انطوت الخطة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف الحرب الدائرة بين إسرائيل ومجموعة التنظيمات الفلسطينية المسلحة في غزة بقيادة حركة حماس، منذ السابع من أكتوبر 2023، على إشكالية تحُول عمليا دون تحقيق المرحلتين الثانية والثالثة منها، إذ في حين كان الهدف الأساسي من وراء إطلاق ترامب لخطته في نهاية سبتمبر 2025 هو وقف الحرب، فإن الوسطاء الداعمين لخطة ترامب: مصر وقطر وتركيا، كانوا يركزون بشكل أكبر على أن تكون الخطة بداية حقيقية لمعالجة الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي بشكل شامل ونهائي.
ورغم أن الخطة تضمنت عناصر إيجابية في الاتجاه الذي ناشده الوسطاء، مثل النص صراحة على منع تهجير الفلسطينيين من غزة قسرا، ومنع إسرائيل من ضم الضفة الغربية، وإشارة إلى إمكانية منح الفلسطينيين الحق في إقامة دولتهم بعد مرحلة انتقالية قد تمتد إلى نحو خمسة أعوام، إلا أن بعض جوانب الخطة أتت في صيغ تفتقر إلى الوضوح في آليات تنفيذ بعض بنودها، مثل مكونات القوة الدولية التي ستتولى المهام الأمنية في القطاع. والأمر نفسه، بالنسبة لمجلس السلام الذي سيتولى إدارة القطاع في الفترة الانتقالية. ولكن الأخطر من ذلك الذي يمكن أن يهدد الخطة هو التعهدات الأمريكية لإسرائيل (بعضها غير معروف) التي سمحت لإسرائيل (وفقا للدلائل على أرض الواقع) بالاستمرار في شن الضربات ضد المناطق التي تسيطر عليها حركة حماس بحجة مواجهة خطر وشيك على قواتها المتمركزة في أكثر من نصف القطاع، التي يرتبط إنهاء وجودها هناك بنزع سلاح الحركة.
بالعودة للنص الرسمي للخطة الأمريكية، نجد أنها لم تحدد مفاصل زمنية واضحة للمراحل الثلاث التي تتضمنها باستثناء المرحلة الأولي المعنية بتبادل الرهائن الإسرائيليين والأسرى الفلسطينيين أما المرحلتان الآخريتان، فهما مرهونتان بانتهاء المرحلة الأولى بالكامل. وبحسب الخطة، فإن المرحلة الثانية يتم فيها نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، بالتوازي مع انسحاب الجيش الإسرائيلي من غزة، والمرحلة الثالثة هي مرحلة إعادة الإعمار في القطاع تحت حكم مشترك بين ممثلين فلسطينيين (لا ينتمون لحركة حماس أو للسلطة الفلسطينية) وأطراف دولية وإقليمية، فيما سمَّته الخطة بمجلس السلام.
وحتى نهاية ديسمبر 2025، ما تزال إسرائيل تماطل في الدخول للمرحلتين التاليتين بحجة أن المرحلة الأولى لم تكتمل بسبب عدم تسلم إسرائيل الجثة الباقية من الرهائن الإسرائيليين الذين قتلوا في غزة في أثناء الحرب، كما تزعم أن الدخول إلى المرحلة الثانية مرهون بنزع «سلاح حماس» أولًا.
ورغم ما يبديه الرئيس ترامب ومساعدوه المنخرطون في تنفيذ مراحل الخطة (جاريد كوشنر، وستيفن ويتكوف) من حراك لاستكمال بنود الخطة بمراحلها الثلاث، إلا أن الائتلاف الذي يقوده رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، يسعى لتقويض الخطة دون الدخول في مواجهة مع الإدارة الأمريكية.
إن تاريخ إسرائيل الطويل في استخدام آلية التسويف والمماطلة وإطالة المفاوضات إلى ما لا نهاية لإجهاض المشروعات، التي لا تتوافق مع مصالحها، يمنحها الخبرة الكافية لإفراغ خطة ترامب من مضمونها. فقد أفسدت إسرائيل اتفاق أوسلو الموقع بينها وبين منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993، واتفاق القاهرة المكمل له عام 1995، تارة بحجة فشل السلطة الفلسطينية المنبثقة عن الاتفاقيتين في كبح «الإرهاب» الذي تمارسه حركة حماس وحلفاؤها ضدها، وتارة أخري بالاستمرار في سياسة نشر الاستيطان ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية المحتلة الذي يقضي عمليا على فرصة إقامة دولة فلسطينية بحجة أن الاتفاقيتين لم تحظرا إقامة المستوطنات أو تعزيز البناء في القائم منها بالفعل.
يسرى الأمر نفسه على مؤتمر كامب ديفيد 2 الذي عُقد في يوليو 2000 بهدف تطبيق حل الدولتين، حيث نجحت تل أبيب في إفشال المؤتمر وتحميل السلطة الفلسطينية المسئولية بحجة أنها لم تستجب للمطالب الأمنية لإسرائيل للموافقة على إقامة دولة فلسطينية، واتضح لاحقا أن ما تم عرضه على الفلسطينيين في هذا المؤتمر مجموعة من الكانتونات المنعزلة في الضفة، بحيث يتم حرمان الفلسطينيين من دولة متواصلة جغرافيا ومنزوعة السلاح اسميا ومنزوعة السيادة عمليا.
كما استثمرت إسرائيل لاحقا الانقسام الفلسطيني بعد استيلاء «حماس» على الحكم في غزة وفصلها عن السلطة الفلسطينية عام 2007 لكي تستمر في نشر الاستيطان في الضفة والقضاء الفعلي على إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقبلا. وحتى عندما تدخلت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما لاستئناف المفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل عام 2010، نجحت الدولة العبرية في إفشال المفاوضات في النهاية باستخدام آلية التسويف والمماطلة، وحرَّفت تفسير البنود الواردة في اتفاقي أوسلو والقاهرة.
هذا التاريخ الطويل لقدرة إسرائيل على إفساد أي محاولة لتمكين الفلسطينيين من إقامة دولتهم يعزز واقعيًا فرضية أن يتمكن نتنياهو وحكومته اليمينية من إفشال خطة ترامب، وهو ما ستوضحه التطورات القادمة من حيث تمسك تل أبيب بنقطتين رئيسيتين في خطة ترامب، وهما نزع سلاح «حماس» أولا، ومنعها ثانيا من المشاركة هي وحلفائها في حكم القطاع بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
لذلك، يبدو جليًا أن إسرائيل، بموافقة ضمنية من الولايات المتحدة، سوف تستعيض عن تطبيق خطة ترامب بالكامل بتطبيق خطة أخرى تستهدف تقسيم قطاع غزة إلى منطقتين، الأولى تتحكم فيها إسرائيل وتبلغ مساحتها نحو 58 % من القطاع، ويوجد فيها الجيش الإسرائيلي بكامل قدراته، والأخرى تمتد إلى المساحة الباقية من القطاع ويتم تركها لحكم «حماس»، مع منح إسرائيل حرية العمل الأمني والعسكري في هذه المساحة، بالإضافة إلى حرمان من يعيشون داخلها من المساعدات الإنسانية المنصوص عليها في خطة ترامب الأصلية.
يزيد الأمر تعقيدا أن مصير نتنياهو السياسي بات معلقا على نجاحه في إفشال خطة ترامب التي لا تتوافق معظم بنودها مع أجندة حلفائه من أحزاب الصهيونية الدينية، التي تضغط من أجل استئناف الحرب بهدف القضاء على «حماس» وحلفائها نهائيا، وتقويض أي محاولة لإقامة دولة فلسطينية مستقبلا، على نحو ما يفسر نشاط الأحزاب المحموم لتسريع وتيرة الاستيطان في الضفة الغربية في الفترة الأخيرة، وهو ما سيؤدي إلى مزيد من التوترات في وقت تسعى فيه إسرائيل لتوسيع نطاق الحرب في جبهات أخرى، خاصة في إيران ولبنان.