د. أحمد عسكر

باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

بات المشهد الأمني في مالي أكثر تعقيداً بعدما استهدفت هجمات إرهابية، وقعت في 25 أبريل الجاري (2026)، عدداً من المواقع والثكنات العسكرية في العاصمة باماكو وعدد من المدن في شمال ووسط البلاد، والتي تورطت فيها مجموعات مسلحة من بينها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين الموالية لتنظيم القاعدة -التي أعلنت مسئوليتها عن الهجمات- إلى جانب تنظيم داعش، وجبهة تحرير أزواد الانفصالية، في تحول نوعي ربما ينعكس على توازنات القوة العسكرية في المشهد الأمني الداخلي في مالي خلال الفترة المقبلة.

وتشكل هذه الخطوة تصعيداً أمنياً خطيراً فيما يتعلق بتكتيك العمليات الإرهابية التي تشنها التنظيمات الفاعلة في أنحاء البلاد، التي تواجه سياقاً أمنياً مضطرباً في ضوء الحصار الاقتصادي وحصار الوقود الذي تفرضه جبهة نصرة الإسلام والمسلمين الموالية لتنظيم القاعدة منذ عام 2025.

في هذا السياق، يثير هذا التطور الأمني اللافت في مالي العديد من التساؤلات حول توقيت ومؤشرات هذه الهجمات الإرهابية، إضافة إلى مستقبل الوضع الأمني في مالي، وما إذا كانت تتجه نحو سيناريو الأفغنة أم يكون للعامل الخارجي دوره البارز في استعادة الاستقرار الأمني النسبي في البلاد.

تطور تكتيكي

اتسمت الهجمات التي شنتها المجموعات المسلحة في مالي بعنصر المفاجأة الذي حقق لها تفوقاً نوعياً في السيطرة على بعض المناطق مثل سيطرة جبهة تحرير أزواد على مدينة كيدال المركزية في شمال مالي وبعض المواقع في مدينة غاو، بحسب مزاعم المتحدث الرسمي باسم الجبهة، محمود محمد رمظان[1]، بالإضافة إلى استهداف عدد من القواعد العسكرية الاستراتيجية للجيش المالي في بعض المناطق مثل كاتي[2]، بما قد يؤدي إلى وقوع خسائر مادية وبشرية، تنعكس سلباً على معنويات الجنود الماليين وكذلك بين السكان المحليين. وهو ما عكس في الوقت ذاته تعمق الخلل الأمني لدى الأجهزة العسكرية والأمنية في مالي، بالرغم من تأكيد الجيش المالي سيطرته على الوضع في أنحاء البلاد، إلا أن العديد من التقارير تشير إلى استمرار القتال في مناطق عدة بالبلاد.

وقد شهد المسرح العملياتي تعدد جبهات القتال بين عناصر المجموعات المسلحة وقوات الجيش المالي، حيث تعرضت عدة مدن في مناطق مختلفة بشمال ووسط البلاد لسلسلة من الهجمات الإرهابية التي استهدفت عدداً من المواقع والثكنات العسكرية، بما في ذلك مدينة "كاتي" القريبة من العاصمة باماكو والتي تضم أحد أبرز القواعد العسكرية للجيش المالي، ومدن سيفاري وكيدال وغاو وموبتي[3]. وهو ما قد يشير إلى تحول نوعي في مسألة تسليح التنظيمات الإرهابية والمجموعات المتمردة في الداخل المالي، بما قد يسهم في الإخلال بميزان القوة التسليحية بين الجيوش الوطنية الأفريقية -لا سيما الجيش المالي- والجهات الفاعلة من غير الدول في القارة.

وجدير بالإشارة أن بعض المناطق المستهدفة في هجمات شمال ووسط مالي، تحمل دلالات رمزية يبدو أن التنظيمات المسلحة تتعمد الإشارة إليها للداخل المالي بما في ذلك النظام العسكري الحاكم في باماكو، في رسالة واضحة إلى قدرة تلك التنظيمات على الوصول إلى المناطق العسكرية شديدة التأمين، في محاولة لبث حالة اليأس بين صفوف قوات الجيش المالي، واهتزاز ثقة الشعب المالي في النظام الحاكم في البلاد.

إذ يُنظر إلى مدينة "كاتي" التي تم استهدافها على أنها رمز للقوة العسكرية للجيش المالي، خاصة أنها مدينة محصنة عسكرياً وغير قابلة للاختراق من جانب العناصر الإرهابية حيث يتواجد فيها أكبر قاعدة عسكرية في البلاد، كما أنها تعتبر مقر إقامة لعدد من كبار مسئولي البلاد بما في ذلك الرئيس الانتقالي أوسيمي غويتا، ووزير دفاعه ساديو كامارا، بما يضفي لها أهمية سياسية وأمنية. وبالتالي، فإن سقوط مدينة "كاتي" بمثابة سقوط للعاصمة باماكو، لا سيما أنها تقع على بعد نحو 15 كيلومتر شمال غرب باماكو. كما أن "كاتي" قد لعبت دوراً رئيسياً في الانقلابات العسكرية بالبلاد على مدار السنوات الماضية، حيث تنطلق منها الكتائب العسكرية للسيطرة على المؤسسات الحكومية مثل القصر الرئاسي ومبنى الإذاعة التليفزيون المالي[4].

من جهة أخرى، يحمل إعلان جبهة تحرير أزواد سيطرة قواتها على مدينة "كيدال" في شمال مالي، واقتحام مقر حاكم المدينة -بحسب مزاعم المتحدث الرسمي باسم الجبهة - دلالة رمزية أخرى حول أهمية كيدال في الشمال المالي، فمن يسيطر على كيدال يسيطر على شمال البلاد.

كما تشير تقارير إلى شنِّ تنظيم داعش "ولاية داعش الساحل" الهجوم الإرهابي على مدينة "سيفاري"، والتي تتمتع بأهمية استراتيجية في البلاد، انطلاقاً من كونها حلقة وصل تربط الطرق البرية بين شمال وجنوب مالي، إلى جانب كونها تحتضن قواعد لوجستية وعسكرية رئيسية وقوات أجنبية، بالإضافة إلى دورها كمركز تجاري مهم في البلاد.

من هنا، قد تشير تطورات الأوضاع العسكرية في المسرح العملياتي بمالي إلى احتمال وجود تخطيط مسبق وتنسيق بين تحالف ثلاثي يضم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة، وتنظيم داعش في الساحل، وجبهة تحرير أزواد "الطوارق" في شمال مالي، يهدف إلى مواجهة الجيش المالي وحليفه الرئيسي "فيلق أفريقيا" الروسي، في محاولة للسيطرة على أكبر مساحة جغرافية في البلاد، بما في ذلك السيطرة على عدد من المدن الكبرى، مستغلة الإخفاق الأمني للأجهزة الأمنية والعسكرية الحكومية، وهو ما قد يهدد بتكرار سيناريو حركة طالبان في أفغانستان في عام 2021على الأراضي المالية مجدداً.

مؤشرات أولية

قد يكون من المبكر تفسير أبعاد ودوافع سلسلة الهجمات الإرهابية التي شهدتها مالي بشكل كامل، لكن، يظل هناك مؤشرات أولية حول أبعاد ودلالات هذه الخطوة من جانب المجموعات المسلحة في البلاد، ويمكن الإشارة إلى أبرز تلك المؤشرات على النحو التالي:

1- التشكيك في شرعية النظام الحاكم: تستهدف هذه الهجمات تأليب الرأي العام الداخلي ضد النظام الانتقالي الحاكم في مالي، واتهامه بأنه غير قادر على السيطرة الأمنية في البلاد، مما ينتقص من شرعيته. وربما يؤدي ذلك إلى تصاعد الاحتجاجات الشعبية، بما يؤثر على الاستقرار السياسي والأمني الداخلي في البلاد، وهو ما يمثل مناخاً ملائماً للتنظيمات الإرهابية لتعزيز نفوذها الداخلي.

2- الرغبة في الإطاحة بالنظام الحاكم: قد يشير تحالف بعض التنظيمات الإرهابية النشطة في أنحاء مالي إلى رغبة واضحة في الإطاحة بالنظام الحاكم في البلاد، وهو ما قد يفتح الباب أمام تقسيم مالي في ضوء تضارب الأيديولوجيات والمصالح بين تلك الجهات الفاعلة في الداخل المالي. وإن كانت المعطيات تشير إلى صعوبة ذلك في ضوء معطيات السياق الراهن سواء داخلياً أو إقليمياً ودولياً.

3- استهداف المسئولين الكبار: يبدو أن هناك تطوراً لدى التنظيمات الإرهابية في عمليات الرصد الاستخباراتي، خاصة بعدما أشارت تقارير إلى استهداف الهجمات الإرهابية مقار إقامة بعض المسئولين الكبار في النظام الحاكم مثل وزير الدفاع ساديو كامارا، وسط حالة من الغموض حول مصيره وعدد من وكذلك الرئيس غويتا، ورئيس الاستخبارات. وذلك في محاولة للتخلص من قيادات الصف الأول، وما قد يترتب عليه من حالة ارتباك ربما تؤدي إلى تفكيك وحدة وتماسك الجيش المالي، وبالتالي انقضاض الجماعات الإرهابية للإطاحة بالنظام الحاكم.

4- تنامي نزعة الانفصال: يبدو أن إصرار جبهة تحرير أزواد على الانفصال بمنطقة شمال مالي لا يزال قائماً، مستغلة في ذلك اضطراب الأوضاع الأمنية في البلاد، وضعف سيطرة الحكومة المالية على كافة أراضي الدولة. يدلل على ذلك تصريح المتحدث باسم الحركة المسلحة الأزوادية، على وسائل التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، مع بدء الهجمات الإرهابية في أنحاء مالي، حول ما وصفه بأن معركة التحرير قد بدأت.

5- إخفاق أمني واضح: تعكس اندلاع الهجمات الإرهابية في مالي حالة من الاسترخاء الأمني للأجهزة الأمنية والعسكرية، وضعف التنسيق الاستخباراتي بينها، حيث تُظهر عدد من مقاطع الفيديو اقتحام عناصر مسلحة عدد من المدن في مالي دون أي مقاومة تُذكر، حتى أنها استطاعت مهاجمة مدينة "كاتي" المحصنة أمنياً، حيث بدأ الهجوم بانفجار سيارة مفخخة استهدفت مقر إقامة وزير الدفاع المالي، ساديو كامارا، تلاه هجوم نفذه أكثر من 100 عنصر مسلح مدعومين بطائرات مسيرة.

6- تحييد قدرات الجيش المالي: يعكس الاستهداف المباشر للهجمات الإرهابية القواعد العسكرية المركزية للجيش المالي في عدد من المناطق، رغبة واضحة لدى التنظيمات الإرهابية في تحييد قدرات الجيش المالي، واستنزافه، في الوقت الذي تحصل فيه على أسلحة متطورة جديدة، ما يجعل ميزان القوة العسكرية في الداخل المالي لصالحها، وما قد يترتب عليه من استحواذ على مساحة أكبر من أراضي البلاد، وتصعيد الهجمات الإرهابية، تمهيداً لمحاولة الإطاحة بالحكومة المالية.

7- تنامي القدرات العسكرية للمتطرفين: تشير قدرة التنظيمات الإرهابية على فتح أكثر من جبهة للقتال لمهاجمة قوات الجيش المالي، إلى تعزيز قدراتها العسكرية بامتلاك عدد كبير من الأسلحة المتطورة، بما في ذلك الطائرات المسيّرة التي رافقتهم في هجماتهم على مدينة كاتي وغيرها من المدن المالية.

8- حشد التنظيمات الإرهابية: من الواضح امتلاك تلك التنظيمات قدرة عالية على الحشد والتوافق فيما بينها -خاصة تنظيمي القاعدة وداعش- بالرغم من وجود خلافات عقائدية وأيديولوجية واسعة بينهما، وهو ما قد يشير إلى تحول نوعي في طبيعة التحالفات الإقليمية بين الفاعلين من غير الدول في منطقة الساحل خلال الفترة المقبلة.

9- السيطرة على مزيد من الأراضي: تستهدف التنظيمات الإرهابية النشطة في منطقة الساحل بما في ذلك مالي توسيع رقعة سيطرتها الجغرافية على نطاق واسع، بما يعزز نفوذها الجهادي على الصعيدين الداخلي والإقليمي. إذ تزعم جبهة تحرير أزواد منذ بدء الهجوم سيطرتها على مواقع متعددة في كيدال وغاو شمالي البلاد، في محاولة لتقليص نفوذ وسيطرة الحكومة المالية في منطقة الشمال.

إجمالاً، يبدو أن مالي على أعتاب لحظة فارقة بشأن إعادة ترتيب المشهد الداخلي وخاصة الأمني في ضوء تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية في الداخل المالي، والذي قد يثير المزيد من المخاوف حول مستقبل أمن واستقرار البلاد بما في ذلك مستقبل النظام الحاكم لا سيما أن التطورات الراهنة ربما تفاقم حالة السخط في أوساط العسكريين تجاه إخفاقات السلطات الحاكمة في احتواء التهديدات الإرهابية في البلاد، مما قد يثير الشكوك حول احتمال اندلاع انقلاب عسكري جديد في البلاد خلال الفترة المقبلة.

كما قد تعيد الحكومة المالية النظر في تحالفاتها الإقليمية والدولية، بما في ذلك إعادة التفاوض حول الدور المنوط به "فيلق أفريقيا" الروسي الذي يتمركز في عدد من القواعد المركزية في البلاد. بالإضافة إلى تسريع وتيرة المفاوضات مع الولايات المتحدة لإبرام الاتفاق الأمني المزعوم، بما يعزز قدرات الجيش المالي في عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية حول تحركات التنظيمات الإرهابية المنتشرة في البلاد. أما على الصعيد الإقليمي، من المتوقع أن يعزز تحالف دول الساحل "بوركينا فاسو والنيجر" دعمه العسكري واللوجستي للحكومة المالية، وربما تضطر حكومة باماكو إلى فتح قنوات اتصال مع دول غرب أفريقيا "تكتل إيكواس" من أجل التعاون الإقليمي في مواجهة الإرهاب.


[1]. The Africa Report, Mali: Heavy fighting erupts in Bamako as rebels seize northern stronghold of Kidal, 25 April 2026, accessible at: https://shorturl.at/ZpVTf

[2]. Reuters, Mali insurgents hit military bases in 'complex attacks', airport shut, 25 April 2026, accessible at: https://shorturl.at/ioQIg

[3]. The Indian Express, Mali attacks: Gunfire, blasts rock Bamako and northern cities in suspected coordinated assault, 25 April 2026, accessible at: https://shorturl.at/PnIGn

[4]. Malay Mail, "There's gunfire everywhere": Gunmen stage simultaneous attacks In Mali capital and Norhern towns, army says, 25 April 2026, accessible at: https://shorturl.at/Acc5Q