فى ظل التطورات المتلاحقة التى يشهدها العالم العربى خلال السنوات الأخيرة وما تطرحه من تأثيرات على الجوار الإفريقى والآسيوى، كان لإقليم البحر الأحمر بجانبيه العربى والإفريقى نصيب وافر من تأثيرات الصراعات الإقليمية التى أصبح العالم العربى مركزاً لها بل كان من آثار هذه الصراعات تصاعد التدافع من القوى الخارجية المختلفة على الساحل الشرقى للبحر الأحمر للتمركز وبناء القواعد العسكرية والسيطرة على الموانئ البحرية، مما دفع الكثير من الباحثين والمسئولين فى الإقليم إلى البحث عن أطر لحماية مصالح الدول المشاطئة للبحر الأحمر وخاصة الدول الإفريقية فى الساحل الشرقي للممر المائى.
وفى هذا الإطار، عقد برنامج الدراسات الإفريقية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية فى 10 مايو 2026 ورشة عمل تحت عنوان "البحر الأحمر.. تصاعد التهديدات بين التأثيرات الخارجية والمحفزات الداخلية"، تبادل خلالها مجموعة من الخبراء والتنفيذين وجهات النظر حول طبيعة التهديدات التى تواجهها دول إقليم البحر الأحمر، وخاصة فى ظل التطورات المتلاحقة التى تشهدها العديد من الدول العربية والإقليمية ذات العلاقات الوثيقة مع دول إقليم البحر الأحمر ومنها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وكذلك السيناريوهات المستقبلية للأمن والاستقرار فى البحر الأحمر والتدخلات الخارجية فى الساحل الشرقى (الإفريقى) للبحر الأحمر وكيفية حماية المصالح المصرية فى إقليم البحر الأحمر.
وقد شارك مجموعة من المتحدثين من الخبراء والتنفيذين فى ورشة العمل، فى مقدمتهم اللواء دكتور وائل ربيع مستشار مركز الدراسات الاستراتيجية والخبير الإقليمى، والدكتور أيمن السيد عبد الوهاب، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والاستاذ الدكتور محمد عاشور أستاذ العلوم السياسية بكلية الدراسات الإفريقية العليا، والأستاذ الدكتور محمد على إبراهيم أستاذ الاقتصاد ومستشار مركز دراسات الشرق الأوسط، ودكتور معتز سلامة رئيس تحرير التقرير الاستراتيجى العربى وخبير الشئون الخليجية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، كما شارك فى النقاش عدد كبير من الباحثين والخبراء والتنفيذين.
وتضمنت الورشة ثلاثة محاور رئيسية دار حولها النقاش مع طرح عدد من السيناريوهات المستقبلية حول الأمن والاستقرار فى البحر الأحمر، يمكن توضيحها فيما يلى:
أولاً: محاور ورشة العمل
مع الإشارة إلى أن ورشة العمل حول البحر الاحمر تستهدف التأكيد على انعكاسات التطورات فى العالم العربى وعلاقاته الخارجية على الأمن والتنمية فى الدول المشاطئة للبحر الأحمر، وخاصة على الساحل الشرقى (الإفريقى )، وكذلك انعكاسات هذه التطورات على مصالح الدولة المصرية، تضمنت ورشة العمل مجموعة من المحاور كما يلى:
1- المحور العسكري والاستراتيجي (عسكرة البحر الأحمر): قدم اللواء دكتور وائل ربيع مستشار مركز القوات المسلحة للدراسات الاستراتيجية وخبير الأمن الاقليمى تحليلاً عسكرياً، مستنداً إلى نظريات القوة البحرية والسيطرة على الممرات المائية. وجاءت أهم النقاط التي طرحها حول الآتي:
أ- الاستراتيجية الأمريكية: تسعى الولايات المتحدة للسيطرة على البحار والممرات للتحكم في التجارة العالمية، وهو جزء من صراعها مع روسيا والصين.
ب- قوات المهام المشتركة: استعرض تاريخ التواجد العسكري منذ 2001، بما في ذلك القوات 150 و151 و152 و153، مشيراً إلى أن المسميات (مكافحة القرصنة أو الإرهاب) غالباً ما تكون ذريعة لتواجد دائم وتقنين السيطرة على مضيق باب المندب.
ج-عملية "حارس الازدهار": أوضح أنها أُسست بشكل أساسي لحماية إسرائيل وميناء إيلات بعد العمليات الحوثية، مؤكداً أن مصر رفضت الانضمام إليها لأن مهامها تتعارض مع المبادئ المصرية وتخدم أهدافاً منحازة.
د- القدرات الإيرانية: أشار إلى أن جغرافيا الساحل الإيراني تمنح طهران ميزة استراتيجية تشبه "خط بارليف"، مما يجعل من الصعب على القوات الأمريكية التعامل مع الزوارق السريعة والصواريخ الساحلية دون مفاوضات.
هـ-التواجد الإسرائيلي: كشف عن وجود قواعد إسرائيلية "سرية" في المنطقة (مثل القواعد العسكرية الاسرائيلية فى إريتريا ومومباسا تحت أعلام دول أخرى) بهدف الرصد الاستخباراتي في جنوب البحر الأحمر.
و-الخسائر المصرية: أكد أن مصر خسرت ما يقرب من 10 مليار دولار نتيجة تحول السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح بسبب التوترات.
2- المحور الاقتصادي واللوجستي (الموانئ والممرات البديلة): تناول الدكتور محمد علي إبراهيم أستاذ الاقتصاد ومستشار مركز دراسات الشرق الأوسط الجانب الاقتصادي للموانئ والتهديدات التي تواجه قناة السويس. وجاءت مداخلته حول بعض النقاط الاقتصادية الهامة:
أ- الصراع على الطاقة: التحكم في الممرات المائية هو وسيلة أمريكية للتحكم في تدفقات الطاقة إلى الصين ودول شرق آسيا.
ب- سياسات شركات الملاحة: أوضح أن شركات مثل "ميرسك" استغلت الأزمة لرفع أسعار الشحن لتعويض فائض السفن لديها، وبدأت في رسم مسارات طويلة الأمد تتفادى قناة السويس.
ج-الممرات والخطوط البديلة: أشار إلى مشاريع ممرات برية وأنابيب نفط وغاز (مثل خطوط كركوك-جيهان، ومشاريع الربط السككي من الخليج إلى الأردن وسوريا وتركيا) التي تهدف لتجاوز الممرات البحرية المضطربة.
د-النفوذ الإماراتي: تحدث عن مفهوم "الموانئ الشبكية"، حيث تسيطر الإمارات على موانئ استراتيجية (عدن، جبل علي) للتحكم في حركة التجارة الإقليمية وتوجيهها لخدمة مصالحها.
هـ-الفرص المتاحة لمصر: دعا إلى ضرورة التكامل مع السعودية لوجستياً، وتطوير "النقل الساحلي القصير" لخدمة الدول العربية كما شدد على أن حل الأزمة الاقتصادية المصرية يكمن في تحويل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس من مجرد ممر لتحصيل الرسوم إلى مركز لوجستي وصناعي عالمي، مما قد يرفع عائد الحاوية من 150 دولاراً إلى 5000 دولار.
3- المحور السياسى: التحولات في الصراعات البينية فى دول البحر الأحمر الإفريقية: استعرض الدكتور محمد عاشور أستاذ العلوم السياسية بكلية الدراسات الإفريقية العليا جامعة القاهرة خريطة الصراعات في الدول الإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر (السودان، إريتريا، إثيوبيا، الصومال). وتناول أهم التحولات في ما يلي:
أ- مزاحمة البحر للبر: انتقلت الصراعات من نزاعات حدودية برية إلى صراعات على النفوذ البحري والموانئ (مثل رغبة إثيوبيا في كسر "سجنها الجغرافي" والحصول على منفذ بحري في أرض الصومال).
ب- بروز دور الجوار الوظيفي: برز دور دول ليست مجاورة جغرافياً لكنها مؤثرة سياسياً ووظيفياً مثل الإمارات وتركيا وقطر وإسرائيل.
وأشار إلى أن فكرة الأمن البحرى تطرح تساؤلات هل تتعلق بأمن الموانئ أم أمن الإقليم أم أمن الممر المائى، فقد تحول البحر الأحمر من فضاء إقليمى إلى فضاء دولى. وأصبحت مصر تواجه تحدين: الأمن المائي في الجنوب وأمن التجارة في الشرق، مع التركيز على أهمية بناء تحالف بين مصر وأصحاب المصلحة المشتركة (تركيا والسعودية، وجيبوتي، والصومال، وتركيا، واريتريا) لمواجهة التهديدات الوجودية.
4- السياسات الخليجية وتأثيرها الإقليمي: طرح الدكتور معتز سلامة رئيس تحرير التقرير الاستراتيجى العربى وخبير الشئون الخليجية والإقليمية بالمركز رؤيته حول الدور الخليجي فى القرن الإفريقى على ضوء التطورات الراهنة فى المشهد السياسى والأمنى فى العالم العربى وجواره الإقليمى، حيث أكد فى تحليله للسياسات الخليجية تجاه دول البحر الأحمر الإفريقية على الآتي:
أ- تباين في المواقف: لا توجد سياسة خليجية موحدة؛ فهناك دول ذات سياسات "طبيعية" (عمان، البحرين، الكويت)، ودول ذات سياسات "استثمارية" (قطر، الإمارات)، بينما تتذبذب السعودية بينهما.
ب- تداعيات الحرب: أشار إلى أن بعض دول الخليج تمر بظروف صعبة نتيجة ارتدادات سياساتها الإقليمية، فضلاً عن تأثيرات الحرب عليها.
ج-التحدي القادم: يتمثل في كيفية دعم الاستقرار الإقليمي دون التورط في مواجهة مباشرة مع إيران.
وقد أجمع المشاركون على أن المرحلة تتطلب زيادة أدوات الحركة المصرية، والتحول السريع نحو تفعيل القيمة المضافة لقناة السويس لمواجهة المخططات الهادفة لتهميش دورها.
ثانياً: سيناريوهات مستقبلية
تناول المشاركون فى ورشة العمل مجموعة من السيناريوهات المستقبلية المرتبطة بالأمن والتنمية فى إقليم البحر الأحمر على ضوء التطورات المختلفة المؤثرة على دول البحر الأحمر، ومن أهم هذه السيناريوهات:
1- تراجع الدور الخليجى فى الدول الإفريقية المشاطئة للبحر الأحمر، حيث يستند هذا السيناريو إلى التداعيات التى طرحتها الحرب على إيران، وخاصة انعكاسات هذه الحرب على اقتصاديات دول الخليج وسياساتها ازاء دول الساحل الشرقى للبحر الأحمر.
2- زيادة التدخلات الخارجية فى دول البحر الأحمر وخاصة الإفريقية، فى محاولة لزيادة الحضور لمواجهة الأزمات، على غرار ما شهده مضيق هرمز من إغلاق وعدم تكرار هذا السيناريو فى مضيق باب المندب، مع تبنى سياسات جديدة أكثر مرونة لا تعتمد فقط على التواجد العسكرى الكثيف أو تطوير الموانئ بل تتطرق إلى الأبعاد الاقتصادية ونقل التكنولوجيا والتدريبات العسكرية المشتركة.
3- بروز بدائل عديدة للممرات المائية، لنقل السلع والطاقة بعيداً عن الممرات المائية التقليدية، للحد من التهديدات التى حملتها هذه الممرات على التجارة الدولية.
ثالثاً: التوصيات
قدم المشاركون والمتحدثون فى ورشة العمل مجموعة من التوصيات التى يمكن أن تدعم قضايا الأمن والتنمية فى إقليم البحر الاحمر من أهمها ما يلى:
1- التكامل العربى اللوجستي: ضرورة تعزيز التكامل بين مصر والمملكة العربية السعودية في مجالات النقل واللوجستيات، وتطوير "الملاحة القصير" لخدمة التجارة البينية العربية.
2- تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس: الحل الاستراتيجي للأزمة الاقتصادية يكمن في تحويل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس من مجرد ممر لتحصيل الرسوم إلى مركز صناعي ولوجستي عالمي؛ حيث يمكن أن يرتفع العائد من الحاوية الواحدة من 150 دولاراً إلى أكثر من 3000 دولار عبر القيمة المضافة، وكذلك العمل على ازدواج قناة السويس.
3- بناء التحالفات: الحاجة الماسة لتشكيل "جماعة مصالح" أو "لوبي" يضم الدول المتضررة من عسكرة البحر الأحمر (مثل مصر، السعودية، جيبوتي، الصومال) للتنسيق المشترك وحماية الأمن القومي الجماعي.
4- عقد مؤتمر دولى لشركاء قناة السويس: لدعم القناة والحد من التأثيرات الضارة التى تتعرض لها نتيجة التطورات الإقليمية والدولية.