د. إبراهيم عرفات

أستاذ العلوم السياسية

 

حالة الأمن في منطقة الخليج مقلقة وتزداد قلقاً. الأمن الوطني لأي دولة فيها لا يكفي، والأمن الإقليمي فيما بينها لا يوفيّ، والأمن المستورد من خارجها لا يؤتمن. دول الخليج لم تنجح في تنسيق مواقفها لبناء تحالف يردع أعداءها، ولا هي أثبتت كذلك أن رهاناتها على الأمن المستورد أحدث فارقاً، بل إن تجاربها مع الأمن المستورد تتشابه مع تجارب كل دولة حاولت النجاة بالتسوق الأمني لكنها لم تنجح.

وبسبب معضلة الأمن يبحث الجميع عن حلول لها. الشائع منها والأسهل من بينها الحل بطريقة "نفسي نفسي." أنا ومن بعدي الطوفان.  لكن هذا الحل يزيد الورطة لأن الأمن سلعة جماعية للكل نصيب معلوم فيها لا يمكن لدولة أن تهتم بأمنها إلا إذا راعت أمن الدول الأخرى. وانطلاقاً من تلك البديهية وأن الأمن سلعة جماعية عالمية كبرى، أطرح في هذا المقال مقترحاً أعلم سلفاً أنه قد يكون سابقاً لأوانه وغير محتمل تبنيه في اللحظة الآنية، لكن لا بأس من طرحه للمستقبل. فكثير من الحلول تعرض لا لتطبق وإنما لتدخل "الفريزر" انتظاراً للوقت المناسب. ويقوم هذا المقترح على ما نسته إيران وإسرائيل وقوى إقليمية وأخرى دولية عن طبيعة الهوية الاستراتيجية للخليج. فالخليج معولم منذ القدم. فهو حق لأهله نعم. لكنه لم يكن يوماً حكراً على أهله. فالعالم قبل النفط ومع النفط ظل مهتماً بالخليج من شرق الكرة الأرضية إلى غربها. وسيظل مهتماً بالخليج من بعد النفط لأن الخليج أكبر من أن يكون خزاناً للنفط.

   والخليج، بسبب عولمته الفطرية الواسعة هذه لا يقبل الابتلاع الحصري لحساب لقوة إقليمية أو دولية واحدة حتى لو كان بعض أهله قد جلبوها بأنفسهم. وهو اليوم معولم أكثر من أي وقت مضى، كما أنه سيدخل على وجه اليقين إلى دائرة تعولم أوسع في المستقبل القريب سواء وهو يحاول تفادى كوارث الدمار التي وقعت، أو وهو يبدأ عملية إعادة الإعمار التي تراكمت. ولهذا فالحل الأمثل لأمن الخليج يجب أن يكون معولماً وواسعاً وجماعياً ومترامياً. الحل بالتالي يتمثل في إطار مؤسسي جديد يرضي: 1) دول الخليج صاحبة المكان، 2) وقوى الإقليم الواقعة في غلافها الاستراتيجي، 3) ويطمئن بلدان العالم البعيدة عن الخليج بالجغرافيا لكنها قريبة منه ومتداخلة معه بالاستراتيجية لأنها دول يحكمها قلق، وهو قلق مشروع، من أن مشكلاتها المزمنة مع الطاقة لن تحل وتهدأ ما لم تحل وتهدأ مشكلات الخليج مع الأمن.

أمن الخليج، باختصار، لا تستطيع دولة واحدة من دوله أن تضمنه، ولا يبدو أن أي تعاون إقليمي مثل درع الجزيرة أو اتفاقية الدفاع العربي المشترك يستطيع الوفاء به. كما اتضح بعد تجارب أن الولايات المتحدة باتت غير قادرة على توفيره. وربما أيضاً لا تستطيع. فهي لم تعد وفية لسياساتها القديمة حيال الخليج بدءً من استراتيجية "سد الفراغ" لأيزنهاور "والاستجابة المرنة" لكينيدي وصولاً إلى سياسة "الاحتواء المزدوج" لكلينتون "ومحاربة الإرهاب" لبوش وأوباما وبايدن وترمب.

وبجانب عجز كل هذه الأطر، فإن المنظمات الأمنية الكبيرة التي كانت لها شنة ورنة في العلاقات الدولية وسبق أن استحضرت أسماءها لتأمين الخليج، وتحديداً حلف الناتو، لم تعد مناسبة. فحلف شمال الأطلنطي منقسم على نفسه، والدولة القائدة فيه تتخلى كل يوم عن جانب من مسئولياتها، وأعضاؤه الكثر في أوروبا باتوا يضعون أيديهم على قلوبهم بعد أن تركتهم واشنطن يواجهون روسيا بأنفسهم، فضلاً عن أن عضوته الوحيدة من الشرق الأوسط (تركيا) بدأت تستشعر بحبال المؤامرة تلتف حولها كلما رأت مشروع تفكيك الحلف يمتد بعد أن كانت تعشم نفسها بأنه سيؤمنها ويوفر لها باباً للدخول الكامل إلى المنظومة الغربية.

ولكل هذا أرمي هذه الفكرة ليس أملاُ في تبنيها لأني أعلم أن اللحظة لحظة فرقة لا لحظة تجمع. وإنما لحفظها لزمن آخر تهدأ فيه أصوات المدافع ونيران القلوب يمكن عندها للخليج بأهله ولكل المهتمين به أن يفكروا فيها. وتتمثل الفكرة في تأسيس منظمة عالمية للأمن والتعاون في الخليج تكون نواة لعهد أمني خليجي أ) يتناسب مع الطبيعة الاستراتيجية المعولمة بالكامل للخليج والتي لا مفر من الاعتراف بها لأن العالم باتساعه له في منطقة الخليج مصالح كبيرة لن يتخلى عنها، ب) ويعوض ضعف البنية الأمنية الوطنية وعجز مظلة التعاون الإقليمية، وقلة الوثوق في الحماية الأمريكية، والتي جرى اختبارها لعقود ثبت بعدها أنها لم تغن ولم تسمن.

وعلى غرار منظمة الامن والتعاون في أوروبا يمكن أن تأتي منظمة الأمن والتعاون في الخليج. في أوروبا، وبالتحديد في 1975 وقت أن كانت الحرب الباردة على أشدها، ولدت فكرة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا OSCE كواحدة من أكبر المنظمات الحكومية العالمية ذات التوجه الأمني، بهدف ضمان السلام والاستقرار في منطقة جغرافية واسعة تمتد من فانكوفر في كندا إلى فلاديفوستوك في روسيا. وتضم هذه المنظمة حالياً 57 دولة بصفة عضو ليست كلها بالمناسبة أوروبية. فمن بين الأعضاء دول آسيوية مثل أرمينيا وأذربيجان وجورجيا وكازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان. هذا بجانب كندا والولايات المتحدة من أمريكا الشمالية، وتركيا من الشرق الأوسط. كما بدأت المنظمة في ضم مجموعة دول اعُتبرت "شركاء من أجل التعاون" وصلوا حتى الآن إلى إحدى عشر دولة، بعضها دول عربية مثل مصر وتونس والأردن والمغرب والجزائر، وبعضها من آسيا مثل كوريا الجنوبية وتايلاند وأفغانستان، فضلاً عن أستراليا التي أصبحت شريك تعاون في 2009.  هؤلاء الشركاء لا يملكون حق التصويت لكنهم يحضرون القمم واجتماعات المجلس الوزاري للمنظمة.

لكن لماذا هذا الكوكتيل الجغرافي الواسع؟، لأن الأمن الأوروبي مثلما يهم الأوروبيين يهم غيرهم، ولهذا أفسحت المنظمة فضاءً استراتيجياً كونياً أوسع للدول التي يعنيها ما يجري في أوروبا وتمثل أوروبا بالنسبة لها مرتكزاً استراتيجياً لسياساتها لا فكاك لها منه. وللتاريخ ليس إلا، فقد بدأت هذه المنظمة في أوائل السبعينيات كمنتدى للحوار بين الشرق والغرب عُرف باسم "مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا،" توجت أعماله في 1975 بتوقيع وثيقة هلسنكي التي أرست مبادئ التعايش السلمي واحترام السيادة قبل أن تتحول رسمياً سنة 1995من مؤتمر إلى منظمة دولية دائمة مسئولة جماعياً عن مواجهة التحديات الأمنية التي تواجه أوروبا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

وقد اختارت هذه المنظمة إطاراً يلائم السياق الأوروبي فتبنت نهجاً شاملاً للأمن لا ينظر إليه من منظور عسكري صرف بل يقسمه إلى ثلاثة جوانب متكاملة هي الجانب السياسي-العسكري وفي مقدمته الحد من التسلح وإدارة النزاعات، والجانب الاقتصادي-البيئي بهدف تعزيز الاستقرار عبر التعاون الاقتصادي، والجانب الإنساني وينشغل بمسائل حقوق الإنسان والديمقراطية والانتخابات. وإذا كانت المنظمة لم تنجح في حالات بدليل اندلاع حروب البلقان والحرب الأوكرانية، إلا أنها نجحت في احتواء عشرات الصراعات الأوروبية فضلاً عما أثبتته من قدرة في مواجهة التهديدات عابرة الحدود بين الدول الأوروبية مثل مكافحة الإرهاب وموجات الهجرة واللاجئين وتهريب ا لمخدرات.

وبرغم وجود فروق عديدة بين الخليج وأوروبا، فضلاً عن أن أوروبا ليست المقياس الأخلاقي العالمي الذي يتعين الاقتداء به، إلا أن ثمة تشابهات بين ما جرى في أوروبا منذ 1975وبين ما يجري في منطقة الخليج ما يجعل التفكير في بناء منظمة شبيهة تحمل عنوان "منظمة الأمن والتعاون في الخليج" Organization of Security and Cooperation in the Gulf ، مسألة جديرة بالتفكير. من هذه التشابهات على سبيل المثال لا الحصر:

1- حالة الاستقطاب الحادة، حيث نشأت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا لكسر الجمود بين الشرق والغرب. من ناحيته يعيش الخليج اليوم استقطاباً متعدد الرؤوس بين دول عربية من أعضائه، وبينها كلها وبين إيران، فضلاً عن استقطاب بين أقطاب إقليمية (إسرائيل وتركيا) ودولية (الولايات المتحدة والصين) بما يجعل بناء منظمة كهذه ضرورة للحوار ولبناء الجسور.

2- تجنب المواجهة المباشرة، فكما سعت أوروبا لتجنب الصدام بين الناتو وحلف وارسو، من مصلحة دول الخليج تجنب أي صراع عسكري مباشر من شأنه أن يدمر البنية التحتية للطاقة بأكمله.

3- تعدد القوى العظمى المهتمة استراتيجياً بالخليج،  فالخليج تماماً كأوروبا منطقة نفوذ تهم دول كبرى كالولايات المتحدة وروسيا والصين.

4- الحاجة إلى تحقيق انفراج،  فمثلما احتاجت أوروبا إلى فترة تهدئة في السبعينيات، تحتاج منطقة الخليج إلى مظلة مؤسسية كونية واسعة تساعدها على تصفير المشاكل.

5- أمن الطاقة، فكما كان تأمين إمدادات الطاقة هماً أوروبياً كبيراً لعب دوره في نشأة وتطوير منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، فإنه محرك أهم في استقرار منطقة الخليج والعالم.

6- أمن الممرات المائية، حيث يتشابه مضيق هرمز في حساسيته مع الممرات المائية الأوروبية التي كانت نقاط تماس ساخنة في صراعات القارة.

 7- الجيرة الجغرافية الصعبة، حيث تضم منظمة الأمن والتعاون في أوروبا دولاً متباعدة في مواقفها السياسية لكنها مع هذا تعلمت كيف تتجاور خلافاتها لتعيش معاً. والخليج من جانبه فيه دول أنظمتها السياسية متباينة في طرق التفكير والمصالح، يحيط بها غلاف استراتيجي أوسع من دول مصالحها وسياساتها أكثر تبايناً، عليها مع هذا أن تعيش جنباً إلى جنب.

وإذا قدرت للفكرة في زمن غير هذا الزمن أن تستدعي من "الفريز" فينبغي التأكيد في كل وقت على أن مثل هذه المنظمة يجب أن تتأسس على ثلاثة قناعات. 1) قناعة بأن الأمن سلعة إقليمية وعالمية جماعية لا بد من تقاسمه ولا يمكن بحال من الأحوال احتكاره، 2) وقناعة بأن العلاقات الدولية لها أصول ليس مطلوباً إعادة اختراعها، وإنما يلزم التعلم منها ومن كتب التاريخ الدبلوماسي والتجارب الشبيهة السابقة، 3) وقناعة بأن أمن الخليج قد حُبس طويلاً بسبب الخطأ والطمع والمعاندة داخل جدران استراتيجية ضيقة وأن الوقت قد حان للخليج ليعود إلى هويته الاستراتيجية الأصيلة، معولم من ساسه لراسه، أمره يهم تايوان كما يهم الأمريكان ويعني الفلبين كما يعني الفرنسيين. ولهذا فقد حان الوقت لبناء منظمة عالمية واسعة تعترف بهوية الخليج العميقة والعتيقة كمنطقة معولمة لا يمكن أن تستقر بالاحتكار الإقليمي أو بالهيمنة الدولية الأحادية.