د. رابحة سيف علام

خبيرة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

 

عكس تمديد الهدنة في لبنان ثلاثة أسابيع أخرى حالة من الضبابية المركبة التي تحكم الوضع الميداني اللبناني. جاء هذا التمديد بالتزامن مع عقد اللقاء الثاني للمفاوضات المباشرة على مستوى السفراء بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أمريكية. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد غيّر في اللحظات الأخيرة ترتيبات عقد الجولة الثانية من المفاوضات لتجري في البيت الأبيض بدلاً من وزارة الخارجية ورفع من درجة التغطية الإعلامية لها كي تبدو "لحظة تاريخية" بالتزامن مع الإعلان عن تمديد الهدنة اللبنانية[1].

 يطمح ترامب في أن تتطور هذه المفاوضات المباشرة إلى حد رعاية اتفاق سلام متكامل بين البلدين وعقد لقاء ثلاثي يجمعه بالرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الورزاء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فيما كان الرئيس عون قد رفض ضم نتنياهو لمحادثة تلفونية سابقة مع ترامب عُقدت في 16 أبريل وتضمنت الإعلان الأول عن هدنة العشرة أيام. وتشير التوقعات إلى تمسك عون برفض عقد لقاء مع نتنياهو في حال أخذت المفاوضات مساراً أكثر جدية.

وكان الرئيس الأمريكي ترامب قد أعلن بشكل مفاجئ في 16 أبريل عن هدنة لمدة عشرة أيام في حرب لبنان، قبل أن يتم تمديد الهدنة في 23 أبريل لمدة ثلاثة أسابيع أخرى. وقد جاء هذا الإعلان بعد أيام من الجدل بشأن هل كان اتفاق الهدنة بين إيران والولايات المتحدة يشمل لبنان أم لا؟. وفي ظل استغلال إسرائيل لهذه الثغرة وجهت للبنان أكبر حملة قصف جوي في تاريخ الصراع بين البلدين فيما بات يعرف في لبنان بـ"الأربعاء الأسود"، حيث باغتت إسرائيل لبنان يوم 8 أبريل بأكثر من 100 غارة  أصابت في غضون عشر دقائق فقط أهدافاً مدنيةً في طول البلاد وعرضها دون إنذارات مسبقة بالإخلاء وفي وقت الذروة في منتصف اليوم. مثلت هذه الغارات المفاجئة ذروة الاستهدافات الإسرائيلية للبنان منذ اجتياح بيروت في عام 1982 وتسببت في سقوط نحو 357 شهيداً وأكثر من 1223 جريحاً بالإضافة إلى عدد غير معلوم من المفقودين بسبب تمزق الأشلاء في مواقع القصف[2].

ضربة مزدوجة وأهداف متعددة

جاءت غارات إسرائيل المباغتة للبنان في 8 أبريل الجاري لتحقق أكثر من هدف، الأول هو استغلال ضبابية شمول لبنان في الهدنة من أجل التقدم بتحقيق الأهداف العسكرية فيه قبل أن تُجبر واشنطن تل أبيب على وقف هجماتها، وهو ما تحقق فعلياً بعد أقل من أسبوع على هذه الغارات العنيفة، إذ أُعلنت الهدنة على الجبهة اللبنانية في 16 أبريل لمدة عشرة أيام ثم أُعلن عن تمديدها مرة أخرى في 23 أبريل لمدة ثلاثة أسابيع[3].

أما الهدف الثاني لإسرائيل من هذه الهجمات فكان فصل مسار حرب لبنان عن مسار الحرب على إيران بحيث لا تضطر لإنهاء عدوانها على لبنان قبل الأوان إذا ما نجحت المفاوضات الأمريكية الإيرانية في باكستان. بل الأهم هو أن تبدو إيران باعتبارها غير مكترثة لما يدور في لبنان، فطهران حافظت على هدنتها مع الأمريكيين والإسرائيليين ولم تعاود القتال بسبب الغارات الإسرائيلية على لبنان ولكنها تمسكت بضمه ضمن الهدنة وتشددت في مسألة غلق مضيق هرمز بسبب ذلك. وهنا أعلنت الحكومة اللبنانية أن لا أحداً مخول بالتفاوض عن لبنان إلا حكومته الرسمية. ولكن بما أن مفاوضات إسلام أباد قد عُقدت يوم 11 أبريل وانتهت فعلياً دون اتفاق إيراني أمريكي طويل الأمد، فإن إسرائيل قد حققت مبتغاها في فصل مسارات لبنان عن إيران. فإيران تمسكت بالهدنة مع الولايات المتحدة ولكن لبنان كان يواجه أمر واقع مختلفاً، حيث كان مستباحاً لمدة أسبوع كامل. وهكذا راجت مقولة أن حزب الله دخل الحرب من أجل إيران ولكن إيران خرجت من الحرب وتركت حزب الله يقاتل وحيداً.

وفيما كان لبنان يحاول استيعاب الضربة والبحث عن المفقودين تحت الأنقاض وإسعاف المصابين، وجهت تل أبيب ضربة جديدة من نوع خاص، حيث أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي عن قبول مبادرة الرئيس اللبناني بالتفاوض المباشر مع إسرائيل من أجل وقف الحرب[4]. وهنا تلقفت الخارجية الأمريكية الفرصة وأعلنت عن تيسير مفاوضات مباشرة عبر سفيرها ببيروت ميشال عيسى بين البلدين ويمثلهما فيها سفيراهما في واشنطن ندى حمادة ويحيئيل ليتر. انعقدت الجلسة الأولى من المفاوضات المباشرة الثلاثاء 14 أبريل بمقر وزارة الخارجية الأمريكية بواشنطن، وبعد يومين أُعلنت الهدنة الأولى، ثم انعقدت الجولة الثانية الخميس 23 أبريل ومعها أعلن عن تمديد الهدنة. وهكذا بدا أن المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل التي تتم برعاية أمريكية تؤتي ثمارها بإعلان الهدنة ثم تمديدها، وكأن ما يجري من تفاوض بين إيران والولايات المتحدة برعاية باكستانية لا يؤثر على الميدان اللبناني. وهكذا حققت إسرائيل هدفها الثالث وهو شق صف اللبنانيين بشكل حاد بين مؤيد ومعارض لعقد هذه المفاوضات المباشرة في وقت حرج لايزال فيه اللبنانيون يبحثون عن رفات ذويهم تحت ركام المباني المهدمة بالقصف الإسرائيلي. فتكونت بذلك بذرة فتنة داخلية لبنانية مرشحة للتصاعد مع التقدم في جولات المفاوضات المباشرة التي لا تحظى بقبول شعبي أو سياسي لها رغم تأييد رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء اللبنانيين لها.

هل من توافق لبناني إزاء السلام؟

لا شك أن إقدام الرئيس اللبناني على إطلاق مبادرة للتفاوض المباشر مع إسرائيل منذ 9 مارس الماضي يعكس تحول توازنات القوى في المنطقة بعد سقوط نظام الأسد الذي كان يعرقل أي سلام لبناني منفرد مع إسرائيل في العقود الماضية. ولكن في نفس الوقت، برز تخوف من أن يُقدم اللبنانيون على سلام متسرع أو على تنازلات غير محسوبة في هذا الملف تحت وقع فرط القوة الإسرائيلية ورغبة ترامب المتعجلة في اقتناص إنجاز استثنائي لصورته كـ"رجل سلام" في العالم.

وقد اشتعل الشارع اللبناني برفض المفاوضات المباشرة، إذ يواجه كل من رئيس الحكومة نواف سلام والرئيس اللبناني جوزيف عون حملة تخوين واسعة بسبب إقبالهما على التفاوض المباشر. وانطلقت الشعارات التي تنتقد قادة لبنان ضمن مظاهرات غاضبة توجهت لمقر السراي الحكومي في 12 أبريل عشية عقد الجولة الأولى من التفاوض المباشر. قبل أن تُكلف الحكومة القوى الأمنية والجيش اللبناني بفتح الطريق ومنع التجمهر حول مقر الحكومة وإخلاء بيروت من أي سلاح خارج عن سلطة الدولة. فيما توجه نواف سلام بكلمة للشعب اللبناني – في ذكرى الحرب الأهلية في 13 أبريل- يحسه فيها على الاتعاظ من دروس الحرب الأهلية وعدم الانزلاق فيها مرة أخرى. كما وجه الرئيس عون كلمة للشعب اللبناني بعد دخول الهدنة حيز التنفيذ في 17 أبريل اعتبر فيها أنه لا أحداً يُفاوض عن لبنان سوى سلطاته الرسمية وأن عصر إبقاء لبنان كورقة تفاوض في جيب أي قوى إقليمية قد انتهى. كما اعتبر عون أن المفاوضات ليست ضعفاً ولا تنازلاً ولا تفريطاً بالحق اللبناني بل هي مسئولية للدفاع عن شعب لبنان ورفض أن يموت اللبنانيون دفاعاً عن الغير[5]

رفض كل من حزب الله وحركة أمل المفاوضات مع إسرائيل قبل إعلان وقف إطلاق النار والعودة لمسار تنفيذ القرار 1701 وانسحاب القوات المحتلة من كل الأراضي اللبنانية. وقد سقط مسوغ الرفض ذاك عندما أعلنت الهدنة فعلياً في الجبهة اللبنانية، ولكن امتد رفضهما لمبدأ التفاوض المباشر وتمسكهما بالتفاوض غير المباشر منعاً لأي شبهة اعتراف سياسي بإسرائيل. فيما ترى الحكومة أن التفاوض المباشر هو خيار للدولة اللبنانية من أجل استعادة ملف التفاوض اللبناني من أي طرف خارجي – وخاصةً إيران- وامتلاك الدولة لقرار الحرب والسلم. وتنقسم القوى السياسية بين من يفضل التفاوض غير المباشر ولكن بعد وقف الحرب وبين من يطالب بالتفاوض الفوري تحت أي ظرف لإنقاذ لبنان.

 وفيما ذهبت الدولة اللبنانية للمفاوضات بمطلب الوقف النهائي للحرب والانسحاب من الأراضي المحتلة ومنع تجدد العدوان الإسرائيلي على لبنان واستعادة الأسرى وعودة المهجرين إلى قراهم في الجنوب وبدء إعادة الإعمار، ذهبت إسرائيل للمفاوضات بمطلب النزع الفوري لسلاح حزب الله واستمرار العمليات الإسرائيلية في الجنوب كعنصر ضغط لحين التأكد من إتمام عملية نزع السلاح. يرى البعض أن خيار لبنان الرسمي بالتفاوض المباشر مع إسرائيل هو تنازل غير مبرر لا تقدم إسرائيل في مقابله أي امتياز للبنان، بل على العكس تستمر في عدوانها وتقدمها العسكري في الجنوب. بينما يعتبر أنصار خيار التفاوض المباشر أن الحكومة اللبنانية مطالبة ببذل كل الجهود  لوقف الحرب وإنقاذ ما تبقى من البلاد من التدمير.

ولكن في الحقيقة، فإن الدولة اللبنانية لا تملك أي أوراق للتفاوض والضغط على الخصم ولا تملك إلا مقررات القانون الدولي الذي يُجرم الاحتلال الإسرائيلي نظرياً ولكن لا يملك وسيلة لمنعه فعلياً. كما أن حكومة لبنان لا تملك حتى توجيه قرار حزب الله أو منعه من إطلاق صواريخ ولا تملك تنفيذ أي اتفاق قد ينشأ عن هذه المفاوضات. بينما التسرع في تنفيذ قرار نزع سلاح حزب الله بالقوة قد يُدخل الجيش اللبناني في معركة خاسرة ضد شعبه قد تهدد السلم الأهلي بشكل جاد، وهو ما تراهن عليه إسرائيل بشكل متزايد، إذ تروج لدعاية تطابق مهمة الجيشين اللبناني والإسرائيلي في نزع سلاح حزب الله.

فمعادلات القوة في هذه المفاوضات ليست متكافئة، إسرائيل تحتل الأرض وتملك القوة المفرطة ولم تثنيها الهدنة عن استكمال عملياتها العسكرية في الجنوب ورسم حدود جديدة عبر "خط أصفر" مزعوم. وتملك أيضاً عامل الوقت في صالحها، فهي ليست مضطرة لإنهاء وجودها العسكري في الجنوب سريعاً بل تريد الإبقاء على الساحة اللبنانية كساحة عمليات دائمة دعماً للمصالح الانتخابية لنتنياهو. بينما لبنان يذهب للمفاوضات منقسماً على نفسه، بين دولة تريد استعادة القرار ولا تملك القوة العسكرية وبين حزب الله الذي يملك القوة العسكرية ولكن قراره في طهران، وبينهما شعب منهك ومُهَجّر يخشى أن يظل خارج أرضه المحتلة لسنوات قادمة.

أما الوسيط الأمريكي فهو منحاز مسبقاً لإسرائيل بشكل لا لبس فيه، ولا يمكن التعويل عليه في طرح مبادرات متوازنة لصالح الطرفين. وهنا يُفتقد الدور الفرنسي الذي كان وسيطاً مؤيداً للحق اللبناني ولكن تم تهميشه بعد أن ساءت العلاقات الشخصية بين الرئيسين ترامب وماكرون، مما يطرح أهمية دخول وسيط جديد يستطيع أن يقدم طرحاً متوازناً وأن يتواصل مع كل الأطراف بموضوعية.

بينما امتدت الجهود السعودية على أكثر من مسار لتطويق حملة تصعيد شعبية كانت قد بدأها أنصار حزب الله وحركة أمل ضد الرئيسين عون وسلام مستهدفين إسقاط الحكومة، حيث ساعدت زيارة قام بها أحد معاوني الرئيس بري إلى الرياض قبل يومين من إعلان الهدنة في تخفيف هذه الحملة الداخلية[6]، كما أسهمت أيضاً في التعجيل بالضغط الأمريكي على إسرائيل لوقف الحرب في لبنان[7].

يعكس تبلور الجهود السعودية بشكل أكبر في الملف اللبناني خلال أيام الهدنة تكوّن جبهة من الوسطاء التي تساند لبنان لتدعيم موقفه في المفاوضات. فالجهود المصرية السابقة لدعم لبنان وصموده خلال الحرب أيدت التمسك بقرارات الحكومة اللبنانية بحصر السلاح وتطبيق القرار 1701 وانسحاب قوات الاحتلال وحماية لبنان من الارتدادات الإقليمية للحرب[8]. كما عزز الدعم الفرنسي لوقف الحرب عقب غارات "الأربعاء الأسود" من الوصول للهدنة. ثم أتي الجهد السعودي ليصب بالأساس في ثلاثة أهداف، الأول هو منع اشتعال فتنة داخلية لبنانية بشأن التفاوض مع إسرائيل، والثاني هو تمديد الهدنة لفتح الطريق لمسار تفاوضي أطول مع التأكد من توافقه مع المبادرة العربية للسلام التي أطلقها العرب برعاية سعودية في قمة بيروت عام 2002. والثالث والأهم هو تجسير الهوة بين الفرقاء اللبنانيين من أجل بناء موقف لبناني موحد بشأن المفاوضات يعزز من شرعية المفاوض اللبناني ويمنحه قوة في مواجهة الخصم. ولا تزال هذه الجهود قيد التطور، حيث تسعى لتكوين وفد لبناني متعدد الطوائف -يتمثل فيه الشيعة- بما يعكس بناء توافق وطني حول مبدأ التفاوض، غير أن الرئيس بري لا يزال يعارض هذا الأمر ويتمسك بالتفاوض غير المباشر[9].

ملامح الهدنة "المشتعلة"

اتسمت شروط الهدنة بالضبابية تماماً كالهدنة السابقة التي أعلن عنها في 27 نوفمبر 2024، فلم توقف إسرائيل خروقاتها واستمرت في مهاجمة أهداف تدّعي أنها تابعة لحزب الله في الجنوب اللبناني، حيث تحتفظ تل أبيب لجيشها بحرية ممارسة مبدأ "الدفاع عن النفس" في الجنوب اللبناني، وقال كاتس أن وجود جيشه في الجنوب سيكون طويل الأجل طالما استدعت الحاجة لذلك. وقد ادّعت إسرائيل في 16 أبريل أنها اغتالت قائداً بارزاً في قوة الرضوان التابعة لحزب الله بعد ساعات من إعلان الهدنة، فيما أدى تفجير كمائن مسبقة التجهيز إلى مقتل جنديين إسرائيليين في الجنوب يومي 17 و18 أبريل. وتكرر الأمر لاحقاً بين الطيبة ودير السريان، مما أدى لوقوع نحو 4 دبابات ميركافا في فخ مسبق الإعداد من جانب حزب الله[10]، كي يمنع قوات الاحتلال من استغلال الهدنة للتقدم والسيطرة على مزيد من الأراضي، الأمر الذي يعني أن الهدنة لا تعني بالضرورة وقف القتال بشكل كامل بل تخفيض في مستوى الصراع إلى درجاته الدنيا.

وكان حزب الله قد أعلن عبر مصدر عسكري أنه سيلتزم بالهدنة ولكنها لن تكون كالهدنة السابقة، إذ لن يقف مكتوف الأيدي أمام الخروقات الإسرائيلية. فيما أعلنت إسرائيل أن عملياتها العسكرية مستمرة ضمن منطقة "الخط الأصفر" وهو خط توغل قواتها في الجنوب اللبناني لمسافة تتراوح بين 6 و10 كم من الحدود المشتركة. تشير منطقة "الخط الأصفر" إلى سيناريو مشابه لما جرى في غزة، حيث تعتزم إسرائيل البقاء في هذه المنطقة لفترة طويلة عبر إنشاء نحو 20 نقطة عسكرية ثابتة[11] وحرمان سكان نحو 55 قرية لبنانية من العودة إليها[12].

فيما تشير المخططات والخرائط التي نشرتها تل أبيب لمنطقة "الخط الأصفر" أنها تمتد لتشمل الحدود البحرية التي سبق ترسيمها ضمن اتفاق ثنائي بين البلدين في عام 2022. وهو أمر مربك، إذ من غير المعروف إذا ما كان ذلك يعني امتداد منطقة العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى البحر عبر عمليات حصار بحري، أم أنها مصادرة فعلية لثروات لبنان من الغاز في مياهه الإقليمية الجنوبية التي تقع ضمن مساحة "الخط الأصفر" المزعوم.

وقد استمرت خلال الأيام التالية لإعلان الهدنة العمليات الإسرائيلية للقوات المتوغلة في مساحة "الخط الأصفر"، فباشرت بتفجير البنايات السكنية وتجريف الطرق في عدة بلدات مثل ميس الجبل والناقورة وشمع والبياضة وحولا وطير حرفا وبنت جبيل فيما اعتبرته استهدافاً للبنية التحتية العسكرية لحزب الله. ولكن الهجمات الإسرائيلية ركزت بالأساس على أهداف مدنية مثل المساكن ومولدات الكهرباء بالطاقة الشمسية وتحلية وتوزيع المياة، بما يمنع من عودة الحياة إلى طبيعتها في الجنوب أو عودة السكان إلى قراهم. وبالمثل عكس تداول صورة تظهر جندي إسرائيلي يهشم تمثال للسيد المسيح في بلدة دبل الجنوبية[13] الرغبة الإسرائيلية في القضاء على الوجود السكاني في الجنوب بشكل عام، وخاصةً في البلدات التي لم يغادرها سكانها ويتمسكون بالبقاء فيها رغم ندرة الغذاء وتناقص أسباب المعيشة.

كما استهدفت غارة إسرائيلية صحفيتين في بلدة الطيري بشكل متعمد مما أدى إلى استشهاد آمال خليل الصحفية بجريدة الأخبار وإصابة زميلتها زينب فرج بجروح خطيرة. وتبين أن استهدافهما كان متعمداً بعد قصف المبنى الذي تحصنتا به هرباً من الغارات، ورغم تلقي استغاثاتهما من جانب الجيش اللبناني، مُنع الصليب الأحمر من استكمال جهود الإنقاذ، فأنقذ إحداهما واضطر للانسحاب قبل إنقاذ الأخرى، فنزفت لساعات حتى الموت تحت الركام[14]. أثار الاستهداف المتعمد للصحفيتين موجة غضب كبيرة في الشارع اللبناني مع دعوات للحكومة اللبنانية بالانسحاب من جولة المفاوضات الثانية التي كانت مقررة في اليوم التالي. وقد اعتبر رئيس الحكومة نواف سلام أن الاستهداف المتعمد للصحفيتين ومنع جهود الإنقاذ والوصول إليهما يشكل جريمة حرب موصوفة[15]، غير أن لبنان الرسمي لم ينسحب من المفاوضات ومضى قدماً في إتمام الجولة الثانية التي أسفرت عن تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع إضافية.

ختاماً، لا يبدو أن تمديد الهدنة يحمل أي جديد على مستوى وقف الحرب بشكل كامل، بل بالكاد يعني تخفيض حدة العمليات العسكرية وربما حصرها في نطاق عمق 10 كم داخل الجنوب وعلى امتداد الحدود المشتركة. واللافت أن الهدنة الراهنة تختلف عن هدنة نوفمبر عام 2024 في نقطة بارزة، وهي رفض حزب الله التقيد الكامل بوقف العمليات هو الآخر أسوةً بإسرائيل، بل يعتبر أن الخروقات الإسرائيلية ستواجه بالرد وبالأسلحة المناسبة. ولذا مضى حزب الله في استئناف عملياته باستهداف تجمعات الجنود الإسرائيليين داخل الأراضي اللبنانية بواسطة شِراك وفخاخ كانت معدة سلفاً لمنع تقدم قوات الاحتلال، فضلاً عن استهداف وإسقاط المسيرات فوق الأجواء اللبنانية. ثم لاحقاً بدأ الحزب في معاودة استهداف القواعد العسكرية في شمال إسرائيل، مثل استهداف مرابض مدفعية في مستوطنة كفر جلعادي كانت توجه قصفها لبلدة يحمر الشقيف اللبنانية[16]، وهو ما يعني أن المفاوضات ستستمر على وقع الضربات العسكرية المتبادلة، مما يجعل الميدان مؤثراً بشكل ملحوظ على جدول أعمال المفاوضات ومدى التقدم المحرز فيها. ولكن في المقابل، ستظل المفاوضات الأمريكية الإيرانية المتعثرة في باكستان تلقي بظلالها الثقيلة على المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، رغم رغبة الحكومة اللبنانية في فصل المسارات واستعادة القرار اللبناني من يد المفاوض الإيراني.