د. أحمد قنديل

رئيس وحدة العلاقات الدولية ورئيس برنامج دراسات الطاقة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيحية

 

في لحظات التحول الكبرى في العلاقات الدولية، لا تُقاس التغيرات بما يُقال فقط، بل بما يُكسر من صمت. والصين، التي عُرفت طويلاً بحساباتها الدقيقة ولغتها الدبلوماسية المقتصدة، قررت، في 15 أبريل 2026، أن تكسر واحداً من أهم تقاليدها، وهو "الصمت المدروس". إذ وجهت بكين، للمرة الأولى، اتهاماً مباشراً إلى الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن ما تفعله واشنطن في مضيق هرمز "سلوك خطير وغير مسئول". وردت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من جانبها، بأنها تمارس "ضغطاً مشروعاً" على إيران. لكن ما بين القولين، كانت هناك جملة صينية تحمل ما هو أبعد من الكلمات، وهي "لا تتدخلوا في شئون تمس مصالحنا الحيوية". وهذه ليست لغة الوسيط النزيه بين واشنطن وطهران، بل لغة من بدأ يشعر أن اللعبة تدار على حسابه.

في خلفية هذا المشهد، جرت اتصالات رفيعة المستوى خلال الأيام الأخيرة بين بكين وطهران وواشنطن، أعادت الصين فيها رسم معادلتها في المضيق، حيث تحدثت بكين مع طهران بلغة مزدوجة تقوم على أنه نعم لسيادتكم وأمنكم القومي، لكن لا مساس بحرية الملاحة باعتبارها مصلحة دولية لا تقبل التفاوض. وفي الوقت ذاته، كانت الصين ترسل إشاراتها إلى واشنطن، رافضة ما وصفته بـ"قانون الغاب"، ومؤكدة أن الممرات الدولية ليست ساحة لفرض الوصاية .

وبناء على ذلك، يبدو أن هذه الاتصالات أسفرت عن معادلة صينية جديدة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها في جوهرها تعكس عمق المأزق الاستراتيجي الصيني في الوقت الحالي. ويتمثل هذا المأزق في ضرورة دعم السيادة الإيرانية من جهة واعتبار حرية الملاحة في مضيق هرمز "خط أحمر لا يُمس". وهذه هي الصين حين تفكر من الناحية الاستراتيجية. فهي لا تضع نفسها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، أكبر قوة عسكرية في العالم، ولكنها، في نفس الوقت، لا تقبل أن تكون خارج المعادلة. ولذلك، لم يكن غريباً أن تصف بكين تحركات واشنطن الأخيرة بشأن فرض السيطرة على الملاحة في مضيق هرمز بأنه انزلاق نحو "حالة من اللا قانون". وهي عبارة ثقيلة في قاموس السياسة الصينية، لأنها تعني أن بكين ترى أن قواعد النظام الدولي، كما عرفتها واستفادت منها، بدأت تتعرض لإعادة تفسير أحادي من جانب الولايات المتحدة.

لكن اللافت أن الصين، رغم هذه اللغة الدبلوماسية الجديدة، لم تغير أدواتها التي اعتاد العالم عليها. فهي لم ترسل أساطيل عسكرية، ولم تلوح بمواجهة مباشرة، بل اختارت طريقاً آخر، يتمثل في "إظهار القوة دون استخدامها"، ما قد يفتح باباً لا ترغب في دخوله. فالسفن الصينية استمرت في العمل في المنطقة، والتصريحات السياسية ارتفعت حدتها، لكن دون تجاوز الخط الذي قد يقود إلى صدام عسكري مباشر. وكانت الرسالة الصينية واضحة، وهي أن الصين موجودة، وتراقب، ولن تقبل بتهديد مصالحها، لكنها لن تسعى إلى المواجهة.

وهنا، يمكن قراءة التحول الحقيقي.

من الحياد إلى "التوازن المزدوج"

الصين لم تنتقل من الحياد إلى الانحياز إلى طرف من أطراف الحرب الأمريكية-الإيرانية، بل من الحياد السلبي إلى "التوازن الفاعل". فهي تدرك أن علاقتها بإيران ليست تفصيلاً، وأن النفط الذي يعبر هرمز ليس مجرد سلعة، بل عصب اقتصادها. لكنها، في الوقت ذاته، تعرف أن هذا المضيق ليس شأناً إيرانياً خالصاً، بل ممراً دولياً تتقاطع عنده مصالح العالم. ومن هنا، جاءت صياغتها لما يمكن تسميته "عقيدة التوازن المزدوج"، والتي تقوم على أن "السيادة لا تُمس، لكن الملاحة لا تُعطل". وهذه الصياغة محاولة صينية جديدة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك في منطقة اعتادت أن تُدار بمنطق القوة.

"نافذة السلام" والدبلوماسية الاقتصادية

من جهة أخرى، وفي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تشهد ذروة التصعيد العسكري، حاولت بكين فتح "نافذة للسلام". حيث دفعت بكين بقوة نحو إنجاح جولات التفاوض في إسلام آباد، وسعت إلى استثمار أي هدنة مؤقتة لتثبيت واقع يمنع إغلاق المضيق نهائيا. وفي قلب هذه المحاولة، تظهر الأداة التي تجيد الصين استخدامها أكثر من غيرها، وهي الاقتصاد. فبينما كانت القوى الأخرى تتحدث عن حاملات الطائرات، كانت بكين تتحدث عن الموانئ. وبينما كانت لغة الردع العسكري تفرض نفسها، كانت الصين تعرض استثمارات، ومشروعات، وربطاً لوجستياً يربط ضفتي المضيق ضمن شبكة أوسع تمتد من شرق آسيا إلى غربها.

كل هذه التحركات من جانب بكين تكشف عن أنها لا تريد أن تحرس مضيق هرمز، بل أن تجعله جزءاً من نظام لا يمكن تعطيله دون أن يخسر الجميع. وهنا، تكمن مفارقة القوة الصينية. فهي تمتلك نفوذاً اقتصادياً هائلاً، لكونها المشتري الأكبر للنفط، والشريك التجاري الأول لدول المنطقة الخليجية، لكنها لا تمتلك، أو لا تريد أن تمتلك، بنية أمنية تعكس هذا النفوذ خارج محيطها المباشر. ولهذا، فإنها تتحرك بمنطق "إدارة المخاطر"، لا بمنطق "صناعة النفوذ العسكري".

مضيق هرمز .. ساحة اختبار

في هذا السياق، تبدو العلاقة بين الصين والولايات المتحدة أقرب إلى ما يمكن وصفه بـ"التعايش القلق"، حيث توجد نقاط تقاطع في مضيق هرمز لا يمكن إنكارها (لعل من أهمها استقرار تدفقات الطاقة، وأمن الملاحة) ولكن هناك أيضاً تنافساً بنيوياً بين بكين وواشنطن في منطقة الخليج العربي يجعل كل تقارب "مؤقتاً"، وكل تفاهم "هشاً". فواشنطن ترى أن الضغط أداة مشروعة لإدارة الأزمات، وبكين ترى أن هذا الضغط قد يتحول إلى تهديد مباشر لمصالحها. ومن هنا، يصبح مضيق هرمز ليس فقط ساحة أزمة، بل "ساحة اختبارات". فهو اختبار لقدرة الصين على أن تكون لاعباً عالمياً، لا مجرد قوة اقتصادية. واختبار أيضاً لمدى استمرار الولايات المتحدة في احتكار إدارة الممرات الحيوية. وكذلك، اختبار، في النهاية، لشكل النظام الدولي الذي يتشكل أمام أعيننا.

نحو "شراكة ضامنة" بدل الوساطة

على أية حال، ما نشهده اليوم في مضيق هرمز هو تحول تدريجي في الدور الصيني، من وسيط يكتفي بالدعوة إلى التهدئة، إلى شريك ضامن يسعى إلى إعادة تشكيل قواعد الاستقرار في المنطقة. وهذا التحول لا يعني أن الصين مستعدة لتحمل أعباء القيادة العالمية، بل يعكس رغبتها في حماية مصالحها عبر أدوات غير صدامية.

وفي هذا السياق، ربما لا تزال الولايات المتحدة هي القوة الأولى عسكرياً، لكن قدرتها على إدارة العالم منفردة لم تعد كما كانت. وربما تصعد الصين بثبات، لكنها لا تزال تتردد في دفع ثمن القيادة. وبين هذا وذاك، سوف يقف العالم، على الأرجح، في المدى المنظور، في منطقة وسطى تتسم بغياب القائد الواضح، وبغيات القواعد المستقرة، وبمخاطر تتزايد كلما تداخلت المصالح وتضاربت الحسابات. وفي هذا العالم، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر لأكثر من 20 في المائة لإمدادات الطاقة في العالم، بل أصبح رمزاً لمرحلة انتقالية. مرحلة تتقدم فيها الصين خطوة إلى الأمام، ليس لتقود، بل لتضمن. وليس لتواجه، بل لتمنع المواجهة. وهنا، تحديدا، يمكن فهم ما جرى. فالصين لم تغيّر لغتها فقط، بل تسعى إلى إعادة تعريف دورها. من وسيط يراقب، إلى شريك يضمن… أو يحاول.