د. أحمد عسكر

باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

يبدو أن منطقة الساحل تشهد موجة ثانية من التحولات الجيوسياسية يعكسها تشابك وتعقد التفاعلات الدولية والإقليمية الرامية إلى إعادة توازنات القوة في المنطقة، بما قد يمهد الطريق لإعادة رسم خرائط النفوذ هناك. يأتي هذا المشهد الإقليمي ضمن إطار استراتيجي أوسع يشهد تصاعداً للتنافس الدولي بين القوى الكبرى الفاعلة بما في ذلك الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا وبعض القوى الإقليمية الفاعلة مثل تركيا.

وقد برزت الموجة الأولى للتحولات منذ عام 2020 بعدما شهدت المنطقة سلسلة انقلابات عسكرية في دول مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، أدت إلى صعود نخبة حاكمة جديدة من العسكريين، أحدثت تغييرات جوهرية في السياسات الخارجية لدول المنطقة، وهو ما ترتب عليه عدة إجراءات على رأسها الانسحاب النهائي من تكتل "إيكواس" وتوتر علاقات دول الساحل مع محيطها الإقليمي، بالإضافة إلى قطيعة دبلوماسية مع فرنسا والغرب، مما أدى إلى تراجع النفوذ الغربي والفرنسي في المنطقة بما في ذلك طرد القوات الفرنسية والدولية من معظم قواعدها العسكرية هناك، وذلك لحساب صعود بارز للنفوذ الروسي وكذلك الصيني خلال السنوات الأخيرة.

في المقابل، تبدو الموجة الثانية للتحولات في منطقة الساحل مغايرة، حيث تفرض تعقيدات السياق الإقليمي والتفاعلات الداخلية في معظم دول المنطقة على الحكام الجدد المضي قدماً نحو فتح قنوات اتصال مع الفاعلين المؤثرين في المنطقة بما في ذلك دول الجوار الإقليمي، وعدد من القوى الفاعلة مثل الولايات المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي وغيرها. ويتوافق هذا التوجه الجديد مع رغبة حقيقية لدى تلك القوى لا سيما واشنطن وباريس في إعادة ترميم علاقاتها مع دول المنطقة، سعياً لإعادة بناء نفوذها هناك، في محاولة لاحتواء الصعود الصيني والروسي في الساحل.

ومع ذلك، تظل التخوفات قائمة من تحول منطقة الساحل إلى ساحة للصراع والتنافس بين اللاعبين الدوليين والإقليميين، بما قد يضفي مزيداً من التعقيد على أمن واستقرار المنطقة.

أبرز ملامح الموجة الجديدة

يمكن الإشارة إلى أبرز ملامح الموجة الجديدة للتحولات الجيوسياسية في منطقة الساحل من خلال عدة تطورات استراتيجية مهمة على المستويين الإقليمي والدولي، وذلك على النحو التالي:

1- استعادة تماسك تكتل إيكواس: تعددت محاولات تكتل إيكواس للحوار مع دول الساحل الثلاث -مالي وبوركينا فاسو والنيجر- التي انسحبت من التكتل بشكل نهائي في عام 2025، بهدف تقريب وجهات النظر أملاً في استئناف عضويتها في التكتل الإقليمي في غرب أفريقيا. ومن أبرز تلك المحاولات؛ محاولتان للرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي في يوليو 2024 في محاولة لنسج خيوط التقارب بينهما. وأعقبها محاولة للرئيس الغاني جون ماهاما الذي قام بجولة إلى الدول الثلاث في مارس 2025 قبل أن تخفق هذه الجهود في إقناع السلطات العسكرية الحاكمة في الساحل بالعودة إلى صفوف إيكواس.

وفي تطور جديد، قام تكتل إيكواس في مارس 2026 بتعيين رئيس الوزراء الغيني السابق، لانسانا كوياتي، وسيطاً جديداً للتواصل مع الدول الثلاث في محاولة لإعادة فتح قنوات الحوار بين الطرفين. وهو ما يعكس رغبة التكتل الإقليمي في إنهاء حالة الانقسام في غرب أفريقيا، عبر محاولة إعادة بناء جسور الثقة بين الطرفين بعد فترة من التوتر والتباعد. وربما يشير هذا التحرك إلى احتمال تجاوز الطرفين جدلية العلاقة مع الغرب بما في ذلك فرنسا وروسيا، وذلك بهدف رأب الصدع في إيكواس وعودة الدول الثلاث إلى أروقة التكتل مجدداً. غير أنه من المرجح أن تشهد هذه العملية تحديات عدة من أبرزها إصرار الدول الثلاث على الانسحاب النهائي من تكتل إيكواس، بما قد يعني رغبتهم في تعزيز التعاون مع إيكواس في مجالات حيوية مثل الأمن والاقتصاد دون فتح ملف العودة للتكتل مرة أخرى.

تأتي هذه الخطوة في إطار سياق إقليمي معقد من شأنه التأثير على أمن واستقرار منطقتي الساحل وغرب أفريقيا، حيث تدرك إيكواس حجم التحديات الأمنية التي تواجهها دول تحالف الساحل، في ضوء تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية التي تتمدد في مناطق عدة داخل الدول الثلاث، لا سيما تنظيمي القاعدة وداعش، وهو ما يفاقم مخاوف دول الجوار الإقليمي في غرب أفريقيا من زعزعة الاستقرار في الدول الثلاث، واحتمال تمدد الإرهاب إلى عمق غرب أفريقيا بما في ذلك الدول الساحلية، مما يهدد أمن واستقرار المنطقة ككل.

2- ترميم العلاقات مع دول الجوار الإقليمي: ثمة إدراك لدى كل من دول تحالف الساحل وجوارها الإقليمي أن تصاعد نشاط الإرهاب في المنطقة وتمدده إلى عمق دول غرب أفريقيا يقتضي بالضرورة تعزيز التعاون الثنائي والتنسيق في المجال الأمني لمواجهة التهديدات الأمنية في المنطقة. بالإضافة إلى رغبة الطرفين في تأمين عمليات التبادل التجاري عبر تأمين الحدود بين دول المنطقة، مما يشكل قناة مهمة لتزويد أسواق بلدان المنطقة بالمواد الغذائية.

في هذا الإطار، وقّعت بوركينا فاسو وغانا في فبراير 2026 -خلال لقاء وزيري الخارجية في البلدين- اتفاقية تعاون أمني في مجال محاربة الإرهاب، بهدف تعزيز التعاون الاستراتيجي والأمني بين البلدين، وذلك عقب سلسلة هجمات إرهابية تعرضت لها مدن في شمال بوركينا فاسو وتورطت فيها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة، ما أسفر عن مقتل عشرات المدنيين بينهم 7 مواطنين من غانا. كما قرر البلدان إنشاء لجنة مشتركة لإعادة ترسيم الحدود بينهما، تمهيداً لوضع خطة لمنع تسلل الإرهابيين عبر الحدود بين البلدين.

وفي إطار مساعي الرئيس الغاني جون ماهاما لتأمين الحدود المشتركة مع دول الساحل لتجنيب دولة غانا احتمال تمدد التهديدات الإرهابية إلى الداخل الغاني، أشارت تقارير استخباراتية صدرت في مارس 2026 إلى نية الرئيس ماهاما في تقديم نفسه كوسيط إقليمي بين حكومات دول تحالف الساحل (مالي والنيجر وبوركينا فاسو) وتكتل إيكواس، بهدف إحياء المحادثات الأمنية بين الطرفين، وتقديم إطار أمني جديد للتعاون الإقليمي من أجل التصدي للتهديدات الأمنية الإقليمية في المنطقة. ويعزز ذلك حرص أكرا على تعزيز علاقاتها مع الدول الثلاث، التي استقبلت دعوة للمشاركة من الحكومة الغانية في المؤتمر الاستشاري رفيع المستوى بشأن التعاون الإقليمي والأمن.

على جانب آخر، يدرك المجلس العسكري الحاكم في مالي حجم التهديدات الإرهابية التي تتعرض لها البلاد بسبب تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية التابعة لتنظيمي القاعدة وداعش في مناطق مختلفة هناك، وهو ما دفع الرئيس الانتقالي أوسيمي غويتا نحو محاولة تعزيز العلاقات مع بعض دول الجوار الإقليمي مثل السنغال وغينيا، في محاولة لإيجاد أطر للتعاون الأمني والاستراتيجي الإقليمي رغبة في تخفيف تهديدات الجماعات الإرهابية بما في ذلك تنامي نشاط جبهة نصرة الإسلام والمسلمين الموالية لتنظيم القاعدة.

في سياق متصل، قررت دولة كوت ديفوار تسهيل الإجراءات الجمركية على البضائع المتجهة إلى كل من بوركينا فاسو ومالي، وذلك بعد إلغائها في 31 مارس 2026 شرط الحصول على تأشيرات جمركية مسبقة للبلدين. يأتي ذلك في ضوء الأهمية الاستراتيجية لميناء أبيدجان الذي يعد أحد أبرز المنافذ البحرية للتجارة الخارجية لدولتي بوركينا فاسو ومالي.

3- تحركات فرنسية لإعادة النفوذ: تدرك فرنسا مدى تأثر صورتها ومكانتها على الصعيد الدولي عقب تراجع نفوذها في غرب أفريقيا بما في ذلك منطقة الساحل، وحجم المخاطر التي باتت تهدد مصالحها الاستراتيجية نتيجة صعود أدوار منافسة أخرى في المنطقة مثل روسيا والصين وتركيا. لذا، تحاول باريس تعزيز تحركاتها السياسية والاقتصادية والأمنية في محاولة لإعادة إحياء النفوذ الفرنسي بشكل تدريجي في غرب أفريقيا والساحل.

وتحاول باريس استغلال تعقد التفاعلات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة بما في ذلك تصاعد نشاط الإرهاب هناك، وتنامي التنافس الدولي في المنطقة، في تقديم نفسها كشريك جديد يمتلك الخبرة في التعامل مع الدول الأفريقية وفق استراتيجية جديدة بهدف إعادة بناء النفوذ الفرنسي في الساحل.

في هذا الإطار، تحاول فرنسا تقديم نفسها في صورة جديدة مغايرة للسنوات السابقة، حيث تتبنى خطاباً جديداً تعبر فيه عن مساعيها لبناء علاقة جديدة مع أفريقيا تقوم على الاحترام المتبادل واستغلال الفرص المشتركة. وقد شرعت الحكومة الفرنسية في تحديث استراتيجيتها الشاملة في أفريقيا لعام 2026، وفق ما تضمنته وثيقة المراجعة الاستراتيجية الوطنية الفرنسية حتى عام 2030، التي نشرتها الأمانة العامة للدفاع والأمن القومي الفرنسية، وهي تؤكد على أهمية المصالح الفرنسية الاستراتيجية والتهديدات المرتبطة بها في أفريقيا. وقد عززت باريس علاقاتها مع الدول الأفريقية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما تجلى في كثافة الزيارات الرسمية المتبادلة بين مسئولي البلدين، بما في ذلك دول السنغال وأفريقيا الوسطى وكوت ديفوار ونيجيريا وغيرها، بالإضافة إلى تعيين مبعوث فرنسي خاص إلى أفريقيا[1].

ويتزامن ذلك مع قيام فرنسا بإعادة تقييم سياستها العسكرية والأمنية في أفريقيا، بحيث ترتكز على التحول من سياسة الاعتماد على القواعد العسكرية الدائمة إلى تبني نموذج قائم على الشراكات والتدريب العسكري وتبادل المعلومات الاستخباراتية وبناء القدرات العسكرية في الدول الأفريقية. فقد أطلقت باريس في مارس 2026 برنامجاً تدريبياً عسكرياً جديداً في وسط أفريقيا يركز على حماية البيئة والأمن، حيث بدأ الجيش الفرنسي في تدريب بعض الفرق العسكرية من دول بنين والكاميرون وكوت ديفوار وغانا وتشاد والجابون.

كما عززت باريس علاقاتها مع بعض دول غرب أفريقيا مثل السنغال، حيث أجرى مسئولو البلدين محادثات غير رسمية بشأن إعادة إحياء علاقات التعاون الأمني بينهما وفرص تجديد الاتفاقات الدفاعية بين البلدين، بالرغم من انسحاب القوات الفرنسية من قواعدها العسكرية في داكار في يوليو 2025. بالإضافة إلى تعزيز التعاون الاستخباراتي بين البلدين منذ أغسطس 2025 في ضوء زيارة رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية الفرنسية للعاصمة داكار قبل أن يزور نظيره السنغالي العاصمة باريس في نوفمبر من نفس العام.

ومع ذلك، من المتوقع أن تواجه باريس جملة من التحديات التي قد تعرقل تحركاتها في غرب أفريقيا، بما في ذلك ممانعة بعض الأطراف الدولية والإقليمية لاستعادة باريس لنفوذها مجدداً في غرب أفريقيا والساحل.

4- مساعي أمريكية لإعادة التموضع في الساحل: تدرك الولايات المتحدة الأمريكية مخاطر ترك الساحة فارغة لخصومها الاستراتيجيين، الصين وروسيا، في منطقة الساحل، خوفاً من تهديد مصالحها الاستراتيجية هناك، ورغبة في عدم هيمنة بكين وموسكو على المعادن الحيوية في دول الساحل. وبالرغم من التراجع النسبي للولايات المتحدة في الساحل خلال العامين الأخيرين، بعدما انسحبت القوات الأمريكية من قواعدها المتمركزة في أغاديز بالنيجر في أغسطس 2024، تسعى واشنطن للعودة مجدداً إلى المنطقة عبر بوابة التعاون الأمني والاستخباراتي، خاصة في ضوء ضعف المواجهة الإقليمية لتحالف دول الساحل ضد تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية المتمركزة في المنطقة، وافتقاد عناصر "فيلق أفريقيا" الروسي القدرة على احتواء تصعيد هذه التنظيمات نشاطها وتهديداتها الأمنية في دول المنطقة.

وفي هذا الصدد، أشارت تقارير في مارس 2026 إلى اقتراب واشنطن من التوصل إلى اتفاق أمني مع حكومة مالي، يسمح للأولى باستئناف استخدام المجال الجوي المالي بهدف جمع المعلومات الاستخباراتية حول التنظيمات الإرهابية ومراقبة تحركاتها في المناطق الحدودية[2]. وهي تعد استمراراً لتعاون ثنائي بين البلدين قد بدأ في عام 2025 قدمت فيه واشنطن معلومات استخباراتية قد مكنت الجيش المالي من استهداف قياديّ في جبهة نصرة الإسلام والمسلمين، حتى أن نائب رئيس قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم"، جون رينان، قد صرح في يناير 2026 أن واشنطن لا تزال تتعاون مع جيوش دول تحالف الساحل (مالي والنيجر وبوركينا فاسو)، وأنهما يتبادلان معلومات استخباراتية لاستهداف مناطق تمركز التنظيمات الإرهابية، بما قد يمهد الطريق لتطوير العلاقات الأمريكية مع دول الساحل خلال المرحلة المقبلة[3].

وفي خطوة تهدف إلى طمأنة الجانب المالي، قامت الإدارة الأمريكية في فبراير 2026 باتخاذ خطوة أولى -كانت مطلباً رئيسياً للحكومة المالية- في مسار تنفيذ الاتفاق الثنائي بين البلدين من خلال رفع العقوبات المفروضة على وزير الدفاع المالي، ساديو كامارا -الذي لقي مصرعه بعد هجمات إرهابية في 26 أبريل 2026- ومسئولين عسكريين كبار، زعمت واشنطن ارتباطهم بعناصر فيلق أفريقيا الروسي، خاصة بعد فترة من التوتر بسبب الرفض الأمريكي للانقلابين العسكريين الأخيرين في البلاد (2020/2021)، وتوجه المجلس العسكري الحاكم في باماكو نحو تعزيز التعاون مع روسيا للحصول على الدعم الأمني. بالإضافة إلى الإجراءات الأمريكية في أكتوبر 2025 التي ترتبط بتشديد سياسات التأشيرات وتجنب السفر إلى دول تحالف الساحل وحث فئات معينة بمغادرة البلاد حال سمحت الظروف، وهو ما قابلته دول الساحل بمبدأ المعاملة بالمثل[4].

وتجسد زيارة كبير المبعوثين الأمريكيين إلى أفريقيا، نيك تشيكر، إلى العاصمة باماكو ولقاؤه مع وزير الخارجية المالي، عبد الله ديوب، رغبة واشنطن في تحسين العلاقات مع تحالف دول الساحل -بحيث تشمل المحادثات أيضاً مشاورات مع بوركينا فاسو والنيجر بحسب السفارة الأمريكية في مالي- ورسم مسار جديد للعلاقات الثنائية بين واشنطن وباماكو، بحيث تتجاوز أخطاء سياسة إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، وهو ما أكد عليه تشيكر بأن واشنطن تحترم مبدأ سيادة الدولة المالية وأبدت التزامها بإعادة بناء العلاقات على أساس الاحترام المتبادل دون أي تدخل أو ضغوط سياسية[5]. كما جاء لقاء رئيس وزراء مالي، عبد الله مايغا، مع السفيرة الأمريكية لدى باماكو، راشنا كورهونين، في ديسمبر 2025، والتي أكدت فيه التزام واشنطن بالعمل مع الشعب المالي ومواصلة الانخراط في مجالات ذات اهتمام مشترك لا سيما التنمية والحوكمة، ليعكس انفتاح واشنطن على بناء علاقات جديدة مع مالي تتحرر فيه إدارة ترمب من كافة القيود التي أسهمت في توتر العلاقات خلال فترة إدارة الرئيس السابق بايدن[6].

ويربط البعض بين التحركات الأمريكية الساعية إلى تعزيز التعاون الأمني مع مالي والمساعي الأمريكية للعثور على طيار أمريكي تم اختطافه في عام 2025 من قبل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين "تنظيم القاعدة" في دولة النيجر، مع احتمال اقتياده إلى مناطق تمركز الجماعة في مالي. إلا أن الهدف الأمريكي يتجاوز ذلك إلى إطار أوسع يرتبط بالاستراتيجية الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترمب التي ترتكز على مبدأ "الأمن مقابل المعادن"، وبالتالي فهي تتمحور حول نية أمريكية في الاستحواذ على المعادن الحيوية في دول الساحل لا سيما مالي، ومواجهة تصاعد النفوذ الروسي هناك، بالإضافة إلى التصدي لتوسع الشركات الصينية في مجال التنقيب عن المعادن في المنطقة. فيما تشير تقارير إلى رغبة أمريكية في قطع أي صلة تربط بين دول الساحل وإيران، بعدما بدت ملامح التقارب بين الطرفين خلال الفترة الأخيرة، وسط مخاوف أمريكية من حصول خصومها الاستراتيجيين لا سيما طهران على اليورانيوم من منطقة الساحل في الفترة المقبلة[7].

ومن ثم؛ قد يكون الاتفاق الأمني المحتمل خطوة مبدئية لمساعي أمريكية لتوقيع اتفاقات تعدين مع حكومات دول الساحل في مقابل الأمن والانخراط في مواجهة الإرهاب، وذلك بهدف قطع الطريق أمام المساعي الصينية للهيمنة على قطاع المعادن الاستراتيجية في المنطقة. فعلى سبيل المثال، تخطط مالي لإنتاج نحو 590 ألف طن من الليثيوم في عام 2026، بما يجعلها لاعباً رئيسياً في قطاع الطاقة العالمي، كما أنها تمتلك اليورانيوم الذي أصبح تحت سيطرة كل من الصين وروسيا بشكل حصري، ما يعني أنها سوق مهمة بالنسبة لإدارة ترمب التي تسعى إلى تأمين سلاسل الإمداد الأمريكية من المعادن الحيوية في أفريقيا[8]، ما يعكس نهج ترمب الجديد في منطقة الساحل الذي يرتكز على الدبلوماسية التجارية باعتبارها محوراً أساسياً في انخراط واشنطن في المنطقة. كما تدرك واشنطن أن العزلة الدبلوماسية لم تسهم في إضعاف المجالس العسكرية الحاكمة في دول الساحل الثلاث، وإنما أسهمت في منح روسيا مساراً استراتيجياً لتعزيز نفوذها في المنطقة، مع انخراط أمني واسع عبر انتشار عناصر "فيلق أفريقيا" الروسي في دول المنطقة.

من هنا، تعمل واشنطن على توسيع حضورها العسكري في الساحل وغرب أفريقيا، حيث تشير تقارير إلى احتمال إبرام واشنطن اتفاق أمني مع كوت ديفوار لإنشاء قاعدة عسكرية خاصة بالطائرات المسيّرة في منطقة برامي وسط البلاد. في الوقت الذي تتمركز فيه القوات الأمريكية والطائرات المسيّرة في أكرا منذ أواخر عام 2025. والتي يُعتقد أنها شاركت في الهجمات الجوية الأمريكية التي استهدفت مناطق تمركز عناصر تنظيم داعش في شمال نيجيريا بالاتفاق مع الحكومة النيجيرية[9].

5- توسع الحضور الصيني: تعزز الصين حضورها في منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة، مستغلة تراجع النفوذ الغربي والفرنسي هناك. وتمثل السنغال بوابة مهمة لبكين إلى غرب أفريقيا، كما أنها تعزز علاقاتها مع دول تحالف الساحل، بحيث أضحت ترتكز على عدد من المداخل على رأسها المدخل الاقتصادي من أجل تعظيم مصالحها الاستراتيجية في المنطقة، بما في ذلك توسيع نطاق مبادرة الحزام والطريق لتشمل قارة أفريقيا ككل. وفي تطور نوعي، يتوسع النشاط الصيني في منطقة الساحل ليتخذ بعداً أمنياً يعكس حجم التحول الجوهري في السياسة الصينية تجاه أفريقيا، وربما يُعزى ذلك إلى رغبة الصين في حماية مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة، لا سيما تأمين سلاسل الإمداد الصينية من المعادن الحيوية في دول الساحل. ففي عام 2025، أرسلت الصين أول ملحق عسكري لها إلى النيجر، بهدف تعزيز العلاقات الاستراتيجية مع نيامي. كما قدمت بكين إلى مالي في أبريل 2026 شحنة جديدة من المعدات العسكرية الصينية قد تتضمن أنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى، وذلك في ضوء التعاون العسكري بين البلدين، والذي يركز بشكل كبير على توريد المعدات الصينية والتدريب العسكري[10]. يأتي ذلك في الوقت الذي تسعى فيه مالي إلى تحديث قواتها المسلحة بأنظمة عسكرية صينية في ظل استمرار التحديات الأمنية في جميع أنحاء البلاد ومنطقة الساحل.

6- انخراط إقليمي واضح: باتت منطقة الساحل بما تمتلكه من مقومات هائلة يُنظر إليها باعتبارها ساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي بين الأطراف الفاعلة مثل تركيا والإمارات وغيرهما. وقد لعب عدد من العوامل الجوهرية دوراً في تكالب المزيد من اللاعبين المؤثرين نحو المنطقة على رأسها تمتع دول الساحل بوفرة في الثروات والموارد المعدنية، إضافة إلى تصاعد نشاط الإرهاب وتمدده بما يدفع حكومات المنطقة نحو المزيد من التسلح، إلى جانب تراجع نفوذ عدد من القوى الكبرى في المنطقة لا سيما فرنسا والاتحاد الأوروبي، بما يفتح المجال أمام المنافسين لملء الفراغ وإيجاد موطئ قدم استراتيجي هناك[11].

وتتوسع تركيا في منطقة الساحل في السنوات الأخيرة في مجالات متعددة مثل الدبلوماسية والاقتصاد والتجارة والبناء والتعليم والمبادرات الصحية والجهود الإنسانية، وهو ما أسهم في تعزيز نفوذها وحضورها في المنطقة. وقد كان دخول الشركات التركية إلى قطاعات مرتبطة بالبنية التحتية والخدمات بمثابة الخطوة الأولى في مسار تطور العلاقات التركية الأفريقية وخاصة مع دول الساحل. كما أسهمت دبلوماسية القوة الناعمة التركية بما في ذلك تقديم المنح الدراسية والروابط الثقافية والتعليمية في توسيع نطاق التواصل مع النخب المحلية والشباب، فيما ساعدت مشاريع وكالة "تيكا" التجارية في تقديم أنقرة نفسها كشريك تجاري مهم مع الدول الأفريقية.

وتعزز أنقرة علاقاتها مع دول الساحل من خلال التوجه نحو الشراكات الدفاعية والأمنية معها، بحيث بات العامل الأمني يشكل مدخلاً مهماً في إطار المساعي التركية لتعزيز نفوذها في الساحل. وتظل التكنولوجيا الدفاعية التركية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة القتالية، بمثابة أداة مهمة للدبلوماسية التركية تجاه دول الساحل وغرب أفريقيا[12].

فقد أعلنت النيجر في سبتمبر 2025 انضمام الطائرات المسيّرة التركية من طراز "أكسونجور" إلى قواتها الجوية، مع تدريب نحو 12 عسكرياً في أنقرة على تشغيلها، وذلك في خطوة جديدة نحو تحديث القوات المسلحة النيجرية، لتعزيز قدراتها في مواجهة التهديدات الأمنية والإرهاب العابر للحدود. كما وقع البلدان خلال لقاء وزير الدفاع التركي، يشار غولر، مع نظيره النيجري، ساليفو مودي، في 7 أبريل 2026 بروتوكولاً أمنياً بشأن دعم التدريب العسكري الميداني، بما يعني استعانة الجيش النيجري بالمدربين الأتراك لرفع الكفاءة القتالية لعناصره. وتعد هذه الخطوة هي امتداد لاتفاقية التعاون العسكري التي أبرمها الطرفان في عام 2020[13].

في سياق متصل، أعلنت كل من مالي وبوركينا فاسو حصولها على الطائرة المسيّرة التركية من طراز "أكينجي" ودخولها إلى الخدمة القتالية في إطار مواجهة تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية في البلدين، بما يعكس تزايد الاعتماد الإقليمي في الساحل على الصناعات التسليحية التركية. وقد أبرمت تركيا اتفاقاً أمنياً مع نيجيريا في 18 أبريل 2026، على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي الخامس الذي عُقد في أنقرة، بهدف المساعدة في مكافحة الإرهاب، حيث اتفق الجانبان على الانتقال إلى التدريب وتحسين التعاون في مجال الصناعات الدفاعية، وتضمن الاتفاق تدريب نحو 200 عنصر من القوات النيجيرية في أنقرة[14].

على جانب آخر، تعزز الإمارات تحركاتها في منطقة الساحل في إطار مساعيها لتعزيز نفوذها هناك، حيث تتوسع في علاقات التعاون مع دول المنطقة في مجالات متعددة على رأسها الأمن والبنية التحتية والمعادن والمساعدات الإنسانية. وتركز أبوظبي على العامل الأمني لتأكيد انخراطها في المنطقة التي تشهد تفاعلات أمنية معقدة في ضوء تصاعد نشاط الإرهاب في عدد من دولها، وبالتالي، تنخرط أبوظبي بشكل لافت في تزويد جيوش المنطقة بالمعدات العسكرية، حيث أشارت تقارير إلى إرسال بوركينا فاسو وفداً من الاستخبارات الوطنية إلى دبي من أجل الاتفاق على الحصول على طائرات عسكرية ومروحيات مقاتلة في إطار حربها على الإرهاب[15].

حسابات دول الساحل

تُلقي سلسلة التفاعلات المعقدة في المشهد الإقليمي في الساحل بظلالها على دول المنطقة التي تتباين حساباتها تجاه جملة التغيرات الاستراتيجية التي طرأت على المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

يشير الانفتاح التدريجي لدول الساحل على إعادة بناء علاقاتها مع عدد من القوى الفاعلة، بعد فترة من التوتر خلال السنوات الأخيرة، إلى رغبتها في توسيع التحالفات الدولية، بما قد ينعكس على تعزيز التعاون الدولي في مجال مكافحة الإرهاب في الساحل، وإنقاذ الاقتصادات الوطنية لدول الساحل، من خلال ضخ المزيد من الاستثمارات الأجنبية والاستفادة من الخبرات الدولية من أجل تعزيز النمو الاقتصادي هناك. خاصة أن الشريك الروسي ممثلاً في "فيلق أفريقيا" لم يحقق حتى الآن النتائج المرجوة من انتشاره في معظم دول المنطقة في احتواء تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية المتمركزة هناك، وسط حالة من المشاعر الساخطة حيال تورط بعض العناصر الروسية في انتهاكات لحقوق الإنسان ضد السكان المحليين في بعض الدول مثل مالي، بحسب تقارير غربية غير رسمية، وهو ما قد يؤدي إلى احتجاجات شعبية ربما تفاقم زعزعة الاستقرار السياسي والأمني في بلدان المنطقة.

وبرغم محاولات تكتل إيكواس لأجل عودة دول مالي والنيجر وبوركينا فاسو إلى التكتل الإقليمي حفاظاً على تماسكه ووحدته، إلا أن هناك مؤشرات تعكس صعوبة هذه الخطوة، على الأقل في المدى القصير، من أبرزها تأكيد وزير الخارجية المالي، عبد الله ضيوف، في أبريل 2026 على أن الانسحاب من عضوية إيكواس نهائي، وأن الجهود المبذولة لتقريب وجهات النظر هدفها تعزيز التعاون بين تحالف دول الساحل وتكتل إيكواس في المجالات ذات الاهتمام المشترك مثل الأمن والتجارة دون التطرق لمسألة العودة للتكتل الإقليمي. إضافة إلى عدم توصل معظم الجهود الإقليمية من قبل السنغال وغانا وتوغو إلى نتائج إيجابية بشأن تغيير موقف دول الساحل الثلاث من العودة مجدداً إلى أروقة تكتل إيكواس.

من جهة أخرى، تدرك دول الساحل أن عودة واشنطن ومحاولتها إعادة بناء العلاقات معها هو اعتراف بأخطاء سياسية قد ارتكبتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، هناك تخوفات من الدبلوماسية الأمريكية المتقلبة تحت إدارة الرئيس ترمب، حيث تزداد حالة عدم الثقة والشكوك في التزام واشنطن بتعهداتها، خاصة فيما يتعلق بفرض شروطها والضغط على حكومات دول الساحل. لا سيما بعدما أشارت تقارير إلى ربط واشنطن تعزيز علاقاتها مع مالي بمطلبين أساسيين هما العودة إلى النظام الدستوري، وإنهاء التعاقد مع "فيلق أفريقيا" الروسي. بالإضافة إلى سعي واشنطن إلى فتح قنوات اتصال سرية مع المعارضة السياسية في مالي. إلا أن التقارب الأمريكي مع دول الساحل الثلاث لا سيما مع مالي يمثل بدوره قيمة استراتيجية لها، فمن المرجح أن يخفف تدريجياً من العزلة الدولية لباماكو التي تواجهها منذ سنوات. ومن ثم؛ قد يسهم ذلك في تحسين صورتها على المستوى الدولي، وما قد يترتب عليه من اجتذاب المزيد من المستثمرين الأجانب مجدداً إلى البلاد والمنطقة.

ولا تزال فرنسا تواجه ممانعة إقليمية قد تعرقل جهودها الرامية إلى إعادة بناء نفوذها وترميم علاقاتها مع دول الساحل، نظراً لاستمرار النظرة السلبية للسياسات الفرنسية المرتبطة بالإرث الاستعماري القديم، وما بعد حقبة الاستقلال الأفريقي. فقد قوبلت تصريحات رئيس أركان الجيش الفرنسي السابق، فرانسوا لوكونترا، في أبريل 2026 بشأن احتمال عودة النفوذ الاستعماري إلى الساحل، برفض وزير الدفاع النيجري، الجنرال ساليفو مودي، الذي أكد أن أي محاولة من هذا النوع ستواجه مقاومة شديدة.

إجمالاً، باتت منطقة الساحل مسرحاً استراتيجياً للعديد من الأطراف الدولية الفاعلة التي تسعى إلى إعادة تعريف دورها في المنطقة وأفريقيا، بهدف تعزيز نفوذها في مواجهة خصومها الاستراتيجيين. وذلك من خلال تعزيز شراكاتها مع دول الساحل بما في ذلك الشراكات الأمنية التي تمهد الطريق أمام الشراكات الاقتصادية والسيطرة على الموارد والمعادن الحيوية والطاقة في المناطق الاستراتيجية. وتأتي الموجة الثانية للتحولات الجيوسياسية في الساحل في إطار سياق إقليمي شديد التعقيد على المستوى الأمني، بما يعزز سيناريو انخراط المزيد من القوى الفاعلة في المنطقة تحت ذريعة التصدي للتهديدات الأمنية التي تهدد أمن واستقرار المنطقة، وهو ما يرجح بدوره تصاعد المنافسات الدولية على الموارد والمعادن الاستراتيجية في الساحل مستقبلاً.


[1]. Nikolas Fischer, EU seeks new strategy amid Sahel 'influence' rivalries, Deutsche Welle, 30 March 2026, accessible at: https://tinyurl.com/v6z6s9dj

[2]. Mondafrique, Donald Trump envoie son émissaire au Mali, 3 February 2026, accessible at: https://shorturl.at/2wSsA

[3]. Bamada.Com, Mali – Etats-Unis : Trump envoie un signal fort à Bamako, 5 February 2026, accessible at: https://shorturl.at/nNN2o

[4]. APA News, Mali–États-Unis : une audience pour renouer le dialogue, 8 December 2025, accessible at: https://shorturl.at/UWwJ8

[5]. Jeune Afrique, Mali : visite d’un haut responsable américain à Bamako pour renforcer la relation bilatérale, 2 February 2026, accessible at: https://tinyurl.com/sxdtj5t5

[6]. Mali Web, Mali-États-Unis : Trump entre Realpolitik et calculs économiques, 9 February 2026, accessible at: https://shorturl.at/OdUpY

[7]. Jessica Donati, Exclusive: US nears deal to resume intelligence operations in Mali, Reuters, 9 March 2026, accessible at: https://shorturl.at/9Pel5

[8]. APA News, Mali, USA hold meeting to revitalize economic ties, 10 December 2025, accessible at: https://shorturl.at/zlPlM

[9]. The Timbuktu Institute.. African Center for Peace Studies,  Ivory Coast: Security cooperation with Washington and political tensions Spécial, 10 March 2026, accessible at: https://shorturl.at/GiqiA

[10]. Dylan Malyasov, China delivers Yitian-L air defense systems to Mali, Defense Blog, 10 April 2026, accessible at: https://shorturl.at/6WvOD

[11]. fatoumata Maguiraga, Sahel : les limites d’une réponse exclusivement sécuritaire, Journal du Mali, 6 April 2026, accessible at: https://tinyurl.com/4fyaykw7

[12]. Göktuğ Çalışkan, Türkiye expands military footprint in Niger’s security landscape, Daily Sabah, 13 April 2026, accessible at: https://shorturl.at/CCdZq

[13]. West African Voice Network, Burkina Faso and Ghana Sign Seven Agreements at 13th Joint Cooperation Commission, 2 February 2026, accessible at: https://tinyurl.com/yvfd36cy

[14]. Margot Hutton, "Respect de la souveraineté", "erreurs politiques commises": les États-Unis changent de ton avec le Mali et l'AES, TV 5 Monde Info, 3 February 2026, accessible at: https://tinyurl.com/3suyn4jf

[15]. Africa Security Analysis, UAE Aims to Replace Western Military Presence in Sahel Region, 25 May 2025, accessible at:  https://shorturl.at/vDREE