والتاريخ تختلف من تجربة إلى أخرى، وأن مفاهيم مثل الديمقراطية، والسيادة، والحقوق، والتنمية، لا تتحرك في فراغ، بل تتشكل داخل سياقات حضارية وتاريخية متباينة. ولذلك فإن القيمة الفكرية للمفهوم تكمن في أنه يزعزع احتكار الغرب للغة الكونية، ويدفع إلى الاعتراف بأن الحداثة السياسية قد تكون متعددة المسارات، لا طريقًا واحدًا ينتهي بالضرورة عند النموذج الليبرالي الغربي.

إلا أن هذا الانفتاح نفسه يطرح إشكالية مهمة: كيف يمكن الاعتراف بالتعدد الحضاري دون تحويل الحضارات إلى كتل مغلقة أو هويات ثابتة؟ فالحضارات، في واقعها التاريخي، ليست وحدات نقية أو صماء، بل فضاءات واسعة من التداخل، والتبادل والصراع والتأويل. وقد تشكلت الصين وروسيا والهند، مثل غيرها من التكوينات التاريخية الكبرى، عبر تفاعلات داخلية وخارجية، وعبر لحظات امتزاج وتوتر، لا عبر جوهر واحد ثابت. لذلك فإن التحدي لا يكمن في استخدام الحضارة كمفهوم، بل في الطريقة التي يتم بها استخدامها: هل تُفهم الحضارة كفضاء تاريخي مفتوح ومتعدد، أم تتحول إلى هوية رسمية مغلقة تدعي دولة أو حزب أو أغلبية أنها تحتكر تمثيلها؟ [22]

هنا تظهر أهمية التمييز بين استعادة التعددية الحضارية والاختزال الحضاري. فالأولى تعني الاعتراف بأن العالم لا يمكن فهمه من خلال تجربة الغرب وحدها، وأن هناك مصادر متعددة للتفكير في السياسة والشرعية والنظام. أما الثانية فتعني حصر المجتمعات في هوية حضارية واحدة، والتعامل مع هذه الهوية كما لو كانت قدرًا سياسيًا لا يقبل التأويل أو التنازع. وقد حذر أمارتيا سن من هذا المنطق حين انتقد اختزال البشر في انتماء ديني أو حضاري واحد، لأن الإنسان لا يكون مسلمًا أو هندوسيًا أو غربيًا أو آسيويًا فقط، بل يحمل في الوقت نفسه هويات متعددة: وطنية، ومهنية، وطبقية، ولغوية، وفكرية، وسياسية، وإنسانية. ومن ثم، فإن الاعتراف بالحضارة لا ينبغي أن يلغي تعدد الهويات داخل كل حضارة، ولا حق الأفراد والجماعات في إعادة تأويل انتماءاتهم. [23]

ويتقاطع هذا مع نقد إدوارد سعيد لأطروحات الصدام الحضاري، حيث لا تكمن المشكلة فقط في القول إن الحضارات قد تتصادم، بل في إنتاج صورة للعالم تقوم علي كتل حضارية مغلقة ومتقابلة، تمحو ما بينها من تداخلات تاريخية وتبادلات ثقافية وصراعات داخلية. وهذا النقد مهم أيضًا عند التعامل مع خطابات الدول الحضارية نفسها؛ لأن نقد المركزية الغربية لا ينبغي أن يقود إلى قبول مركزيات حضارية بديلة. فكما أن الغرب أخطأ حين قدم تجربته الخاصة بوصفها معيارًا كونيًا، قد تقع القوى غير الغربية في خطأ معاكس حين تقدم سرديتها الحضارية الخاصة بوصفها التعبير الوحيد عن مجتمع معقد ومتعدد. [24]

وتظهر هذه الإشكالية بوضوح في الحالات الثلاث. ففي الصين، يمنح خطاب الدولة الحضارية قوة كبيرة لفكرة الاستمرارية التاريخية والقدرة التنموية، إلا أنه يطرح سؤالًا حول حدود التعدد الداخلي، وحول العلاقة بين الحضارة والدولة والحزب. وفي روسيا، يساعد الخطاب الأوراسي علي تحدي الادعاء الغربي بالكونية، لكنه قد يتحول في الوقت نفسه إلى لغة لإعادة تأويل الذاكرة الإمبراطورية ومناطق النفوذ بوصفها فضاءً حضاريًا طبيعيًا. أما في الهند، فيفتح استدعاء باهارات والهندوتفا بابًا واسعًا لاستعادة الثقة الحضارية بعد الاستعمار، لكنه يطرح سؤالًا حساسًا حول موقع المسلمين والمسيحيين وغيرهم داخل تعريف للأمة تميل الأغلبية الهندوسية إلى احتكاره.

سادسًا: الدلالات النظرية والعملية: الدولة الحضارية في عالم متعدد الأقطاب

لا تكمن أهمية خطاب الدولة الحضارية في كونه يصف بدقة كاملة طبيعة الصين أو روسيا أو الهند، بل في أنه أصبح إحدى اللغات الأساسية التي تعيد من خلالها قوى كبرى تعريف الشرعية والسيادة والمكانة الدولية في القرن الحادي والعشرين. فالمفهوم لم يعد مجرد أطروحة فكرية في كتب السياسة أو التاريخ، بل تحول إلى مفردة عملية في الخطاب الرسمي، وفي تبرير السياسات الداخلية، وفي تصور النظام العالمي. ومن ثم، فإن أثره لا يتعلق فقط بما تقوله هذه الدول عن نفسها، بل بما يفعله هذا القول في مجال السياسة: كيف يغير معايير الشرعية؟ كيف يعيد تعريف السيادة؟ وكيف يؤثر في الديمقراطية والحقوق والتعددية والنظام الدولي؟ [25]

أولى دلالات هذا التحول هي انتقال الشرعية السياسية من اللغة الليبرالية الضيقة إلى لغة أوسع وأكثر التباسًا. ففي الخطاب الليبرالي، ترتبط الشرعية عادة بالانتخابات، والتعددية، والحقوق الفردية، وسيادة القانون، والمساءلة الدستورية. أما في خطاب الدولة الحضارية، فتضاف إلى هذه المعايير، أو تحل محلها أحيانًا، معايير أخرى: الاستمرارية التاريخية، والحفاظ على الوحدة، وتحقيق التنمية، واستعادة المكانة، وحماية القيم، والدفاع عن الخصوصية الثقافية. ولذلك لا تسعى هذه الدول فقط إلى القول إنها شرعية رغم عدم تطابقها مع النموذج الليبرالي، بل إلى القول إن النموذج الليبرالي نفسه ليس المعيار الوحيد، وربما ليس المعيار الأنسب للحكم عليها.

الدلالة الثانية تتعلق بإعادة تعريف السيادة. فالدولة الحضارية لا تكتفي بمفهوم السيادة القانونية الذي يعني استقلال الدولة داخل حدودها واعتراف الآخرين بها، بل تضيف إليه معنى آخر: السيادة الحضارية. والمقصود هنا أن يكون للدولة الحق في تحديد نموذجها السياسي والأخلاقي والاجتماعي استنادًا إلى تاريخها وثقافتها، لا وفقًا لمعايير يحددها الغرب أو المؤسسات الدولية التي تهيمن عليها القوى الغربية. ولهذا يرتبط الخطاب الحضاري بمفردات مثل "عدم التدخل"، و"احترام الخصوصيات"، و"تعدد النماذج"، و"رفض الهيمنة"، و"التعددية القطبية". السيادة هنا لا تعني فقط حماية الحدود، بل حماية القدرة على تعريف الذات.

الدلالة الثالثة تخص النظام الدولي. فخطاب الدولة الحضارية يعبر عن انتقال من عالم كان الغرب يقدم نفسه فيه مركزًا معياريًا إلى عالم تتعدد فيه مراكز إنتاج الشرعية والمعنى. لم تعد القوى الصاعدة تطالب فقط بإصلاح توزيع القوة داخل المؤسسات الدولية، بل تطالب أيضًا بإعادة النظر في اللغة التي تحكم النظام نفسه: من يحدد معنى الديمقراطية؟ من يعرّف حقوق الإنسان؟ من يقرر ما إذا كانت دولة ما حديثة أو متخلفة، شرعية أو غير شرعية، مسئولة أو مارقة؟ في هذا السياق، تصبح التعددية القطبية ليست فقط توزيعًا جديدًا للقوة، بل أيضًا تنازعًا حول المعايير.

وتختلف دلالات هذا التحول من حالة إلى أخرى. فالصين تقدم أكثر المحاولات طموحًا لإنتاج مفاهيم بديلة للنظام العالمي، سواء عبر تيانشيا أو عبر خطاب المصير المشترك وتعدد الحضارات. أما روسيا، فتقدم الوجه الأكثر صدامية، حيث تتحول التعددية القطبية إلى أداة لمقاومة الغرب والمطالبة بمجال نفوذ. أما الهند، فتقدم صيغة أكثر مرونة، تجمع بين التعاون مع الغرب، ومنافسة الصين، والحفاظ على علاقة مع روسيا، والحديث باسم الجنوب العالمي، واستدعاء التراث الهندي كمصدر للثقة السياسية والاستراتيجية. [26]

وأخيرًا، يكشف صعود الدولة الحضارية عن تحول أعمق في الفكر السياسي العالمي. فالنقاش لم يعد يدور فقط حول صراع بين الديمقراطية والاستبداد، أو بين الرأسمالية والاشتراكية، كما كان الحال في القرن العشرين، بل حول مصادر الشرعية ذاتها: هل تستند إلى الشعب؟ أم الأمة؟ أم الحضارة؟ أم الأداء؟ أم التاريخ؟ أم الحقوق؟ كما لم يعد السؤال مقتصرًا على شكل النظام السياسي الداخلي، بل أصبح مرتبطًا بموقع الدولة في التاريخ العالمي، وبقدرتها على تعريف نفسها خارج اللغة الغربية. ومن ثم، فإن الدولة الحضارية ليست مجرد مفهوم جديد، بل علامة على تفكك احتكار قديم: احتكار الغرب لتعريف معنى الحداثة السياسية.

خاتمة: الدولة الحضارية بين نقد الكونية الليبرالية ومخاطر البديل

تكشف أطروحة الدولة الحضارية عن تحول مهم في الفكر السياسي العالمي في القرن الحادي والعشرين. فهي تعبر عن عالم لم يعد يقبل بسهولة الفرضية التي سادت بعد الحرب الباردة، ومفادها أن الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق وحقوق الإنسان كما صيغت في التجربة الغربية تمثل الأفق النهائي أو الطبيعي للحداثة السياسية. ومن هذه الزاوية، لا يمكن التعامل مع صعود الخطاب الحضاري بوصفه مجرد دعاية أيديولوجية، أو حنينًا ثقافيًا إلى الماضي، أو رفضًا انفعاليًا للغرب. فهو يستند إلى أزمة حقيقية في الكونية الليبرالية: أزمة ازدواجية المعايير، وأزمة الحروب والتدخلات، وأزمة الديمقراطيات الغربية نفسها، وأزمة عجز الدولة الليبرالية عن إنتاج معنى جماعي قادر على مواجهة التفكك الاجتماعي والسياسي. [27]

غير أن أهمية هذا الخطاب لا تعني التسليم بادعاءاته. فالحالات الثلاث التي تناولتها الدراسة توضح أن "الدولة الحضارية" ليست نموذجًا واحدًا، بل عائلة من الخطابات والمشاريع السياسية المتباينة. ففي الصين، تظهر الدولة الحضارية كصيغة تربط بين الاستمرارية التاريخية، والقدرة التنموية، والكفاءة السياسية، وطموح تقديم تصور بديل للنظام العالمي. وفي روسيا، تتحول الحضارة إلى لغة للذاكرة الإمبراطورية، والمقاومة الجيوسياسية، ورفض الهيمنة الغربية، وإعادة تعريف المجال الروسي بوصفه فضاءً حضاريًا يتجاوز حدود الدولة القومية. أما في الهند، فتأخذ الحضارة صورة أكثر تنازعًا، حيث تتداخل باهارات والهندوتفا مع الديمقراطية الانتخابية والاستقلال الاستراتيجي، منتجةً مشروعًا قد يجمع بين الثقة الحضارية والطموح العالمي من ناحية، وبين الأغلبية الدينية وتضييق المواطنة التعددية من ناحية أخرى.

ومن ثم، فإن الدلالة الأهم للمفهوم لا تكمن في السؤال عما إذا كانت الصين أو روسيا أو الهند "دولًا حضارية" بالمعنى الكامل، بل في الطريقة التي أصبح بها الخطاب الحضاري يعيد تشكيل معنى الشرعية والسيادة والنظام. فهو يمنح الدول الكبرى لغة تمكنها من رفض القياس الأحادي على النموذج الليبرالي الغربي، ومن المطالبة بمكانة أكبر في نظام دولي أكثر تعددية. لكنه يمنحها أيضًا قدرة على تحويل المصالح الاستراتيجية والصراعات الجيوسياسية والتعبئة القومية إلى سرديات أخلاقية وتاريخية أوسع. بهذا المعنى، لا تلغي الدولة الحضارية منطق القوة، بل تمنحه لغة جديدة: لغة التاريخ، والذاكرة، والخصوصية، واستعادة المكانة. ومن ثم، فإن الرهان لا يتمثل في استبدال كونية ليبرالية بكونية حضارية مضادة، بل في البحث عن تعددية سياسية عالمية تعترف باختلاف المسارات التاريخية دون أن تتحول الحضارة إلى هوية مغلقة أو أداة جديدة للهيمنة والإقصاء. [28]


الهوامش والمراجع

[1] Christopher Coker, The Rise of the Civilizational State (Cambridge: Polity Press, 2019).

[2] Zhang Weiwei, The China Wave: Rise of a Civilizational State (Hackensack, NJ: World Century Publishing, 2012).

[3] Zhang, The China Wave; Marlène Laruelle, Russian Eurasianism: An Ideology of Empire (Washington, DC: Woodrow Wilson Center Press, 2008); Christophe Jaffrelot, Modi’s India: Hindu Nationalism and the Rise of Ethnic Democracy (Princeton: Princeton University Press, 2021).

[4] Edward W. Said, “The Clash of Ignorance,” The Nation, October 4, 2001; Amartya Sen, Identity and Violence: The Illusion of Destiny (New York: W. W. Norton, 2006).

[5] Sen, Identity and Violence.

[6] Zhang, The China Wave.

[7] Zhang, The China Wave.

[8] Daniel A. Bell, The China Model: Political Meritocracy and the Limits of Democracy (Princeton: Princeton University Press, 2015).

[9] Zhao Tingyang, All under Heaven: The Tianxia System for a Possible World Order (Berkeley: University of California Press, 2021).

[10] Laruelle, Russian Eurasianism.

[11] Laruelle, Russian Eurasianism.

[12] Alexander Dugin, The Fourth Political Theory (London: Arktos, 2012).

[13] Laruelle, Russian Eurasianism.

[14] Jaffrelot, Modi’s India.

[15] V. D. Savarkar, Essentials of Hindutva (1923).

[16] Savarkar, Essentials of Hindutva.

[17] Jaffrelot, Modi’s India.

[18] S. Jaishankar, The India Way: Strategies for an Uncertain World (New Delhi: HarperCollins India, 2020).

[19] Jaishankar, The India Way.

[20] Sen, Identity and Violence.

[21] Coker, The Rise of the Civilizational State.

[22] Said, “The Clash of Ignorance”; Sen, Identity and Violence.

[23] Sen, Identity and Violence.

[24] Said, “The Clash of Ignorance.”

[25] Coker, The Rise of the Civilizational State.

[26] Zhao, All under Heaven; Dugin, The Fourth Political Theory; Jaishankar, The India Way.

[27] Coker, The Rise of the Civilizational State.

[28] Sen, Identity and Violence; Said, “The Clash of Ignorance.”