د. إيمان مرعى

خبير ورئيس تحرير دورية رؤى مصرية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

 

لتصل إلى عتبة «التصميم المتعمد» لنظام الأرض. في هذا العدد، نتناول ملفاً متكاملاً حول الهندسة الجيولوجية المناخية، لا بوصفها مجرد حزمة من الحلول التقنية الجسورة لخفض درجات الحرارة، بل باعتبارها العقيدة السيادية الجديدة التي ستعيد تعريف موازين القوى العالمية في القرن الحادي والعشرين. إننا نشهد تحولاً جذرياً في الإطار المفاهيمي الناظم لعلاقة الإنسان بالطبيعة، حيث انتقل الخطاب العلمي والملاحق السياسية من منطق «إدارة المخاطر» المعتمد على خفض الانبعاثات، إلى منطق «إدارة نظام الأرض» الشامل. هذا التحول البنيوي يضعنا أمام تساؤلات  حول من يملك الحق الأخلاقي والسياسي في تعديل ميكانيكا الكوكب، ومن يجرؤ على صياغة مستقبل المناخ وفقاً لرؤيته الخاصة.

إن مفهوم السيادة المناخية يبرز اليوم كأحد أخطر أبعاد هذا التطور؛ فالسعي للسيطرة على السماء عبر تقنيات إدارة الإشعاع الشمسي أو تفتيح السحب البحرية، يفتح الباب أمام أنماط جديدة من «حروب الطقس» المستترة. إن اتهامات «سرقة السحب» وتعديل المسارات المطرية لم تعد حبيسة نظريات المؤامرة، بل أصبحت مادة دسمة للنقاش في أروقة مراكز الأبحاث الاستراتيجية، مما يستوجب صياغة إطار تشريعي دولي صارم يحكم التدخلات العابرة للحدود. إن غياب التنظيم القانوني الواضح يهدد بـ «عسكرة المناخ»، حيث يمكن للتقنيات المصممة لإنقاذ البشرية أن تتحول في لحظة اصطدام سياسي إلى أدوات ضغط جيوسياسي، تخدم مصالح القوى التكنولوجية الكبرى على حساب استقرار الأقاليم المناخية للدول النامية. وهذا ما يجعل «الجيو-مناخ» ساحة صراع كوكبية لا تقل ضراوة عن صراعات الطاقة التقليدية أو حروب المياه العابرة للحدود.

وعلى الجانب التطبيقي، نستعرض في هذا العدد اشتباك التقنيات المناخية مع النظم الإيكولوجية في أعقد صورها؛ فمن الاستمطار الصناعي وتشتيت الضباب إلى الهندسة الشمسية والاحتجاز الجيولوجي للكربون في التكوينات الصخرية العميقة، تظل التأثيرات الجانبية على التنوع البيولوجي لغزاً ينتظر التفكيك العلمي. إن هذه الهندسة التطبيقية لا تنفصل بحال عن اقتصاديات المناخ؛ فالتحول نحو «الاقتصاد الأخضر» خلق أسواقاً كربونية بمليارات الدولارات، وهو ما يثير القلق العميق من «خصخصة المناخ» وتحويل الغلاف الجوي إلى أصول مالية خاضعة لمنطق المضاربات والربح والخسارة. إن هذا المسار قد يجهض المساعي الأخلاقية لحماية الكوكب، ويحول تبريد الأرض إلى سلعة استراتيجية تُمنح لمن يدفع أكثر، مما يعمق الفجوة بين الشمال التقني والجنوب المتضرر.

إن المشهد يزداد تعقيداً مع ظهور الفاعلين الجدد من الشركات متعددة الجنسيات، والمختبرات الخاصة، والجامعات الكبرى كأطراف فاعلة في حوكمة التنفيذ، متجاوزين أحياناً دور الدول القومية. هذه الشراكات تطرح تحديات هائلة تتعلق بـ العدالة المناخية والأخلاقيات؛ فكيف نضمن حماية المجتمعات الهشة من تجارب مناخية، قد تُجرى دون قبول شعبي أو مساءلة شفافة؟ إن الرقابة الرقمية واستخدام الذكاء الاصطناعي في استشراف مستقبل المناخ يجب أن يوجها لخدمة «الأمن الإنساني» بمعناه الشامل - الغذائي والمائي والصحي-وليس لتعزيز أدوات الرقابة التقنو-سياسية.