تمثل نتائج الانتخابات البرلمانية المجرية في الثاني عشر من أبريل 2026 لحظة فارقة في مسار التحولات التي تشهدها الأنظمة الحزبية الأوروبية، حيث أسفرت عن هزيمة غير مسبوقة لحزب فيدس (Fidesz) بزعامة فيكتور أوربان علي يد حزب تيسا (TISZA) بزعامة بيتر ماجيار بعد ست عشرة سنة متواصلة من حكم اليمين القومي الشعبوي. وقد حصل حزب تيسا، المنتمي إلى عائلة يمين الوسط الأوروبي وإلى تحالف الحزب الشعبي الأوروبي (EPP)، على نحو 35% من الأصوات و141 مقعداً من أصل 199 مقعداً، في حين تراجع حزب فيدس إلى نحو 38% فقط في ظل نسبة مشاركة قياسية بلغت 79.6%.
ألا أن أهمية هذه النتيجة تتجاوز الحدود المجرية، حيث كانت المجر تمثل لأكثر من عقد النموذج الأكثر رسوخاً للديمقراطية غير الليبرالية في أوروبا، وتحظى تجربتها بمكانة مرجعية لدى قوى اليمين القومي الشعبوي في القارة ولدى حركة MAGA الأمريكية. وبالرغم من الدلالات اللافتة لهذه الهزيمة، إلا أن المشهد الأوروبي الأوسع يرسل إشارات متناقضة، حيث تتصدر الأحزاب اليمينية الشعبوية استطلاعات الرأي في كل من ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة في وقت واحد، وهي المرة الأولى التي يتحقق فيها هذا الأمر في الاقتصادات الأوروبية الثلاث الكبري في آن واحد. ومن هنا فإن السؤال لم يعد هل تشهد الأنظمة الحزبية الأوروبية تحولاً بنيوياً عميقاً، بل في أي اتجاه تسير هذه التحولات، وما هي ملامح المشهد السياسي الأوروبي الجديد الذي يتشكل في المرحلة الراهنة.
نهاية النظام الحزبي الثنائي التقليدي
ظلت معظم الأنظمة الحزبية في غرب أوروبا على مدى نحو سبعة عقود بعد الحرب العالمية الثانية تدور حول تناوب عائلتين حزبيتين رئيسيتين على السلطة، هما عائلة الديمقراطية المسيحية أو يمين الوسط، وعائلة الديمقراطية الاجتماعية أو يسار الوسط، في ظل ثبات نسبي لأحزاب أصغر تلعب أدواراً مكملة، وقد مثل هذا النظام الثنائي أحد ركائز الاستقرار الديمقراطي الأوروبي عبر ضمان التناوب السلمي على السلطة واستيعاب الصراعات الاجتماعية داخل إطار مؤسساتي منظم.
إلا أن هذه البنية بدأت في التآكل المتسارع منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، ثم مع أزمة المهاجرين عام 2015 وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016، ثم صدمة التضخم التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022. وتتمثل أبرز مظاهر هذا التآكل في ثلاث تحولات متوازية: يتمثل التحول الأول في الانهيار الحاد للأحزاب الديمقراطية الاجتماعية في كل البلدان الأوروبية تقريباً، حيث تراجع الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني (SPD) إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتحول الحزب الاشتراكي الفرنسي (PS) إلى قوة هامشية، واضطر حزب العمل الهولندي (PvdA) إلى الاندماج مع حزب الخضر اليسار (GroenLinks) من أجل الحفاظ على حضوره البرلماني. أما التحول الثاني فيتعلق بفقدان أحزاب يمين الوسط التقليدية لموقعها المهيمن واتجاهها نحو مواقف أكثر محافظة بفعل ضغط اليمين القومي الشعبوي، مما أدى إلى ضبابية متزايدة في هويتها الأيديولوجية. أما التحول الثالث والأكثر دراماتيكية فيتمثل في صعود الأحزاب اليمينية القومية والشعبوية من أطراف المشهد الحزبي إلى موقع مركزي سواء في الحكم أو في المعارضة في عدد متزايد من الدول.
ويتقاطع مع هذه التحولات تصاعد الطابع الشخصاني في العمل الحزبي، حيث أصبحت الأحزاب الجديدة تتمحور حول زعامات كاريزمية تخاطب جمهورها بشكل مباشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون وساطة المؤسسات التقليدية، ويبرز ذلك في حالة عدد من الأحزاب الشعبوية كأحزاب مارين لوبان وجورجيا ميلوني وفيكتور أوربان ونايجل فاراج، كذلك في الأحزاب الوسطية المضادة للشعبوية كأحزاب ماكرون وماجيار، مما يعكس تراجعاً عاماً في الثقة بالمؤسسات الحزبية كأدوات للوساطة السياسية.
صعود اليمين القومي الشعبوي حاكماً ومتصدراً للمعارضة
يمكن التمييز داخل هذا التحول بين مجموعتين من الدول. تضم المجموعة الأولى الدول التي أصبح فيها اليمين القومي الشعبوي يحتل السلطة أو يشكل طرفاً رئيسياً في الائتلافات الحكومية. وتمثل الحالة الإيطالية النموذج الأبرز، حيث تقود جورجيا ميلوني وحزب إخوة إيطاليا (Fratelli d'Italia) الحكومة منذ عام 2022، ونجحت في تقديم نموذج لما يمكن تسميته باليمين القومي المعتدل الذي يحافظ على الالتزام بالاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، مع تبني مواقف متشددة في قضايا الهجرة والهوية. كذلك فاز حزب الحرية (PVV) بزعامة جيرت فيلدرز في هولندا في نوفمبر 2023، وعاد حزب أنو (ANO) بزعامة أندريه بابيش إلى السلطة في التشيك عام 2025، بالإضافة إلى مشاركة الديمقراطيين السويديين (Sverigedemokraterna) في دعم الحكومة اليمينية السويدية.
أما المجموعة الثانية فتضم الدول التي لم يصل فيها اليمين الشعبوي إلى السلطة، ولكنه أصبح يحتل موقع الحزب المعارض الرئيسي أو يتصدر استطلاعات الرأي. وتأتي ألمانيا في المقدمة بعد أن حقق حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اختراقاً غير مسبوق في انتخابات فبراير 2025 بنحو 20% من الأصوات ليصبح ثاني أكبر قوة برلمانية بعد تحالف الديمقراطيين المسيحيين (CDU/CSU)، ويتصدر حزب التجمع الوطني (Rassemblement National) بقيادة جوردان بارديلا ومارين لوبان استطلاعات الرأي الفرنسية استعداداً لانتخابات الرئاسة 2027، بينما تصدر حزب ريفورم (Reform UK) بزعامة نايجل فاراج الاستطلاعات البريطانية منذ 2025 متقدماً على حزبي العمال والمحافظين لأول مرة في التاريخ السياسي البريطاني.
وتتشابه أحزاب هذا التيار في ملامح عامة تتمحور حول معارضة الهجرة والتشدد في قضايا الهوية الثقافية والدفاع عن السيادة الوطنية في مواجهة المؤسسات الأوروبية وتبني خطاب شعبوي معادٍ للنخب الليبرالية، في حين تتمحور قاعدتها الاجتماعية حول الطبقة العاملة والطبقة الوسطى الدنيا في المناطق الريفية وضواحي المدن الصناعية المتراجعة، كذلك تستقطب بشكل متزايد الناخبين الشباب من الذكور الذين كانوا تاريخياً ضمن القاعدة التصويتية للأحزاب الاشتراكية. إلا أنه من المهم التأكيد على أن هذا التيار ليس كتلة متجانسة، حيث تبرز داخله انقسامات مهمة فيما يخص الموقف من روسيا والحرب في أوكرانيا، فبينما تتبنى ميلوني وحزب القانون والعدالة البولندي (PiS) مواقف داعمة لأوكرانيا ومناهضة لروسيا، يتبنى حزب البديل الألماني والتجمع الوطني الفرنسي وحزب فيدس مواقف أكثر تساهلاً تجاه موسكو، وهو ما ينعكس في انقسامها داخل البرلمان الأوروبي بين تكتلين متنافسين هما المحافظون والإصلاحيون الأوروبيون (ECR) والوطنيون من أجل أوروبا (Patriots for Europe).
صمود يسار الوسط في دول بعينها: استثناءات كاشفة
رغم أن صعود اليمين القومي الشعبوي يبدو السمة الأبرز للمشهد الأوروبي الراهن، إلا أن هناك دولاً حافظ فيها يسار الوسط على مكانته الحاكمة، وهي حالات تكشف الشروط التي لا تزال تسمح له بالاحتفاظ بموقعه في ظل المناخ العام المعادي.
وتمثل المملكة المتحدة الحالة الأكثر إثارة للانتباه، حيث حقق حزب العمال (Labour Party) بزعامة كير ستارمر انتصاراً ساحقاً في انتخابات يوليو 2024 بعد أربع عشرة سنة من الحكم المحافظ، إلا أن هذا الفوز يعود في جزء كبير منه إلى تفكك المعسكر اليميني بين حزب المحافظين (Conservative Party) وحزب ريفورم في ظل النظام الانتخابي البريطاني القائم على الأغلبية البسيطة، ويتجلى الطابع الهش لهذا الانتصار في تصدر حزب ريفورم لاستطلاعات الرأي البريطانية منذ عام 2025 متقدماً على حزب العمال ذاته. أما الحالة الأكثر رسوخاً فهي الحالة الإسبانية، حيث يقود بيدرو سانشيز وحزبه الاشتراكي العمالي الإسباني (PSOE) الحكومة منذ عام 2018، وجدد ولايته في انتخابات 2023 عبر ائتلاف معقد يضم أحزاباً يسارية وقومية كتالونية وباسكية، ويرجع صموده إلى تفكك اليمين بين الحزب الشعبي (PP) وحزب فوكس (Vox)، وإلى تعقيدات السياسة الإقليمية في كتالونيا والباسك، وإلى الأداء الاقتصادي القوي بعد الجائحة.
وتمثل الحالة الدنماركية نموذجاً مختلفاً ذا دلالة نظرية مهمة، حيث احتفظ الحزب الاشتراكي الديمقراطي (Socialdemokratiet) بزعامة ميته فريدريكسن بالسلطة منذ عام 2019 عبر استراتيجية صريحة تجمع بين مواقف متشددة للغاية في قضايا الهجرة والحفاظ على برامج دولة الرفاه التقليدية، مما سحب البساط من تحت أقدام اليمين الشعبوي الدنماركي. وتتكرر ملامح هذا النموذج جزئياً في دول اسكندنافية أخرى، وهي حالات مرتبطة بطبيعة دولة الرفاه القوية التي لا تزال تحتفظ بشرعية واسعة في هذه البلدان.
ما الذي يفسر هذا التباين؟
تكشف الإجابة عن هذا السؤال عن عوامل بنيوية واستراتيجية متشابكة تتجاوز التفسيرات السطحية القائمة على افتراض تيار أيديولوجي حتمي يجتاح القارة بأكملها. ولعل أهم هذه العوامل هو التفكك الحزبي داخل المعسكرات المختلفة، حيث إن الدول التي شهد فيها اليمين تفككاً بين أحزاب متنافسة هي ذاتها التي حافظ فيها يسار الوسط على مكانته الحاكمة على حساب يمين لم يتمكن من توحيد صفوفه. ويتجلى ذلك في الحالة الإسبانية حيث يتقاسم الحزب الشعبي وحزب فوكس أصوات الناخبين اليمينيين، وفي الحالة البريطانية حيث انقسم الناخبون المحافظون بين حزب المحافظين وحزب ريفورم فسلما الأغلبية لحزب العمال، وفي المقابل شهدت كل من فرنسا وألمانيا تفككاً واضحاً داخل المعسكر اليساري بين الأحزاب الاشتراكية والخضر وأحزاب اليسار الراديكالي، مقابل تماسك نسبي داخل المعسكر اليميني الشعبوي.
أما العامل الثاني فيتمثل فيما يمكن تسميته بالاستراتيجية الدنماركية القائمة على الدمج بين موقف متشدد في قضايا الهجرة والهوية والحفاظ على البرامج الاقتصادية والاجتماعية التقليدية لليسار، وقد أثبتت قدرتها على استرداد الناخبين من الطبقة العاملة الذين انجذبوا إلى اليمين الشعبوي، في حين أخفقت الأحزاب اليسارية الأكثر انفتاحاً في الحفاظ على قاعدتها التقليدية. إلا أن هذا الأمر يطرح معضلة أخلاقية وسياسية حقيقية على اليسار الأوروبي، حيث يبدو أن الحفاظ على السلطة قد أصبح يتطلب تنازلات فيما يتعلق بالقيم الليبرالية الإنسانية التي كانت تشكل جزءاً من هويته التاريخية.
ويتقاطع مع هذين العاملين عاملان إضافيان، الأول، يتعلق بطبيعة النظام الانتخابي، حيث تنتج أنظمة الأغلبية البسيطة كما في المملكة المتحدة نتائج تختلف جذرياً عن أنظمة التمثيل النسبي المعمول بها في معظم دول أوروبا القارية، أما الثاني، فيتعلق بموجة الرفض المعادية للنخب الحاكمة منذ صدمة التضخم، وهي تطال أي حزب يجد نفسه في السلطة في لحظة اقتصادية صعبة. ولعل هزيمة أوربان في أبريل 2026 تمثل دليلاً قاطعاً على أن اليمين الشعبوي ذاته ليس محصناً ضد هذه الموجة.
القضايا التي تعيد تشكيل الخريطة الحزبية
تتقاطع هذه التحولات البنيوية مع قضايا راهنة تخلق انقسامات عرضية داخل كل معسكر على حدة، وتأتي في مقدمتها ملف الهجرة الذي يمثل المحرك الأساسي لصعود اليمين الشعبوي، ودفع أحزاب يمين الوسط إلى مواقف أكثر تشدداً، كذلك شق صفوف اليسار بين تيار يستلهم النموذج الدنماركي وتيار يظل متمسكاً بالمقاربة الإنسانية. ويتقاطع معه التراجع المتواصل للصفقة الخضراء الأوروبية بفعل ضغوط التضخم والمنافسة الصناعية مع الصين والاحتجاجات الزراعية، في تنازل واضح لصالح أجندة اليمين الشعبوي.
أما ملف أوكرانيا فيشق صفوف اليمين الشعبوي ذاته كما أشرنا، وبدأ يشق أيضاً صفوف اليسار بين تيار يدعم كييف بقوة وتيار يرفع شعارات سلمية تقليدية ويدعو إلى التفاوض مع موسكو، كذلك فرضت العودة الثانية لدونالد ترامب إلى البيت الأبيض معادلة غير مسبوقة، حيث تنقسم الأحزاب الأوروبية بين مرحبين بالنموذج الترامبي كميلوني وأوربان وفيلدرز، ومتحفظين يسعون إلى صياغة استقلالية استراتيجية أوروبية. وأخيراً تمثل قضية غزة والصراع في الشرق الأوسط أحد أبرز عوامل الانقسام الداخلي في صفوف اليسار الأوروبي، حيث تتبنى الأحزاب اليسارية الراديكالية مواقف داعمة بقوة للحقوق الفلسطينية، بينما تتخذ أحزاب يسار الوسط الحاكمة مواقف أكثر حذراً حرصاً على علاقات الشراكة مع إسرائيل وحلفاء واشنطن، مما يخلق فجوة واسعة بينها وبين قواعدها الشبابية والجاليات الإسلامية والعربية.
مشهد غير مستقر
تشهد الأنظمة الحزبية الأوروبية في اللحظة الراهنة أعمق تحول منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث تفككت البنية الثنائية التقليدية التي حافظت على الاستقرار السياسي طوال سبعة عقود، وصعد اليمين القومي الشعبوي إلى موقع مركزي في عدد متزايد من الدول، في حين احتفظ يسار الوسط بمكانته في دول أخرى بشروط بعينها لا تتوافر في كل مكان. إلا أن المشهد العام لا يزال بعيداً عن الاستقرار، حيث تكشف هزيمة أوربان أن اليمين الشعبوي ذاته غير محصن من ذات الموجة المعادية للنخب الحاكمة التي أوصلته إلى السلطة. وفي ضوء ذلك تبدو أوروبا مقبلة على مرحلة مطولة من التقلب السياسي، تنطوي على تحديات مصيرية فيما يخص استمرار المشروع الأوروبي الاندماجي بصيغته الليبرالية المفتوحة، واستمرار الشراكة الأطلسية في ظل التحولات الأمريكية، واستمرار النموذج الديمقراطي الليبرالي في مواجهة التيارات التي تطرح بدائل أكثر سلطوية، ومن المرجح أن تحدد كيفية التعامل مع هذه التحديات ملامح النظام السياسي الأوروبي لعقود قادمة، بل وربما ملامح النظام الدولي ذاته في القرن الحادي والعشرين.