عام ليس ككل عام. ظل العالم طوال عام 2025 على سطح صفيح ساخن لا تُبرده تسويات سلمية عدة أُبرمت خلاله. إنه عالم عالق في دوامة عنف لا تبدو لها نهاية في الأفق القريب. حروب إقليمية وأخرى داخلية، وحديث متكرر عن احتمال نشوب حرب عالمية. فالنيران المشتعلة، والقابلة للإشعال أو الاشتعال، تمتد في معظم مناطق العالم، والأزمات الإنسانية المزمنة منها والطارئة تفتك بملايين البشر. وفيما بدا أن حرب أوكرانيا تقترب من ختامها، استمر التوتر وتصاعد إلى مستويات قياسية بين أوروبا وحلف شمال الأطلسي «الناتو». كما اتسمت التسويات السلمية التي حدثت خلال العام بالهشاشة، والقابلية للانكسار، لأنها لا تعالج جذور الصراعات المتعلقة بها.
وهكذا، حرب يلوح ختامها، وهى تقترب -في نهاية 2025- من دخول عامها الخامس، وتسويات سلمية لا يصنع أي منها سلامًا مستدامًا أو قابلاً للاستمرار، إذ أُبرمت بسرعة ودون إعداد كاف، خاصة تلك التي تدخَّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإبرامها في إطار سعيه إلى نيل جائزة نوبل للسلام بعد أن رشح نفسه، ورشحه آخرون، لها. وبغض النظر عن أحقيته في الحصول عليها، وهو ما لا يعنينا هنا، فالحاصل أنه لم يُحقَّق ما وعد به في خطاب تنصيبه يوم 20 يناير 2025 من أن صناعة السلام ستكون هي الإرث الذي يفخر به أكثر من أي أمر آخر. فقد ظل العالم أبعد ما يكون عن السلام، رغم التسويات التي أُبرمت، بل أُضيف إلى الصراعات التي تُلهب أجواؤها صراع أشعله الحصار الأمريكي لفنزويلا، وحرب تجارية شنها ترامب فور دخوله البيت الأبيض، على نحو فاقم التوتر الأمريكي- الصينى الذي لم يلبث أن تراجع بعد الاتفاق الذي عُقد في قمة ترامب وشى جين بينج في 29 أكتوبر في كوريا الجنوبية.
ومع ذلك، استمرت الحرب التجارية حتى نهاية عام 2025، وإن كانت بمعدلات أقل مما كان في بدايته، كما لاحت من بعيد نذر حرب كبرى بين روسيا وحلف «الناتو». ولا يقل خطرًا عن ذلك، إن لم يزد، أن إدارة ترامب استخدمت قوة الولايات المتحدة لممارسة ضغوط من أجل إبرام تسويات سلمية في ظل شعار «السلام من خلال القوة»، وهذا شعار يُنذر بخطر كبير. فالسلام المفروض بالقوة لا يدوم، إذا جاز اعتباره سلامًا. وحين يكون التفاوت بين قوة طرفيه كبيرًا، يصبح استسلامًا يُفرض على الطرف الأضعف الذي يظل يتحين أي فرصة لتغيير الأمر الواقع الذي أدى إليه. كما أنه يغرى كل من يملك القوة لفرض أمر واقع هنا أو هناك بأن يفعل ذلك، في الوقت الذي فقد فيه القانون الدولي دوره نتيجة الانتهاكات المستمرة لقواعده، خاصةً خلال حرب الإبادة الشاملة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة. فقد صارت القوة هي الخيار الأول في إدارة الصراعات الجيوسياسية التي طغت على التفاعلات الدولية في عام 2025، وغطت على أزمات كبرى أخرى، مثل أزمة المناخ التى تراجع الاهتمام بها، كما ظهر في مؤتمر «COP-30»، الذي استضافته مدينة بيليم البرازيلية في نوفمبر. فكان هذا المؤتمر هو الأقل إثارة للاهتمام السياسي والإعلامي منذ عشر سنوات على الأقل، وانتهى دون جديد بعد فشل محاولة الاتفاق على خطة أكثر فاعلية لتقليل استخدام الوقود الأحفوري، وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة من أجل وضع حد للاحترار الذي يهدد الكوكب وسكانه.
لذلك، ولغيره، بدا عام 2025 أن العالم يتجه صوب نظام دولي يقوم على القوة، وليس القانون، ويعتمد على الغَلَبة وليس القواعد، ويسمح بتغيير الحدود بالقوة العسكرية، ويتساهل مع جرائم الحرب والإبادة الجماعية. وليس أكثر دلالة على حالة العالم عام 2025 من الحرب التي بدا في نهاية العام أنها تقترب من لحظة الختام، والتسويات السلمية الهشة التي لا يصنع أي منها سلامًا.
أولاً: الحرب التي تقترب من نهايتها
بدا خلال عام 2025، أكثر من أي وقت مضى منذ بداية الحرب الروسية - الأوكرانية، أنها قابلة للحل في إطار صفقة لتحقيق سلام في منطقة شرق أوروبا. ولكن العام انتهى دون إنجاز هذه الصفقة رغم المحاولات المتكررة التي قام بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته منذ تنصيبه في 20 يناير 2025. فلم تفلح التكتيكات التي اتبعها في زحزحة روسيا عن موقفها، وواصلت القيادة الروسية التعامل مع الأزمة التي أنتجت الحرب باعتبارها صراعًا صفريًا لا مجال فيه للتنازلات. فالصراعات الصفرية هي الأكثر حدة والأشد استعصاء على الحل، إذ يسعى أحد الطرفين إلى إخضاع الطرف الآخر حين يكون في وضع أضعف، وفرض شروط عليه، وربما الحصول على كل شىء وعدم التنازل عن أى شىء. وعلى الطرف الأضعف في هذه الحالة إما تقديم تنازلات كاملة أو شبه كاملة، أو الاستمرار في الحرب إذا توافرت لديه القدرة على ذلك.
هذا هو حال الحرب الروسية – الأوكرانية؛ إذ سعت موسكو إلى إرغام كييف على التسليم بضم خمسة أقاليم من أراضيها إلى روسيا. وكانت موسكو قد سيطرت على شبه جزيرة القرم عام 2014، واحتلت مساحات واسعة في الأقاليم الأربعة الأخرى (لوجانسك ودونيتسك وخيرسون وزاباروجيا) خلال الحرب التي شنتها في فبراير 2022، وأعلنت ضمها رسميًا في آخر سبتمبر من العام نفسه بموجب استفتاءات أجرتها فيها. وقد عُدل الدستور الروسي لتقنين أوضاع هذه الأقاليم باعتبارها أراضي تابعة للاتحاد الروسي. وظلت موسكو تصر حتى نهاية 2025 على أن ضم هذه الأقاليم نهائي، ولا رجعة فيه. ويبدو بوتين، في تمسكه بهذا الموقف المتصلب كمن يرى نفسه امتدادًا لقادة روسيا الأقوى في تاريخها، مثل بطرس الأكبر وكاترين العظيمة وستالين.
1- جهود أمريكية مستمرة
استمرت طوال العام المحاولات التي بذلها ترامب لأجل إنهاء الحرب الروسية – الأوكرانية، وشرع فيها بإبداء ثقة مثيرة للدهشة بقدرته على إنهاء الحرب في أقصر وقت، بل كرر أكثر من مرة أنه قادر على ذلك خلال 24 ساعة. واتبع ترامب تكتيكًا مؤداه التودد إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومحاولة استثمار التقارب الشخصى الذي حدث بينهما خلال ولايته الأولى (يناير 2017 -يناير 2021). فعل ذلك في سياق تقديم نفسه باعتباره «رجل صفقات» قادرًا على إنهاء الحروب والصراعات عبر التفاوض المباشر، مما يفسر نقده المبكر لاستخدام أوكرانيا صواريخ أمريكية في تنفيذ ضربات داخل الأراضي الروسية.
لم يُهدر ترامب وقتًا؛ إذ وجه مسئولين في إدارته إلى إجراء اتصالات مع موسكو منذ اليوم الأول له في البيت الأبيض. ولكن لم يُعلن إلا اللقاء الذي تم في الرياض بين مسئولين أمريكيين وروس في فبراير. كما قرر وقف تقديم المساعدات العسكرية التي كانت إدارة سلفه جو بايدن تقدمها إلى أوكرانيا، وسمح فقط ببيع بعض الأسلحة إلى دول أوروبية لتقديمها إليها، فبدا كمن يستجيب لدعوة موسكو إلى تصحيح ما تراه أخطاء ارتكبتها الإدارة الأمريكية السابقة في الملف الأوكراني. وقَرَن ترامب ذلك بالتلويح، في الاتجاه الآخر، بفرض رسوم جمركية مرتفعة على روسيا، إذا لم تظهر استعدادًا حقيقيًا للتوصل إلى اتفاق ينهى الحرب ويتيح بناء السلام في شرق أوروبا. واضطر في أكتوبر، بعد تعثر محاولاته المتكررة، إلى فرض عقوبات أكبر على شركتي نفط في روسيا.
كان رد موسكو المتكرر هو أنها تقبل حلاً سلميًا يحفظ مصالحها الاستراتيجية التي لا مجال لديها للمساومة عليها، انطلاقًا من الواقع على الأرض. وثبَّتت موقفها التفاوضي على هذا الأساس. وراهن الرئيس الروسي على قدرته على الصمود لوقت أطول من قدرة أوكرانيا وحلفائها على الصمود، اعتمادًا على سياسة الحرب المتدرجة على أمل إحداث شرخ داخل «الناتو»، واستنزاف قدرة الحلف على الاستمرار في تسليح كييف، خاصة أن قدرة الصناعات العسكرية لدوله أقل من قدرة روسيا. مع ذلك، بدا ترامب كما لو أنه منحاز إلى الموقف الروسي، على نحو ما اتضح في القمة الأمريكية - الأوكرانية العاصفة التي عُقدت في البيت الأبيض في 28 فبراير، حيث تعرض الرئيس الأوكراني زيلينسكي لما يشبه التوبيخ من الرئيس الأمريكي ونائبه.
اعتمد ترامب في محاولاته لوقف الحرب اعتمادًا واسعًا على دبلوماسية الهاتف. فقد أجرى وتلقى عدة اتصالات هاتفية مع بوتين في 12 فبراير و18 مارس و24 مايو و4 يونيو و3 يوليو و28 أغسطس و16 أكتوبر، ثم في 28 ديسمبر. ولم تقلّ مدة أي من هذه المكالمات عن ساعة كاملة، بل استمر بعضها ما يقرب من ساعتين. واستخدم أيضًا ما يمكن أن نعتبرها دبلوماسية اقتصادية؛ إذ حاول إقناع بوتين بأن إنهاء الحرب، ومن ثم رفع العقوبات المفروضة على روسيا، سيفتح الباب أمام تعاون اقتصادي يعود بفوائد كثيرة على روسيا، وعلى الولايات المتحدة بالطبع.
عندما فشل ترامب في إقناع بوتين بالاتفاق على هدنة، أو وقف إطلاق النار، سعى إلى إقناع زيلينسكي بإمكان التفاوض مع استمرار القتال، بدعوى أن العمل من أجل وقف الحرب لا يتطلب بالضرورة وقف العمليات العسكرية خلال المفاوضات. ولم تفلح محاولات ترامب حتى نهاية العام في ترتيب لقاء مباشر بين بوتين وزيلينسكي، سواء كان في إطار ثنائي أو ثلاثي بحضوره معهما. لذا، بدأ موقف ترامب وإدارته في التغير قبيل منتصف العام. وكانت البداية بإعلان وزير الخارجية ماركو روبيو في أخر أبريل أن الولايات المتحدة قد تُوقف جهود الوساطة التي تقوم بها إذا لم يُظهر الطرفان استعدادًا لتحقيق تقدم. واعترف ترامب للمرة الأولى بإخفاق جهوده خلال مؤتمر صحفي في البيت الأبيض في 8 يوليو؛ إذ اتهم بوتين بعدم الاستعداد لوقف الحرب، وبأنه لم يقدم أي شىء يساعد في تحقيق تقدم.
لكن هذا التغير في موقف ترامب كان تكتيكيًا؛ إذ اتسم تحركه تجاه الحرب في النصف الثاني من العام بالمراوحة بين نقد الموقف الروسي وممارسة ضغوط على أوكرانيا. ولم يوقف جهوده التي ازدادت في أغسطس، فأوفد مبعوثه الخاص، ستيف ويتكوف، إلى موسكو -فى الثالث منه- حاملاً رسالة قيل إنها تهدف لتعبيد الطريق أمام اتفاق بوقف نزيف الدماء. كما عُقدت قمة أمريكية - روسية في ألاسكا -في 15 من الشهر نفسه- في أجواء بدا أنها تحمل أملاً في إحراز تقدم حقيقي. ولكن ما عُرف عما دار في تلك القمة يدل على أن هذا الأمل ظل بعيدًا في حينه، خاصةً عرض بوتين تجميد خطوط القتال كما هي دون تغيير مقابل سحب القوات الأوكرانية الباقية في جزء من إقليم دونيتسك، الذي كانت القوات الروسية في ذلك الوقت تحتل نحو ثلثي مساحته. ومع ذلك، فقد تمسك ترامب بالأمل بعد القمة، خاصةً خلال الاجتماع الذي عُقد في 18 من الشهر نفسه في البيت الأبيض وجمع ترامب وزيلينسكي مع عدد من القادة الأوروبيين لبحث تقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا، حال وقف الحرب، تعويضًا عن قبول شرط موسكو عدم ضمها إلى حلف «الناتو».
لكن لم يمض شهران حتى تبين أن ما دار في الاجتماع، وما قاله ترامب خلاله، لم يكن بعيدًا عن الواقع الذي فرضه تصلب الموقف الروسي، رغم إقراره في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 24 سبتمبر بالإخفاق في تحقيق تقدم باتجاه وقف الحرب، ومحاولته تحميل المسئولية على أطراف عدة، أهمها بالطبع روسيا وأوكرانيا وإيران. لم يكن حديث الرئيس الأمريكي في الأمم المتحدة نهاية المطاف في سعى إدارته إلى إنهاء الحرب. فقد عاد في 23 نوفمبر فطرح خطة تتضمن 28 بندًا، وتقوم على معادلة صعبة مؤداها أن تتنازل أوكرانيا عن الأقاليم التي تسيطر عليها روسيا، مضافًا إليها المنطقة التي لم تتمكن من احتلالها في إقليم دونيتسك مقابل الحصول على ضمانات أمنية أمريكية وأوروبية.
ولأن مسألة التنازل عن أراضٍ هي الأكثر حساسية، فقد بدت الخطة منحازة إلى روسيا ومطالبها الأساسية لوقف الحرب. لكن ترامب أوضح أن الخطة ليست نهائية. ولذا، أسرعت أوكرانيا، ومعها الدول الأوروبية التي تدعمها، لعقد لقاءات مع وفد أمريكي لإدخال تعديلات على الخطة. واستمرت الاتصالات والمحادثات حتى نهاية العام حاملة في طياتها أملاً بإحراز بعض التقدم في التقريب بين موقفي موسكو وكييف وداعميها من الأوروبيين. وتفيد المعلومات القليلة التي كانت متوافرة في نهاية العام أن الخلافات الأساسية تتركز في أربع مسائل، هي: الأراضي، والضمانات الأمنية، والتعويضات التي تطالب أوكرانيا بالحصول عليها، والسيطرة على محطة زاباروجيا للطاقة النووية التي تعد أكبر محطة في أوروبا.
2- حل واقعي غير عادل
لا تنتهي الحروب والصراعات دائمًا بحلول عادلة، بل ربما يجوز القول إن النهايات العادلة قليلة في التاريخ. فالمعتاد في الأغلب الأعم أن يفرض الطرف المنتصر أو الأقوى، في حالة انتهاء حرب من دون نصر حاسم أو واضح، الجزء الأكبر من شروطه. وهو ما يُطلق عليه أحيانًا حل واقعي، أي يفرض الواقع فيه نفسه. ويبدو أن هذا ما سيحدث في حرب أوكرانيا انطلاقًا من التفاعلات التي حدثت خلال الأسابيع الخمسة الأخيرة من العام منذ أن طرح ترامب خطته.
الافتراض الذي نطرحه هنا هو أن اضطرار أوروبا إلى تغيير موقفها المساند بقوة لأوكرانيا، في وقت قد لا يكون بعيدًا، سيفتح الباب أمام إنهاء الحرب على أساس حل غير عادل لا يعيد لكييف حقوقها، ويقوم على الأمر الواقع في جبهات القتال، وذلك الأمر قد يحدث خشية توسع نطاق الحرب. فقد بلغ التوتر بين روسيا وحلف «الناتو» ذروة مرتفعة عام 2025. وكانت الطائرات المُسيرة هي عنوان خطر توسع الحرب. فقد اتهمت دول أوروبية عدة روسيا باختراق أجوائها بواسطة هذه الطائرات. صدر هذا الاتهام من دول، مثل بولندا والدنمارك وألمانيا والنرويج وإستونيا. وحذر حلف «الناتو» من تصعيد موسكو الحرب الهجين لزعزعة الاستقرار في دوله عبر مزيج من توغل طائرات مُسيرة وهجمات سيبرانية وتشويش فضائي بهدف إضعاف الدعم الغربي لأوكرانيا دون حاجة إلى شن هجوم عسكري تقليدي. ولذا، كانت حماية حدود حلف «الناتو» الشرقية في مقدمة جدول أعمال قمته في كوبنهاجن مع مطلع أكتوبر، إذ بحث المجتمعون إنشاء ما أُطلق عليه «جدار الطائرات المُسيرة» كخط دفاع جوى متعدد الطبقات يشمل رادارات وكاميرات وأنظمة اعتراض.
وإذا كان تصاعد التوتر على هذا النحو ينذر بخطر مواجهة، فقد يدفع في الوقت نفسه إلى تسوية سلمية تضع حدًا له، لكنها لا تجلب سلامًا حقيقيًا، لأنها لن تكون عادلة. فموقف موسكو أقوى على الأرض بفعل اختلال ميزان القوى العسكرية لمصلحتها، ونتيجة سيطرة القوات الروسية على خمس مقاطعات أوكرانية بدرجات متفاوتة. تسيطر هذه القوات على مقاطعتين بشكل كامل، وعلى نحو ثلاثة أرباع مقاطعة ثالثة، وعلى ما يناهز نصفى مقاطعتين، علاوةً على جيوب صغيرة في أربع مقاطعات أخرى. تريد روسيا اعترافًا بسيطرتها على هذه المقاطعات وإجراء تبادل أراضٍ محدود بين بعضها. ويُفهم من المعلومات المتوافرة حول مسألة تبادل الأراضي، ومن الاتجاه العام لخطة ترامب، أن روسيا مستعدة لسحب قواتها المحدودة الموجودة في جيوب صغيرة في مقاطعات خاركيف وسومي ودنيبرو وميكولايف مقابل حصولها على الجزء الذى لم تستطع السيطرة عليه في مقاطعة دونيتسك. فلهذه المقاطعة أهمية خاصة بالنسبة لموسكو، لأسباب أهمها أن نسبة كبيرة من سكانها، البالغ عددهم نحو مليون نسمة، يتحدثون اللغة الروسية، فضلًا عن أنها غنية بمواردها الطبيعية.
وإذا حصلت روسيا على ذلك، ربما تتنازل جزئيًا عن مطالبها بالتفاهم على ترتيبات أمنية جديدة في شرق أوروبا. خاصةً غلق القواعد العسكرية التابعة لحلف «الناتو» في الدول التي انضمت إليه منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين، وعدم وضع أي قوات أو أسلحة لهذا الحلف في مواقع قريبة من حدودها. المنطق في هذا الحل أن موسكو لا تقبل الانسحاب من الأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها وتدعى أنها جزء لا يتجزأ من روسيا التاريخية، لكنها مستعدة للتفاوض حول الترتيبات الأمنية التي تريدها في شرق أوروبا، وحول الضمانات الأمنية الأوروبية - الأمريكية لأوكرانيا. وتشكل المقاطعات الأوكرانية التي تسيطر عليها روسيا معضلة المعضلات التي تواجه الجهود الدبلوماسية، لأنها تجعل الوصول إلى حل عادل أمرًا بالغ الصعوبة بالنسبة لكييف. فهذا الحل يتطلب تنازلات متبادلة بشأن مختلف قضايا الصراع، وليس بعضها فقط. ومع ذلك، فإن أوكرانيا قد تكون مضطرة إلى قبول هذا الحل لتجنب احتلال القوات الروسية المزيد من أراضيها في حالة فشل الجهود الدبلوماسية واستمرار الحرب لسنوات مقبلة.
الحل العادل، إذن، ليس ممكنًا في ضوء المعطيات الراهنة. والمستطاع وفق هذه المعطيات هو ما يمكن أن نعتبره حلاً واقعيًا تستعيض كييف عبره عن معظم الأراضي التي تسيطر عليها موسكو بضمانات أمنية مناسبة لها، وكذلك بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والاستفادة من مميزات العضوية فيه، خاصة أنها في أشد الحاجة إلى دعم اقتصادي ومالي كبير وخطة إعمار متكاملة في حالة التوصل إلى اتفاق وإنجاز التسوية السلمية. وربما يمكن التوصل إلى صيغة تجعل إقليمي دونيتسك ولوجانسك منطقة اقتصادية منزوعة السلاح. ولكن تظل العقدة في إصرار روسيا على الاعتراف بأن تكون السيادة عليها روسية. كما يجوز التفاهم على إدارة مشتركة روسية - أوكرانية لمحطة زاباروجيا النووية مع تقاسم الطاقة التي تنتجها.
وهكذا، يبدو أن تبادل أراضٍ أوكرانية، والتفاوض على ضمانات أمنية تريدها كييف وأخرى تطالب بها موسكو، هما المفتاح للولوج إلى التسوية السلمية الواقعية أو الممكنة وفق ميزان القوى على الأرض. بيد أنه يتعذر التقدم صوب هذه التسوية دون مرونة روسية تتيح التخلي عن بعض الأراضي الأوكرانية التي تسيطر عليها. ويرجح أنه إذا وافقت أوكرانيا على التخلي عن الأراضي التي مازالت تسيطر عليها في مقاطعة دونيتسك، سيكون في إمكانها المطالبة باستعادة أراضٍ أخرى فقدتها وتحتلها القوات الروسية الآن، وربما تستطيع الحصول على أكثر مما تبدو روسيا مستعدة للانسحاب منه.
وإذا كان الحل العادل بعيدًا أو مستبعدًا، وهو كذلك فعلاً، فربما تستطيع أوكرانيا تقليل عدم عدالة الحل الواقعي أو الممكن عن طريق استغلال حاجة روسيا الشديدة للأراضي التي لم تستطع احتلالها في مقاطعة دونيتسك، بحيث تصبح سيطرتها على هذه المقاطعة كاملة. وعندها، ربما تقبل روسيا استبدال مساحة من الأراضي الأوكرانية الأخرى بها. وقد يكون في إمكان كييف أن تطلب انسحاب القوات الروسية من الأراضي التي تسيطر عليها في خيرسون زاباروجيا. وإذا حدث ذلك يجوز أن تحصل روسيا على شبه جزيرة القرم ولوجانسك، وهما تحت سيطرتها بشكل كامل، ومعهما دونيتسك، حال تخلى كييف عن الجزء الذي لا تزال تسيطر عليه فيها، وأن تستعيد أوكرانيا الأراضي التي فقدتها في خاركيف وسومي ودينبرو وميكولايف.
ومع ذلك، فإذا مضت الأمور في هذا الاتجاه في وقت ما، ستبقى معضلة صياغة هذه التسوية الواقعية في اتفاق سلام، إذ يُتوقع أن ترفض كييف صيغة تفيد اعترافها بضم جزء من أراضيها إلى روسيا. ولذا، ستكون مهمة الدبلوماسيين البارعين في الصياغات التوافقية هى إيجاد صيغة يقبلها الطرفان بشأن الحدود الجغرافية الجديدة بين روسيا وأوكرانيا.
ثانيًا: تسويات لا تصنع سلامًا
ربما يجوز القول إن التسويات السلمية تُعد إحدى أهم سمات عام 2025. فقد شهد هذا العام عددًا غير مسبوق من التسويات في عام واحد، وهي تسويات سلمية متفاوتة في أهميتها، لكنها متماثلة تقريبًا من حيث إنها كلها هشة وقابلة للانكسار في أي وقت. لم يعالج أي من هذه التسويات أصول الصراع وجذوره، الأمر الذي يجعلها مجرد هُدن مؤقتة كان بعضها موجودًا بالفعل على الأرض، ولكن الاتفاق الذى حدث بشأنها قنَّنها وأضفى عليها طابعًا تعاقديًا. كما أن وقف إطلاق النار، الذي هو أبسط ما تؤدى إليه أي تسوية سلمية، لم يتحقق بشكل كامل في بعضها. فقد خُرقت الاتفاقات المتعلقة بها، أو لم يُحترم بعض بنودها أصلاً، كما حدث مثلاً في الاتفاق على وقف الأعمال العدائية في لبنان، والاتفاق على خطة ترامب بشأن قطاع غزة. وسنتناول هذين الاتفاقين بقليل من التفصيل، ومعهما الاتفاق بين أرمينيا وأذربيجان، كحالات محددة تدل على الطابع الهش لتسويات 2025 التي تشمل أيضًا: الاتفاق بين الهند وباكستان، والاتفاق بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، والاتفاق بين تايلاند وكمبوديا، والاتفاق بين باكستان وأفغانستان.
اتفاق وقف الأعمال العدائية في لبنان
لا يرقى هذا الاتفاق، الذي أُبرم في آخر نوفمبر 2024، إلى مستوى اتفاق لوقف إطلاق النار أو هدنة مؤقتة، ناهيك عن أن يكون تسوية سلمية يمكن البناء عليها لتحقيق سلام مستدام، أو على الأقل وقف الحرب. فهو اتفاق مع وقف التنفيذ، أو موقوف تنفيذه بقرار من حكومة بنيامين نتنياهو، دعمته الولايات المتحدة عبر إعطاء إسرائيل حرية حركة للتدخل عسكريًا في أي وقت. فقد أوقف هذا الدعم دور اللجنة التي يفترض أنها تشرف على تنفيذ الاتفاق، وحال دون قيامها بأي عمل لضمان تطبيقه بشكل كامل، ومن ثم إلزام تل أبيب بوقف اعتداءاتها التي استمرت بشكل شبه يومي على مواقع في جنوب لبنان والبقاع، مع توجيه ضربات محدودة على صيدا وضاحية بيروت الجنوبية. كما تغاضت هذه اللجنة، التي تقودها الولايات المتحدة، عن استمرار الدولة العبرية في احتلال عدة نقاط مرتفعة على الحدود المشتركة مع لبنان. ولم تكن تحركات الجيش اللبناني في الجنوب وقيامه بغلق مواقع تابعة لحزب الله وإتلاف أسلحة عثر عليها، بالتعاون مع «اليونيفيل» كافية لإقناع إسرائيل بالكف عن غاراتها، وعن أعمال القصف التي صارت شبه يومية، رغم التزام لبنان بالاتفاق الذي تضمن نصًا على أن «يكون الجيش وقوات الأمن اللبنانية الجماعتين المسلحتين الوحيدتين المسموح لهما بالوجود والعمل في جنوب لبنان».
لم يترتب على الاتفاق، والحال هكذا، سوى وقف الغارات الثقيلة على أنحاء مختلفة في جنوب لبنان، فيما استمر القصف الجوى والمدفعي على أهداف محددة زعمت إسرائيل في كل مرة أنها جزء من البنية التحتية لحزب الله أو مواقع يستخدمها، فيما كان أكثرها موجهًا ضد أهداف مدنية. فلم يثبت أن هذا القصف استهدف مواقع عسكرية تابعة لحزب الله إلا في حالات محدودة صدقت فيها البيانات الإسرائيلية الصادرة بشأنها. وقد استُهدفت في هذه الحالات مخازن أسلحة تحتوى على قذائف صاروخية ومدافع وقنابل متنوعة، وغيرها من الأسلحة التي يستخدمها حزب الله، وكذلك قياديين وأعضاء فيه خلال تحركهم بالسيارات من منطقة إلى أخرى في جنوب لبنان، وليس في أثناء إعدادهم لعمليات ضد إسرائيل.
مع مرور الأيام تحولت الغارات وأعمال القصف الإسرائيلية إلى أمر اعتيادي لا يثير سوى ردود فعل سياسية في صورة تصريحات أو بيانات تصدر عن مسئولين لبنانيين على مستويات مختلفة. وامتدت الغارات إلى ضاحية بيروت الجنوبية، كما حدث مطلع أبريل، عندما شنت إسرائيل غارة قالت إنها استهدفت قياديًا في الجناح المسلح لحزب الله كان يشارك في التخطيط لما سمَّته هجومًا وشيكًا ضد أهداف إسرائيلية، ثم في منتصف نوفمبر، عندما استهدفت رئيس أركان الجناح المسلح للحزب. وظل احتفاظ حزب الله بما بقى من أسلحته ذريعة مستمرة للغارات وأعمال القصف الإسرائيلية، رغم أنه جمد نشاطه العسكري تمامًا، ولم ينفذ أي عملية ضد إسرائيل، ولم يرد على أي من الغارات وأعمال القصف التي نفذتها، سواء كانت ضد أهداف تابعة له أو ضد مواقع مدنية زعمت أنها تابعة له.
هكذا، دفع حزب الله، ومعه لبنان، ثمن حساباته التي قادته إلى شن ما سمَّاها حرب إسناد قطاع غزة في 8 أكتوبر 2023 (بعد يوم واحد من عملية «طوفان الأقصى»). فقد ظلت إسرائيل تبرر خرقها اتفاق وقف الأعمال العدائية بأنها ليست هي التي بدأت الحرب، بل حزب الله، وأنها تستهدف إزالة تهديداته لأمنها. وبهذه الذريعة، فقد استباحت سيادة لبنان وأمنه واستقراره، وظلت تهدد بتوسيع نطاق حربها إذا لم يُنزع سلاح حزب الله. ولم يبطل التزام الحكومة اللبنانية بحصر السلاح بيد الدولة هذه الذريعة رغم الإجراءات التي شُرع في اتخاذها اعتبارًا من شهر أغسطس في هذا الاتجاه، وتكليف الجيش اللبناني بمهمة تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة.
بغض النظر عن قدرة الجيش اللبناني على أداء هذه المهمة الصعبة، فقد خطت حكومة بيروت خطوات أولية باتجاه حصر السلاح بيد الدولة، فيما لم تقدم إسرائيل في المقابل على أي خطوة، سواء كانت على صعيد الانسحاب من النقاط اللبنانية التي ظلت تسيطر عليها أو من بعضها، أو على مستوى تقليل الغارات وأعمال القصف التي استمرت حتى نهاية العام، الذي بدت في أيامه الأخيرة أن إسرائيل تتجه إلى توسيع نطاق غاراتها وضرباتها على نحو ربما يؤدى إلى انهيار اتفاق وقف الأعمال العدائية بشكل كامل.
الاتفاق على خطة ترامب
يعد الاتفاق على خطة ترامب، التى طرحها في آخر سبتمبر ودخلت حيز التنفيذ مع عقد قمة شرم الشيخ للسلام في 13 أكتوبر، الأكثر هشاشة بين التسويات التى عُقدت عام 2025. فقد احتاج الحفاظ على هذا الاتفاق إلى جهود كثيرة، وتدخلات أمريكية عدة لتجنب انهياره بفعل تفضيل حكومة بنيامين نتنياهو استئناف الحرب. وربما ما كان له أن يصمد، بكل عثراته، لولا سعي الرئيس الأمريكي إلى استمراره خشية أن يؤدى فشله إلى إضعاف فرصته في الحصول على جائزة نوبل للسلام للعام 2026، بعد أن فقدها في عام 2025.
فالخطة التي اتُفق عليها مملوءة بالثغرات والنقائص، وبدرجة أكبر بالمقترحات والمشروعات السابقة التي طُرحت لإنجاز ما يُطلق عليها صفقة تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار. ويجمع بين هذه المقترحات وجود مراحل يفترض أن تمر بها عملية تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار، علاوةً على تشابه بين بعض نقاطها أو بنودها. على سبيل المثال، فقد قدمت مصر في 24 مارس مقترحًا يهدف إلى التوصل لاتفاق جديد لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، ويتضمن جدولاً زمنيًا للإفراج عن جميع الأسرى الإسرائيليين، وجدولًا ثان لانسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من قطاع غزة مع ضمانات أمريكية. وفى أول يوليو، أسفرت تحركات المبعوث الأمريكي، ستيف ويتكوف، عن مقترح يتضمن في مرحلته الأولى وقف إطلاق النار لمدة شهرين وبدء تسليم الأسرى الأحياء والأموات الموجودين في قطاع غزة وإعادة انتشار الجيش الإسرائيلي في مناطق محددة وإدخال مساعدات إنسانية كبيرة تحت إشراف الأمم المتحدة والهلال الأحمر. كما نص على أن تبدأ مفاوضات المرحلة الثانية برعاية الوسطاء في اليوم الأول لتنفيذ المرحلة الأولى بهدف التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار وتبادل ما بقى من الأسرى، توطئة للانتقال إلى المرحلة الثالثة التي يُصار فيها إلى الاتفاق على ترتيبات ما بعد إنهاء الحرب.
وفى هذين المقترحين، كما في غيرهما، كان التعنت الإسرائيلي هو السبب الأول وراء إخفاق الجهود التي بُذلت للتوصل إلى اتفاق يُنهى الحرب. ويتضح دور إسرائيل هذا بدرجة أكبر، وأكثر وضوحًا، في سلوكها، الذي أعقب طرح ترامب في 7 سبتمبر، تصورًا عامًا لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى. فلم تمض 18 ساعة على نشر هذا المقترح حتى شن سلاح الجو الإسرائيلى هجومًا على منطقة إقامة وفد «حماس» المفاوض في الدوحة. ورغم أن الإدارة الأمريكية عبرت بشكل خجول عن شىء من الأسف لوقوع الهجوم داخل قطر، إلا أنها لم تتدخل لمنعه، بدعوى أنها أُبلغت به فيما كانت الطائرات الإسرائيلية قد تحركت لضرب الموقع المستهدف. وأعاد ترامب طرح مقترحه في آخر سبتمبر في صورة خطة أكثر تفصيلاً، مع إظهار عزم أكبر من ذي قبل على العمل لتنفيذه.
ولا تختلف هذه الخطة عن الاتجاه العام في المقترحات التي سبقتها منذ بداية العام، لكنها حوت جديدًا في عدة جوانب، أهمها وجود نص واضح على إنهاء الحرب، وليس فقط إبرام هدنة مؤقتة: «إذا وافق الطرفان على هذا المقترح ستنتهي الحرب فورًا»، كما ورد في البند الثالث.
لكن هذه الخطة واجهتها صعوبات ومشكلات كبيرة، مثلها في ذلك مثل قرار مجلس الأمن الذي دعمها؛ إذ استغلت إسرائيل عموميتها الشديدة لمواصلة القصف الجوى والمدفعي على كل من يقترب من مناطق إعادة انتشار جيشها «الخط الأصفر». كما شنت غارات محدودة ومحددة على مناطق انسحب منها جيشها في غرب قطاع غزة، وواصلت القصف الانتقائي المحدود بشكل يومي تقريبًا، فيما بدا أنها محاولة للاحتفاظ بحرية حركة للتدخل العسكري «عند الضرورة»، كما حدث في لبنان عقب اتفاق وقف الأعمال العدائية. كما لم تلتزم تل أبيب ببعض أهم ما تضمنته الخطة، مثل إدخال المساعدات إلى قطاع غزة بكميات كافية بحسب النص الوارد فيها. وكان الاستمرار المتعثر لخطة ترامب حتى نهاية العام إنجازًا في حد ذاته بالنظر إلى الثغرات والنقائص التي تنطوي عليها. فلم تكن الخطة سوى إطار عام يتعين على الأطراف أن تملؤه عن طريق مفاوضات صعبة وشديدة التعقيد.
لكن مشكلة التسوية المتضمنة في الاتفاق على خطة ترامب لا تعود فقط إلى انتهاكها المستمر من الجانب الإسرائيلي، بل ترتبط أيضًا، وأكثر، بغموض الأفق السياسي لحل الصراع الذي أنتج عملية 7 أكتوبر الفلسطينية والحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة منذ اليوم التالي، مثلما أدى إلى مختلف الحروب العربية - الإسرائيلية السابقة. فما ورد عن هذا الأفق السياسي في البندين الأخيرين (19 و20) عام جدًا وغائم، سواء النص على إمكان «تهيئة الظروف لفتح مسار نحو تقرير المصير وإقامة دولة فلسطينية»، أو النص على أن «الولايات المتحدة ستنظم حوارًا بين إسرائيل والفلسطينيين للاتفاق على أفق سياسى لتعايش سلمى ومزدهر».
آفة خطة ترامب الأساسية، إذن، أن إسرائيل قررت منذ اليوم الأول عدم الالتزام إلا بما لها مصلحة فيه، فضلاً عن أنها مرحلية ولا تعالج جذور الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي وأسبابه، ولا تفتح بالتالي الباب أمام مفاوضات محددة لبناء سلام يقوم على حل الدولتين.
الاتفاق بين أذربيجان وأرمينيا
رغم أهمية هذا الاتفاق لكل من الطرفين، وللاستقرار في منطقة آسيا الوسطى، فهو مثل التسويات السلمية الأخرى، التي أُبرمت عام 2025، لا يحقق سلامًا مستدامًا أو قابلاً للاستمرار لفترة طويلة. فهو من نوع التسويات التي تُقنن أمرًا واقعًا فُرض بالقوة المسلحة. والأمر الواقع الذي يُقننه هذا الاتفاق هو النتيجة التي انتهت إليها الحروب التي نشبت بين طرفيه في أعوام 2016 و2018 و2020 و2023، والتي أسفرت عن فرض قوات أذربيجان سيطرتها على إقليم ناجورنو كاراباخ المتنازع عليه. ولا يمكن لهذا التقنين أن يصنع سلامًا، وهو الذي فُرض بالقوة وأوقع الأغلبية الأرمينية في هذا الإقليم تحت سيطرة أذربيجان. ويصعب تصور أن يُنهى اتفاق من هذا النوع إحساس الأرمينيين بالظلم والغُبن. فقبول أرمينيا الاتفاق يعود إلى الخلل في ميزان القوة لمصلحة أذربيجان التي تصر بدورها على أن إقليم ناجورنو كاراباخ جزء من أراضيها مستندة إلى أنه كان كذلك منذ عشرينيات القرن العشرين حين كان الطرفان المتنازعان عليه جزءًا من الاتحاد السوفيتي السابق. فقد أصدر جوزيف ستالين عام 1923 قرارًا بضمه إلى أذربيجان. واستمر الأمر الواقع الذي اقترن بذلك القرار لأكثر من ستة عقود. ولكن ما إن بدأ عقد الاتحاد السوفيتي في الانفراط حتى أعلن المجلس الوطني في الإقليم ضرورة الانفصال عن أذربيجان والانضمام إلى أرمينيا، ثم أعلن الأرمن استقلال الإقليم من جانب واحد عام 1991، لتبدأ سلسلة حروب بين الدولتين كانت محصلتها سيطرة أذربيجان مجددًا على الإقليم. وهذا هو ما قنّنه اتفاق 8 أغسطس 2025، الذي نص في مادته الأولى على أن «الحدود بين جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق هي الحدود الدولية للدولتين اللتين تعترفان وتحترمان سيادة كل منهما وسلامة أراضيها واستقلالها السياسي». كما نص في المادة الثانية على: «يؤكد الطرفان أنه ليس لدى أي منهما مطالب إقليمية ضد الآخر، وأنهما لن يُقدما على مثل هذه المطالب في المستقبل. كما أنهما لن يتخذا أي إجراء، بما في ذلك التخطيط والإعداد والتشجيع، بهدف تفكيك السلامة الإقليمية والوحدة السياسية لأي منهما أو التأثير فيها».
ومضت مواد الاتفاق على هذا المنوال؛ فقد وافق طرفاه في المادة الثالثة على أنهما «سيمتنعان عن استخدام القوة أو التهديد بها ضد السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي لبعضهما بعضا»، والتزما في المادة الرابعة بالامتناع عن التدخل في الشئون الداخلية للطرف الآخر، وتعهدا في المادة السابعة بالامتناع عن نشر أي قوات تابعة لطرف ثالث على طول حدودهما المشتركة التي لم تُرسم في هذا الاتفاق، بل أُحيلتا للتفاوض بحسب المادة السادسة التي تنص على أنه «امتثالاً لالتزامهما بموجب المادة الأولى يجرى الطرفان مفاوضات بحسن نية بين لجان الحدود ذات الصلة بهدف إبرام اتفاقية بشأن ترسيم هذه الحدود».
إلى ذلك، أحال الاتفاق مراقبة الالتزام بتنفيذه إلى لجنة ثنائية يؤسسها الطرفان دون مشاركة أي طرف ثالث، كما ورد في المادة الثالثة عشرة. ويعنى هذا أن الولايات المتحدة التي دفعت باتجاه توقيع هذا الاتفاق لا تشارك في مراقبة تنفيذه، رغم إعلان الرئيس دونالد ترامب ما سمّاها «مبادرة ترامب للسلام والازدهار الدوليين» بهدف تسهيل الحوار وتعزيز التواصل بين الشعبين الأرميني والأذربيجاني وإقامة مشروعات اقتصادية كبيرة. ويخلو الاتفاق، على هذا النحو، من أي معالجة لأساس الصراع، ولا حتى لأوضاع سكان ناجورنو كاراباخ الأرمينيين الذين هاجروا أو هُجروا إلى أرمينيا خلال الحروب التي نشبت للسيطرة عليه.
وهكذا، جاء الاتفاق عاما، بل شديد العمومية، لا يتضمن آلية أو آليات لإنهاء الصراع ومعالجة جذوره. ولم يحدث حتى نهاية العام أي تطور يفيد بأن توقيع هذا الاتفاق في احتفال كبير بالبيت الأبيض يمكن أن يكون بداية سلام مستدام. فما هو إلا تسوية هشة قابلة للانكسار في أي وقت، وبالتحديد إذا حدث تغير في ميزان القوى الراهن، كما هو الحال في مختلف اتفاقات التسوية السلمية التي عُقدت خلال العام.