د. خالد حنفي علي

باحث مصري، مؤسسة الأهرام

 

صَحَا صرصار من نومه ليجد نفسه في هيئة جسد رئيس الوزراء البريطاني في مقره بداوننج ستريت، ثم يقود حكومة من الصراصير استولت هي الأخرى على أجساد الوزراء. عملت هذه الحكومة على تنفيذ سياسة اقتصادية جنونية، يدفع فيها الموظفون المال لأصحاب لأعمال، بينما يتقاضون أموالاً مقابل التسوق، مما أثار انقساماً مجتمعياً، حيث عارضها سياسيون آخرون ظهروا في صورة بشر يدافعون عن المصالح العامة للبلاد، الأمر الذي دفع الحكومة إلى تشويه سمعتهم وإقصائهم، حتى طبقت سياساتها وقادت البلاد إلى كارثة اقتصادية في نهاية المطاف.

هذه الحبكة الصراعية المتخيلة طرحها الأديب إيان ماك ايوان في أحداث روايته "الصرصار" The Cockroach للسخرية من السلوك غير العقلاني للسياسيين البريطانيين بعد مغادرة بلادهم الاتحاد الأوروبي (البريكست) في عام 2016، إذ وظّف رمزية تلك الحشرة الكريهة، التي تختبأ عادة في الجدران والمجارير، لإظهار مدى تغلب الغريزة والأنانية وعدم الكفاءة على مدركات وسلوكيات أولئك السياسيين عند صنع السياسات، منتقداً سياسات القومية الاقتصادية في أوروبا والولايات المتحدة، والتي تصاعدت إثر وصول قادة شعبويين للسلطة يرفعون شعارات العزلة، ويمارسون الحمائية التجارية[1].

استُلهِمت تلك الرواية، الصادرة عام 2019، بالأساس بشكل عكسي من رواية أخرى تدعى "المسخ" لفرانز كافكا في بدايات القرن العشرين، والتي انتقد فيها تفوق القيمة الوظيفية للبشر على الإنسانية في المنظومة الرأسمالية، حيث روت أحداثها تحول عامل بسيط إلى حشرة، مما أدى إلى نبذه من أسرته وخسارته عمله ليعاني من اغتراب عن نفسه ومحيطه الخارجي، حتى أصبح الموت هو خلاصه الأخير.

هذا النمط من التوظيف الأدبي للرموز الحيوانية في قضايا سياسية أو اجتماعية يعبر عن واقعية سحرية تمزج الخيال بالواقع لاكتشاف المعاني الكامنة وراء الظواهر الإنسانية، لكنه يمنح على الجانب الآخر أهمية للمقاربة الرمزية للسياسة الحديثة من خلال العقلانية التخيلية، حيث يمكن فهم تعقيدات الظواهر السياسية والتأثير فيها عبر استعارة الرموز المادية وغير المادية. تراكمت هذه المقاربة من خلال أدبيات عديدة لبيير بورديو، وهربرت ميد، وميشيل فوكو وغيرهم، والتي سعت إلى تفسير كيف تتحول الرموز إلى أداة للتأثير والاتصال والضبط والسيطرة على البنى السياسية والمجتمعية والثقافية، فضلاً عن جلب الحشد السياسي، وتعزيز الشرعيات والهويات، وإدارة المنافسات السياسية[2].

من تلك الأدبيات، تبلورت السياسة الرمزية Symbolic Politics، أي الخطابات والأفعال والأنشطة التي يتم فيها استخدام الرموز بمختلف أشكالها لأغراض سياسية. وفي هذه السياسة، قد يلجأ القادة أو الحكومات أو الجماعات إلى توظيف صفات الحيوانات وأنماط تفاعلاتها في الغابة لتمثيل وتوليد معانٍ سياسية كالقوة والمكانة والهوية وكذا تأطير نظرة الجمهور لهم، مثل: النسر الأمريكي، التنين الصيني، الدب الروسي، الأسد البريطاني وغيرها، أو على العكس إهانة الخصوم عبر استدعاء صفات حيوانات أخرى ضعيفة أو منبوذة لوصمهم كالحشرات أو الجرذان أو الخنازير.

يظهر هذا النمط من التوظيف في أوقات السلم والحرب على حد سواء، إذ تصبح استعارة الخطابات السياسية لصفة حيوان ما ليست مجرد إسقاط على تفاعلات بشرية بقدر ما تكشف عن تصورات الفاعلين السياسيين لأهدافهم وممارساتهم سواء الراهنة أو المستقبلية. على سبيل المثال، اختارت إسرائيل شعار "الأسد الهادر" لحربها الأخيرة مع الولايات المتحدة ضد إيران، وهو مستوحى بالأساس من أسد يهوذا في التوارة، للتدليل على معاني القوة والردع وترهيب الخصوم.

لا ينعزل اختيار هذا الرمز الحيواني عن رؤية بنيامين نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل للشرق الأوسط كـ"غابة مفترسة"، لا يصلح معها أن تكون إسرائيل "فيلا في الغابة". إذ قال قبل الحرب على إيران: "إذا لم تذهب للغابة.. فإنها ستأتي إليك"، في إشارة ذات مغزى حول تغير استراتيجية إسرائيل منذ هجوم السابع من أكتوبر من احتواء التهديد إلى استباقه، عبر مستويين أساسيين: الأول، إنشاء مناطق عازلة في محيطها الإقليمي القريب ( لبنان، سوريا، غزة). والثاني، إضعاف القوى الإقليمية الأبعد جغرافياً كإيران في المنطقة[3].

مع ذلك، تثير عملية التوظيف السياسي للرموز الحيوانية، بشكل عام، إشكاليات عديدة على صعيد نزع الإنسانية عن الآخر، وإحداث انقسامات داخل المجتمعات وبين الدول، خاصة مع الطبيعة متعددة الدلالات لتلك الرموز نفسها، ناهيك عن تقاطعها مع خطوط الصراعات السياسية داخلياً وخارجياً، وهو ما يحاول هذا التحليل استكشافه، عبر فهم خصائص الرمز الحيواني كقوة معبرة عن المعاني السياسية، ولماذا هو أكثر ألفة وارتباطاً بتفسير الظواهر السياسية، وكيف يمكن أن تقود الاستعارات من عالم الحيوان إلى تحويل السياسة الحديثة إلى حالة غرائزية؟

قوة الرمز الحيواني.. تمثيل المعنى وتأطير السلوك

في الكارتون الشهير" توم وجيري"، يدور صراع رمزي بين حيوانين أحدهما فأر صغير في الحجم، والآخر قط يفوقه حجماً. مع ذلك، ينتصر الأول دائماً بحكم ذكائه ومهاراته، في مفارقة لا تعبر فقط عن كوميديا ساخرة وإنما تشي أيضاً بكسر مسلمات منطقية حياتية عادة ما يهزم فيها القط الفأر. قد يحفز هذا التخيل الإنسان على إدراك نسبية مفاهيم أساسية كالقوة والضعف، وأنه يمكن التفوق على الخصم مهما كان حجمه وقوته بالعقل والحيلة.

غير أن هنالك معنى صراعياً كامناً يغلف دائماً علاقة توم وجيري، وهو المعنى الذي تستدمجه الرؤية الغربية الرأسمالية للتفاعلات الإنسانية من المجتمع إلى السياسة، وإن كان هنالك القليل من فترات السلام والتحالف التي تظهر بين الفأر والقط، عندما يكون هنالك عدو مشترك. كذلك، يلجأ الطرفان، في هذا الصراع الرمزي، إلى مختلف أنواع الأسلحة العنيفة، دون أن تفضي إلى موت أي منهما، وليس ذلك فقط لأغراض فنية وخيالية إنما لجعل حالة الصراع متجددة وقادرة على الاستمرار بلا توقف.

استهدف هذا الكارتون، عندما ظهر في العام 1940، تخفيف الحالة النفسية للمجتمعات الغربية خلال الحرب العالمية الثانية، لكن مع انتشاره عالمياً واستمراره لعقود ممتدة، شكل أحد مصادر قوة هوليود في نشر الثقافة الترفيهية الرأسمالية خلال القرن العشرين، مما عرضه لنقد من علماء النفس والاجتماع والسياسة، والذين اعتبروه تطبيعاً إدراكياً للمجتمعات مع ظاهرتي الصراع والعنف، ناهيك عن اتهامات أخرى بالتحيز العرقي ضد السود، في ظل التنميط السلبي لشخصية المرأة السوداء(مامي تو شوز) التي تنظف فوضى صراع توم وجيري[4].

هذه المعاني المضمرة خلف الرمزية الحيوانية لكارتون توم وجيري قد يختلف تأويلها وإدراكها من ثقافة مجتمعية إلى أخرى، لكنها تشير، في جوهرها العام، إلى مدى قوة وجاذبية الرمز الحيواني كأداة اتصالية قادرة على تمثيل وتوليد معانٍ مختلفة ومتسعة ومفتوحة الإيحاء، وهي قوة مؤثرة تنسحب، بدرحات متفاوتة، على الرموز بوجه عام، كإشارات أو علامات أو ألفاظ أو صور أو ألوان أو أشخاص أو أشياء حية أو غير حية، وغيرها.

قد تكون تلك الرموز في مجال السياسة متعددة الأشكال: قيادة أو تجربة تاريخية، أو مكان، أو مؤسسة، أو أناشيد أو أعلام وطنية، أو أنصبة تذكارية أو أيقونات دينية أو حيوانات أو غيرها، وهي تعبر عن الارتباط بين إرث المجتمعات وحاضرها السياسي والمجتمعي، والهوياتي، والثقافي، كما تمتد من جيل إلى آخر لتتكرس عبر فترة من الزمن إما بذات الشكل أو المضمون أو التأويل، أو قد تتعدل معاني الرموز، أو يتم تهميشها أو محوها من الذاكرة الإنسانية إن تغيرت السياقات المفرزة لها، مثلما الحال عندما تغير بعض البلدان علمها الوطني عند تغير الأنظمة السياسية.

في حالة الرموز الحيوانية، كنوع من الاستعارات أو المجازات البصرية الحية، فإنها تأخذ أهمية سياسية كبيرة مقارنة بالرموز المادية كالأعلام والأماكن والأناشيد، كونها قد تنفذ سريعاً للمدركات، وتؤثر في السلوكيات، في ظل جاذبيتها للبشر، وقدرتها على تبسيط الأفكار والقضايا، فضلاً عن تأثيرها النفسي في المشاعر والعواطف والخيال الإنساني، بخلاف أنها وسيلة تعبيرية للمجتمعات للهرب من القيود على حرية التعبير[5].

هنا، يشير كل من لاكوف وجونسون إلى أن الاستعارات أو المجازات، أياً كان نوعها، تتحكم بالأساس في مدركاتنا وسلوكياتنا اليومية بكل تفاصيلها، كونها تشكل نظامنا المفاهيمي الذي نستخدمه لتنظيم فهمنا للآخرين والحكم على أفعالهم، ومن ثم الاستجابة لتلك الأفعال، فيما يجادل عمار علي حسن بأن السياسة ذاتها لا تدور حول الحقائق فقط، إنما قوة المجاز الذي يقود إلى تصرفات مدفوعة أو مستلهمة أو ساعية لتحقيقه في الواقع، فاللغة التي يُولد من رحمها المجاز هي قوة أساسية في العملية السياسية قد تسبق وتبرر وترافق الفعل السياسي[6].

عندما تكون هذه الاستعارات السياسية رموزاً مجسّدة ونابضة بالحياة كالحيوانات تصبح أكثر ألفة وقرباً في التعبير عن المعاني، إذ يعمل إسقاط صفات الحيوانات على الفاعلين السياسيين (قادة، حكومات، جماعات) أو أنماط تفاعلاتهم على بناء نوع من الارتباطات المتخيلة التي يدرك من خلالها القادة والجمهور الأحداث والأفكار والقضايا السياسية دون وسيط، أي أن استدعاء الرمز الحيواني في الخطابات السياسية يحول المعنى المجرد إلى محسوس ومألوف يمكن أن يفهمه سريعاً المؤيدون والخصوم على حد سواء.

فبمجرد أن يصف فاعل سياسي نفسه أو مؤيديه مثلاً بالأسود، فإنه يستحضر صفات تلك الحيوانات التي تتسم بالقوة ولديها سلوكيات افتراسية شرسة عند تحقيق أهدافها، وعلى العكس حال وصف خصومه بالحشرات، فإنه يشي بضآلتهم وقابليتهم للسحق. لكن استعارة السياسيين للرمز الحيواني لا تقف عند جلب معنى وسلوك يرتبط بهذا الرمز بشكل منفرد، بل تستعير معه ضمناً السياق الهيكلي الأوسع لتفاعل الحيوانات في الغابة، والذي يتعلق بالتراتبية الهرمية، وأنماط علاقات القوة والضعف لتسقطها على الواقع السياسي الذي قد يشهد اختلالاً في توازنات القوى[7].  

هذا المعنى الذي يستعيره السياسيون من عالم الحيوان، قد لا يكون مقبولاً أو متفقاً عليه من الجميع بسبب اختلاف دلالات الرمز الحيواني، ومدى قابليته للاستخدام في الخطاب العام من ثقافة مجتمعية إلى أخرى. فالحمار، مثلاً، قد تستخدمه بعض الثقافات المجتمعية للإهانة السياسية للآخر، من خلال استدعاء صفة الغباء، لكن ينظر لذلك الحيوان في ثقافات أخرى على أنه رمز لمعاني الجهد والمثابرة والعمل. لهذا، يتخذ الحزب الديمقراطي الأمريكي الحمار شعاراً له في الانتخابات لارتباطاته التاريخية بنضال الطبقات العاملة في مواجهة "الفيل" للحزب الجمهوري، والذي يرمز للحجم والثروة والقوة.

تخضع كذلك استعارة الرمز الحيواني في السياسة لآلية الإبراز والإخفاء، أي أن استدعاء الصفة الحيوانية وما يترتب عليها من معنى قد يكون بشكل انتقائي، وفقاً لطبيعة الموقف وهدف الاستخدام ونمط الثقافات المجتمعية. فعندما أراد القذافي تحقير الثائرين عليه في عام 2011 اعتبرهم "جرذاناً"، مطالباً الشعب بالسيطرة على الوضع، في رسالة عنت مواجهتهم بالعنف[8].

في هذا الخطاب، ترتبط استعارة الجرذان بمعناها السلبي في المخيلة الإنسانية، والذي يدور حول القذارة والخطر من نقلهم الأمراض، وبالتالي القضاء عليها، أي ينتقل هذا المعنى المدرك للرمز الحيواني إلى توجيه سلوكي. لكن الجرذان نفسها لها منافع للإنسان نفسه في سياقات وثقافات أخرى، عندما يتم اختبار أمصال مكافحة الأمراض عليها أو تستخدم في أوقات الحروب لكشف الألغام.

لذلك، لا يعبر الرمز الحيواني فقط عن المعنى السياسي، بل يسمح بتأطير السلوكيات السياسية في قوالب وكيانات يمكن على أساسها بناء توقعات معينة. فعندما تصف قيادة أو دولة أو جماعة نفسها بأنها أسد أو ثعلب، فالمسألة لا تتعلق، فحسب، بنقل صفة الحيوان لعالم البشر، بل يجعلنا هذا الوصف نفهم ونفسر السمات السلوكية للفاعل السياسي (الشراسة في حالة الأسد، والمكر في حالة الثعلب)، ثم نتوقع بالتالي ردود فعله على مواقف مستقبلية.

مع الارتباط المستمر للصفة الحيوانية بالفاعل السياسي، فإنها تصبح جزءاً من صورته العامة وشرعيته أمام الجمهور، بما قد يدفعه للتطابق معها عند اتخاذ قرارات أو مواقف، في نمط أشبه بدينامية عمل التنبؤات ذاتية التحقق، أي أن قبول الاستعارة أو المجاز الحيواني في موقف سياسي ما قد يفسر الأحداث اللاحقة بفعل التوجيه التلقائي للفعل السلوكي مستقبلاً[9].

يمكن، في هذا الصدد، العودة للمثال الإسرائيلي، المشار له في استهلال هذا التحليل، إذ إن اختيار "الأسد الهادر" كرمز للحرب الأخيرة لإسرائيل على إيران يصوغ بشكل كامن سمة النزوع السلوكي لاستخدام القوة والسلوكيات الشرسة التي لا يحدها قيود معيارية عند تحقيق الأهداف السياسية من قبل نتنياهو واليمين الإسرائيلي المتطرف، والذين يسعون بدورهم إلى التطابق مع هذا المعنى السياسي والتأطير السلوكي للحفاظ على صورتهم أمام مؤيديهم وخصومهم، مما قد يجعل ممكناً توقع ردود فعلهم في أزمات أخرى في المستقبل، دون إغفال أن ذلك الاعتماد على فهم السمت السلوكي للفاعل السياسي هو جزء من أدوات متعددة ومتشابكة في عملية التوقع.

ارتباط الإنسان والحيوان بين ألفة الرموز والبيولوجيا

لأن المبنى والمعنى للرمز الحيواني لا ينفصلان عند استعارته في مجال السياسة، لهذا تضيف الارتباطات الحياتية بين عالم الإنسان والحيوان بعداً أعمق يعزز ألفة وجاذبية استخدام الفاعلين السياسيين لهذا النمط من الرموز. فالحيوانات شريكة للبشر في المجتمعات سواء أكانت أليفة تجلب المنافع اليومية أو متوحشة تشكل تهديدات، أو أدوات بيولوجية تساند في نقل الجنود في الحروب القديمة كالخيول والحمير، ثم تطور ذلك مع الحروب الحديثة، حيث يتم استخدام الحيوانات في اكتشاف الألغام، واستلهام بعض التكتيكات العسكرية منها كالاحتشاد لدى النحل[10].

بل إن التمثل الإنساني بصفات الحيوانات في المعارك كان شائعاً في روما القديمة واسبرطة، حيث تم استخدام الذئب لتشجيع المواطنين على التماهي معه كنموذج للمقاتل المثالي الشرس، وهو الحيوان نفسه الذي استحضرته ألمانيا النازية كرمز لمعاني الولاء والشجاعة والقسوة، حتى إن مقر هتلر في الحرب العالمية الثانية كان يسمى "وكر الذئب". ارتبطت جذور هذا التمثل بالدور الوظيفي الاجتماعي للطوطم، كرمز لحيوان أو نبات أو جماد، إذ كان يميز بين العشائر ويعزز تماسكها في المجتمعات البدائية، وفقاً لدوركهايم، حيث يتسمى أفراد العشيرة باسمه للاعتقاد بوجود علاقة روحية معه تصل إلى حد تقديسه ومنع صيده أو أكله[11].

أعيد إنتاج هذا النموذج الطوطمي في الدولة الحديثة، مع نشوء ارتباطات متخيلة بين الولاء للأمة والرمز الحيواني لبعض المجتمعات. فالهندوس في الهند يقدسون البقرة ويربطونها بهويتهم الدينية والوطنية، حيث يرونها تمثل معاني الأمومة والوفرة بسبب إنتاجها الحليب، وبالتالي يرفضون ذبحها وحمايتها قانوناً، وهو ما قاد لجدال سياسي في الهند بسبب دعم حزب "بهارتيا جانتا" لهذا التوجه في مواجهة الأقلية المسلمة الرافضة لذلك لما يجلبه من خسائر للمزارعين، مما دفع محكمة هندية لوقف قانون يحظر بيع الأبقار بغرض الذبح في عام 2017[12].

تتعمق أكثر الروابط الإنسانية مع عالم الحيوان مع كون الصفات التي يتم استعارتها منه إلى السياسة انتقلت عبر إرث متراكم من الحكايا والأساطير والثقافات الدينية والمجتمعية. لذلك، قد لا تتطابق تماماً الاستخدامات السياسية للرمز الحيواني مع حقائقه البيولوجية. فقد كرّست حكايات "كليلة ودمنة"، التي ترجمها عبد الله بن المقفع من الأدب الهندي وتضمنت نصائح أخلاقية وسياسية، تنميطاً لصفات بعض الحيوانات التي صارت جزءاً من الثقافات السياسية والمجتمعية.

في حكاية الأسد والثور[13]، يخدع دمنة (ابن آوي) الأسد الملك، ويدفعه لقتل صديقه الثور(شتربة)، بزعم أن هذا الأخير يسعى للغدر والانقلاب عليه. بالتالي، ارتبطت صفات كالمكر والخداع والدهاء وإشعال الفتن في السياسة برمزية حيوانات كابن آوى أو الثعالب، لكن هذه الحيوانات لديها صفات أخرى كالذكاء الحاد، والقدرة على التكيف والمناورة عند التعامل مع المخاطر والتهديدات.

حملت أيضاً الرموز الحيوانية في الثقافة الإسلامية، معانٍ ووظائف معرفية وحمائية وتضامنية أدمجت ضمن الثقافات السياسية. فعلى سبيل المثال، علّم الغراب قابيل كيف يدفن أخاه هابيل بعدما قتله، بينما رافق الكلب الفتية الذين آمنوا بربهم ولبثوا في الكهف مئات السنين. لكن تحريم الإسلام لأكل لحم الخنزير تم توظيفه كرمزية مضادة تستخدمها الجماعات اليمينية المتطرفة في جرائم الكراهية ضد الأقليات المسلمة في الغرب. إذ يلجأ المتطرفون إلى دماء الخنزير وأجزاء من جسده لمهاجمة المساجد في أوروبا والولايات المتحدة[14]، وهي ظاهرة تصاعدت مع انتشار الإسلاموفوبيا في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، ثم تزايدت مع انتشار حركات اليمين المتطرف المعادية للمهاجرين خلال العقدين الأخيرين.

قادت تلك الارتباطات المادية والرمزية للحيوانات بالمجتمعات إلى نشوء فهم لأساليب الصراع والبقاء والتعاون والتحالف في السياسة من منظور بيولوجي[15]، والذي يفترض أن التفاعل الإنساني يشبه الكائن الحي في دورة تطوره، وتفاعلاته، كما في النظرية التطورية الداروينية، ومن ذلك خرجت نظريات شهيرة كالمحيط الحيوي، والتي تنظر للدولة ككائن حي له احتياجات توسعية كلما زاد السكان، بما يجعلها تلجأ للقوة في مواجهة جيرانها، واستخدمت هذه النظرية في تبرير الاتجاهات النازية العدوانية للتوسع العسكري في الحرب العالمية الثانية.

أيضاً ربط المنظور البيولوجي ظاهرة الحروب في عالم البشر بأنماط الصراع الحيواني على أساس أنهما نتاج لعدوانية غريزية للدفاع عن النفس والبقاء والتي قد تأخذ أشكالاً من العنف المنظم. فقد جرى صراع عنيف بين مجموعتين من قرود الشمبانزي في تنزانيا في سبعينيات القرن العشرين، وكذلك في أوغندا في عام 2015، وفي الحالتين، نشب الانقسام بين مجتمعات القرود بسبب وفاة القادة أو الصراع على الموارد أو الإناث، ثم تحول ذلك إلى حرب أهلية شهدت قتلاً ممنهجاً استمر لسنوات[16]. لكن بعض العلماء رجحوا أن ذلك النمط غير المسبوق من العنف بين الحيوانات قد يكون نتيجة ضغوط بشرية كالتدخل في مصادر غذائها وتضييق المواطن الطبيعية للحيوانات.

يرفض العديد من علماء السياسة التفسير البيولوجي لظاهرة الحرب على أساس أن الصراع في عالم الحيوان أمر طبيعي في سياق التوازن البيئي وحماية التنوع البيولوجي، بينما في حالة البشر لا يكون نتاجاً لعوامل غريزية، بل بفعل عوامل مكتسبة في المحيط الاجتماعي، ناهيك عن أنه أكثر تدميراً بحكم قدرة عقول البشر ومعرفتهم على إنتاج أدوات عنف إبادية للآخر تفوق قدرة الحيوانات.

بل على العكس، فقد أظهرت دراسات إيثولوجية على السلوك الحيواني أنه يعرف في تفاعلاته الصراعية نمطاً من "القتال الطقسي" الذي يتعلق بإخضاع الخصوم عبر استعراض القوة من أجل التزاوج والقيادة والنفوذ والحفاظ على الغذاء دون التسبب بأضرار جسدية جسيمة أو الموت كما الحال في معارك الأسود، فضلاً عن وجود أنماط أخرى من التعاون والتعاطف والتضامن، بل حتى العدالة في توزيع الغذاء كما في بعض مجتمعات القرود[17].

لذلك، يتحدى بريان ماسومي في كتابه "ماذا تُعلِّمنا الحيوانات عن السياسة" النظرة التقليدية للإنسان لعالم الحيوان على أنها مجرد حرب هوبزية وحشية للجميع ضد الجميع من أجل من البقاء، من خلال استكشاف جوانب تعاونية تقف على قدم المساوة مع العدوانية في سلوك الحيوانات، داعياً إلى الاستلهام السياسي لهذه الجوانب من عالم الحيوان بدلاً من التركيز على المنافسة والصراع[18]، ولهذا قد تأخذ عملية توظيف الحيوانات سواء كرموز أـو ككيانات حية أبعاداً متنوعة على مستوى الخطابات والممارسات السياسية، حيث قد تستخدم في تحقيق أغراض متفاوتة سواء معرفية أو حمائية أو عدوانية أو تضامنية أو حتى تسويقية لجلب التعاطف.

توظيفات الرمز الحيواني.. الهوية والصورة والتبسيط

في عام 1945، وبينما كانت الحرب العالمية الثانية تلفظ أنفاسها، صدرت رواية "مزرعة الحيوان Animal farm "التي وجهت نقداً سياسياً لنظام ستالين الشمولي من خلال استعارة صفات الرموز الحيوانية وأنماط تفاعلاتها، إذ تسيطر الخنازير على مزرعة إثر طرد صاحبها (جونز/النظام الملكي) لسوء إدارته لها، لكن أدوارها تباينت بين المستبد (نابليون/ستالين) الذي استحوذ على السلطة، والإصلاحي (سنوبول/تروتسكي) الذي طرد من المرزعة، والمفكر العجوز (ميجر/ماركس) الذي بشّر بمباديء بالثورة الحيوانية لكنه مات قبل اندلاعها، والبوق الإعلامي (سكويلر) الذي يبرر أي قرار السلطة مهما كانت طبيعته.

أما الكلاب التي رباها الخنزير (نابليون) فكانت أداته لمواجهة أي تمرد عليه، فيما عبر الحصان (بوكسر) عن الطبقة العاملة التي تعرضت لاستغلال قوتها في بناء طاحونة المزرعة، ثم يتم الغدر بها وبيعها عندما لا تصبح قادرة على العمل. كذلك، مثل الحمار (بنيامين) أولئك الصامتين الذين يدركون فساد الأوضاع في المزرعة دون حراك. أخيراً، شكلت الأغنام رمزاً للقطيع الجماعي الذي يردد الشعارات بلا وعى، حتى بعدما هيمنت الخنازير على المزرعة، وحرّفت مبدأ المساواة، ليصبح: "كل الحيوانات المتساوية، لكن بعض الحيوانات أكثر مساواة من الأخرى"[19].

استطاع أورويل في تلك الرواية، التي تعد من العلامات الفارقة في الأدب السياسي العالمي في القرن العشرين، توظيف الرموز الحيوانية معرفياً لفهم الظواهر السياسية، إذ يمكن من خلالها تفسير: لماذا تسقط الأنظمة السياسية؟، وكيف تتحول الثورات إلى أنظمة تسلطية؟، ومتى تتناقض مباديء الاشتراكية على أرض الواقع؟، فضلا عن كشف آليات السيطرة الأمنية والإعلامية على المجتمعات، ومخاطر التفاوتات الطبقية لصالح فئة صغيرة تستأثر بالسلطة والموارد، وهي آليات جعلتها حبكة الرواية بفعل استخدام رموز حيوانية تكتسب حالة من العمومية تتجاوز الزمان والمكان لتصبح من السمات الأساسية لسياسات النظم التسلطية.

إلا أن طبيعة الرموز الحيوانية تتيح تجاوز الأغراض المعرفية في فهم السياسة إلى أغراض أخرى كتشكيل الهويات الجماعية، وبناء الصورة والسمعة الداخلية والخارجية للدولة عبر الدبلوماسية الناعمة، ناهيك عن ترهيب الخصوم وغيرها. لكن المعضلة أن تلك التوظيفات قد تجابه إشكاليات تعرقل من أثرها في الواقع، لكون تلك الرموز تملك أصواتاً ودلالات متعددة قد تصل إلى حد التناقض، فمثلما قد يكون هذا التعدد قوة مؤثرة لتحقيق أغراض سياسية، فإنه يؤجج أيضاً الصدام والانقسام والمنافسة، وهو ما يمكن الاستدلال عليه في ثلاثة مجالات، على سبيل المثال لا الحصر.

1- الهويات الوطنية: يستدعى القادة والحكومات الرموز الحيوانية في السياسة للإسهام في تشكيل الهويات الوطنية، إذ تبني تلك الرموز مخيلة جماعية عبر القيم والمعاني والأحاسيس والعواطف المشتركة داخل المجتمع، بما يجعل المواطنين يشعرون بهوية الأمة وسماتها وقيمها، حيث يتم نقلها من حالتها المجردة إلى المحسوسة. فمن اليسير مثلاً للأمريكيين إقامة ارتباط متخيل بين رمزية النسر ومعانٍ وقيم كالحرية والتفوق والقيادة، وهكذا الأمر للروس عند النظر للصلة بين رمزية الدب والقوة والقدرة على مجابهة التهديدات الخارجية. تزداد تأثير هذه المشاعر المشتركة على عملية تشكيل الهويات، عندما يكون الحيوان نفسه شريكاً في الحياة اليومية للمجتمع أو جزء من الإرث التاريخي للبلاد والقيم التي تسعى لتعريف نفسها بها أمام العالم.

لهذا، قد يستدعى القادة السياسيون الرموز الحيوانية في خطاباتهم أمام المجتمعات لربطها بالهوية والتماسك الجماعي، خاصة إبان التغيرات السياسية الكبرى أو التهديدات الوجودية للأمة كالحروب. فقد تحدى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وينستون تشرشل وقت الحرب العالمية الثانية هجمات النازية على بلاده، معتبراً أنهم إذا قصفوا بريطانيا سيجدون عرين الأسد، وليس مزرعة دواجن أو أغنام، ليربط بين الدلالة الهوياتية للحيوان الوطني للبلاد (الأسد) وبث الشجاعة والتماسك في مواجهة الأعداء[20].

في المقابل، قد يسهم الرمز الحيواني في انقسامات حادة داخل الدولة حال تقاطع مع عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية تؤجج صراعات الهوية، كما الحال مع إقليم كتالونيا الذي يسعى للاستقلال عن أسبانيا، ويتبنى رمز الحمار كتعبير عن الصبر وهويته الإقليمية في مواجهة الثور الهائج كرمز حيواني أسباني عام. تتعقد هذه الانقسامات أكثر عندما يتحول الرمز الحيواني من منطق أسطوري متخيل يشكل الهوية الوطنية إلى أداة لتبرير تفوق أو هيمنة جماعة على أخرى داخل الدولة.

في سيرلانكا، يُستخدم الأسد حامل السيف في العلم الوطني للبلاد للإشارة إلى الغالبية السنهالية، بينما الأوراق المحيطة به هي فضائل وقيم بوذية. رمزية الأسد تلك مستقاة من أسطورة تشير إلى أن السنهاليين ولدوا في هذا البلد من اتحاد أميرة وأسد، وهو ما تم توظيفه سياسياً لتبرير هيمنتهم سياسياً واقتصادياً وعرقياً على الأقليات الأخرى كالتاميل والمسلمين.

لمواجهة ذلك، اختارت أقلية التاميل حيوان النمر كرمز مضاد يعبر عن الشجاعة في مواجهة الاضطهاد السنهالي. برز هذا الرمز الحيواني كشعار لحركة تحرير نمور التاميل التي دخلت في حرب أهلية لعقود ممتدة احتجاجاً على الإقصاء العرقي، وحتى بعد انتهاء تلك الحرب في عام 2009 ظلت لفظة النمر تعني في الخطاب العام المتمرد أو الإرهابي أو من يمارس العنف لأغراض سياسية[21]، وذلك على خلاف استخدام الخطابات الغربية والشرق أوسطية للفظة "الذئب المنفرد" لوصف الإرهابي الذي يشن هجوماً عنيفاً دون الارتباط بتنظيمات عنيفة، في مؤشر على مدى ارتباط الاستعارة السياسية للرمز الحيواني بخصوصية وثقافة المجتمعات.    

2- الصورة السياسية: باتت الحيوانات أداة سياسية مادية ورمزية معاً في بناء الصورة والسمعة السياسية داخلياً وخارجياً. فبفعل البعد العاطفي الذي يربط الجمهور بالحيوانات، أصبحت الأخيرة جزءاً من رأس المال السياسي الذي يستخدمه القادة لتسويق صورة إيجابية لهم تنطوي على معاني الرحمة والعطف والاهتمام بحقوق الحيوان أمام الرأي العام.

إذ يحرص مثلاً الرؤساء الأمريكيون على امتلاك الكلاب، والظهور معها أمام كاميرات المصورين في البيت الأبيض، وعلى الرغم من أن ترامب شكل استثناءً من ثقافة امتلاك أولئك الرؤساء للكلاب، مع ذلك، فقد كرم الكلب "كونان" الذي أصيب أثناء استخدامه الجيش الأمريكي في عملية قتل أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم "داعش" الإرهابي في عام 2019[22].

خارجياً، تدخل الحيوانات ضمن الدبلوماسية الناعمة للدول لتعزيز العلاقات الثنائية، إذ انتهج جواهر ال نهرو أول رئيس وزراء للهند بعد الاستقلال دبلوماسية "الفيلة" لتعزيز النظرة لبلاده كقوة مسالمة وحيادية، عبر إرساله هذا الحيوان هدية للدول الأخرى، كاليابان والولايات المتحدة، وبالمثل أيضاً مارست الصين دبلوماسية "الباندا"، حيث تهديها أو تعيرها للحدائق الوطنية في الدول الأخرى لفترة معينة.

يمتد هذا التوظيف السياسي من أوقات السلم إلى الحرب، لتصبح الحيوانات رموزاً لحشد التعاطف الاستراتيجي، وهو ما أقدمت عليها أوكرانيا خلال حربها الحالية مع روسيا، عبر عدة أنماط أولها، بناء صورة  إنسانية للجيش الأوكراني، عبر تصوير الجنود أثناء إنقاذ الحيوانات ومعالجتها ونشرها على الحسابات الأوكرانية على موقع التواصل الاجتماعي (انستجرام)، وثانيها، تحويل الحيوانات إلى أبطال وطنيين لدعم صمود المجتمع، كما الحال مع الكلب "باترون" الذي يعد رمزاً وطنياً لدوره في اكتشاف الألغام في الحرب، وثالثها، استخدام الرمز الحيواني كمصدر للدعم المالي في إطار "اقتصاديات اللطف"، إذ يتم استخدام الحيوانات كالقط الأوكراني "ستيبان" لجمع التبرعات لدعم المجهود الحربي[23].

مع ذلك، قد تواجه الاستخدامات السياسية الناعمة للحيوانات في بناء الصورة والسمعة السياسية قيوداً تحد من أثرها في الواقع، فدبلوماسية الباندا الصينية تأثرت بالتوترات مع اليابان حول أزمة تايوان، حيث استعادت بكين آخر زوجين للباندا من طوكيو في العام الجاري، كذلك فإن الفيل الهندي الذي لجأ له نهرو لتصوير بلاده بعد الاستقلال كدولة مسالمة واجه حينها معارضة من اتجاهات يمينية رأت هذا الحيوان رمزاً للانقياد، والبطء والثقل بفعل حجمه الكبير.[24]

الأمر ذاته مع الكلاب، فرغم استخدامها سياسياً لتمثيل صورة إيجابية لجلب الدعم والتعاطف في بعض الثقافات السياسية، فلا يمنع ذلك من توظيفها في ثقافات أخرى لإنتاج صور سلبية مثلما رمز لها أورويل كأداة للقمع في رواية "مزرعة الحيوان" المشار لها سلفاً، أو للتعبير عن القوى الفاسدة في المجتمعات التي تركض خلف المال والنساء والسلطة، كما في رواية نجيب محفوظ "اللص والكلاب"، أو للسباب السياسي كآلية للدفاع عن النفس عند اختلال توازنات القوى. إذ شتم الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن السفير الأمريكي السابق في إسرائيل ديفيد فريدمان في مارس 2018 بـ"ابن الكلب"، بسبب تصريحات الأخير حول شرعنة الاستيطان، ما أثار حينها توتراً دبلوماسياً[25].

3- التبسيط السياسي: تلعب الرموز الحيوانية دوراً وظيفياً في تبسيط المعاني السياسية للجمهور، مثلما أشرنا سلفاً عند تناول خصائص الرموز. لكن في المقابل، فإن سهولة وصول هذا المعنى قد يخلق على الجانب الآخر إشكاليات كالمصداقية بسبب احتمال الانفصال بين ما هو رمزي وواقعي، فإذا تبنى نظام سياسي ما رموزاً حيوانية تجسد مساعيه لامتلاك القوة دون أن يلمسها الناس في الواقع، فإنها تصبح رمزية سياسية حيوانية زائفة.

قد يزيد التبسيط والجاذبية للمعنى السياسي الذي يجلبه الرمز الحيواني من فرص تغلب العامل العاطفي لدى الرأي العام على التفكير العقلاني في تقييم المواقف والسلوكيات السياسية، بما يحول هذا التبسيط إلى نوع من التضليل السياسي للجمهور لتبرير سياسات معينة. إذ استخدمت الولايات المتحدة صورة الأسد "مرجان" في حديقة حيوان كابول، الذي فقد أحد عينيه بفعل قنبلة، كرمز سياسي لتبسيط معاناة أفغانستان تحت حكم طالبان، واجتذاب تعاطف الرأي العام لدعم التدخل العسكري الأمريكي في هذا البلد إثر هجمات 11 سبتمبر 2001، لكن هذا التدخل نفسه فشل بعد عقدين من الزمن لتعود طالبان مجددا للسلطة[26].

كذلك، قد يترتب على هذا التبسيط الرمزي نوع من الصورة الاختزالية الخطرة في مخيلة الجمهور الذي قد لا ينظر بسببها إلى التفاصيل المعقدة أو الجوانب الأخرى في تقييم المواقف السياسية، بما يقود إلى تجريد الآخر من إنسانيته عبر حصره في الصفة الحيوانية. هنا، تشير دراسات نفسية إلى أن هذا الوصم الذي يختزل الخصوم قد يستهدف أيضاً التحصين الداخلي للجماعة التي تقوم بعملية الوصم ضد أي محاولات لتغيير آرائها[27].

في تسعينيات القرن العشرين، مهد الهوتو للإبادة الجماعية ضد التوتسي في رواندا، من خلال وصفهم بـ"الصراصير"، وبدت تلك الصورة السلبية نوعاً من الاختزال والتحقير لجماعة عرقية معقدة التفاصيل والاتجاهات لنزع الإنسانية عنها، لكن الترميز السلبي هنا كان يستهدف بعث رسالتين إحداهما التضامن الداخلي بين الهوتو، والأخرى قابلية التوتسي للقتل.

تنتقل معضلة الاختزال الرمزي من ديناميات الصراعات الداخلية إلى المنافسات الدولية، عندما يتم النظر للتنين الصيني كشر محض في الثقافة الغربية، برغم أنه حيوان أسطوري يعبر في الثقافة المحلية الصينية عن معنى المطر والرخاء والقيادة، أي أنه بالنسبة لها رمز سلمي وليس تهديدياً. لكن هذا المعنى السلبي الاختزالي للتنين يندمج مع القلق الجيوسياسي الغربي المتصاعد من الصين كقوة عالمية صاعدة لينتج نوعاً من سوء الفهم، ومن ثم قد يقود إلى تضخيم التهديد الصيني للغرب[28].

الارتداد للغابة.. الاتجاه نحو السياسات الغرائزية

تُنذِر التوظيفات السياسية للرموز الحيوانية، بما قد تتضمنه من عمليات تماهي إدراكي وسلوكي وما تواجهه من إشكاليات، بتحويل السياسات المحلية والدولية إلى نمط قد لا يختلف عن التفاعلات الحيوانية في الغابة، خاصة في بعدها العدواني، حيث يغيب العقل والقيم والمعايير وتصبح السياسة حالة غرائزية متوحشة وافتراسية هدفها البقاء، ويحكمها مبدأ الاحتكام القوة.      تزداد فرص الغرائزية السياسية، في ظل سياقات اللايقين والحروب وتصاعد المنافسات الجيوسياسية والأزمات الاقتصادية، ناهيك عن ضعف المؤسسات وانتهاك المعايير والقوانين الدولية.

قد تفسر هذه السياقات انتشار استعارة السياسيين والمفكرين للفظة "الغابة" في خطاباتهم لوصف حالة السياسة العالمية سواء من منظور عنصري، كما استخدمها جوزيف بوريل المفوض السابق للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي عندما وصف أوروبا بـ"الحديقة"، بينما بقية العالم بالغابة التي تهددها، أو كمدخل تفسيري عندما رأى المنظر الأمريكي روبرت كاجان أن عالمنا يرتد للغابة بفعل السياسات الانعزالية الأمريكية وتراجعها عن القيادة إبان إدارة ترامب، برغم أن واشنطن هي التي أسست ما اعتبره "الحديقة" بعد الحرب العالمية الثانية، في إشارة للنظام الليبرالي الدولي[29].

لا ينفصل هذا الوعي السياسي الاستعاري لرمزية الغابة (كسياق أو بيئة تضم تفاعل الرموز الحيوانية) عن ما يجري من سياسات على أرض الواقع تشهد نزوعاً لتجريد الآخر من إنسانيته بوضعه في مرتبة الحيوانات لاستباحة حقوقه بما فيها حق الحياة نفسه، على النحو الذي برز مع وصف وزير الدفاع الإسرائيلي السابق غالانت للفلسطينيين بالحيوانات في أعقاب هجمات السابع من أكتوبر والذي شكل تمهيداً للإبادة الجماعية التي قام بها المحتل الإسرائيلي في حرب غزة.

كرر أيضاً ترامب وصف "الحيوانات" للنظام الإيراني بسبب "قتله آلاف المتظاهرين"، بل إنه هدد بمحوه وتدمير حضارته إن لم يذعن لشروطه التفاوضية خلال الحرب الأخيرة.   هذا النمط من سياسات ترامب، التي لا تعترف بقواعد أو قيم أو قوانين للحرب أو تحالفات أو مؤسسات دولية وتمارس سياسات الإكراه للدول عبر التعريفات الجمركية، نظر له ستيفن والت على أنه نوع من الهيمنة الافتراسية The Predatory Hegemon والتي اعتبرها ستقود إلى إضعاف أكبر للنفوذ العالمي لواشنطن[30].

أخيراً، وفي ظل هكذا غابة، يرتد فيها الخطاب والممارسة السياسية إلى الحالة الغرائزية تصبح خيارات التعامل معها مشتقة هي الأخرى من معاني الرموز الحيوانية، أي إما أن تكون صياداً قوياً كأسد أو فريسة ضعيفة كجرذ، أو تابعاً كضبع يقتات على بقايا الفرائس، أو مقاوماً للافتراس كغرير العسل الذي يملك الشجاعة لمواجهة الحيوانات الأكبر منه برغم صغر حجمه، أو تتلمس طريق النجاة عبر استلهام آليات التضامن الجماعي كما في مجتمعات الثيران والفيلة والنحل.


[1] Hussain, I. Animal Symbolism and Political Dissidence: A Comparative Study of Ian McEwan’s The Cockroach and George Orwell’s Animal Farm. ShodhPatra: International Journal of Science and Humanities, 3(3), 2026  DOI: https://doi.org/10.70558/SPIJSH.2026.v3.i3.45578.

[2] Graeme Gill & Luis F. Angosto-Ferrandez, Introduction: Symbolism and Politics, Politics, Religion & Ideology, 19:4, 2018, DOI: 10.1080/21567689.2018.1539436

[3] One battle after another: Netanyahu’s new security doctrine, FT, 1  Apr 2026 https://www.ft.com/content/6d0e66bf-4982-430a-821b-d27dfa1b0a3e

[4] Islam, Md & Adnan, Hamedi & Omar, Mohd & Akter, Nilufa. Tom And Jerry Projecting Violence in Slapstick Comedy: A qualitative content analysis. Jurnal Pengajian Media Malaysia 2021  10.22452/jpmm.vol23no1.5.

[5] Kuusisto, R. Competing Metaphors for International Relations: Jungle or Playground? (1st ed.). Routledge 2025 https://doi.org/10.4324/9781003606215

[6]  للمزيد أنظر حول الاستعارات: جورج لايكوف ومارك جونس، الاستعارات التي نحياها، ترجمة عبد المجيد جحفة، دار توبقال للنشر، 2009، أما المجاز السياسي، فانظر د. عمار علي حسن، المجاز السياسي، عالم المعرفة، سبتمبر 2021.

[7] Zhu, J., & Ilsinger, G. Political animals in the Modern World: An Investigation of the National Animal Symbol. Studies in Ethnicity and Nationalism, 23(2), 2023. https://doi.org/10.1111/sena.12396

[8] ) الخطاب الأول للقذافي: المحتجون عصابات وجرذان ومرتزقة لا يمثلون الليبيين، العربية.نت، 22 فبراير 2011 https://www.alarabiya.net/articles/2011%2F02%2F22%2F138688

[9] Kuusisto, R. op.cit.

[10] Dickon, C. Animals (use in war). In The SAGE encyclopedia of war: Social science perspectives (Vol. 4, pp. 73-74). SAGE Publications, Inc. 2017, https://doi.org/10.4135/9781483359878.n33

[11] Zhu, J., & Ilsinger, G. Political animals in the Modern World: An Investigation of the National Animal Symbol.op.cit.

[12]  موقع بي بي عربي، المحكمة العليا الهندية توقف قانوناً يحظر بيع الأبقار بغرض الذبح، 17 يوليو 2017  ،https://www.bbc.com/arabic/world-40574429

[13]    أنظر: باب الأسد والثور، في عبد الله بن المقفع، حكايات كليلة ودمنة، تحقيق عبد الوهاب عزام وطه حسين، مؤسسة هنداوي، 2017

[14] At least nine pigs’ heads found outside mosques in Paris region, 9 sept 2025 https://www.theguardian.com/world/2025/sep/09/pigs-heads-found-mosques-paris-region

 [15] ريتشارد أوفري، الدوافع الكامنة، جدل تفسيرات الحروب.. استجابات غريزية أم خيارات بشرية؟،عرض منى أسامة، موقع  مركز المستقبل للدراسات والأبحاث المتقدمة، 17 يونيو 2025، https://lnk.ink/ycpPh

[16] Nathan Rott ,What a chimpanzee 'civil war' can teach us about how societies fall apart April 13, 2026 https://www.npr.org/2026/04/13/nx-s1-5781149/chimpanzee-civil-war-primate-conflict-anthropology

[17] محمد المخزنجي، أخلاقيات القتال في عالم الحيوان…هل تلهمنا لأنسنة الصراعات المسلحة عند البشر؟مجلة الإنساني، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 7 يوليو، 2020 https://lnk.ink/i44HA

[18]Brian Massumi  What animals teach us about politics ،Duke University Press, Durham, 2014 https://api.pageplace.de/preview/DT0400.9780822376057_A35627931/preview-9780822376057_A35627931.pdf

[19]  جورج أورويل، مرزعة الحيوان، ترجمة مجمود عبد الغني، المركز الثقافي الغربي المغرب، الطبعة الثانية، 2014

[20] Jintao Zhum Politicising Animals for the Nation: The study of national animals in modern states ,25 June, 2020  https://blogs.lse.ac.uk/government/2020/06/26/politicising-animals-for-the-nation-the-study-of-national-animals-in-modern-states/

[21] Wanniarachchi, Senal, Imagining the nation as a "web" of animals: affective entanglements between animality and nationalism. Cultural Politics, 19(2), 2023. https://doi.org/10.1215/17432197-10434391

[22]   الأهرام، ترامب يكرم الكلب (كونان) لدوره فى مقتل البغدادى27  نوفمبر 2019 https://gate.ahram.org.eg/daily/NewsPrint/739081.aspx

[23] Holmberg, A., & Ortega Zepeda, J. Non-Human Animals as Resources for Political Communication During War: The Case of Ukraine. Journal of War & Culture Studies, 18(4), 2025. https://doi.org/10.1080/17526272.2025.2481738

[24] Ghosh, A.. Nehru’s Elephant Envoys: Animal Modernity, Orientalist Gaze and India’s Soft Power. Studies in Indian Politics, 10(2), 2022. https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/23210230221135839

[25] بواية الأهرام، "ابن الكلب" تثير غضب واشنطن على "أبومازن"، 21 مارس 2018 https://lnk.ink/jEcQK

[26] Raglon, Rebecca. “Animals and War: Studies of Europe and North America Edited by Ryan Hediger.” The Goose, 2014. https://fileserver-az.core.ac.uk/download/143685434.pdf

[27] Quiamzade A and Lalot F Animalistic dehumanisation as a social influence strategy. Front. Psychol. 2023. doi: 10.3389/fpsyg.2022.999959

[28] Zhu, J., & Ilsinger, G. Political animals in the Modern World: An Investigation of the National Animal Symbol.op.cit.

[29] Michael E. O’Hanlon Robert Kagan is right about the threat of the jungle growing back October 1, 2018 https://www.brookings.edu/articles/robert-kagan-is-right-about-the-threat-of-the-jungle-growing-back/

[30] Stephen M. Walt ,The Predatory Hegemon How Trump Wields American Power March/April 2026 https://www.foreignaffairs.com/united-states/predatory-hegemon-walt