سعيد عكاشة

خبير مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

عندما حصر الرئيس دونالد ترامب الخلاف الذي قاد لفشل المفاوضات مع إيران في قضية الملف النووي وحده بنسبة 99% حسب تصريحاته، كان ذلك يعني بوضوح أن إمكانية التوصل لاتفاق لإنهاء الحرب بات هدفاً بعيد المنال، حتى لو استؤنفت المفاوضات لاحقاً. فالجانب الإيراني يمكن أن يتنازل عن بعض مطالبه مثل التحكم في مضيق هرمز، وفرض رسوم عبور على السفن المارة عبره، كما يمكن أن يتبنى موقفاً مرناً من مسألة التعويضات والأموال الإيرانية المحتجزة، إلا أنه (أي الجانب الإيراني) لن يقبل، تحت أية إغراءات، لا بتسليم مخزونه من اليورانيوم المخصب للولايات المتحدة كما يطالب ترامب، ولا بالسماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالدخول إلى المنشآت النووية الإيرانية، ووضع رقابة صارمة على العمليات الجارية داخلها بشكل دائم للتأكد من أنها تتفق مع البروتوكول الخاص باستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية.

وبذلك يخلق الموقف الإيراني مشكلتين رئيسيتين:

 الأولى، تتعلق بمصداقية الرئيس ترامب، الذي وعد بألا تمتلك إيران قدرات تمكنها من صنع أسلحة نووية، وبالتالي فإن قبوله بترك مخزون اليورانيوم عالي التخصيب (والمقدر بأكثر من 400 كيلو جرام كافية لصنع عشرة قنابل نووية) بيد إيران، سيعني عملياً أن هدف الحرب الرئيسي لم يتحقق، وهو ما سيؤدي إلى محاسبته في الداخل الأمريكي على هذا الإخفاق، بعد التكلفة الكبيرة التي تكبدتها الولايات المتحدة في الحرب على كافة المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية.

والثانية، تتمثل في موقف إسرائيل، باعتبارها شريكاً في الحرب، من تقديم الولايات المتحدة أي تنازلات في الملف النووي الإيراني، بما في ذلك منحها (أي إيران) الحق في استئناف العمل في البرنامج النووي للأغراض المدنية، وتحت رقابة صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.  

والسؤال الذي يمكن طرحه هنا: إذا كان أحد خيارات ترامب هو الإعلان عن وقف الحرب ضد إيران، دون التوصل لاتفاق يعالج كافة القضايا المتعلقة بهذا الصراع، فكيف يمكن لإسرائيل تحمل وضع يمكن أن يؤدي إلى تحول إيران بشكل عاجل نحو إنتاج سلاح نووي استعداداً لمواجهة مستقبلية مع إسرائيل؟

هل تكون الإجابة هي: قيام إسرائيل باستخدام أسلحتها النووية لمنع إيران من تهديدها مستقبلاً؟، وما هي العقبات والتبعات أمام هذا التطور، حال فكرت إسرائيل في انتهاجه فعلاً؟. وقبل ذلك كله هل تمتلك إسرائيل ترسانة نووية تحتوي على سلاح مناسب يمكن استخدامه وحصر تأثيره على ميدان القتال وحده، دون التسبب في تلوث إشعاعي يمتد لدول أخري ويؤدي إلى كارثة عالمية؟

غموض حول القدرات النووية الإسرائيلية

رغم الجدل المحتدم حول امتلاك إسرائيل لأسلحة نووية منذ نهاية الستينات من القرن الماضي، إلا أن إثبات ذلك بالدليل القاطع يبدو متعذراً حتى اليوم، حيث تبنت إسرائيل سياسة ما عرف إعلامياً باسم "الغموض النووي"، والتي تلخصها العبارة التي يرددها قادتها حتى اليوم بأن "إسرائيل لن تكون البادئة بإدخال هذا السلاح إلى الشرق الأوسط"، والتي قد تعني أن لدى إسرائيل المكونات اللازمة لتصنيع أسلحة نووية، والتي يمكن تجميعها في بضعة أيام لتصبح قابلة للاستعمال، ولكن لا يوجد قرار سياسي بتفعيل هذه الخطوة حتى اليوم، أو قد تعني أن إسرائيل لديها هذا السلاح بالفعل، ولكنها لن تكون البادئة بالإعلان عن ذلك قبل أن تبادر دول أخرى.

لقد استندت معظم التقديرات القائلة بامتلاك إسرائيل أسلحة نووية إلى قرائن وليس أدلة، مثل رفضها الانضمام إلى المعاهدة الدولية لمنع الانتشار النووي، وإحاطتها مفاعل ديمونا بسرية بالغة من دون أن تسمح حتى للولايات المتحدة بمعرفة ما يجري داخله.

حتى بعض التقارير الإعلامية التي تناولت ما جري في حرب أكتوبر 1973 والتي ادعت بأن إسرائيل كانت على وشك توجيه ضربة نووية لمصر وسوريا، بعد الهزائم السريعة التي منيت بها قواتها خلال الأسبوع الأول للحرب على الجبهتين، لم نجد لها ذكر في الوثائق الرسمية الإسرائيلية عن هذه الحرب، والتي تم الإفراج عنها بشكل كامل في عام 2023.

ربما تكون القرينة الوحيدة التي قد ترقى لمستوى الدليل على امتلاك إسرائيل لأسلحة نووية، هي حادثة هروب أحد الفنيين الإسرائيليين (موردخاي فعنونو) الذي عمل لسنوات في مفاعل ديمونا إلى بريطانيا، وبحوزته صور ووثائق، قام بتسليمها لصحيفة صنداي تايمز البريطانية في أكتوبر من عام 1986، وذكر تقرير الصحيفة في حينها أن تلك الوثائق تشير إلى أن لدى إسرائيل ما يقرب من 200 رأس نووي. ولكن حتى بعد مضى أربعين عاماً على تلك الواقعة، ظلت إسرائيل متمسكة بسياسة الغموض النووي، ولم تؤكد أو تنفي ما ذهب له تقرير الصحيفة حتى اليوم.

والواقع أن إسرائيل لم تستفد عملياً من سياسة الغموض النووي التي قامت على افتراض أن أعداءها لن يجرؤوا على مهاجمتها، طالما كان لديهم يقين، أو حتى شكوك، بامتلاكها للسلاح النووي، فقد شنت مصر وسوريا هجوماً على إسرائيل في أكتوبر 1973 لتحرير أراضيهما رغم تداول تقارير إعلامية قبلها بسنوات – ربما كانت إسرائيل نفسها وراء تسريبها- عن احتمالات قيام إسرائيل بهجوم نووي على الجبهتين في حالة تأزم موقفها العسكري. كما لم تردع نفس السياسة إيران التي تواصل الحرب ضدها منذ 28 فبراير الماضي. وبمعنى أكثر وضوحاً، مع ثبوت عدم فائدة سياسة الغموض النووي الإسرائيلية لردع الخصوم، تعالت أصوات بعض الشخصيات في الداخل التي نادت بتخلي إسرائيل عن هذه السياسة والتعامل مع السلاح النووي الذي تمتلكه على أنه سلاح للاستخدام وليس للردع، وهو ما عبّرت عنه دراسة نشرها موقع مركز بيجن – السادات للدراسات الاستراتيجية في مارس 2024 التي اعتبرت الهجوم المكثف والمتزامن بالصواريخ على إسرائيل من جبهات متعددة، بمثابة تهديداً وجودياً، بما يستلزم تطبيق العقيدة النووية الإسرائيلية التي تُدخِّر هذا السلاح لمثل هذا الوضع الدراسه منشورة على الرابط:

  https://besacenter.org/wp-content/uploads/2024/03/2268-Beres-Navigating-Chaos-Samson-Option.pdf

ولم يقتصر الأمر على بعض الأكاديميين في مطالبتهم بتفعيل "الخيار شمشون" وتجهيز السلاح النووي للاستخدام، بل دعا –ولأول مرة– مسئول حكومي إسرائيلي إلى هذا الخيار علانية، وهو وزير التراث في الائتلاف الحاكم عميحاي إلياهو الذي صرح في نوفمبر 2023 بأن "أحد خيارات إسرائيل في الحرب، هو إسقاط قنبلة نووية على قطاع غزة".

اعتبر البعض أن صدور هذه الآراء عن باحثين في مراكز دراسات قريبة من صانع القرار الإسرائيلي مثل مركز بيجن – السادات، أو عن وزير في الائتلاف الحاكم، هو بمثابة حسم للجدل الذي دار حول مدى حقيقة امتلاك إسرائيل للسلاح النووي، غير أنه بدون اعتراف رسمي من إسرائيل بذلك، لا يمكن البناء على مثل هذه التصريحات.   

ولكن حتى بافتراض إمكانية تجاوز سياسة الغموض النووي من قبل إسرائيل، واعترافها رسمياً بامتلاك أسلحة نووية، فإن السؤال الأصعب الذي سيترتب على ذلك مفاده: ماهي نوعية هذا السلاح؟، مع الأخذ في الاعتبار أن التقارير الإعلامية التي تحدثت عن الترسانة النووية الإسرائيلية منذ ستينات القرن الماضي وحتى اليوم تتعامل مع تكهنات بوجود 200 رأس نووي في هذه الترسانة، وهو رقم ثابت في كل التقارير على مدى كل هذه السنوات، وقد يعني التسليم بصحته أن إسرائيل لم تطور ترسانتها لا كمياً ولا كيفياً في هذه الفترة!! وأنها في حالة قيامها باستخدام هذا السلاح في الحرب الحالية، سوف تستخدم قنبلة شبيهة بالقنابل النووية الأمريكية التي ضٌربت بها اليابان في الحرب العالمية الثانية!!

ورغم عدم منطقية التصور القائم على أن إسرائيل لم تقم بتحديث ترسانتها النووية منذ ستينات القرن الماضي، وأنها لا تملك سوى قنابل شبيهة بقنبلتي هيروشيما ونجازاكي، إلا أن هذه القنابل تظل قادرة على إحداث صدمة عنيفة لإيران قد تدفعها للاستسلام، وإنهاء الحرب، حيث تشير التقارير التي تم نشرها عن الضربة التي وجهت لليابان عام 1945 إلى أن قنبلة هيروشيما تسببت في دمار شامل لمساحة تصل إلى 13 كيلومتر مربع، وأسقطت 140 ألف قتيل (أغلبهم بشكل مباشر، وقلة منهم ماتت في السنوات التالية بتأثير الإصابة اللحظية بالإشعاع، رغم تلاشى تلك الإشعاعات فعلياً بعد أربعة أيام فقط من توجيه الضربة).

وثمة تقارير دولية أيضاً تحدثت عن امتلاك إسرائيل لسلاح تكتيكي آخر وهو "قنبلة النيترون" وتتميز بأن تأثيرها يكون على البشر دون المباني والمنشآت، فلا تحدث دماراً ولا حرائق، بل ينتج عنها إشعاعات قاتلة، ويمكن استخدامها لمنع تقدم قوات مشاة أو مدرعات في ميدان القتال. ومن المحتمل أن تفكر إسرائيل في استخدامها ضد المنشآت النووية الإيرانية في حالة ما إذا حاولت إيران إصلاح ما تم تدميره من هذه المنشآت أثناء الحرب، ومنعها أيضاً من استئناف العمل فيها بعد نهايتها.

متى تقرر إسرائيل استخدام سلاحها النووي؟

كما ذكرنا سابقاً، فإن السلاح النووي بالنسبة لإسرائيل، هو الملجأ الأخير لمنع خطر وجودي، أو الرد عليه في حالة تحققه (ضربات صاروخية تتسبب في قتل مئات الآلاف من المدنيين)، وهو وضع لا تعاني منه إسرائيل حالياً، فخسائرها البشرية نتيجة الضربات الصاروخية التي تلقتها من إيران وأذرعها قليلة للغاية، فحتى العاشر من أبريل الحالي (2026) تشير التقارير الإسرائيلية إلى سقوط 27 قتيلاً من المدنيين و15 عسكرياً، لكن أعداد المصابين تصل إلى ما يزيد عن سبعة آلاف شخص (معظمهم بإصابات خفيفة)، بينما الخسائر الاقتصادية تبدو مرتفعة وتصل إلى عدة مليارات من الدولارات.

بافتراض صدق هذه التقديرات، فإن الخطر الوجودي يبدو بعيداً بهذا المعنى، ولكن هناك مصدرين آخرين لهذا الخطر:

1- أن تبقى إيران وأذرعها قادرين على الاستمرار في إطلاق الصواريخ والمسيرات نحو المدن الإسرائيلية لعدة أشهر قادمة رغم كل الخسائر التي لحقت بهم.

2- أن تقرر الولايات المتحدة وقف الحرب مع إيران حتى من دون اتفاق.

فيما يتعلق بالنقطة الأولى، تشير التقييمات الاستخباراتية الأمريكية حتى السادس من أبريل الجاري، أن طهران قادرة على إعادة تشكيل جزء من قوتها الصاروخية. حتى بعد تدمير أكثر من نصف منصات الإطلاق التي تمتلكها، وبعد أن انخفض مخزونها من الصواريخ إلى نحو النصف خلال الحرب، حيث لا تزال تحتفظ بآلاف الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى التي يمكن سحبها من مخازنها أو استعادتها من مواقع تحت الأرض، مما يعني أنها قادرة على الاستمرار في الحرب لأشهر (خاصة إذا وزعت هذا المخزون على فترة زمنية كبيرة)

ويمكن القول إن إسرائيل قد تفكر في استخدام القنبلة النووية إذا ما شعرت بأن قدرتها على وقف الضربات الإيرانية باتت مستحيلة، ليس بسبب الخسائر البشرية أو المادية (التي يمكنها تحملها بسبب قلتها) ولكن بسبب التأثير النفسي لحرب ممتدة على التماسك الاجتماعي بالدرجة الأولى.

أما فيما يتعلق بالنقطة الثانية، فإن إسرائيل تخشى أن يقرر ترامب وقف الحرب ضد إيران من دون التوصل لاتفاق يؤدي إلى تفكيك البرنامج النووي الإيراني، وإخراج اليورانيوم عالي التخصيب من إيران إلى خارجها. في مثل هذا الوضع ستضطر إسرائيل لاستخدام سلاحها النووي في محاولة لتحقيق هذه الهدف بنفسها، وهو ما تؤكده تصريحات ترامب المثيرة للارتباك التي أطلقها يوم 16 مارس الماضي والتي حاول فيها التقليل من أهمية التحذيرت من احتمال استخدام إسرائيل لسلاحها النووي بقوله: "إن إسرائيل لن تستخدم سلاحاً نووياً في إيران"

وجاء هذا التعليق بعد أن سئل الرئيس عن التصريح الذي أطلقه ديفيد ساكس رجل الأعمال الأمريكي وأحد مستشاريه، والذي حذر فيه من النهج التصعيدي في الحرب ضد إيران وما تحمله من خطر وجودي على إسرائيل، قد يدفعها لاستخدام السلاح النووي لإبعاد هذا الخطر.

أيضاً تشير تصريحات نتنياهو المتكررة عن أن إسرائيل لن تتراجع عن مطالبها بالتفكيك الكامل للبرنامج النووي الإيراني من خلال التفاوض أو القوة العسكرية، إلى أنه يتحسب لإمكانية انسحاب الولايات المتحدة من الحرب، وعندها سيتعين على إسرائيل أن تنهض بالمهمة بمفردها ولن تكون قادرة على ذلك إلا بتفعيل خيارها النووي، حتى لو اعترض ترامب.

خلاصة ونتائج

تبدو فرص نجاح المفاوضات في وقف الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، ضعيفه للغاية، كما تخشى إسرائيل من أن تنسحب الولايات المتحدة من الحرب دون ضمان تجريد إيران من مشروعها النووي، وهو ما قد يدفعها لتوجيه ضربة نووية تكتيكية لإيران، تستهدف منع النظام الإيراني من إعادة بناء ما تم تدميره من البرنامج النووي، ومنع محاولات الوصول إلى منشآته، لفترة طويلة بعد توجيه هذه الضربة كحل أخير. وقد تحاول إسرائيل أن تقنع ترامب بعدم اتخاذ قرار بإيقاف الحرب مع إيران، قبل تنفيذ تهديداته بضرب البنية التحتية للطاقة وتدمير كافة الطرق والجسور ومحطات الكهرباء في إيران، مقابل امتناعها (أي إسرائيل) عن استخدام سلاحها النووي، وهو السيناريو الوحيد الذي يمكنه بالفعل منع  إسرائيل من التسبب في تصعيد نووي خطير سيتجاوز تأثيره الشرق الأوسط لمناطق أبعد، سيكون  سابقة يمكن أن تتكرر في حروب أخرى خاصة في الحرب الروسية – الأوكرانية.