تُعد أزمة البطالة إحدى أهم الإشكاليات التى تواجه اقتصادات الدول، لاسيما النامية منها؛ كونها ترتبط بالعديد من نواحى الحياة؛ فهى إشكالية ذات أبعاد متعددة لا تنحصر فى كونها تحديا اقتصاديا مؤثرا وبارزا فى مسار التنمية المستدامة، وإنما تتعدد تأثيراتها وأبعادها لتشمل أبعادا اجتماعية وسياسية أيضًا. وتكمن خطورتها فى تداعياتها على حالة المجتمع انطلاقا من الأسرة التى تتضرر حينما يكون عائلها الرئيسى، سواء كان رجلًا أو إمراة ، فى حالة تعطل عن العمل، وهو ما يضع الكثير من الأعباء على الحكومة تجاه تبنى استراتيجيات شاملة للعمل، تستهدف معالجة الأوضاع الناتجة عن البطالة التى قد تعانيها الأيدى العاملة (قوة التشغيل)، ليس بتوفير فرص للعمل فقط، وإنما أيضا بتوفير «نمط حياة كريمة» يمكِّن قوة العمل، المتعطلة لسبب أو آخر، من مواجهة أعباء الحياة المتعددة.
البطالة كإشكالية اقتصادية/ اجتماعية تواجهها الكثير من الدول بدرجة أو بأخرى، ويكمن الاختلاف فى طريقة المعالجة، وابتداع الحلول، ووضع الاستراتيجيات، ومستوى النمو الاقتصادى للدولة..الخ. وتكون مهمة الحكومات يسيرة فى الاستجابة لهذه الإشكالية، عندما تمتلك تلك الحكومات اقتصادًا متقدمًا ومتنوعًا القطاعات ولديه خطط من شأنها استيعاب مختلف التأثيرات السلبية الناتجة عن تلك الإشكالية، وتزداد الصعوبة فى ظل الاقتصادات الضعيفة، خاصة إذا ارتبط ذلك بوجود أزمات اجتماعية أخرى. وقد أولت الدولة اهتماما خاصا بقوة العمل والتشغيل، وتحديدا ملف «الأيدى العاملة»، عندما تبنت استراتيجية شاملة تستهدف النهوض بأوضاع هذه الفئة من خلال توفير حياة كريمة لهم.
وعملت الدولة منذ عام 2014، على تبنى سياسات تعمل على خفض معدلات البطالة، من خلال رؤية تنموية شاملة ومتكاملة الأبعاد، اعتمدت على تنفيذ مشروعات كبرى وعملاقة تستوعب الكثير من قوة العمل والتشغيل، بالإضافة إلى تشجيع الاستثمار، وهو ما انعكس فى تحسين مؤشرات التشغيل بصورة أسهمت فى تراجع معدل البطالة؛ فى عام 2024 ليسجل 6.6% على الرغم من ارتفاع تعداد السكان ليسجل نحو 106 ملايين نسمة[1]. وفى سبتمبر 2024، عملت الحكومة على تبنى مبادرة رئاسية للتنمية البشرية تحت عنوان «بداية جديدة لبناء الإنسان المصرى»، اعتمدت على الاستثمار فى رأس المال البشرى كأساس لها، وذلك من خلال برنامج عمل يركز على تنمية المواطن، وترسيخ الهوية المصرية، وتعزيز التكامل بين جميع الجهات.
يعود انخفاض نسبة البطالة إلى عدة عوامل، أسهمت فى زيادة معدلات التشغيل، منها -على سبيل المثال وليس الحصر- زيادة الاستثمارات العامة. وتعد مشروعات البناء والتشييد، ومشروعات الإسكان، ومشروعات الثروة الداجنة، ومشروعات المنافذ التموينية، والمشروعات الخاصة بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس (تضم 14 مطورا صناعيا)، والمشروع القومى للتنمية المجتمعية والبشرية، من أبرز المشروعات التى لعبت دورا رائدًا فى خفض معدل البطالة كونها وفرت ملايين من فرص العمل، إلى جانب جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة والمتناهية الصغر الذى استطاع توفير 3.4 مليون فرصة عمل[2].
ارتبطت معالجة البطالة بحزمة قرارات اجتماعية استهدفت رفع الحد الأدنى للأجور منذ إقراره فى يناير 2022. وتسعى الدولة إلى مزيد من تحسين أحوال المعيشة للمواطنين عبر العديد من الخطط التى تعمل على تحسين الأوضاع الوظيفية لجموع العاملين بالجهاز الإدارى للدولة بصفة عامة من بداية مارس 2024. ورغم المعالجات الحكومية لمشكلة البطالة عبر تحسين مجال بيئة العمل من خلال توفير فرص عمل، وزيادة الاستثمارات فى مشروعات كثيفة العمالة، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، ورفع الحد الأدنى للأجور، إلا أن تداعيات البطالة على الحياة الاجتماعية للمواطنين تؤثر بقوة، ما يخلق العديد من الإشكاليات داخل الأسر، الأمر الذى يفرض على الدولة ضرورة تبنى سياسات اجتماعية موازية للسياسات الاقتصادية تكفل توفير فرص عمل لائقة للشباب، ودمج مختلف فئات المجتمع فى سوق العمل، لاسيما الشباب من ذوى الهمم، بما يُسهم فى تحقيق الاستقرار الوظيفى والعدالة الاجتماعية، ودعم مسار التنمية الشاملة. يضاف إلى ذلك اتجاه الحكومة، ممثلة فى وزارة القوى العاملة، إلى الحصر الميدانى للعمالة غير المنتظمة التى تعمل بالمشروعات القومية فى إطار مبادرة «حياة كريمة»، فضلا عن توفير الاعتمادات المالية اللازمة لرعايتهم اجتماعيا وصحيا. إلى جانب ذلك، تهتم الدولة بتدريب العاملين عبر مبادرات التوعية المختلفة لتوعية «الشركاء الاجتماعيين» من العمال وأصحاب العمل بحقوقهم وواجباتهم، وقد تم إطلاقها عبر آلية الحوار المجتمعى للارتقاء وتحسين ظروف وشروط العمل فى مايو 2017. وفى عام 2021، بدأت وزارة القوى العاملة فى الاهتمام بمجالات التشغيل المعتمدة على التطور التكنولوجى والتحول الرقمى وأثرها على مستقبل خطط التوظيف، عبر التعاون بين وزارة القوى العاملة والتربية والتعليم، والتخطيط والتنمية، والجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء[3].
فى هذا السياق، تقدم الدكتورة أمل شمس، أستاذ علم الاجتماع التنموى بكلية الآداب جامعة عين شمس، دراسة بعنوان «المنظور الاجتماعى التنموى لمشكلة البطالة فى مصر»، ترصد فيها أزمة البطالة من منظور اجتماعى تنموى خلال الفترة (2014 - 2025)، وتحلل فيها التأثيرات السلبية المترتبة عليها، وجهود الدولة فى مواجهتها، بالإضافة إلى تحليل بعض التجارب الدولية التى نجحت فى معالجة هذه الإشكالية، وتقييم مدى إمكانية الاستفادة من هذه التجارب فى مواجهة وضع البطالة فى مصر، مع الأخذ فى الحسبان سياق الخصوصية الاجتماعية والاقتصادية المصرية.بالإضافة إلى ذلك تطرح الدراسة مجموعة من التوصيات التى تتضمن سياسات المواجهة وآليات التنفيذ. وقد شارك هشام حمدى - الباحث المساعد بالمركز - فى تصنيف التوصيات وتحديث بياناتها.