رانيا مكرم

خبيرة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية - رئيس برنامج دراسات الإعلام والرأي العام

 

في سياق دولي يتسم بتصاعد النزاعات المسلحة وتزايد حدة الاستقطاب، تبرز قضية حرية الصحافة بوصفها أحد أبرز المؤشرات الكاشفة لطبيعة التحولات التي يشهدها العالم، خاصة في أوقات الحروب. ويعد مؤشر مراسلون بلا حدود الخاص بحرية الصحافة العالمي، مؤشراً ذا دلالة لرصد أوضاع الإعلام عبر العالم، من خلال تقييم مركب يشمل البيئة التشريعية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية التي تعمل فيها وسائل الإعلام.

وقد اكتسبت نتائج التقرير الأخير الصادر في مايو الجاري (2026)، أهمية في ظل النزاعات المسلحة التي يشهدها العالم، ومن بينها الحرب الإيرانية بجولتيها، حيث انعكست تداعيات هذه الحرب على بنية المجال الإعلامي في عدد من دول الصراع، سواء من خلال تشديد القيود على العمل الصحفي، أو عبر توظيف وسائل الإعلام كأداة ضمن أدوات إدارة الصراع. إذ لم تعد الصحافة مجرد وسيط لنقل المعلومات، بل تحولت إلى ساحة موازية للصراع، تستخدم فيها الرواية الإعلامية كأداة للتأثير في الرأي العام المحلي والدولي على حد سواء.

ويطرح ذلك تساؤلات حول مدى تأثر مؤشرات حرية الصحافة بالتحولات السياسية والعسكرية المرتبطة بالحرب، وحدود قدرة المؤسسات الإعلامية على الحفاظ على استقلاليتها في ظل بيئة تتسم بالضغوط المتزايدة. 

حرية الصحافة في زمن الحروب

ترتبط أوضاع الصحافة عالمياً وإقليمياً ارتباطاً وثيقاً بطبيعة السياق السياسي والأمني الذي تعمل في إطاره، فيما تمثل فترات الحروب أحد أكثر البيئات تعقيداً وتأثيراً على حرية العمل الإعلامي. وأهم اختبار لمدى قدرته على مواكبة الضغوط التي تتزايد عليه خلال هذه الفترات، ففي مثل هذه السياقات، تتراجع الحدود الفاصلة بين مقتضيات الأمن القومي ومتطلبات حرية التعبير، بما يؤدي إلى إعادة تشكيل المجال الإعلامي وفق أولويات الدولة ومقتضيات رؤيتها لإدارة الصراع.

إذ تشير أدبيات دراسات الإعلام إلى أن الحروب غالباً ما تفضي إلى تصاعد أنماط متعددة من القيود على الصحافة، والتي يمكن تصنيفها إلى ثلاثة مستويات رئيسية؛ المستوى الأول: يتمثل في القيود القانونية، إذ ربما تلجأ الدول إلى سن تشريعات استثنائية أو تقوم بتفعيل قوانين الطوارئ بما يسمح بفرض رقابة مباشرة أو غير مباشرة على المحتوى الإعلامي، بدعوى حماية الأمن القومي أو منع تسريب المعلومات الحساسة، كأن تمنع الدولة النشر في قضايا معينة، أو تمنع تصوير تداعيات الحرب على الأرض.

المستوى الثاني: يتعلق بالضغوط السياسية والمؤسسية، إذ تميل الحكومات خلال فترات النزاع إلى توظيف وسائل الإعلام كأداة لدعم السردية الرسمية التي تتبناها والتي تريد ترسيخها داخلياً، والتركيز عليها خارجياً، وهو ما قد يحد من تعددية الآراء ويضعف من استقلالية المؤسسات الصحفية. وفي هذا السياق، تتزايد مظاهر التعبئة الإعلامية، حيث يتم توجيه الخطاب الإعلامي نحو دعم المجهود الحربي وتعزيز الروح الوطنية، فيما يتم ذلك أحياناً على حساب المعايير المهنية.

المستوى الثالث: يتمثل في القيود والتهديدات الأمنية المباشرة التي تواجه الصحفيين، والتي تتراوح ما بين التضييق على سبل وصول إلى المعلومات، والاعتقال أو الملاحقة، وصولاً إلى الاستهداف المباشر في مناطق النزاع، وهو ما يجعل بيئة العمل الصحفي في زمن الحروب من أكثر البيئات خطورة، ما يؤثر سلباً على جودة التغطية الإعلامية وقدرتها على نقل صورة متوازنة للأحداث.

وعلى صعيد آخر، لا تقتصر تأثيرات الحروب على تقييد حرية الصحافة فحسب، بل تمتد إلى إعادة تشكيل أدوارها ووظائفها. فإلى جانب دورها التقليدي في نقل الأخبار، تتحول وسائل الإعلام إلى فاعل مهم في إدارة الصراع، سواء من خلال التأثير في الرأي العام، أو المشاركة في حروب السرديات التي تسعى كل دولة من خلالها إلى ترسيخ روايتها الخاصة للأحداث على المستويين المحلي والدولي.

فيما أسهم التطور التكنولوجي وانتشار المنصات الرقمية في تعقيد المشهد الإعلامي خلال الحروب، إذ أتاح مساحات بديلة للتعبير خارج الأطر التقليدية، لكنه في الوقت ذاته فتح المجال أمام انتشار المعلومات المضللة والأخبار غير الموثوقة، بما يفرض تحديات إضافية أمام الصحافة المهنية.

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن الحروب تمثل اختباراً حقيقياً كما سبق الإشارة لقدرة النظم الإعلامية على التوازن بين الالتزام بالمعايير المهنية والاستجابة للضغوط السياسية والأمنية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على مؤشرات حرية الصحافة، ويجعل من تحليلها في سياق النزاعات المسلحة مدخلاً مهماً لفهم طبيعة العلاقة بين الدولة والإعلام في هذه الفترات الاستثنائية.

قراءة في نتائج مؤشر حرية الصحافة العالمي

تُظهِر نتائج مؤشر حرية الصحافة العالمي 2026 استمرار التراجع في مستويات حرية الصحافة، حيث لم يعد التراجع مقتصراً على النظم ذات البنية السياسية الأقل انفتاحاً، بل امتد وفق التقرير إلى ما أسماه بـ "الديمقراطيات الراسخة"، وهو أمر بات يعكس ما يمكن وصفه بـعولمة القيود، إذ باتت أدوات الضغط على الإعلام تتشابه عبر نظم سياسية مختلفة، وإن اختلفت مبرراتها.

وقد كشفت نتائج تقرير 2026 عن تطورات مهمة؛ من بينها:

1- إنه لم يسبق أن هبط متوسط سجل البلدان التي يشملها التقييم إلى هذا الحد على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية؛ فللمرة الأولى في تاريخ التصنيف، وقع أكثر من نصف بلدان العالم (52.2%) ضمن المنطقة التي يوصف فيها الوضع بالصعب أو الخطير. بينما كانت هذه المنطقة تقتصر على أقلية لا تتعدي نسبة 13.7% في عام 2002. ذلك العام الذي أوضحت نتائج التقرير الصادر فيه أن 20% من سكان العالم كانوا يعيشون في بلدان تتمتع بوضع جيد الصحافة، أما في 2026، لم يعد يتمتع بهذا الوضع الجيد سوى أقل من 1% من سكان العالم.

2- انخفاض المؤشرات الخمسة التي تقيس حالة حرية الصحافة في العالم التي تتمثل في الأوضاع الاقتصادية، والقانونية، والأمنية، والسياسية، والاجتماعية، بشكل عام بالنظر إلى التحليل الكلي للتقرير، بينما جاء الإطار القانوني الأكثر انخفاضاً هذا العام، وذلك بتسجيله تراجعاً في أكثر من 60% من البلدان، أي في 110 من أصل 180 بلداً، ما يشير إلى أن القيود المفروضة قانوناً على العمل الصحفي باتت ظاهرة عالمية، مع تزايد ممارسات الالتفاف على قوانين الصحافة، وتوظيف المواد القانونية الاستثنائية مثل قوانين الطوارئ على نحو تعسفي.

ويكتسب هذا التراجع الحاد في المؤشر القانوني دلالة خاصة، إذ يشير إلى انتقال الضغوط على الصحافة من المجال غير الرسمي إلى المجال المؤسسي. فلم تعد القيود تمارس فقط عبر الرقابة المباشرة، بل باتت تقنن من خلال تشريعات تضفي عليها طابعاً شرعياً. ويعكس ذلك اتجاهاً عالمياً نحو تقنين التقييد، مع التوسع في استخدام قوانين مكافحة الإرهاب أو الأخبار الزائفة أو الأمن السيبراني كأدوات لتقييد العمل الصحفي. وتكمن خطورة هذا الاتجاه في أنه يصعب الطعن فيه دولياً، نظراً لارتباطه بخطابات سيادية تتعلق بالأمن والاستقرار. فضلاً عن أهمية وجود مثل هذه القوانين التي تحارب تزييف الأخبار ومن ثم الوعي المجتمعي في بعض الدول التي تعاني سيولة ضبط المشهد الإعلامي.

3- على صعيد تفسير نتائج التقرير، فإن ثمة تصاعداً لتوظيف اعتبارات الأمن القومي، خاصة في ظل الصراعات المسلحة الحالية حول العالم، مما أدى إلى توسع نطاق السرية وتقييد الوصول إلى المعلومات، وهو ما يفسر على الأرجح تراجع أغلب دول العالم، لاسيما التي تعاني من صراعات سياسية أو عسكرية، وفق مؤشر هذا العام، ما يمكن أن يقدم توضيحاً لمفارقة تراجع الولايات المتحدة سبعة مراكز لتأتي في المرتبة 64 في تصنيف هذا العام، وأسبقية دول أفريقية عدة لها، من بينها موريتانيا التي تسبقها بثلاث مراتب، بوقوعها في المرتبة 61 على سبيل المثال لا الحصر.

4- تمثل الأزمة البنيوية للاقتصاد الإعلامي أحد الأسباب الرئيسية في تراجع حرية أغلب وسائل الإعلام حول العالم، وجعلها أكثر هشاشة أمام الضغوط السياسية والاقتصادية، سواء من الدولة أو من الفاعلين غير الحكوميين. فوسائل الإعلام تاريخياً كانت تعتمد على مصدرين رئيسيين للدخل؛ هما: الإعلانات، والمبيعات -الورقية أو الاشتراكات-، غير أن السنوات الأخيرة قد شهدت تحولات هيكلية كبيرة، حيث انهار نموذج الإعلانات التقليدية، مع انتقالها إلى المنصات الرقمية العالمية، ما قلص موارد الصحف والقنوات بشكل حاد. فضلاً عن تراجع التوزيع الورقي؛ مع اتجاه الجمهور للمحتوى المجاني على الإنترنت، وبالتالي تقلصت عوائد البيع. بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج؛ خاصة مع التحول الرقمي والحاجة الدائمة لتقنيات جديدة.

وفي ظل هذا الوضع، أصبحت المؤسسات الإعلامية أضعف مالياً، وبالتالي أكثر عرضة للضغوط، وهنا يظهر جوهر الفكرة، أنه عندما تضعف الموارد الذاتية، قد تعتمد بعض الوسائل على الدولة من خلال دعم نقدي، أو حصة من إعلانات حكومية، ما قد يؤثر على استقلالها التحريري، أو تعتمد على رجال أعمال ومعلنين كبار، فيصبح هناك ميل لتجنب نشر محتوى يضر بمصالحهم. وبالتالي، فإن التراجع الحالي لا يمكن فهمه فقط كنتاج لسياسات قمعية مباشرة، بل كحصيلة تفاعل بين عوامل تشريعية وأمنية واقتصادية، ما يضفي على الأزمة طابعاً هيكلياً ممتداً. ويقلل شبهات تقييد الصحافة بشكل تعسفي عن العديد من الدول التي تعاني اقتصادياً في المقام الأول.

انعكاسات الحرب على أوضاع الصحافة في دول الصراع

تكشف المؤشرات العامة للتقرير - كما سبق الإشارة - الارتباط الوثيق بين حالة حرية الصحافة وبين البيئة السياسية والأمنية التي تعمل فيها، وأن تأثير الحروب لا يمكن إغفاله على مؤشرات حرية الصحافة. ووفق نتائج التقرير، فإن الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران قد ألقت بظلالها على الدول المرتبطة بشكل مباشر وغير مباشر بسياق هذه الحرب، على نحو يمكن بيانه فيما يلي:

1- إيران: مزيد من التعتيم في ظل الاحتجاجات والحرب

تتسم البيئة الإعلامية في إيران عموماً بدرجة عالية من التقييد، اعتماداً على نمط إدارة وسائل الإعلام من قبل النظام، وسيطرة الحرس الثوري على المؤسسات الإعلامية، وبالإضافة إلى ضعف وسائل الإعلام المستقلة اقتصادياً، فضلاً عن تقليص مساحة حرية التعبير المتاحة لها. وهي قيود لا ترتبط بالظرف الأمني الراهن، وإنما هي نمط إدارة معتاد للمجال الإعلامي في إيران بوجه عام. إلا أنه مع تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب منذ جولتها الأولى في يونيو 2025، اتجهت السلطات إلى تعزيز الرقابة على المحتوى الإعلامي، خصوصاً فيما يتعلق بالقضايا الأمنية والعسكرية والسياسات الخارجية.

وفي تقرير 2026، استمرت إيران في موقعها ضمن أكثر الدول قمعاً لحرية الصحافة في العالم، متراجعة مرتبة واحدة عن العام الماضي، لتكون في المرتبة 177، بمجموع كلي لنتائج المؤشرات التقييمية الخمس بلغ 17.45، وذلك بعد أن كثّف النظام عمليات التعتيم الإعلامي خلال موجات الاحتجاج التي شهدتها البلاد خلال الأشهر الماضية، فضلاً عن الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في يونيو 2025، وفبراير 2026. فيما تزايدت سياسات اللجوء إلى الاعتقالات والاستجوابات والمضايقات للصحفيين خلال التظاهرات التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، حيث تشير منظمة مراسلين بلا حدود إلى اعتقال ما يزيد عن 100 صحفي أثناء هذه الاحتجاجات التي سيطر عليها الأمن عقب موجة عنف واستهداف غير مسبوقة.

وفي ظل سيطرة النظام على وسائل الإعلام الرسمية في البلاد، يلاحظ أن المحتوى الإعلامي المكتوب والمرئي والمسموع يتم توظيفه في الأوقات الحرجة لخدمة سردية الدولة ويخضع لرؤيتها لوظيفة الإعلام كمنبر للنظام، ما يقلل من هامش تنوع المحتوى الضيق بالأساس. ومن ثم يصبح الإعلام أداة من أدوات الصراع. وفي إطار هذه المعطيات، يمكن القول إن الحالة الإيرانية تعكس وفق نتائج التقرير نموذجاً لاندماج الاعتبارات الأمنية مع السيطرة الإعلامية، بما يجعل من الصحافة جزءاً من معادلة الصراع وليس مجرد ناقل له.

2- إسرائيل: تقييد ورقابة أمنية في سياق الحرب

جاءت إسرائيل في المرتبة 116 ضمن قائمة الدول التي يشملها التقرير، بمجموع كلي لنتائج المؤشرات التقييمية الخمس بلغ 46.46، متراجعة من المرتبة 112 في العام الماضي، في ظل اعتماد سلسلة من القوانين التي تقيد حرية الصحفيين بدأت فيها الحكومة الإسرائيلية منذ عام 2023، وتندرج ضمن تشريعات مكافحة الإرهاب، فضلاً عن ممارسات احتجاز الصحفيين الفلسطينيين والأجانب، في قطاع غزة والضفة الغربية، والقدس الشرقية ولبنان، وقتل الجيش الإسرائيلي أكثر من 220 صحفياً في قطاع غزة وحده، حيث استهدف منهم ما لا يقل عن 70 بسبب طبيعة عملهم الإعلامي، منذ أحداث طوفان الأقصى وحتى بداية عام 2026 حسب تقرير منظمة مراسلين بلا حدود.

وخلال الحرب على إيران في جولتيها الأولى والثانية فرضت إسرائيل قيوداً مشددة وتعتيماً إعلامياً على التغطية الصحفية لآثار التدمير الناتج عن الهجمات الصاروخية الإيرانية، مستخدمة تشريعات الرقابة العسكرية وذلك من خلال عدة قرارات، منها:

أ- منع نشر مواقع سقوط الصواريخ: أصدرت الرقابة العسكرية الإسرائيلية قرارات بمنع التصوير خاصة إذا كانت قريبة من مواقع حساسة، مثل قواعد عسكرية، مراكز أبحاث، مباني حكومية.

ب- حظر البث المباشر نهائياً: وذلك بمنع وسائل الإعلام الأجنبية والعربية من البث المباشر أثناء الهجمات وعند إطلاق صافرات الإنذار، وسقوط الصواريخ.

ج- تهديد الصحفيين: هددت السلطات الإسرائيلية الصحفيين بعقوبات قاسية، شملت اعتقالهم أو منعهم من التصوير حتى في حال حيازتهم بطاقات رسمية، وتعرض بعضهم للاعتداء.

د- تشديد الرقابة على المحتوى: تم تكليف الرقابة العسكرية بمراجعة المواد الإعلامية قبل بثها، وتشمل القيود الخطوط الفاصلة بين المواقع المدنية والعسكرية لإخفاء حجم الأضرار الحقيقي.

وفي هذا السياق، يلخص التقرير الحالة الإسرائيلية، بوجود إطار رقابي واضح ومتصاعد على العمل الصحفي، خاصة في فترات التصعيد العسكري، والتي تفرض خلالها قيود مرتبطة بالرقابة العسكرية على المحتوى الإعلامي المتعلق بالعمليات الأمنية والعسكرية، مما يحد من حرية التغطية في الملفات الحساسة، وتقليص المساحات المتاحة أمام التغطية النقدية للقضايا المرتبطة بإدارة الصراع. ويشير هذا النمط من الرقابة إلى انتقال دور الإعلام من نقل الحدث إلى ضبط إدراكه، بما يجعل التحكم في الصورة جزءاً من أدوات إدارة الصراع.

3- الولايات المتحدة: ضغوط انتقائية وقيود جديدة

جاءت الولايات المتحدة في المرتبة 64، بمجموع كلي لنتائج المؤشرات التقييمية الخمس بلغ 62.61، متراجعة 7 مراكز، في ظل استمرار سياسة الرئيس دونالد ترامب القائمة على استهداف الصحافة ومهاجمة الصحفيين، وتعمد الإساءة لهم، فضلاً عن سياسات التخفيض المستمر في أعداد موظفي الوكالة الأمريكية للإعلام العالمي (USAGM)، من خلال إغلاق مؤسسات إعلامية أو تعليق نشاطها أو تسريح موظفيها، وهي التدابير التي طالت كلاً من صوت أميركا (VOA) وراديو أوروبا الحرة، وراديو ليبرتي (RFE/RL) وإذاعة آسيا الحرة (RFA)، مما أدى إلى خلق فراغ معلوماتي كانت تملئه هذه الوسائل الإعلامية الموجهة للخارج.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تحتفظ بموقع متقدم نسبياً في مؤشرات حرية الصحافة حتى مع تراجعها هذا العام، فإن هذا المستوى المتقدم لا ينفي وجود ضغوط وتحديات مرتبطة بسياقات الحروب والصراعات الخارجية، ومنها الحرب الإيرانية. ففي فترات التصعيد العسكري، تتزايد أهمية الاعتبارات الأمنية في إدارة تدفق المعلومات، خاصة فيما يتعلق بالقضايا المرتبطة بالعمليات العسكرية والاستخباراتية والسياسات الخارجية. ويظهر ذلك من خلال اعتماد المؤسسات الإعلامية الكبرى بدرجة كبيرة على المصادر الرسمية، أو على ما يتم إتاحته عبر القنوات الحكومية، بما يعكس وجود نوع من الاعتماد المؤسسي على الإدارة الأمريكية في تغطية ملفات الحرب.

كما تشهد البيئة الإعلامية الأمريكية في سياق الحروب حالة من الاستقطاب الداخلي، حيث تتباين التغطيات الإعلامية بين وسائل إعلام ذات توجهات مختلفة، وهو ما ينعكس على طبيعة السرديات المقدمة للرأي العام حول أطراف الصراع، بما في ذلك إيران ودورها الإقليمي. هذا التباين لا يرتبط فقط بحرية الصحافة، وإنما أيضاً بتسييس الإعلام في إطار الانقسام السياسي الداخلي.

أنماط التأثير المشتركة والتحول في وظائف الإعلام أثناء الحرب

تكشف المقارنة بين أوضاع الصحافة في دول الصراع المباشر عن أن تأثير الحرب على الإعلام قد أنتج أنماطاً مشتركة من التقييد أدت إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الأجهزة الرسمية ووسائل الإعلام عبر سياقات سياسية متباينة. فعلى الرغم من التباين الواضح بين أوضاع الإعلام في إيران وإسرائيل والولايات المتحدة فيما يتعلق بمستويات حرية الصحافة بعيداً عن الحرب، فإن نتائج مؤشر حرية الصحافة تكشف عن وجود ضغوط مشتركة فرضتها بيئة الحرب؛ تتمثل في:

1- تراجع نسبي لهامش الاستقلال الإعلامي: ظهر تراجع بدرجات متفاوتة في حرية الإعلام، ووجود اتجاه عام نحو تضييق مساحة الاستقلال الإعلامي خلال فترة الحرب، أجبر وسائل الإعلام على اعتماد سردية الأجهزة الرسمية كمصادر لتغطية الأحداث، فيما أخذ هذا التضييق أشكالاً مختلفة؛ تنوعت بين آليات قانونية وتشريعية مباشرة، وضغوط سياسية أو أمنية غير مباشرة. ورغم اختلاف السياقات، إلا أن النتيجة النهائية قد تقاطعت عند نقطة واحدة، وهي إعادة ضبط حدود العمل الصحفي بما يتماشى مع أولويات الدولة في إدارة الصراع.

2- تصاعد مركزية الخطاب الرسمي: من ضمن السمات المشتركة أيضاً خلال فترات الحرب، تزايد اعتماد وسائل الإعلام وإن كان بدرجات متفاوتة على الروايات الرسمية للدول. هذا الاتجاه لا يعني بالضرورة غياب التعددية الإعلامية، لكنه يعكس ميلاً عاماً نحو تعزيز مصادر السلطة في إنتاج المعلومة، خصوصاً في القضايا ذات الطابع الأمني والعسكري، مع التشكيك المستمر في صحة أي محتوى يخالف الرؤية الرسمية، وهو ما تتبعه أطراف الصراع المباشر، في التعامل مع ما ينشر خارج إطار سيطرتها. ففي إسرائيل يصف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو صحيفة مثل هاآرتس بأنها "متأمرة عليه"، بينما يصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العديد من الصحف ووكالات الأنباء الأمريكية بقوله الشهير "Fake News" مثل واشنطن بوست، وسي إن إن، ونيويورك تايمز، وإن بي سي نيوز. وفي إيران توصف الكتابات الخارجة عن الرسمي للنظام، أو المنتقدة له بأنها مأجورة وتنفذ أجندات خارجية.

3-تسييس الإعلام: تكريس دور الإعلام الحربي: تؤدي الحروب عادة إلى تعميق الاستقطاب السياسي، وهو ما ينعكس مباشرة على المجال الإعلامي. وفي دول الصراع الثلاث، أصبح الإعلام جزءاً من اصطفافات سياسية داخلية، أدى إلى إعادة تعريف وظائفه الأساسية. ويمكن رصد هذا التحول في ثلاث وظائف رئيسية؛ التعبئة: حيث يستخدم الإعلام في دعم المواقف الوطنية وتعزيز التماسك الداخلي أثناء الصراع. إدارة الإدراك: من خلال التأثير في كيفية فهم الجمهور للأحداث وتفسيرها. الصراع المعلوماتي: حيث يصبح الإعلام جزءاً من حرب الروايات بين الأطراف المختلفة. ويعكس هذا التحول انتقال الإعلام من كونه فاعلاً مهنياً مستقلاً إلى أداة داخل منظومة الصراع، تتداخل فيه الاعتبارات السياسية والأمنية مع الممارسة الإعلامية.

ويمكن القول إن تأثير هذه التحولات على بنية المجال الإعلامي تمتد أيضاً إلى أنماط تفاعل الجمهور مع المعلومات التي تبثها وسائل الإعلام، حيث تؤدي كثافة السرديات المتنافسة وتزايد الاعتماد على المصادر الرسمية إلى تعزيز حالة من الاستقطاب الإدراكي، تتباين فيها تصورات الجمهور للواقع وفقاً لمصادر تعرضهم الإعلامي. وفي بعض الحالات، يسهم ذلك في تآكل الثقة في الوسائط الإعلامية، أو على العكس، في إعادة ترسيخ الاعتماد على المصادر الرسمية بوصفها أكثر موثوقية في بيئات تتسم بانتشار المعلومات المضللة.

 يمكن القول إن الحرب غالباً ما تحدث إعادة تشكيل عميقة في بيئة الإعلام، ليس فقط على مستوى القيود أو المؤشرات الكمية، وإنما على مستوى الوظائف والدور البنيوي للصحافة نفسها. فيما تكشف قراءة نتائج مؤشر حرية الصحافة أن بيئات الإعلام في دول الصراع المباشر؛ إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، رغم اختلاف درجات الانفتاح والتعددية فيها، تتقاطع جميعها عند نقطة مركزية تتمثل في تصاعد تأثير الاعتبارات الأمنية والسياسية على العمل الصحفي أثناء فترة المواجهات. ويؤدي ذلك إلى تراجع نسبي في استقلالية الإعلام وحريته.