د. دينا شحاتة

خبيرة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

يُمثل اليسار الجديد في أوروبا أحد أبرز المحاولات الفكرية والسياسية لنقد النيوليبرالية في القرن الواحد والعشرين. فمن ناحية، برز هذا التيار بوصفه أحد أكثر التيارات قدرة على تشخيص أزمة النيوليبرالية، لا فقط باعتبارها نموذجًا اقتصاديًا قائمًا على الخصخصة والانضباط المالي، بل أيضًا بوصفها إطارًا أوسع أعاد تشكيل العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع، وأضعف أدوات إعادة التوزيع، وضيّق المجال الديمقراطي، ووسع دوائر الهشاشة الاجتماعية. ومن ناحية أخرى، لم ينجح هذا الثراء الفكري في التحول إلى مشروع سياسي مهيمن أو إلى كتلة اجتماعية مستقرة قادرة على فرض بديل واضح. وهنا تكمن المفارقة الأساسية: كيف استطاع اليسار الجديد أن يكون قويًا في مستوى النقد، ومحدودًا في مستوى الفعل السياسي؟

لم يكن اليسار الجديد مجرد امتداد لليسار التقليدي، بل مثّل محاولة لإعادة بناء النقد اليساري بعد تراجع الماركسية الكلاسيكية وأزمة الديمقراطية الاجتماعية الوسطية. فقد سعى إلى تجاوز الاختزال الطبقي القديم، وإدراج قضايا الديمقراطية والاعتراف والرعاية والبيئة والهوية والهشاشة الاجتماعية ضمن تحليل الرأسمالية المعاصرة. وبهذا المعنى، لم يكن نقده للنيوليبرالية نقدًا اقتصاديًا صرفًا، بل كان أيضًا نقدًا لتفريغ الديمقراطية من مضمونها الاجتماعي، ولنزع الطابع التنافسي عن القضايا السياسية الكبرى، ولتوسع منطق السوق إلى مجالات كانت تُعد سابقًا خارج حساب الربحية. غير أن هذا الاتساع النظري نفسه طرح سؤالًا آخر لا يقل إلحاحًا: إذا كان اليسار الجديد قد نجح في توسيع خريطة الظلم الاجتماعي والسياسي، فلماذا أخفق في بناء أغلبية اجتماعية قادرة على تحويل هذا التشخيص إلى مشروع حكم؟

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مؤداها أن قوة اليسار الجديد الأوروبي الفكرية لم تُترجم سياسيًا لسببين متداخلين. الأول يتعلق بطبيعة مشروعه ذاته، إذ وسّع مجال النقد على نحو جعله أكثر حساسية للتعدد والاختلاف، لكنه جعله أيضًا أكثر عرضة لصعوبات الائتلاف والتكتل السياسي. والثاني يتعلق بالسياق الأوروبي الأوسع، حيث قيّدت البنى المؤسسية للاتحاد الأوروبي والاقتصاد المالي المعولم قدرة القوى اليسارية على تحويل وعودها إلى سياسات قابلة للتنفيذ. وانطلاقًا من ذلك، تركز هذه الدراسة علي أربع قضايا رئيسية: كيف فهم اليسار الجديد النيوليبرالية بوصفها مشروعًا لإعادة تركيز الثروة وتقويض الديمقراطية؛ وكيف بلور نقدًا ديمقراطيًا لما بعد السياسة عبر مفاهيم الهيمنة والتنازع؛ وكيف وسّع نقد الرأسمالية ليشمل قضايا الرعاية والاعتراف وإعادة الإنتاج الاجتماعي؛ ولماذا تعثر سياسيًا رغم هذا الثراء النظري.

أولاً: كيف فهم اليسار الجديد النيوليبرالية في أوروبا؟

لم ينظر اليسار الجديد في أوروبا إلى النيوليبرالية بوصفها مجرد انحيازٍ تقني إلى السوق، أو مجرد سياسات اقتصادية تقوم على الخصخصة وتحرير التجارة وخفض الإنفاق العام، بل نظر إليها بوصفها نمطًا أشمل لإعادة تنظيم السلطة والثروة والمجتمع. فمن ناحية، أعادت النيوليبرالية توزيع القوة داخل المجتمعات الرأسمالية لصالح رأس المال والفئات العليا؛ ومن ناحية أخرى، أضعفت قدرة الآليات الديمقراطية على التأثير في القرارات الاقتصادية الكبرى، عبر نقلها تدريجيًا من المجال السياسي إلى مجال الأسواق والدائنين والمؤسسات فوق القومية. وبذلك، لم تكن النيوليبرالية في نظر هذا التيار مجرد "اقتصاد سوق"، بل كانت أيضًا إعادة صياغة للمجال العام وفق منطق المنافسة والتقشف والربحية.

في هذا السياق، قدّم ديفيد هارفي واحدة من أكثر الصيغ وضوحًا في تعريف النيوليبرالية، حين اعتبرها مشروعًا يَعِد بتعظيم الحرية الفردية والنمو الاقتصادي داخل إطار من حقوق الملكية والأسواق المفتوحة، لكنه ينتهي عمليًا إلى ترميم الهيمنة الطبقية وإعادة تركيز الثروة والسلطة إلى الأعلى.[1] فالنيوليبرالية نجحت، لا بقدر ما أعادت إطلاق النمو الاقتصادي العام، بل بقدر ما أعادت توجيه الثروة من الطبقات الدنيا والوسطى إلى الفئات المهيمنة، مع تفكيك الأطر المؤسسية التي كانت تدعم أشكالًا أكثر مساواة في التوزيع. وما بدا في الخطاب العام دفاعًا عن "الحرية" و"الاختيار" و"الأسواق الحرة" كان في كثير من الأحيان غطاءً لإعادة ترتيب موازين القوة الاجتماعية لمصلحة رأس المال الكبير.[2] وتبرز أهمية هذا التصور في أنه يخرج النقاش من الفهم الضيق للنيوليبرالية بوصفها حزمة سياسات، إلى فهمها بوصفها مشروعًا للهيمنة تحول منذ السبعينيات إلى خطاب مهيمن تسرب إلى الجامعات ووسائل الإعلام والمؤسسات المالية وأجهزة الدولة، حتى أصبح جزءًا من الطريقة البديهية التي يُفهم بها العالم.[3]

أما وولفغانغ ستريك، فقد قدّم ما يمكن اعتباره البناء المؤسسي والتاريخي الأوضح لفهم هذه التحولات. فبالنسبة إليه، لا يمكن فهم النيوليبرالية خارج مسار أطول يتمثل في الأزمة المؤجلة للرأسمالية الديمقراطية. لقد قامت توافقات ما بعد الحرب العالمية الثانية على قدر من التوازن بين منطق السوق ومطالب الديمقراطية الاجتماعية، غير أن هذا التوازن بدأ يتفكك منذ سبعينيات القرن الماضي. ومع تعثر النمو واشتداد الصراع على التوزيع، انتقلت الدولة تدريجيًا من نموذج "دولة الضرائب" إلى "دولة الدين"، ثم إلى ما يسميه ستريك "دولة التقشف والانضباط"، حيث يصبح الدائنون والأسواق المالية بمثابة "دائرة ناخبة" ثانية تنازع المواطنين على حق التأثير في أولويات الدولة.[4] وتكمن أهمية أطروحة ستريك في أنها تُظهر أن النيوليبرالية لم تكتف بإضعاف السياسات الاجتماعية، بل أعادت تكوين الدولة نفسها. فسياسات التقشف austerity ليست عنده مجرد إجراءات تقنية، بل جزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل الدولة الأوروبية بما يضمن تحصين المجال الاقتصادي من التدخل الديمقراطي. ومن هنا أيضًا يمكن فهم الأهمية الخاصة التي حازها الاتحاد الأوروبي في النقد اليساري الجديد: لا لأنه فضاء للتكامل فقط، بل لأنه تحول تدريجيًا إلى آلية مؤسسية لتحييد الديمقراطية الاجتماعية وإخضاعها لقواعد فوق وطنية أكثر صرامة.[5]

ومن زاوية أخرى، يضيف توماس بيكيتي بعدًا مكملًا لهذا التشخيص، حين يصر على أن اللامساواة ليست نتيجة "طبيعية" للتطور الاقتصادي أو للتفاوت في المهارات، بل هي قبل كل شيء بناء اجتماعي وتاريخي وسياسي. فالمجتمعات، حتى عند المستوى نفسه من التطور، تستطيع أن تنظم الملكية والضرائب والتعليم والحقوق الاجتماعية بطرق متباينة جدًا؛ ومن ثم فإن مستويات اللامساواة انعكاسٌ لاختيارات سياسية ومؤسسية قابلة للتغيير.[6] وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في سياق نقد النيوليبرالية، لأنها تنزع عنها ادعاء الضرورة أو الحتمية وتعيد المسألة إلى ميدان الصراع على القواعد والمؤسسات. واللافت في طرح بيكيتي أنه لا يقدّم المساواة بوصفها حلمًا أخلاقيًا مجردًا، بل بوصفها حصيلة تاريخية لصراعات ومؤسسات. فالتقدم نحو قدر أكبر من المساواة لم يكن نتاجًا تلقائيًا للنمو، بل جاء عبر الثورات والاحتجاجات والضغط الاجتماعي وبناء مؤسسات مثل الضرائب التصاعدية والتعليم العام والحماية الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة والفرص. ومن ثم، فإن ما كشفه اليسار الجديد لم يكن فقط أن النيوليبرالية تُنتج مزيدًا من التفاوت، بل أيضًا أنها تفكك أو تضعف الأدوات المؤسسية التي تجعل المساواة ممكنة.[7]

وإذا جُمعت هذه الخيوط معًا، أمكن القول إن اليسار الجديد الأوروبي فهم النيوليبرالية على ثلاثة مستويات مترابطة: بوصفها مشروعًا لإعادة تركيز الثروة والسلطة؛ وبوصفها عملية لإخضاع الديمقراطية لمنطق الأسواق والدائنين؛ وبوصفها تفكيكًا تدريجيًا للمؤسسات الاجتماعية التي قامت عليها توافقات ما بعد الحرب العالمية. ومن هنا جاءت قوة هذا النقد: فهو لم يختزل النيوليبرالية في "سياسات يمينية" بالمعنى المباشر، بل كشفها بوصفها نمطًا للحكم وإعادة الهيكلة الاجتماعية، يطال الاقتصاد والدولة والديمقراطية والتوزيع وحتى معنى الحرية نفسه.

ثانيًا: الديمقراطية في مواجهة ما بعد السياسة

إذا كان نقد اليسار الجديد للنيوليبرالية قد انطلق من آثارها الاقتصادية والاجتماعية، فإنه اكتسب عمقه الحقيقي حين تحوّل إلى نقد الديمقراطية الليبرالية أيضًا. فالمشكلة لم تكن فقط أن النيوليبرالية عمّقت اللامساواة، بل أيضًا أنها أعادت تشكيل المجال السياسي على نحو أضعف إمكان التنازع الديمقراطي، وضيّق مساحة البدائل، وأحال قضايا الخلاف الكبرى إلى مسائل تقنية تُدار باسم الكفاءة والاستقرار. ومن هنا ظهر مفهوم "ما بعد السياسة" post-politics بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لفهم أوروبا النيوليبرالية: أي تلك الحالة التي لا يُلغى فيها الصراع الاجتماعي، لكنه يُجرَّد من لغته السياسية ويُعاد تقديمه في صورة مشكلات إدارية لا تحتمل إلا حلًا واحدًا "عقلانيًا".[8]

وقد كانت شانتال موف من أكثر من نظّروا لهذا التحول. فجوهر اعتراضها على الديمقراطية التوافقية لا يكمن في رفض التعددية أو المؤسسات، بل في رفض الوهم القائل إن السياسة يمكن أن تُختزل في التوافق. فالسياسة، في تصورها، لا تقوم على إزالة التنازع بل على تنظيمه ديمقراطيًا. ولهذا تميز بين "السياسة" politics بوصفها مؤسسات وممارسات تنظم الحياة المشتركة، و"البعد السياسي" the political بوصفه مجالًا دائم الحضور من الصراع والانقسام لا يمكن محوه نهائيًا من المجتمعات البشرية.[9] وتنبع أهمية هذا التمييز من أنه يسمح بفهم النيوليبرالية الأوروبية، لا فقط كخيار اقتصادي، بل كمرحلة سعت إلى تحييد البعد السياسي نفسه. فمع صعود أحزاب "الطريق الثالث" وتراجع الفروق البرامجية بين يمين الوسط ويسار الوسط، جرى إضعاف التباينات السياسية الفعلية بين البدائل المتاحة، وتقديم السياسات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى بوصفها خاضعة لضرورات السوق أو لقواعد اتحادية أوروبية لا يمكن تغييرها. وفي هذا السياق، لم يعد المواطن يواجه صراعًا سياسيًا بين مشاريع متعارضة بقدر ما صار يواجه اختلافات محدودة داخل توافق واسع على المبادئ الأساسية للحكم النيوليبرالي. ومن هنا جاء اعتراض موف: إن ما يبدو وكأنه توسيع للتوافق الديمقراطي ينطوي في الواقع على إفراغ الديمقراطية من بعدها التنازعي، أي من قدرتها على إنتاج بدائل فعلية وتعبئة الولاءات حول خطوط انقسام سياسية واضحة. وعلى هذا الأساس، تؤكد موف أن الديمقراطية لا تحتاج إلى تجاوز الانقسام، بل إلى تحويله من علاقة عداء مطلق antagonism إلى علاقة خصومة شرعية أو "تنافسية تنازعية" agonism يُنظر فيها إلى الخصم باعتباره منافسًا مشروعًا داخل فضاء رمزي مشترك.[10]

أما إرنستو لاكلو فقد ذهب خطوة أبعد حين أعاد طرح سؤال مختلف: من هو "الشعب" الذي يمكن أن يمثل هذا الصراع؟ فبالنسبة إليه، لا يوجد "شعب" جاهز سلفًا، ولا ذات اجتماعية موضوعية تحتكر تمثيل المصلحة العامة. إن الفاعلين السياسيين لا يُوجدون بشكل مسبق، بل يتم بناؤهم عبر ربط المطالب المتفرقة لقوى اجتماعية متباينة. فحين تعجز المؤسسات القائمة عن استيعاب مطالب متعددة، تبدأ هذه القوى في النظر إلى نفسها بوصفها تعبيرات مختلفة عن أزمة واحدة، وتتشكل ملامح "الشعب" كهوية سياسية لا كسوسيولوجيا سابقة.[11] ومن الناحية التحليلية، يمنح هذا التصور اليسار الجديد أداة مهمة لتجاوز الاختزال الطبقي القديم. فالطبقة العاملة تبقى فاعلًا مهمًا، لكنها لم تعد الفاعل الوحيد أو الموضوعي للتغيير. وما أصبح مطلوبًا لإحداث التغيير هو القدرة على وصل مطالب العدالة الاجتماعية ومناهضة التقشف والكرامة وحقوق الأقليات ومطالب الرعاية وأزمات التمثيل الديمقراطي، في تحالف سياسي واسع عبر عملية ربط وتكثيف articulation. وهذا هو المعنى الأعمق لفكرة الهيمنة لدى لاكلو وموف: ليست تعبيرًا عن أغلبية جاهزة، بل عملية بناء لكتلة سياسية تتجاوز تباين المظالم من دون أن تلغي اختلافها.[12]

أما جاك رانسيير، فقد قدّم صياغة مختلفة لكنها شديدة القرب من هذا النقد العام. فهو يميز بين "السياسة" بالمعنى الحقيقي، و"الشرطة" بمعناها الأوسع، أي النظام الحاكم الذي يوزع الأماكن والأدوار ويحدد من يحق له أن يتكلم ومن لا يُسمَع إلا بوصفه ضجيجًا. والسياسة لا تبدأ حين تعمل المؤسسات كما ينبغي، بل حين يفرض من لا نصيب لهم أنفسهم بوصفهم جزءًا من المجال المشترك، ويكشفون أن النظام القائم لم يكن محايدًا أو شاملًا، بل كان قائمًا أصلًا على إقصاء بعض الفئات أو عدم إدماجها.[13] وتنبع أهمية رانسيير بالنسبة إلى اليسار الجديد من أنه يعيد تعريف الديمقراطية بوصفها عملية خلخلة لا مجرد انتظام إداري. فالديمقراطية، في هذا المنظور، ليست التوافق حول المصالح المشتركة، بل لحظة يفرض فيها المستبعدون أنفسهم كقوى متساوية ويعيدون تعريف ما يُعد شأنًا عامًا ومن يملك حق الكلام فيه. ولذلك فإن نقده للتوافق لا يقل حدة عن نقد موف، وإن كان ينطلق من لغة مختلفة: فالتوافق، في نهاية الأمر، ليس حلًا للخلاف بقدر ما هو محو له، أي اختزال المجال العام إلى فضاء من الإدارة والخبرة وتوزيع الأدوار.[14]

وإذا ما جُمعت هذه المقاربات الثلاث معًا، أمكن القول إن اليسار الجديد الأوروبي قد بلور نقدًا متماسكًا للنيوليبرالية بوصفها نظامًا لما بعد السياسة: نظامًا لا يمنع الصراع الاجتماعي بقدر ما يمنع ترجمته إلى بدائل سياسية منظمة. لقد كشفت موف أن الديمقراطية تحتاج إلى بدائل حقيقية وصراع مشروع لا إلى توافق يفرغ الخلاف من مضمونه؛ وكشف لاكلو أن "الشعب" لا يوجد مسبقًا بل يُبنى عبر ربط المطالب وصياغة الخطاب السياسي؛ وذكّر رانسيير بأن السياسة الحقيقية تبدأ عندما يفرض المستبعدون أنفسهم على مشهد لم يكن يحتسبهم أصلًا. ومن هنا، فإن قوة اليسار الجديد لم تكمن فقط في تعرية آثار النيوليبرالية على الديمقراطية، بل في إعادة طرح سؤال الديمقراطية ذاتها: من يحكم؟ باسم من؟ وعلى أي أساس؟ لكن هذه القوة لم تبقَ حبيسة سؤال التمثيل والصراع، بل امتدت أيضًا إلى توسيع النقد الرأسمالي نفسه، بحيث لم يعد ممكنًا اختزال الأزمة في علاقة العمل والأجر وحدها.

ثالثًا: ما بعد الاختزال الطبقي: الرعاية والاعتراف وإعادة الإنتاج الاجتماعي

وسّع اليسار الجديد أيضًا نقد الرأسمالية نفسها بحيث لم يعد ممكنًا حصرها في عملية الاستغلال داخل مواقع العمل بالمعنى الماركسي التقليدي. فالأزمة لم تعد تُختزل في العلاقة بين رأس المال والعمل وحدها، ولا في التفاوت في الأجور أو الملكية فقط، بل باتت تُفهم كذلك من خلال ما تُحدثه الرأسمالية المعاصرة من اختلال في مجالات الرعاية الاجتماعية وإعادة الإنتاج الاجتماعي والاعتراف وأشكال الكرامة والانتماء. وفي هذا السياق، تُعد نانسي فريزر من أبرز من بلوروا هذا التوسع النظري، إذ تنطلق من فكرة أن الرأسمالية ليست مجرد نظام اقتصادي، بل نظام اجتماعي أوسع لا يستطيع أن يستمر إلا عبر الارتكاز على شروط غير سوقية لا ينتجها بنفسه: أعمال الرعاية والمؤسسات العامة والروابط الاجتماعية والبيئة. ومن هنا تصف فريزر الرأسمالية المعاصرة بأنها "رأسمالية افتراسية" cannibal capitalism لأنها تستهلك باستمرار الشروط التي تحتاجها لاستمرارها.[15]

وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه يحرر نقد الرأسمالية من ضيق الأفق الإنتاجي وحده. فالمشكلة ليست فقط في أن الرأسمالية تُنتج اللامساواة أو تستغل العمال، بل في أنها تُضعف أيضًا القدرة الاجتماعية على إعادة إنتاج الحياة ذاتها. فعندما تُخصخص الخدمات العامة، وتؤسس علاقات العمل على انعدام الأمان والهشاشة، ويُلقى عبء الرعاية على الأسر والنساء والشبكات غير الرسمية، فإن الأزمة لا تعود اقتصادية فقط، بل تصبح أيضًا أزمة في إعادة إنتاج المجتمع نفسه. وهذا يعني أن أحد إنجازات اليسار الجديد تمثل في إدراكه أن الرأسمالية النيوليبرالية لا تُنتج فقط "عمالًا مستغلين" بالمعنى القديم، بل تُنتج أيضًا ذواتًا مرهقة ومجتمعات هشة قابلة للتفكك. فمع تراجع الضمانات الاجتماعية وتآكل الخدمات العامة وتوسّع منطق التنافس، باتت الحياة اليومية نفسها وجهًا للأزمة: من تربية الأطفال إلى رعاية كبار السن إلى الصحة النفسية إلى القدرة على تكوين روابط مستقرة ومعنى جماعي للحياة. ومن هنا احتلت قضايا الهشاشة والعمل الرعائي مكانة متقدمة في فكر اليسار الجديد، لا بوصفها قضايا "ثقافية"، بل بوصفها مؤشرات على حدود الرأسمالية المعاصرة في إعادة إنتاج شروطها الاجتماعية.[16]

أما التوسّع النظري الأهم فقد ظهر في النقاش المتعلق بالعلاقة بين إعادة التوزيع والاعتراف. وهنا يكتسب كتاب فريزر وأكسل هونيث Redistribution or Recognition? أهميته الخاصة: هل ينبغي أن تُفهم العدالة من خلال التوزيع المادي للموارد، أم من خلال الاعتراف بالاختلافات والهويات؟ رفضت فريزر هذا التعارض ورأت أن العدالة المعاصرة تتطلب البعدين معًا. فهناك مظالم تنبع من سوء التوزيع، وأخرى من سوء الاعتراف أو الإقصاء المؤسسي، لكن كثيرًا من المظالم الفعلية تحمل البعدين معًا. ولهذا طرحت مفهوم "تكافؤ المشاركة" participatory parity باعتباره معيارًا جامعًا: أي أن العدالة تقتضي ترتيبات اجتماعية تسمح لجميع الأفراد بالمشاركة كأنداد، وهو ما يفترض شروطًا مادية كافية وأنماطًا من الاعتراف وعدم الإقصاء في آن واحد.[17]

ومن هنا، لم يكن إدراج قضايا النوع الاجتماعي والعرق والهجرة والكرامة داخل أفق اليسار الجديد تعبيرًا عن "تخلٍ" عن الصراع الطبقي، بقدر ما كان تعبيرًا عن تحول في بنية الصراع نفسه. فقد بات واضحًا أن اللامساواة لا تُعاش فقط في صورة دخل أقل أو عمل أكثر هشاشة، بل تُعاش أيضًا في صورة وضعية اجتماعية منقوصة أو إقصاء رمزي أو خضوع لتراتبيات ثقافية تجعل بعض الفئات أقل أهلية للاعتراف والمواطنة الكاملة. ويعني هذا أيضًا أن النقد اليساري الجديد للرأسمالية صار نقدًا متعدد الطبقات التحليلية: فهو من جهة يظل معنيًا بالملكية والدخل والضرائب والتقشف، لكنه من جهة ثانية بات يركز أيضًا على الهوية والإقصاء والعمل الرعائي والهشاشة الاجتماعية. ومع ذلك، فإن هذا الاتساع النظري نفسه حمل في داخله مأزقًا سياسيًا واضحًا: فكلما اتسعت خريطة المظالم، تعقّد سؤال من هم الفاعلون القادرون على حمل مشروع بديل، وكيف يمكن ربط هذه المطالب المتعددة ضمن لغة سياسية جامعة لا تُفككها التناقضات الداخلية.[18]

رابعًا: من الثراء النظري إلى الهشاشة السياسية: لماذا تعثر اليسار الجديد؟

إذا كانت قوة اليسار الجديد الأوروبي قد تجلت في اتساع أفقه النقدي وقدرته على تفكيك البنية الاقتصادية والسياسية والثقافية للنيوليبرالية، فإن حدوده ظهرت بوضوح أكبر في مستوى الترجمة السياسية. فالمشكلة لم تكن، في معظم الحالات، نقصًا في المفاهيم أو فقرًا في التشخيص، بل العكس تمامًا: لقد امتلك هذا التيار أدوات تحليل أكثر تقدمًا من كثير من خصومه، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في بناء كتلة اجتماعية واسعة ومستقرة قادرة على تحويل هذا النقد إلى هيمنة سياسية. فاليسار الجديد لم يخاطب قاعدة متجانسة، بل حاول أن يجمع بين العمال المتضررين من التفكيك الصناعي، والشباب الهش مهنيًا، والشرائح الوسطى المتعلمة في المدن الكبرى، والعاملين في القطاع العام، والنساء، والأقليات، والناشطين البيئيين، والمدافعين عن حقوق المهاجرين. وقد أتاح له هذا الاتساع حساسية أكبر للتحولات الفعلية في المجتمعات الأوروبية، لكنه جعله أيضًا أكثر عرضة للتوترات الداخلية. فبخلاف اليمين الشعبوي الذي استطاع بناء "جمهوره" على تعريف أبسط وأكثر تماسكًا عاطفيًا، ظل اليسار الجديد يواجه صعوبة في إنتاج رابط رمزي قوي يدمج هذه الفئات داخل أفق سياسي واحد.

وهنا تظهر المعضلة التي أشار إليها نقاش إعادة التوزيع والاعتراف. فمن الناحية النظرية، كان انفتاح اليسار الجديد على قضايا النوع والعرق والهجرة والبيئة مصدر تفوق فكري. لكنه سياسيًا وجد نفسه أمام تحدٍ أكثر تعقيدًا: كيف يمكن ضم هذه المطالب في خطاب جامع لا يفقد قدرته على مخاطبة الفئات المتضررة اقتصاديًا؟ ففي كثير من السياقات الأوروبية، بدا وكأن اليسار الجديد يتحدث بلغتين لا تتلاقيان دائمًا: لغة طبقية تركز على اللامساواة والتقشف، ولغة ثقافية-حقوقية تركز على الهوية والاعتراف. وتقدميته الثقافية نفّرت أحيانًا قطاعات من الطبقة العاملة الأكثر محافظة، بينما لم تكن لغته الطبقية كافية دائمًا لإرضاء القاعدة الحضرية التقدمية. وهكذا، فإن التعدد الذي مثّل مصدر قوة نظرية تحوّل سياسيًا إلى عنصر هشاشة ائتلافية.

ويتصل بذلك سؤال الهجرة والانتماء والتماسك الاجتماعي. ففي هذا المجال امتلك اليسار الجديد تفوقًا معياريًا واضحًا، سواء في الدفاع عن المهاجرين أو مناهضة العنصرية أو نقد الشعبويات القومية والإقصائية. لكنه كان أضعف نسبيًا في إنتاج لغة سياسية مقنعة بشأن الهجرة والاندماج والهوية الوطنية والتماسك الاجتماعي والتوترات الثقافية التي صاحبت موجات الهجرة والتحول الديموغرافي في عدد من المجتمعات الأوروبية. فبدلًا من بلورة خطاب يربط بين الانفتاح والعدالة من جهة، وبين الضبط والانتماء والاندماج من جهة أخرى، بدا وكأنه يتحرك أحيانًا داخل لغة معيارية مجردة لا تستوعب بالكامل مشاعر القلق وعدم اليقين التي انتشرت بين قطاعات اجتماعية واسعة. وهنا تحديدًا وجدت قوى اليمين مجالًا أرحب للمناورة، إذ نجحت في دمج الغضب الاقتصادي مع الخوف الثقافي ضمن سردية أكثر بساطة وفعالية: سردية تقول إن التدهور الاجتماعي والاقتصادي لا ينفصل عن تهديد الهجرة والهوية والتماسك الوطني.

ولا يتعلق الأمر بالهجرة وحدها، بل أيضًا بما يمكن تسميته اللغة القومية للانتماء. فقد أظهر اليسار الجديد قدرة عالية على نقد التراتبيات والهويات المهيمنة، لكنه كان أقل قدرة، في كثير من الأحيان، على الحديث بلغة إيجابية عن المجتمع المشترك، أو عن الانتماء والتضامن بوصفه رابطة وجدانية وأخلاقية لا مجرد آلية لإعادة التوزيع. كما أنه لم يتعامل دائمًا بالقدر الكافي من الحساسية مع قضايا الدين أو الأخلاق المدنية أو أشكال الانتماء المحلي والوطني التي استمرت في لعب دور مهم داخل المجتمعات الأوروبية. وهكذا، بينما كان اليسار الجديد أقدر على توسيع معنى العدالة، كان اليمين أقدر على احتكار الحديث عن الانتماء والحدود والهوية الجمعية، ولو في صيغ إقصائية أو تبسيطية.

لكن هذه القيود لم تكن اجتماعية وثقافية فقط؛ بل كانت أيضًا مؤسسية. فحتى في الحالات التي استطاع فيها اليسار الجديد أن يحقق تقدمًا انتخابيًا أو يقترب من الحكم، ظل يصطدم ببنية اتحادية أوروبية تجعل إحداث تغيير في السياسات الاقتصادية والتوزيعية شديد الصعوبة. وكما أوضح ستريك، فإن الاتحاد الأوروبي -وخاصة في صيغته النقدية والمالية- لا يعمل فقط كفضاء للتكامل، بل أيضًا كإطار يقيّد خيارات الحكومات الوطنية ويحصّن القرار الاقتصادي ضد الضغوط الديمقراطية والاجتماعية.[19] وفي هذا الإطار، لا يكفي أن يصل اليسار إلى الحكم لكي ينفذ برنامجه؛ لأن الهوامش المتاحة للحكومات قد أُعيد تعريفها مسبقًا داخل بنية فوق وطنية تجعل السياسات التقشفية والانضباط المالي شروطًا شبه ثابتة للحكم. ومن هنا اكتسبت تجارب مثل حزب سيريزا في اليونان دلالة رمزية كبرى، لا لأنها "أثبتت" استحالة البديل اليساري في المطلق، بل لأنها كشفت مدى الهوة بين اللغة الراديكالية للنقد والقدرة الفعلية على الحكم تحت القيود الأوروبية. والنتيجة أن اليسار الجديد وجد نفسه محاصرًا بين نوعين من القيود: فمن الداخل، واجه صعوبة في الحفاظ على تماسك ائتلافه بين مطالب إعادة التوزيع ومطالب الاعتراف؛ ومن الخارج، واجه بنية مؤسسية أوروبية تقلّص إمكانيات التغيير وتحوّل كثيرًا من وعوده إلى أهداف يصعب تحقيقها فعليًا. ولذلك يمكن القول إن تعثر اليسار الجديد لم يكن نتيجة خطأ واحد أو "خيانة" فكرية بالمعنى المباشر، بل نتيجة تلاقي هشاشة ائتلافية داخلية مع قيود مؤسسية خارجية.

وهذا ما يفسر أيضًا لماذا كانت بعض قوى اليمين، رغم فقرها النظري النسبي، أكثر قدرة على استثمار الأزمة. فهي لم تحتاج إلى الحفاظ على التوازن نفسه بين التعددية والعدالة والانفتاح، بل اعتمدت على تعريف أكثر تجانسًا - ولو أكثر إقصاءً - للجماعة السياسية، وعلى سردية تربط بين التراجع الاقتصادي وفقدان الهيمنة الثقافية والوطنية. أما اليسار الجديد، فكان مطالبًا بأن يكون أكثر عدالة وأكثر شمولًا وأكثر ديمقراطية وأكثر حساسية للاختلافات، من دون أن يفقد القدرة على إنتاج ائتلاف جاذب وموحد في آن واحد. وهنا بالتحديد تكمن مفارقته الكبرى: فقد كان أقدر من غيره على فهم الأزمة، لكنه لم يكن الأقدر على الهيمنة على السياسة التي أنتجتها الأزمة.

خاتمة: نقد ضروري من دون مشروع بديل مكتمل

يُظهر تتبع مسار اليسار الجديد الأوروبي أنه مثّل، بلا شك، واحدة من أكثر المحاولات الفكرية طموحًا لفهم الأزمة العميقة التي أنتجتها النيوليبرالية في أوروبا المعاصرة. فقد نجح في الكشف المبكر عن الروابط المعقدة بين اللامساواة والتقشف وهيمنة القطاع المالي وتآكل السيادة الشعبية وأزمة الرعاية الاجتماعية وتفكك الأطر الجماعية التي قامت عليها ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية. كما وسّع نطاق النقد اليساري للرأسمالية بحيث لم يعد حبيس الاقتصاد بالمعنى الضيق، بل شمل أيضًا قضايا الاعتراف والهوية والهشاشة الاجتماعية وإعادة الإنتاج الاجتماعي والكرامة والبيئة وحدود الديمقراطية المعاصرة. ومن هذه الزاوية، لا يمكن التقليل من الأهمية الفكرية لهذا التيار، فحتى حين أخفق في التحول إلى مشروع مهيمن، ظل أكثر التيارات قدرة على تسمية أعراض الأزمة الأوروبية وفهمها داخل إطار أوسع يربط بين الاقتصاد والسياسة والثقافة والمؤسسات. الا أن قوة التشخيص لم تقترن بقوة سياسية موازية: فمن جهة، لم ينجح في تحويل شموله النظري إلى كتلة اجتماعية مستقرة تجمع بين العمال والشرائح الوسطى الحضرية والأقليات والشباب الهش؛ ومن جهة أخرى، اصطدم ببنية أوروبية ومؤسسية قلّصت بدرجة كبيرة قدرة الحكومات اليسارية على تنفيذ تحولات اقتصادية عميقة حتى حين اقتربت من السلطة أو بلغتها.

ولعل أكثر ما يميز هذه التجربة أنها كشفت أن نقد النيوليبرالية، مهما بلغ من العمق، لا يحسم وحده الأسئلة الأصعب: كيف تُبنى أغلبية سياسية في مجتمعات يزداد فيها التعدد والانقسام؟ وكيف يمكن الجمع بين إعادة التوزيع والاعتراف، وبين العدالة والانتماء، وبين الانفتاح والتماسك الاجتماعي؟ وكيف يمكن إعادة تسييس الديمقراطية من دون السقوط في التكنوقراطية من جهة أو في الشعبوية الإقصائية من جهة أخرى؟ ومن ثم، يمكن القول إن اليسار الجديد الأوروبي لم يتعثر لأنه افتقر إلى قوة النقد، بل لأنه لم ينجح بعد في تحويل هذا النقد إلى مشروع سياسي جامع قادر على الربط بين المساواة والانتماء، وبين التعددية والهيمنة الديمقراطية، وبين الطموح للتغيير والواقعية المؤسسية. وهذه المفارقة هي مصدر حدوده ومصدر أهميته في آن واحد: فهو لم يقدّم بعد البديل المستقر، لكنه ظل أحد أكثر المداخل جدية لفهم أزمة أوروبا النيوليبرالية، وربما أحد الشروط الضرورية لأي محاولة مستقبلية لتجاوزها.


[1] David Harvey, "Neoliberalism as Creative Destruction," The Annals of the American Academy of Political and Social Science 610, no. 1 (2007): 21–44.

[2] David Harvey, A Brief History of Neoliberalism (Oxford: Oxford University Press, 2005), 2–3, 19.

[3] Harvey, "Neoliberalism as Creative Destruction," 23–25.

[4] Wolfgang Streeck, Buying Time: The Delayed Crisis of Democratic Capitalism (London: Verso, 2014), 46–78.

[5] Streeck, Buying Time, 79–115.

[6] Thomas Piketty, A Brief History of Equality, trans. Steven Rendall (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2022), 1–30.

[7] Piketty, A Brief History of Equality, 31–58.

[8] Chantal Mouffe, On the Political (London: Routledge, 2005), 8–34.

[9] Mouffe, On the Political; Chantal Mouffe, For a Left Populism (London: Verso, 2018).

[10] Mouffe, On the Political, 20–21.

[11] Ernesto Laclau, On Populist Reason (London: Verso, 2005), 67–128.

[12] Ernesto Laclau and Chantal Mouffe, Hegemony and Socialist Strategy: Towards a Radical Democratic Politics, 2nd ed. (London: Verso, 2001); Laclau, On Populist Reason.

[13] Jacques Rancière, Disagreement: Politics and Philosophy, trans. Julie Rose (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1999), 21–42.

[14] Rancière, Disagreement, 28–35.

[15] Nancy Fraser, Cannibal Capitalism: How Our System Is Devouring Democracy, Care, and the Planet—and What We Can Do about It (London: Verso, 2022), 17–54.

[16] Fraser, Cannibal Capitalism, 55–90.

[17] Nancy Fraser and Axel Honneth, Redistribution or Recognition? A Political-Philosophical Exchange (London: Verso, 2003), 7–109.

[18] Fraser and Honneth, Redistribution or Recognition?, 28–36.

[19] Streeck, Buying Time, 116–150.