تنامت أدوار المنتديات الأمنية في دول الإقليم، بشكل ملحوظ، في السنوات الماضية، وهو ما برز في حالات بعينها، مثل منتدى حوار المنامة، ومنتدى الأمن العالمي، ومنتدى حوار الدوحة، ومنتدى صير بني ياس بالإمارات، وملتقى أبوظبي الاستراتيجي، ومنتدى عمان الأمني، ومنتدى شومان للأمن والدفاع، ومنتدى مراكش للأمن، ومنتدى حوارات أطلسية، ومؤتمر الشرق الأوسط للأمن، ومنتدى المملكة السعودية للأمن السيبراني، ومؤتمر الأمن السيبراني وأنظمة الاستخبارات الدفاعية، والمنتدى الدولي للأمن السيبراني، والمنتدى الليبي للأمن السيراني، ومنتدى السلام والأمن في الشرق الأوسط بكردستان العراق، وغيرها، التي تعقد في توقيتات مختلفة من العام، لمناقشة “ملفات ضاغطة” على الأمن الإقليمي نظرا لما يواجهه الشرق الأوسط من تهديدات ومخاطر أمنية غير تقليدية، وصلت إلى حد “فوق التقليدية” نتيجة التزاوج بين التهديدات الصلبة والتهديدات الناعمة.
عزز هذا الأمر من أدوار تلك المنتديات -التي تعد “مصانع تفكير”- أنها أصبحت تسهم بصورة فاعلة في دعم صانعي ومتخذي القرار بتقديرات مواقف استراتيجية وأوراق سياسات وتقييمات حالة وتقريب وجهات النظر بين العديد من الأطراف المشاركة، سواء كانت رسمية أو غير رسمية من الخبراء والمتخصصين المعنيين بقضايا الأمن وسياسات الدفاع. وقد صارت تلك المنتديات ساحة لتبادل الرؤى ومناقشة الأفكار بين المسئولين الأمنيين والخبراء الاستراتيجيين المتخصصين والممثلين لأجهزة الاستخبارات من مختلف الدول والمنظمات الدولية والإقليمية، والمنصات التكنولوجية، والشخصيات الإعلامية من جميع أنحاء العالم حول القضايا الأمنية محور الاهتمام.
لعل ما تتيحه هذه المنتديات من مساحة للتفاعل جعلتها تقوم بدور مواز للملتقيات التي تتم بين المسئولين الحكوميين في إطارها التقليدي، فيما تطلِق عليه الأدبيات «المسار الثاني»، وهو ما مكنها في الكثير من الأحيان من الإسهام بأدوار فاعلة ومؤثرة في السياسات الأمنية الداخلية والخارجية، وامتد تأثيرها في بعض الأحيان ليصل إلى الإسهام الفعال في إعادة تشكيل العلاقات بين الدول، لا سيما مع طرح الآراء المتعددة وما تتطرق إليه من حساسيات بعيدًا عن أجواء الأطر الرسمية، علاوة على توحيد الجهود في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة في المنطقة التي تهب من كل اتجاه، وتبدو في كل مرة وكأنها تفاجئ الجميع، سواء كانت صراعات على السلطة السياسية أو تهديدات إرهابية أو كوارث طبيعية.
وتعمل هذه المنتديات الإقليمية على الاستفادة من المنتديات البارزة على المستوى العالمي، وأبرزها مؤتمر ميونخ للأمن (MSC) باعتباره أحد أكبر وأهم المنتديات الأمنية في العالم، إذ يعقد تحت رعاية رسمية، ويستفيد من الدعم المالي للشركات الدولية الكبرى وبعض الهيئات والمؤسسات الألمانية والغربية، ويهدف إلى المساهمة في طرح أفكار من شأنها حل النزاعات وتسوية الصراعات الدولية، عبر حضور رؤساء دول وحكومات ووزراء الخارجية والدفاع، وممثلي منظمات دولية غير حكومية ومراكز البحوث. وقد تطور المنتدى عبر الزمن بحيث تحول إلى منتدى عالمي للأمن، وحمل عدة عناوين وهي (اللقاء الدولي لعلوم الدفاع) و(اجتماع العلوم العسكرية الدولي) و(المؤتمر الدولي لعلوم الدفاع، وصولا إلى مؤتمر ميونخ للأمن، ويعرف أحيانا بمؤتمر دافوس للأمن على نحو يشير إلى أهميته العالمية.
هذا إلى جانب محاولة القائمين على إدارة المنتديات الأمنية في الشرق الأوسط توجيه رسالة معينة للعواصم الغربية، مفادها أن دول الشرق الأوسط صارت جزءًا فعالًا في تشكيل المنظومة العالمية، فضلا عن إسهام تلك المنتديات، في ظل انتظام انعقادها في توقيتات زمنية محددة، في دعم الرؤى الاستراتيجية للدول الوطنية، وتطوير الصناعات الأمنية، ودعم بناء القدرات وتدريب وتأهيل كوادر أمنية متخصصة في قطاعات محددة، مثل الأمن السيبراني، واستخبارات الدفاع، وإدارة الكوارث، وتحويل الصراعات، وتعزيز الشرعية السياسية للنظم الحديثة في الإقليم، وتسليط الضوء على «دراسات حالة» في مواجهة تهديدات الأمن، وحماية الفئات المستضعفة من التهديدات غير التقليدية، وتعميق التعاون بين دول الإقليم.
من المتوقع أن يستمر المسار الرامي إلى تصاعد أدوار المنتديات الأمنية في دول الإقليم، في المستقبل القريب، استنادًا إلى سياقات التوتر المستدام في مختلف الأقاليم الفرعية للشرق الأوسط التي يغذيها سيناريوهات كبيسة ومعادية للاستقرار، سواء داخل أو بين الدول، ومنها ظواهر الدول المنهارة، والنظم السياسية المتصدعة، والصراعات الداخلية الممتدة، والحروب بالوكالة، والجيوش الموازية، والتهديدات العابرة للحدود وغير المتناظرة، ودائرة الأزمات في الشرق الأوسط ووسط أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء بين النزاعات المستحكمة والتهديدات المستجدة، وربما عودة الاستقطابات في الإقليم، وتحول تهديدات الأمن في العصر الرقمي، وآفاق الاستخبارات العسكرية والفضائية والجوية. لذا، من المحتمل أن يبرز تعاون مستقبلي بين المنتديات الإقليمية وبعض المنتديات العالمية في مدار جديد.