مروان شعبان

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

د. حازم محفوظ

خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية الاستراتيجية، ومدير تحرير التقرير الاستراتيجي العربي

 

في إطار التعاون الأكاديمي والبحثي بين كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة ومركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عُقدت ندوة علمية معمقة يوم 27 إبريل 2026 لمناقشة وتحليل مضامين التقرير الاستراتيجي العربي لعام 2025، واستكشاف دلالاته في ظل التحولات المتسارعة على المستويين الدولي والإقليمي. وقد اكتسبت نسخة هذا العام أهمية خاصة لتزامنها مع مرور أربعة عقود على صدور العدد الأول من التقرير، بما يعكس تراكمًا معرفيًا وبحثيًا ممتدًا أسهم في ترسيخ مكانته بوصفه أحد أبرز المراجع الاستراتيجية للباحثين وصنّاع القرار في العالم العربي.

افتُتحت أعمال الندوة بجلسة افتتاحية شارك فيها كل من الأستاذ الدكتور/ ممدوح إسماعيل عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، والأستاذة الدكتورة/ مروة محمد شبل بلتاجي وكيل الكلية لشئون الدراسات العليا والبحوث، والأستاذ الدكتور محمد سالمان طايع/ رئيس قسم العلوم السياسية بالكلية، والدكتور/ أيمن السيد عبد الوهاب مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، حيث أكدت كلماتهم على القيمة العلمية للتقرير بوصفه نتاجًا لجهد بحثي جماعي يعكس تواصل الأجيال العلمية، فضلًا عن كونه أداة تحليلية لا تقتصر على رصد الواقع، بل تمتد إلى تفسيره واستشراف مساراته المستقبلية.

ففي كلمته، أشاد الأستاذ الدكتور/ محمد سالمان طايع بقيمة "التقرير الاستراتيجي العربي"، مؤكدًا أنه لا يمثل مجرد إصدار مطبوع، بل يعكس جهدًا جماعيًا متكاملًا لخبراء وباحثي مركز عريق. وأوضح أنه يتناول قضايا إشكالية تمس السياق المصري والإقليمي. كما أشار إلى أن الندوة النقاشية تمثل نموذجًا لحوار أكاديمي ثري، مؤكدًا أهمية التقرير ليس فقط للباحثين بوصفه مرجعًا علميًا أصيلًا، وإنما أيضًا لدوائر صنع القرار في مصر والمنطقة. وثمّن في هذا السياق، حرص مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية على تقديم ومناقشة التقرير في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية باعتبارها أول جهة علمية يُعرض فيها، في إطار استعادة تقليد أكاديمي راسخ بين المؤسستين.

ومن جانبه، أشاد الدكتور/ أيمن السيد عبد الوهاب، باستجابة القسم والكلية السريعة لاستعادة هذا التقليد العلمي في تنظيم فعاليات عرض ومناقشة التقرير، مؤكدًا تكامل المؤسستين، حيث إن غالبية الكوادر العلمية والبحثية بالمركز من خريجي الكلية. كما أبرز قيمة تواصل الأجيال التي يعكسها التقرير الاستراتيجي العربي، والذي امتد عبر أربعة عقود وشهد تتابع أجيال متعددة في عملية إعداده، وصولًا إلى الجيل الحالي من الباحثين المساعدين الذين تكوّنوا فكريًا في إطار المدرسة البحثية لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ونظيراتها. وأكد أن هذه الفعاليات تمثل مناسبة للاحتفاء بالجماعة العلمية المصرية والاستفادة من النقاشات النقدية والتعقيبات العلمية، مشيدًا بالجهد المبذول من هيئة تحرير التقرير في إصداره خلال فترة زمنية وجيزة في ظل التحديات الإقليمية والدولية المتسارعة، ومعتبرًا أن التدشين الحقيقي للتقرير يبدأ من مناقشته داخل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

وفي السياق ذاته، أكدت الأستاذة الدكتورة/ مروة محمد شبل بلتاجي، أن التقرير الاستراتيجي العربي لا يكتفي برصد الواقع، بل يسهم في بناء مسارات مستقبلية تعزز القدرة العربية على فهم التفاعلات السياسية الجارية والتكيف معها، مشيرةً إلى أن الندوة تمثل دعوة لحوار علمي متعدد التخصصات قائم على الفهم الموضوعي لقضايا الإقليم.

كما أشار الأستاذ الدكتور/ ممدوح إسماعيل، إلى أن التقرير تناول قضايا مهمة شهدها عام 2025 تعكس جوانب من الاضطراب في السياقين العالمي والإقليمي، مع تقديم تحليلات معمقة للتحولات الكبرى الجارية، وإبراز تداعياتها على جمهورية مصر العربية. وأضاف أن مرور أربعين عامًا على صدور أول نسخة من التقرير جعله من أقدم وأهم التقارير الاستراتيجية في المنطقة ومرجعًا ملهمًا للعديد من المراكز البحثية العربية، مشيدًا بالمجهود الجماعي الذي شارك فيه نحو 40 خبيرًا وباحثًا وباحثًا مساعدًا، نتج عنه 27 دراسة موزعة على محاور التقرير الثلاثة، فضلًا عن منهجيته التي لا تقتصر على الرصد والتحليل، بل تمتد إلى تفسير الاتجاهات وبناء نماذج استشرافية مستقبلية. واختتم بالتأكيد على أن الندوة تمثل فعالية علمية جامعة للطلاب والباحثين والخبراء من المؤسستين، بما يعكس تفاعلًا بين الأطر النظرية والواقع العملي.

وفي هذا الإطار العام، توزعت أعمال الندوة النقاشية على ثلاث جلسات رئيسية تعكس المحاور التحليلية التي اعتمدها التقرير، وهي: النظام الدولي، والنظام العربي والإقليمي، وجمهورية مصر العربية، وذلك بهدف تعميق النقاش حول التحولات البنيوية التي يشهدها كل مستوى على حدة، في ضوء تداخل الديناميات الدولية والإقليمية والمحلية. وقد أعقب هذه الجلسات الثلاث جلسة ختامية خُصصت لتجميع أبرز الملاحظات والتعقيبات العلمية الصادرة عن النقاشات.

الجلسة الأولى: النظام الدولي.. حالة القطبية وتراجع دور المنظمات الدولية

ترأس الجلسة الأستاذ الدكتور/ حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية المتفرغ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وشارك فيها متحدثًا كل من الدكتور/ معتز سلامة، الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ورئيس تحرير التقرير الاستراتيجي العربي، والدكتور/ أحمد قنديل، الخبير بالمركز ورئيس وحدة العلاقات الدولية، فيما تولّى التعقيب كل من أ.م.د. دلال محمود، و أ.م.د. إبراهيم منشاوي، الأستاذين المساعدين في العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية.

استهل الأستاذ الدكتور/ حسن نافعة كلمته بالتأكيد على أن جلسات مناقشة التقرير الاستراتيجي العربي تمثل تقليدًا أكاديميًا راسخًا يعكس عمق الشراكة الفكرية والمؤسسية بين كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ومركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، مشيرًا إلى أن هذه الجلسات تمثل منصة حوارية حيوية للتواصل المستدام بين الأجيال الأكاديمية والبحثية، بما يعزز مكانة المركز بوصفه أحد أبرز الصروح العلمية الداعمة للفكر الاستراتيجي والسياسي في مصر.

كما أشاد بتبني التقرير مقاربة تحليلية تقوم على استعراض رؤى ومواقف ثلاثة فاعلين رئيسيين في الساحة الدولية، وهم الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا، موضحًا أن التقرير ينتقل من تحليل الفاعلين إلى تقييم أداء المؤسسات الدولية، ليخلص إلى أطروحة مركزية مفادها أن هذه المؤسسات تعاني من عجز هيكلي يحد من قدرتها على أداء وظائفها المنوطة بها. وفي هذا السياق، أشار إلى أن التقرير قدم نماذج تطبيقية شملت مؤسسات معنية بالسلم والأمن الدوليين مثل حلف شمال الأطلسي ومجلس الأمن، إلى جانب مؤسسات إنسانية وصحية مثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ووكالة الأونروا، ومنظمة الصحة العالمية. وأضاف أن التقرير في معالجته للسياق الدولي انتقل إلى تحليل عدد من القضايا الاستراتيجية الكبرى التي باتت تشكل ملامح النظام الدولي الراهن وتوازناته، حيث خصص مساحة لمناقشة ثلاث قضايا محورية؛ تتمثل الأولى في الذكاء الاصطناعي وتداعياته العميقة على البنية العالمية، والثانية في قضية المضايق الاستراتيجية وما تشهده من توترات متصاعدة في الممرات الملاحية الحيوية، بينما تتناول القضية الثالثة ملف المعادن النادرة بوصفه أحد أهم محددات التنافس الجيوسياسي المعاصر، في ظل تحول الصراع الدولي إلى سباق تكنولوجي يعتمد بشكل متزايد على السيطرة على هذه الموارد.

وفي كلمته، سلّط الدكتور/ معتز سلامة الضوء على التحولات الهيكلية العميقة في النظام الدولي الراهن، محذرًا من التداعيات المتصاعدة لظاهرة "الترامبية" التي دفعت الولايات المتحدة نحو مسار يتسم بتراجع المؤسساتية وازدياد الطابع الأحادي في صناعة القرار. وأوضح أن هذا النهج، المقترن بانسحاب واشنطن التدريجي من المنظمات الدولية وتبني سياسات انتقائية في إدارة النفوذ العالمي، أسهم في تآكل الجاذبية الأخلاقية للنموذج الغربي وتراجع فاعلية مؤسساته.

وفي المقابل، رأى أن التراجع النسبي للدور الأمريكي يفسح المجال أمام احتمالات تشكل قطبية حضارية جديدة تتجه نحو الفضاء الآسيوي، حيث تتجاوز الصين موقعها كقوة صاعدة لتطرح نفسها كقطب دولي يسعى إلى تعزيز التعددية والالتزام النسبي بالمؤسسات والقانون الدولي، بما قد يجذب أطرافًا من دول الجنوب وأوروبا والشرق الأوسط نحو إعادة تشكيل شبكات مصالح موازية للهيمنة الأمريكية التقليدية. وأضاف أن الرؤية الروسية لإعادة بناء نظام متعدد الأقطاب لا تزال مرهونة بمآلات الحرب في أوكرانيا، وما أحدثته من إعادة ترتيب للتحالفات الغربية. كما أشار إلى أن عملية إعادة تشكيل النظام الدولي تترافق مع بروز تحديات استراتيجية معقدة، من أبرزها احتمالية تحول الذكاء الاصطناعي إلى فاعل مستقل قادر على التأثير في مسارات الصراع والحرب، إلى جانب تصاعد التنافس على الممرات الملاحية والمضايق الاستراتيجية، بما يجعل هذه الملفات التكنولوجية والجيوسياسية محركات رئيسية لإعادة تشكيل خريطة النفوذ في النظام الدولي المعاصر.

وفي الكلمة الثانية من جانب المتحدثين، سلّط الدكتور/ أحمد قنديل الضوء على الأطروحة الرئيسية للتقرير، التي تتجاوز مجرد رصد موازين القوى التقليدية لتؤكد أن التحول الجوهري في النظام الدولي يتمثل في إعادة تعريف قواعد إنتاج القوة ذاتها وتغير طبيعتها. وفي هذا السياق، يحلل التقرير هذا التحول من خلال ثلاثة مسارات استراتيجية رئيسية؛ يتمثل أولها في التحول السلوكي الأمريكي نحو نموذج القيادة الانتقائية الضاغطة، حيث اتجهت واشنطن إلى إدارة النظام الدولي بمنطق الإكراه وحسابات التكلفة والعائد، مع تراجع الاعتماد على التحالفات والمؤسسات الدولية وتزايد الميل نحو الانسحاب المؤسسي.

أما المسار الثاني فيتعلق بالتحول العميق في التوجهات الصينية، إذ انتقلت بكين من قوة مندمجة في النظام القائم تتسم بالهدوء النسبي، إلى فاعل يسعى إلى إعادة تشكيل النظام الدولي عبر توظيف شبكات النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي، وفي مقدمتها مبادرة الحزام والطريق، مع تعزيز قدرتها على استخدام أدوات القوة الصلبة لحماية مصالحها الحيوية، بما يعكس تحولها من دور الوسيط إلى دور الضامن الإقليمي. ويتمثل المسار الثالث في النهج الروسي القائم على توظيف القوة العسكرية الصلبة في محاولة لإعادة تشكيل النظام الدولي، كما يتجلى في الحرب الأوكرانية، وهو مسار يمتلك قدرة على تفكيك البنى القائمة، لكنه يظل محدودًا في بناء نظام بديل مستقر بمفرده. وتتقاطع هذه المسارات الثلاثة لتنتج واقعًا دوليًا يتجه نحو تعددية صراعية مفتوحة، لا نحو تعددية قطبية مستقرة، في ظل غياب قواعد حاكمة متوافق عليها. وقد انعكست هذه الحالة في أزمة حوكمة عالمية حادة تجلت في شلل مجلس الأمن وعجزه عن اتخاذ قرارات حاسمة نتيجة الاستخدام المتبادل لحق النقض من قبل القوى الكبرى، بما يعكس تراجع الثقة في فعالية المؤسسات الدولية.

واختتم الدكتور أحمد قنديل كلمته بالإشارة إلى أن التقرير يطرح مجموعة من التساؤلات الاستراتيجية حول مستقبل النظام الدولي في ظل اتساع مفهوم القوة ليشمل عناصر جديدة مركبة مثل الذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة، محذرًا من أن العالم، والمنطقة على وجه الخصوص، قد ينزلقان إلى مرحلة من الفوضى الممنهجة التي يُعاد توظيفها لإضعاف الدول لصالح مشاريع هيمنة متنافسة.

قدمت الأستاذة الدكتورة/ دلال محمود، الأستاذة المساعدة في العلوم السياسية، تعقيبًا نقديًا للمحور الأول، طرحت فيه تساؤلًا حول طبيعة النظام الدولي الراهن وما إذا كان يعكس فوضى ممنهجة أم حراكًا طبيعيًا في قمة الهرم الدولي. وفي هذا السياق، أعادت تقييم ظاهرة "الترامبية"، معتبرة أن الفارق بين نهجَي ترامب (أمريكا أولًا) وبايدن (استعادة المكانة الأمريكية) يظل محدودًا، وأن الاختلاف يقتصر على الأدوات لا الأهداف. كما طرحت تساؤلًا حول ما إذا كان التصعيد الأمريكي الحاد يعبر عن قوة فعلية وقدرة مستدامة على فرض الهيمنة، أم يمثل محاولة للاحتفاظ بنفوذ آخذ في التراجع في ظل تحديات متزايدة، من بينها تصاعد نزعات التمرد لدى بعض حلفاء حلف الناتو، وإعادة تموضع الولايات المتحدة داخل المؤسسات الدولية.

وعلى صعيد الأقطاب الدولية، رأت أن التقرير لم يتعمق بما يكفي في المحددات الداخلية المؤثرة في سياسات القوى الكبرى؛ ففي حالة الصين، ورغم التسليم بصعودها، فإن اعتمادها على مصادر الطاقة الخارجية يمثل نقطة ضعف استراتيجية، بينما يعكس سلوكها قدرًا من الحذر أكثر من اندفاعها نحو القوة. أما روسيا، فانتقدت التركيز على التفاصيل الميدانية للحرب الأوكرانية على حساب التحليل الاستراتيجي الأشمل، مشيرة إلى أن استمرار الخيار العسكري يرتبط بصعوبة التراجع دون مكاسب ملموسة. كما لفتت إلى وجود فراغ تحليلي يتعلق بالدور الجيوسياسي لأوروبا ومستقبلها، بين أن تكون فاعلًا مؤثرًا أو أن تتحول إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى. واختتمت بالتأكيد على ضرورة تعزيز البعد المنهجي للتقرير من خلال إبراز تداخل سياسات القوى الكبرى مع المنطقة العربية، وتطويره من مستوى طرح التساؤلات إلى بناء سيناريوهات مستقبلية أكثر تكاملًا، مع إدماج أدوار الدول والشركات والمنظمات بوصفها فاعلين رئيسيين في إدارة صراعات النظام الدولي.

ومن جانبه، قدّم الأستاذ الدكتور/ إبراهيم منشاوي، الأستاذ المساعد في العلوم السياسية، تعقيبًا ركّز فيه على غياب البعد القانوني في تحليل التقرير للمؤسسات الدولية والمضايق الاستراتيجية، مؤكدًا أن النظام الدولي يواجه أزمة فعالية ناتجة عن الاستخدام المفرط لحق النقض (الفيتو) وتراجع التمويل الدولي في ظل انسحابات بعض القوى الكبرى من الوكالات الأممية. كما تناول الإطار القانوني لتصويت الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وفق المادة (27/3) من ميثاق الأمم المتحدة، موضحًا الإشكاليات المرتبطة بتطبيقها في حالات النزاع.

وأشار كذلك إلى بعض الإشكاليات القانونية المتعلقة بحلف الناتو ومحاولاته تجنب تصنيفه كمنظمة إقليمية خاضعة لرقابة مجلس الأمن. وفيما يتعلق بالمضايق الدولية، انتقد إغفال التقرير للإطار القانوني الناظم لها وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، مسلِّطًا الضوء على الحالة الإيرانية في مضيق هرمز، حيث تعترض طهران على مبدأ المرور العابر لصالح المرور البريء تعزيزًا لسيادتها. كما أوضح التفرقة القانونية الجوهرية بين المضايق الدولية، التي لا يجوز فرض رسوم مرور فيها إلا مقابل خدمات فعلية، والقنوات الملاحية - مثل قناة السويس - الخاضعة لاتفاقيات خاصة تمنح الدولة حقوقًا سيادية في تحصيل الرسوم.

وفي هذا الإطار، شهدت الجلسة نقاشًا موسعًا ومداخلات متعددة اتسمت بالثراء التحليلي، وتركزت في مجملها حول طبيعة التحول في النظام الدولي، وحدود الاستمرارية في السياسات الأمريكية، وإشكالية "الترامبية" بوصفها ظاهرة تحليلية بين الاستثناء والتحول البنيوي، إلى جانب تراجع فاعلية المؤسسات الدولية وانعكاس ذلك على القوى المتوسطة، فضلًا عن إعادة طرح أدوار القوى الإقليمية في ظل تزايد مؤشرات السيولة في النظام الدولي وتعدد مراكز التأثير. كما تناولت المداخلات إشكاليات الفوضى الممنهجة وإعادة تعريف القوة في العلاقات الدولية، مع تساؤلات حول مستقبل النظام الدولي بين اتجاهات التعددية الصراعية أو التعددية المستقرة، وإمكانية انتقاله إلى ترتيبات جديدة أكثر استقرارًا، في ظل صعود فاعلين إقليميين جدد وتغير أنماط القوة التقليدية.

وفي ختام الجلسة، أكد الأستاذ الدكتور/ حسن نافعة اتساع الفجوة بين الإطار القانوني الدولي والواقع السياسي، مشيرًا إلى غياب سلطة دولية إلزامية قادرة على فرض احترام القواعد. كما أوضح أن مؤسسات ما بعد الحرب العالمية الثانية تأسست في ظل توازنات القوى الكبرى، ما يحد من قدرتها على التكيف مع التحولات الراهنة. وحذر من تراجع أدوار الأمم المتحدة في مجالي حفظ السلم والأمن الدوليين والوظائف الإنسانية، في ظل أزمات ممتدة. وخلص إلى أن إصلاح النظام الدولي يظل مرهونًا بتوافق القوى الكبرى، مما يحد من فرص التغيير الجذري، رغم حاجة القوى المتوسطة والصغيرة إلى نظام دولي أكثر استقرارًا وفاعلية قائم على احترام القواعد.

الجلسة الثانية: النظـام العربي والإقليمي.. التفاعلات العربية والإقليمية والقضية الفلسطينية

تولى رئاسة الجلسة الأستاذ الدكتور/ أحمد يوسف أحمد، أستاذ العلوم السياسية المتفرغ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وشارك فيها كمتحدثين رئيسيين كل من الدكتور/ محمد السعيد إدريس، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، والدكتور/ محمد عباس ناجي، الخبير المتخصص في الشأن الإيراني ورئيس تحرير الموقع الإلكتروني بالمركز. وتولى التعقيب كل من الأستاذة الدكتورة/ نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية المتفرغة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، والدكتور/ علي جلال معوض، مدرس العلوم السياسية بالكلية.

افتتح رئيس الجلسة أعمالها معربًا عن اعتزازه باستمرار هذا التقليد الأكاديمي العريق المتمثل في مناقشة التقرير الاستراتيجي العربي فور صدوره داخل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، مؤكدًا أن هذا التقرير يمثل أحد أهم المراجع العلمية في الدراسات العربية والإقليمية والدولية، بالنظر إلى تراكمه المعرفي الممتد عبر عقود.

في هذا السياق، استعرض الدكتور/ محمد السعيد إدريس الجذور التاريخية للعلاقة بين المركز وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، معتبرًا أن المركز يُعد امتدادًا علميًا مباشرًا للكلية منذ تأسيسه عام 1968. كما قدّم تحليلًا للنظام الإقليمي في الشرق الأوسط بوصفه "نظام تفاعلات وسطى"، يفتقر إلى الطابع المؤسسي المستقر، ويعتمد بدرجة أكبر على التفاعلات الواقعية مقارنة بالأطر القانونية أو المؤسسية.

وأوضح أن النظام العربي يعاني أزمة بنيوية ارتبطت بتغليب منطق السيادة الوطنية على مشروع الوحدة، ما حوله إلى إطار تنسيقي أكثر من كونه مشروعًا وحدويًا، مع تراجع وظائفه الأساسية وتنامي ظاهرة الدول الهشة. وربط ذلك بتحول مركز الثقل العربي من القاهرة إلى دول الخليج بعد 1973، وما ترتب عليه من الانتقال من منطق الأيديولوجيا إلى منطق الثروة، وإعادة تشكيل الصراعات الإقليمية، مع تصاعد البعد المذهبي وتحوّل بؤرة العداء من إسرائيل إلى إيران.

كما حذر من تصاعد نفوذ القوى الإقليمية غير العربية (إسرائيل، إيران، تركيا) في تفكيك التماسك العربي، مشيرًا إلى اتساع الطموحات الإسرائيلية لتشمل مجالًا حيويًا يمتد من المغرب إلى باكستان. واختتم بالتأكيد على أن معركة الهوية تمثل التحدي الأبرز، داعيًا إلى التمسك بمصطلح "الوطن العربي" و"العالم العربي" في التحليلات والتقارير الاستراتيجية لتعزيز الهوية القومية في مواجهة مشاريع الهيمنة الإقليمية.

أما الدكتور/ محمد عباس ناجي، فقد تناول أبرز القضايا التي ركّز عليها التقرير، وفي مقدمتها تفاعلات النظامين العربي والشرق أوسطي، والأزمات الداخلية في عدد من الدول مثل سوريا والعراق، إلى جانب أدوار دول الجوار الإقليمي (إيران، تركيا، إسرائيل، إثيوبيا). وأشار إلى أن التطور الأبرز يتمثل في الحالة السورية وما أفرزته من إشكاليات تتعلق بالقوميات والسياسة الخارجية للنظام الجديد. كما أوضح أن التقرير رصد تحولات موازين القوى الإقليمية، مع تراجع النفوذ الإيراني نتيجة تداعيات الحرب وضعف أذرعها الإقليمية، مقابل صعود الدورين التركي والإسرائيلي، مع لفت الانتباه إلى احتمال تصاعد التوتر بينهما في ظل المخاوف التركية من التمدد الإسرائيلي، وما يرتبط بذلك من طرح "إسرائيل الكبرى" الذي يروج له نتنياهو.

وفي هذا الإطار، ركز على الحرب الحالية بين إيران من جهة، وكل من إسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، معتبرًا أنها الجولة الثانية من الحرب التي تهدف إلى تشكيل توازنات الإقليم. كما بيّن أن استمرار الحرب يرتبط بخلافات استراتيجية حول شروط التهدئة؛ إذ تسعى الولايات المتحدة إلى صفقة لوقف إطلاق النار، بينما ترفض إيران ذلك خشية تكرار سيناريو حرب الإثنى عشر يومًا، وتسعى لرفع كُلفة المواجهة للحصول على ضمانات أمنية. كما أشار إلى فشل الرهان على إسقاط النظام الإيراني أو انهياره، ولا سيما مع قدرته على التكيف رغم الضغوط، إلى جانب عدم تحقق الأهداف العسكرية المتعلقة ببرنامجه النووي، ما دفع نحو تسريع مسار التفاوض. واختتم بالإشارة إلى خطأ التقديرات التي توقعت انفجار الشارع الإيراني ضد النظام خلال الحرب، حيث أظهر المجتمع الإيراني قدرًا من التماسك الوطني المرحلي، وهو ما يعزز أن مخرجات هذه الأزمة سيكون لها تأثير مباشر على القضية الفلسطينية ومستقبل التفاعلات الإقليمية، بما يجعلها محورًا رئيسيًا في التحليل المستقبلي للتقرير.

استهلت الأستاذة الدكتورة/ نيفين مسعد تعقيبها بالإشادة باستمرارية التقرير الاستراتيجي العربي لمدة 40 عامًا بوصفه عملًا علميًا رصينًا يعكس تراكمًا معرفيًا مهمًا. غير أنها سجلت ملاحظتين منهجيتين؛ الأولى تتعلق بتعدد الأقلام وما ترتب عليه من تباين في بعض الأحكام، كما ظهر في اختلاف التقديرات بشأن مستقبل مجلس التعاون الخليجي بين احتمال الانقسام بسبب الخلافات الخليجية وبين استبعاد هذا السيناريو باعتبار أن تلك الخلافات ليست جديدة. أما الملاحظة الثانية فتتعلق بعدم اتساق المدى الزمني لبعض أجزاء التقرير، حيث التزم بعضها بنهاية 2025 بينما امتد بعضها الآخر إلى أحداث 2026، بما خلق تباينًا في الإطار الزمني للتحليل.

وفيما يخص النظامين العربي والشرق أوسطي، دافعت عن هوية النظام العربي مؤكدة أن العروبة تمثل أساس العضوية فيه رغم فجوة التطبيق، واعترضت على تعريف نظام الشرق الأوسط كبعد شعبي، مستبعدة أن يكون التفاعل بين الشعوب العربية وإسرائيل مكوِّنًا لهذا النظام الافتراضي. وأضافت أن حل الخلافات العربية الداخلية، رغم أهميته، لا يُعد كافيًا لتمكين النظام العربي من قيادة النظام الشرق أوسطي، باعتبار أن الأخير نظام وظيفي تحكمه ديناميات الصراع بالأساس.

وعلى صعيد الأدوار الإقليمية، رأت أن صعود السعودية كفاعل إقليمي قيادي بدأ قبل 2025، وانتقدت التناول السريع للقضية الصحراوية وتفاعلاتها المغربية الجزائرية رغم أهميتها. وفي الملف الإيراني، اتفقت مع توصيف الصراع الحالي بأنه "الجولة الثانية من الحرب"، وقدمت قراءة نقدية لفكرة صعود الدولة المؤسسية على حساب الثيوقراطية، معتبرة أن توظيف الرموز القومية لا يعكس تحولًا بنيويًا في طبيعة النظام، متسائلة عن توازن القوى الفعلي بين مؤسسات الدولة والحرس الثوري.

قدم الدكتور/ علي جلال معوض في تعقيبه مجموعة من التوصيات لتعزيز القيمة العلمية للتقرير، من أبرزها إضافة قوائم للمصادر أو ملحق إلكتروني، وتفعيل النشر الرقمي عبر قواعد بيانات باشتراكات ميسرة، مع توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في ربط الإصدارات عبر العقود. كما انتقد ضعف الترابط التحليلي بين أقسام التقرير، ولا سيما التباين بين القسم المصري والأقسام الإقليمية والدولية.

ومن الناحية المفاهيمية، اقترح استخدام مفهوم "مركّب الأمن الإقليمي" بدلًا من المفاهيم التقليدية، مع إعادة قراءة التقسيم الإقليمي إلى محورين: "الشرق الأوسط الإسرائيلي" و"الشرق الأوسط الكامل"، متسائلًا عن مدى تماسك المحور الثاني في ظل تضارب المصالح واحتمالات التفكك. كما حلل ظاهرة انتشار الصراعات عبر الحدود الرخوة، مستشهدًا بحالتي السودان وليبيا، ومحذرًا من المضاهاة الخاطئة في السياسة الدولية، مثل محاولة القياس غير الصحيح بين حالة سقوط النظام في سوريا وما يمكن أن يحدث في إيران.

وأشاد بتناول التقرير للتفاعلات العربية غير الرسمية، معتبرًا أنها فضاء شديد التعقيد والتوظيف السياسي، واقترح استبدال مصطلح "الوكيل" بمفهوم "الشركاء المحليين الاستراتيجيين" لتعكس طبيعة الأدوار الجديدة للفاعلين من غير الدول. واختتم بالإشارة إلى التحول في الدور التركي من الأنماط الصدامية إلى نهج أكثر مؤسسية عبر الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية، لاسيما في سوريا وليبيا، محذرًا من انعكاسات هذا النموذج على الإقليم، خاصة في ظل توظيف الأبعاد الجيواقتصادية والجيوأمنية لإعادة تشكيل الواقع الإقليمي.

انطلق الأستاذ الدكتور/ أحمد يوسف أحمد، رئيس الجلسة، في ملاحظاته النقدية والمنهجية من تقدير عالٍ للتقرير الاستراتيجي العربي بوصفه مرجعًا شاملًا وفريدًا في الوطن العربي. واعترض على استخدام مصطلح "التنافس" لوصف العلاقة بين النظامين العربي والشرق أوسطي، معتبرًا أنها علاقة صراع وصدام بنيوي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ارتبطت بمحاولات قوى كبرى لإعادة تشكيل الإقليم عبر مشاريع مثل حلف بغداد ومشروع أيزنهاور، قبل أن تتراجع القدرة العربية على المواجهة بعد عام 1973.

كما تحفظ على اعتبار النظام العربي مجرد مكوّن ضمن نظام شرق أوسطي أوسع، مؤكدًا أن العلاقة بينهما علاقة تداخل لا احتواء، وأن النموذج الأنسب هو "بؤرة النظام العربي ومحيطها الإقليمي". وانتقد طرح فكرة "الفراغ الأمني" الذي يُقال إن النظام الشرق أوسطي الافتراضي يملؤه، متسائلًا عن طبيعة هذا الدور أصلًا، وهل يُعد تدمير إسرائيل لغزة أو استهداف اليمن قيامًا بوظيفة أمنية؟، محذرًا من التباس المصطلحات التي قد تُضفي شرعية وظيفية على ممارسات عدوانية.

ورفض أيضًا مقولة "ذوبان النظام العربي في نظام شرق أوسطي موحد"، مشيرًا إلى أن تناقضات القوى الإقليمية (إيران، تركيا، إسرائيل) تمنع تشكّل نظام مستقر. واختتم بالتأكيد على أن الخطر الحقيقي يتمثل في تآكل النظام العربي لصالح إقليمية مشتتة تدور فيها الدول العربية في فلك القوى الإقليمية المتنافسة، بما يهدد الهوية القومية العربية.

شهدت الجلسة مداخلات متعددة، حيث قدّم الأستاذ الدكتور/ علي الدين هلال تحليلًا لصعود دول الخليج وتغير موازين القوى الإقليمية، معتبرًا أنه تحول ممتد لا طارئ، تعود جذوره إلى ما يقرب من خمسين عامًا. واستند إلى طرح الأستاذ/ محمد حسنين هيكل عام 1975 حول "الحقبة السعودية"، موضحًا أن هذا الصعود نتج عن عاملين رئيسيين: تراجع أدوار القوى العربية التقليدية (مصر، العراق، سوريا) بفعل الحروب والأزمات، وتراكم الثروة النفطية الخليجية وما أتاحه من توظيف مالي واسع في الإقليم. كما استحضر نقاشات أكاديمية سابقة في جريدة الأهرام عام 1990 عقب غزو العراق للكويت، والتي خلصت إلى تغير بنيوي في موازين القوى وعدم إمكانية استعادة الدور المصري السابق، بما يعكس تحولات تاريخية عميقة في بنية النظام الإقليمي.

وفيما يتعلق بالإشكالية المفاهيمية للنظامين العربي والشرق أوسطي، دعا إلى الاستماع لرؤى الجيل الأكاديمي الجديد، الذي تشكّلت تصوراتُه في سياقات فكرية مختلفة ومتأثرة بالأدبيات الغربية، مؤكدًا ضرورة التعامل مع هذه الرؤى بوصفها تعبيرًا عن سياقها التاريخي بدلًا من رفضها، مع فتح المجال لحوار بين الأجيال لفهم التحولات المفاهيمية.

كما شهدت الجلسة نقاشات واسعة حول طبيعة التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وإمكانية وجود تداخل في المصالح رغم مظاهر الصراع، إلى جانب تساؤلات حول تغيّر توصيف العمليات العسكرية وتداعيات ذلك على فهم طبيعة المواجهة. وأُثيرت إشكالية أزمة الهوية العربية وتباين تعريفات التهديد الأمني بين إسرائيل وإيران، مع دعوات لإعادة التفكير في صيغ النظام الإقليمي وإدماج أدوار تركيا وإيران كقوى مؤثرة في الإقليم.

تناولت المداخلات كذلك تداعيات اغتيال خامنئي وعلي لاريجاني على مستقبل التفاوض مع إيران، ودور دول الخليج في أي تسوية كبرى بين واشنطن وطهران، في ظل شعور بتراجع حضورها في مسارات التفاوض. واختُتمت الجلسة بالإشادة بالنهج المصري في إدارة التوازنات الإقليمية، خاصة في ملف غزة، مع الإشارة إلى غياب القضية الفلسطينية عن بعض نقاشات الجلسة رغم مركزيتها.

الجلسة الثالثة: مصر.. النظام السياسي والاتـزان في السياسة الخارجية

ترأس الجلسة الأستاذ الدكتور/ علي الدين هلال، أستاذ العلوم السياسية المتفرغ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. وشارك في أعمال الجلسة كمتحدثين رئيسيين كل من: الدكتور/ عمرو هاشم ربيع، والدكتور/ عمرو الشوبكي، مستشاري مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. وتولى التعقيب كل من: الأستاذ الدكتور/ محمد سالمان طايع، أستاذ العلوم السياسية ورئيس قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وأ.م.د. أمل حمادة، الأستاذة المساعدة في العلوم السياسية بالكلية.

افتتح رئيس الجلسة أعمالها، موضحًا أن هذا القسم من التقرير يتمحور حول ثلاثة ملفات أساسية تُشكل ملامح الحالة المصرية؛ حيث يركز الملف الأول على المشهد السياسي البرلماني، متناولًا انتخابات مجلسي النواب والشيوخ والظروف المرتبطة بها، بما في ذلك رصد طبيعة التدخل الرئاسي في تلك التطورات. ويتناول الملف الثاني رصدًا دقيقًا لأهم التحولات الاقتصادية التي لحقت بالدولة، بينما يختص الملف الثالث بتحليل دور القوات المسلحة ومبدأ "الاتزان" الذي يحكم توجهات السياسة الخارجية المصرية.

قدم الدكتور/ عمرو هاشم ربيع في كلمته قراءة موسعة لمحاور الحالة المصرية، مقسّمًا إياها إلى ثلاثة أبعاد رئيسة تشمل السياسة الداخلية، والسياسة الاقتصادية، والأمن القومي والسياسة الخارجية. وركّز في البعد السياسي على انتخابات مجلسي النواب والشيوخ لعام 2025 ومطلع عام 2026، مشيرًا إلى إشكالية دستورية تتعلق بوضعية "مجلس الشيوخ" وغياب توصيفه الواضح كغرفة ثانية أو جزء من البرلمان، بما يُعد سابقة منذ دستور 1923. كما انتقد النظام الانتخابي القائم على "القائمة المطلقة"، معتبرًا أنه يهدر أصوات المعارضين ويؤدي إلى هيمنة شبه كاملة للموالاة على مقاعد القوائم. كما توقف عند مسألة التدخل الرئاسي، موضحًا أنه جاء في شكل توجيه تحذيري للهيئة الوطنية للانتخابات لتصحيح بعض الممارسات الإجرائية التي كادت تعرقل المنافسة أو تحد من حضور وكلاء المرشحين في عمليات الفرز، وهو ما انعكس في إعادة الانتخابات بعدد من الدوائر.

أما في الملف الاقتصادي، فرصد مؤشرات كلية تشير إلى تحسن نسبي في معدلات النمو وبلوغها 4.4% مقابل 4%، مع تراجع طفيف في التضخم إلى 12.1%، وهو أدنى مستوى خلال ثلاث سنوات. ورغم استقرار سوق الصرف في 2025 نتيجة التزام البنك المركزي بآليات السوق، إلا أن العجز التجاري ظل تحديًا قائمًا، حيث لم تتجاوز الصادرات 50 مليار دولار مقارنة بالطموح الرسمي البالغ 100 مليار دولار، بما يضع مصر في موقع متأخر نسبيًا مقارنة بدول مثل تركيا وكوريا الجنوبية.

وفي الشق التشريعي والاجتماعي، تناول ثلاثة قوانين مثيرة للجدل: قانون تنظيم الفتوى الذي عزز دور وزارة الأوقاف، وقانون المسئولية الطبية، وقانون التعليم المرتبط بنظام البكالوريا. وانتقد الفجوة بين الإطار التشريعي والتطبيق الفعلي، مشيرًا إلى استمرار "فوضى الفتاوى"، وضعف الإنفاق على الصحة والتعليم دون الوصول إلى النسب الدستورية، إلى جانب استمرار أزمات مزمنة مثل هجرة الأطباء ونقص الدواء وكثافة الفصول والدروس الخصوصية، بما يحد من الأثر العملي للإصلاحات التشريعية.

من جانبه، تناول الدكتور/ عمرو الشوبكي في كلمته تحليلًا نقديًا لعدد من الظواهر السياسية والتشريعية الواردة في التقرير الاستراتيجي لعام 2025، مركزًا على انتخابات مجلس النواب وما صاحبها من "ظواهر جديدة" غير مسبوقة في التاريخ البرلماني المصري. وأشار إلى أن إعادة الانتخابات في نحو 70% من الدوائر يمثل حدثًا استثنائيًا يثير تساؤلات حول استقلالية العملية الانتخابية ودور الهيئة الوطنية للانتخابات، مستشهدًا بتفاوتات حادة في بعض الدوائر بما يعكس خللًا في إدارة العملية الانتخابية. كما انتقد ضعف التنافسية السياسية، موضحًا أن نسبة كبيرة من النواب وصلوا إلى مقاعدهم دون منافسة حقيقية عبر التعيين أو القوائم المضمونة، وقارن ذلك بأنماط سابقة كانت تتيح قدرًا من التنافس. واقترح بدائل انتخابية مثل القوائم المطلقة على مستوى المحافظات لتعزيز التنافسية وفتح المجال أمام الكفاءات.

كما تناول ظاهرة "بيع المقاعد" وما يرتبط بها من تمويل انتخابي مرتفع، معتبرًا أنها تؤثر سلبًا على نزاهة العملية السياسية وتؤدي إلى عزوف الناخبين، مستشهدًا بضعف نسب المشاركة في بعض الدوائر. وفي الملف التشريعي، ناقش قانون الإيجار القديم، الذي عالج اختلالات تاريخية، إلا أنه حذر من الأزمة الاجتماعية المترتبة على نص طرد المستأجرين بعد فترة انتقالية. ودعا المجتمع الأهلي والخبراء إلى ضرورة مراجعة هذه النقطة لتفادي التداعيات السلبية على الأسر المستقرة. واختتم بالإشادة بمعالجة التقرير لمفاهيم مثل "السردية الوطنية" في المحور الاقتصادي، و"الاتزان الاستراتيجي" في السياسة الخارجية، مع الدعوة إلى تطوير منهجية التقارير المستقبلية لتشمل رؤية نقدية أعمق تساهم في تجويد الأداء الدبلوماسي والاستراتيجي للدولة.

قدّمت الأستاذة الدكتورة/ أمل حمادة، الأستاذة المساعدة في العلوم السياسية، تعقيبًا نقديًا معمقًا على الجزء الخاص بالنظام السياسي المصري، ركزت فيه على ما وصفته بـ"المسكوت عنه"، والفجوات المنهجية في التحليل. وأبدت اهتمامًا بمفهوم "الهندسة الاجتماعية" الوارد في التقرير، معتبرة إياه مدخلًا لفهم السياسات المصرية الراهنة، ودعت إلى توسيعه ليشمل مشروعات المدن الجديدة (مثل المنصورة الجديدة وأسوان الجديدة) بوصفها آليات لإعادة تشكيل المجتمع والعلاقات الاجتماعية، لا مجرد مشروعات عمرانية. كما تساءلت عن الانحيازات الفكرية والأيديولوجية المحتملة في اختيار موضوعات التقرير، معتبرة أنه يقدم رؤية تحليلية ذات طابع تفسيري أكثر من كونه عرضًا وصفيًا محايدًا. وانتقدت تغييب دور الجماهير كفاعل سياسي مستقل، وضعف تناول منظمات المجتمع المدني، إلى جانب غياب البيانات الجندرية التفصيلية المتعلقة بالانتخابات والتشريعات، وعدم التطرق الكافي لدور النساء داخل المؤسسات المختلفة، بما فيها المؤسسة الأمنية.

وأشارت كذلك إلى تجاهل قضية التمويل الدولي للتنمية في ظل التحولات المرتبطة بالسياسات الدولية، معتبرة ذلك من الملفات المؤثرة على أجندة التنمية في مصر ودول الجنوب. واختتمت بالتأكيد على ضرورة إضافة خاتمة تحليلية للتقرير تُبرز عناصر الاستمرارية والتغير بين الأعوام، بما يعزز منطق التراكم المعرفي الذي يميز تراث المركز.

أما الأستاذ الدكتور/ محمد سالمان طايع، فقد قدّم تعقيبًا ركّز فيه على ضبط المفاهيم المؤسسية وتفكيك محددات السياسة الخارجية المصرية، مؤكدًا ضرورة التمييز بين "القوات المسلحة" و"المؤسسة العسكرية" باعتبار أن الثانية تعكس نطاقًا مؤسسيًا أوسع يشمل أجهزة ومراكز دعم القرار الاستراتيجي، بما يبرز البعد التاريخي والدستوري للمؤسسة في الدولة المصرية. وأوضح أن هذا التمييز يُبرز المكانة التاريخية للجيش في الوجدان الوطني، ويمثل ضرورة منهجية في مواجهة محاولات الاستهداف الإعلامي الخارجي التي سعت إلى النيل من هذه المكانة في فترات سابقة.

كما تناول مفهوم "الاتزان الاستراتيجي" منتقدًا عدم تعميقه في التقرير، وداعيًا إلى مقاربته مفاهيميًا ومنهجيًا، مع طرح إطار تحليلي خماسي لدراسة السياسة الخارجية يشمل: الأسس، المحددات، مركز صنع القرار، التوجهات، وأدوات التنفيذ. وأوضح أن التقرير ركّز على "التوجهات" أكثر من "المحددات" رغم أهميتها الكبيرة في تفسير التحولات. واختتم بالتنبيه إلى دقة المصطلحات في الخطاب الرسمي، خاصة استخدام "النهر العابر للحدود"، معتبرًا أن "النهر الدولي" هو التعبير الأدق قانونيًا وسياسيًا لضمان حقوق دول المصب، وفي مقدمتها مصر.

وفي تعقيبه، تناول رئيس الجلسة الأستاذ الدكتور/ علي الدين هلال عددًا من الملاحظات النقدية والمنهجية، مؤكدًا ضرورة مراجعة قانون الانتخابات الحالي في ضوء ما أفرزه من إشكاليات تتعلق بضعف المنافسة السياسية، وعزوف الناخبين، وتراجع الخبرة البرلمانية، وظهور ظاهرة "النواب الصامتين". كما أيد أهمية إدراج أدوار المرأة والمجتمع المدني والمجالس القومية في التقرير، إلى جانب التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي، واقترح إضافة مقدمة توضح المعايير المنهجية لاختيار الموضوعات.

وفي سياق مفهوم "الاتزان الاستراتيجي"، أوضح أنه بات جزءًا من الخطاب الرسمي، ويقوم على أربعة محاور: التوازن في العلاقات الدولية، وتغليب المصالح الوطنية، وتعزيز استقلال القرار، وتجنب التحالفات العسكرية مع استمرار التعاون والتدريب المشترك. كما أشاد بالتمييز بين "النهر الدولي" و"النهر العابر للحدود"، مؤكدًا أهمية الدقة الاصطلاحية لما لها من انعكاسات قانونية وسياسية على المصالح المصرية.

وفي ختام الجلسة، شهدت المناقشات تفاعلًا ملحوظًا من الحضور، حيث استُهلت المداخلات بطرح رؤية تحليلية تركز على استخلاص الدروس المستفادة من الحرب بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، وموقف مصر وتفاعلاتها مع هذا الصراع، مع التأكيد على أهمية متابعة ملف اللاجئين وتطورات اللجنة الوطنية المعنية به.

أما على صعيد النظام السياسي المصري، فقد تركزت النقاشات حول عدد من الفجوات البنيوية، وفي مقدمتها استمرار غياب المجالس المحلية لما يزيد عن خمسة عشر عامًا، بما يمثل نقصًا في استكمال البناء المؤسسي للنظام السياسي. كما أثير جدل أكاديمي حول طبيعة المنافسة السياسية ودور الأحزاب، وما إذا كانت تقدم بدائل حقيقية أم تظل في إطار المنافسة الشكلية. وفي السياق ذاته، أُشير إلى تحول المجتمع المدني في بعض الأحيان إلى مجرد جمعيات أهلية تنشط في قضايا محددة، مثل التغير المناخي، بما يحد من أدواره الأوسع. كما شدد المشاركون على أهمية تفعيل دور مراكز الفكر في إعداد "أوراق السياسات" الموجهة لصناع القرار، مع ضرورة تسليط الضوء على دور رجال الأعمال المدنيين في دعم الاقتصاد الوطني.

وفيما يتعلق بالعلاقات الإقليمية، انتقد أحد المشاركين قصر دراسة الحالة على مصر دون تخصيص محور متكامل للعلاقات المصرية-العربية، خاصة تجاه القضايا الملحة مثل الأزمة اليمنية، والقضية الليبية، ونزاع الصحراء. كما سجل بعض الباحثين من الجمهورية اليمنية ملاحظة نقدية على "الكتاب الأبيض" لوزارة الخارجية المصرية، لعدم تناوله اليمن بشكل مستقل، والاكتفاء بالإشارة إليه ضمن سياق "عاصفة الحزم". ورغم ذلك، أشاد آخرون بتناول التقرير لملف غزة باعتباره قضية أمن قومي محورية، فضلًا عن إبراز تطور العلاقات الاستراتيجية مع القوى الأوروبية الكبرى بما يعزز مفهوم "الاتزان الاستراتيجي".

ومن جهة أخرى، برزت ملاحظة نقدية تتعلق بتهميش قضايا المرأة في التقارير الاستراتيجية، حيث أرجع البعض ذلك إلى هيمنة أنماط التفكير الاستراتيجي التقليدي، التي تميل إلى تهميش المقاربات الحديثة عند تزاحم القضايا، غير أن هذا الطرح لم يلحظ أن التقرير قد تضمن بالفعل معالجة لإحدى قضايا المرأة ضمن المجال العام المصري، بما يشمل أبعاد العنف والهيمنة الذكورية، إلى جانب الإشارة إلى النقاشات ذات الطابع النسوي، بما يعكس إدماج هذا الملف داخل البنية التحليلية للتقرير وتناوله في سياقاته الاجتماعية المختلفة. كما رصدت المداخلات توجه الدولة المصرية نحو تعزيز مفهوم "السيادة الرقمية"، وتوسيع الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وبناء القدرات البشرية، مع التأكيد على ضرورة قياس مؤشرات التنمية الرقمية والشمول المالي بمدى انعكاسها الفعلي على حياة المواطنين، وليس فقط عبر المؤشرات الكمية المجردة.

وفي ختام الجلسة الثالثة، قدّم رئيس الجلسة رؤية فلسفية ومنهجية حول طبيعة العمل البحثي الاستراتيجي، مؤكدًا أن التعددية في الآراء تمثل ضرورة علمية، وأن "الانحياز" في التحليل لا يُعد سلبًا في ذاته، بل يمكن أن يكتسب قيمة منهجية متى تم الإفصاح عنه بوضوح وضبطه منهجيًا بما يتيح للقارئ فهم زاوية التحليل وحدودها. كما دافع عن استمرارية الهيكل التقليدي للتقرير (الدولي، الإقليمي، المصري)، لما يوفره من إمكانية للمقارنة الزمنية وتتبع تطور الظواهر عبر العقود. واختتم بالتأكيد على عمق العلاقة المؤسسية بين قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ومركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، باعتبارهما إطارين متكاملين في دعم البحث العلمي وصياغة المعرفة الاستراتيجية.

الجلسة الختامية: التقرير الاستراتيجي العربي.. الأهمية والفكرة والتنفيذ والآفاق

تولى رئاسة الجلسة الدكتور/ أيمن السيد عبد الوهاب، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، واستهل أعمالها بالتأكيد على عمق الشراكة الأكاديمية والتعاون البحثي بين المركز وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، معتبرًا أن هذا التعاون الممتد يمثل ركيزة أساسية في صياغة الأجندة البحثية خلال المرحلة المقبلة. وأوضح أن التقرير الاستراتيجي العربي، منذ انطلاقه عام 1986، واجه تحديات منهجية تتعلق بتضخم المادة العلمية وغلبة الطابع الرصدي، إلا أن تطور منهجيته في السنوات الأخيرة عزز من حضور التحليل إلى جانب الرصد، في ظل تسارع التحولات الإقليمية والدولية واتساع نطاق المعلومات.

وفيما يتعلق بالملفات الاجتماعية، أوضح أن قضايا المرأة والمجتمع المدني تندرج ضمن محور "المجال العام" بوصفه الإطار الأوسع لفهم التفاعل بين السياسات العامة والحراك المجتمعي، مؤكدًا أن اختيار القضايا لا يخضع لمنطق فئوي أو تقسيمي جامد، وإنما لطبيعة التطورات والأولويات البحثية، مع التحذير من أن إدخال مقاربات تمثيلية جامدة قد يؤثر على اتساق التحليل.

وفي المداخلات الختامية، شدد الأستاذ الدكتور/ علي الدين هلال على أهمية ترسيخ الذاكرة المؤسسية لدى الباحثين الشباب، موضحًا أن التقرير الاستراتيجي العربي يمثل نتاجًا لتراكم معرفي بدأ منذ منتصف الثمانينيات. كما استعرض دور المفكر الراحل السيد ياسين في بلورة فكرة التقرير، باعتباره أحد الرموز المؤسسة لهذا المشروع البحثي، مؤكدًا أن اعتماد التقسيم الثابت للتقرير والمنهجية الموحدة أسهم في تعزيز القيمة التراكمية للتقرير وإتاحة المقارنة الزمنية عبر العقود، بما منحه ميزة استراتيجية واضحة مقارنة ببعض التقارير الدولية التي تقتصر على نشر مقالات ودراسات متفرقة. كما لفت إلى تطور المركز ذاته، الذي بدأ كمركز للدراسات الفلسطينية والصهيونية قبل أن يتوسع ليشمل السياق الإقليمي الأوسع، مقدمًا رؤية بحثية تنطلق من خصوصية الوطن العربي وعالم الجنوب في مواجهة الإنتاج المعرفي الغربي.

وتناول كذلك مسألة "النظام الدولي الجديد"، معتبرًا أن ما يجري لا يزال في إطار "ترتيبات دولية وإقليمية" غير مكتملة الاستقرار، نظرًا لغياب عناصر التماسك البنيوي. واقترح في هذا السياق استخدام مفهوم "الترتيبات الإقليمية والدولية" بوصفه أكثر دقة في توصيف المخرجات المتوقعة بعد انتهاء الصراعات الكبرى، حيث إن هذه الترتيبات قد تمتلك قدرًا من الاستمرارية على المدى البعيد إلى أن تتبلور لاحقًا في صورة نظام دولي متكامل ومستقر.

ومن جانبه، دعا الدكتور/ محمد السعيد إدريس إلى تعميق التكامل المؤسسي بين مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، مؤكدًا أهمية تطوير هذا التعاون ليصبح أكثر انتظامًا واستدامة. كما طرح فكرة إنشاء "خريطة معلومات" أو قاعدة بيانات معرفية شاملة توثق وتجمع إنتاج المركز عبر مختلف سنواته، بما يتيح تراكمًا معرفيًا منظمًا يسهم في دعم عمليات التحليل وصناعة القرار والتفكير الاستراتيجي على نحو أكثر فاعلية.

وفى نفس السياق، أكد الدكتور/ أحمد قنديل على الأهمية الاستراتيجية لتعزيز التكامل المؤسسي، معتبرًا الكلية مخزونًا فكريًا داعمًا للأجندة البحثية للمركز. واقترح مأسسة هذا التعاون عبر إشراك طلاب الدراسات العليا في مرحلتي الماجستير والدكتوراه في الإنتاج البحثي، إلى جانب تطوير برامج تدريبية مشتركة وبناء قدرات بحثية ومنهجية تسهم في تأهيل الباحثين للعمل الاستراتيجي. كما طرح إمكانية إصدار تقارير دورية مشتركة (سنوية أو نصف سنوية) لمواكبة القضايا المستجدة وتعزيز استمرارية التفاعل الأكاديمي.

ومن جانبها، دعت الأستاذة/ صافيناز محمد، الخبيرة بالمركز ورئيسة تحرير دورية بدائل، إلى تطوير الجوانب التنظيمية لمناقشات التقرير داخل القسم، مقترحة توزيع الجلسات على أكثر من يوم بدلًا من يوم واحد، بما يتيح نقاشًا أعمق وأكثر شمولًا لكل محور. كما أشارت إلى التطور الملحوظ في برامج التدريب بالمركز، موضحة أن الغالبية العظمى من المتدربين من طلاب كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، واقترحت إدراج جلسات استماع تفاعلية ضمن البرنامج التدريبي لربط الطلاب بشكل مباشر برؤى وتحليلات المركز حول التحولات الدولية والإقليمية والمحلية.

قدّم الدكتور/ حازم محفوظ، مدير تحرير التقرير، كلمة تناول فيها تجربة إعداد التقرير وتحدياتها، مستهلًا حديثه بتوجيه الشكر لرئيس قسم العلوم السياسية وعميد الكلية وأعضاء هيئة التدريس على حسن التنظيم وكرم الاستضافة، ومؤكدًا دورهم في إنجاح أعمال الندوة. وعرض في مداخلته أهم ملامح هذه التجربة، موضحًا أن التقرير يصدر بانتظام منذ نحو أربعة عقود، ويعتمد على عمل جماعي يشارك فيه عشرات الباحثين عبر دراسات متخصصة متعددة، بما يعكس تنوع زوايا التحليل وتكاملها. كما أوضح أن إعداد التقرير يمر بخطة زمنية دقيقة تبدأ خلال الربع الأول من العام، ثم تُوزع التكليفات البحثية بعد اعتمادها، على أن تُسلم الدراسات في أكتوبر تمهيدًا للمراجعة والتحرير.

وأشار إلى أن أبرز التحديات تتمثل في التطورات المفاجئة التي قد تطرأ في نهاية العام وتفرض إعادة تقييم جزء من المادة العلمية، مستشهدًا بأمثلة من التحولات الإقليمية والدولية الكبرى. وقد أوضح أن التعامل مع هذه التحديات يتم عبر مراجعة مرنة لمكونات التقرير دون البدء من الصفر، بما يسمح بإدماج المستجدات، وتحديث الدراسات في ضوء التطورات، وإعادة ترتيب البنية التحليلية عند الحاجة، مع تخصيص قسم مستقل للأحداث الطارئة، مشيرًا إلى أن التجارب رسخت أهمية المرونة المؤسسية في العمل البحثي، وأن نجاح التقرير لا يقوم فقط على الالتزام بالخطة، بل على القدرة على التكيف المستمر مع تغيرات الواقع.

 واختتم مداخلته باقتراح إصدار نسخة مختصرة لصانع القرار (Policy Brief) في الأعوام القادمة، تتراوح بين 10 إلى 15 صفحة، لتقديم أهم الاستنتاجات والتوصيات بأسلوب مباشر وسريع.

أما الدكتور/ محمد سالمان طايع، رئيس قسم العلوم السياسية بالكلية، فقد أكد في مداخلته الختامية أن التقرير الاستراتيجي العربي يمثل "حالة أكاديمية" ناجحة في خلق حوار علمي رصين بين النخبة المثقفة والسياسية، مع ضرورة استهلاله بإطار منهجي واضح يحدد الأسس العلمية التي تقوم عليها التحليلات، مشيرًا إلى أن إشراك خبراء من خارج المركز في مراحل الإعداد يسهم في إثراء المحتوى وتعدد زوايا الرؤية. كما اقترح تدعيم المعالجة بإدراج أطر نظرية موجزة تفسر الظواهر السياسية محل الرصد، بما يعزز القيمة الأكاديمية للتقرير، إلى جانب تخصيص مساحة نظرية تتناول انعكاس القضايا الراهنة على نظريات العلاقات الدولية والنظم السياسية المقارنة. واختتم بالتأكيد على أهمية استدامة الحوار العلمي عبر تحويل القضايا الجدلية إلى ندوات متخصصة لتعميق الفهم وتبادل الرؤى بين الباحثين، فضلًا عن دعم المبادرات البحثية، مثل جوائز أفضل بحوث التخرج بوصفها حافزًا على الإبداع والتميز الأكاديمي، وكذلك إصدار تقارير دورية مشتركة لتعزيز التكامل بين المؤسسات البحثية والأكاديمية.