صافيناز محمد أحمد

خبيرة متخصصة فى الشئون السياسية العربية ورئيس تحرير دورية بدائل - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

نجح البرلمان العراقى فى جلسته يوم 11 إبريل 2026، فى انتخاب نزار آميدى رئيساً للبلاد بعد قرابة خمسة أشهر من انتهاء الانتخابات التشريعية التى أجريت فى نوفمبر 2025، وبعد سلسلة من التعثرات الطويلة؛ فلم ينجح البرلمان فى جلسته الأولى (يناير 2026) فى اختيار رئيس الجمهورية، وفى جلسته يوم ( 28 مارس 2026) قرر البرلمان تحديد يوم 11 إبريل كموعد أخير لانتخاب من يتولى منصب الرئاسة عبر آلية الاقتراع السرى، لاسيما بعد تجاوز للمدد الدستورية فى هذا الشأن؛ حيث ينص الدستور العراقى على انتخاب رئيس الجمهورية خلال 30 يوماً من الجلسة الأولى للدورة البرلمانية الجديدة، على أن يقوم رئيس الدولة بإعلان الكتلة البرلمانية الأكبر وتسمية رئيس الوزراء وتكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة خلال (15) يوماً.

ويعد منصب رئيس الدولة رمزياً، إلا أن أهميته السياسية والدستورية ترجع إلى النظام البرلمانى المعتمد فى العراق، والذى يعطى له حق تكليف رئيس الوزراء الجديد بتشكيل الحكومة. بهذا الاختيار يستكمل العراق الاستحقاق الدستورى الثانى (الأول كان اختيار رئيس البرلمان)، وهو ما يعنى بالتبعية التمهيد لاستكمال الاستحقاق الثالث وهو المنصب الأكثر أهمية فى إدارة الدولة والمشهد السياسى ككل والمتمثل فى منصب رئيس الحكومة الذى لايزال – حتى كتابة هذه السطور - محل تفاعلات "صعبة وحادة" بين القوى السياسية الشيعية داخل الإطار التنسيقى بعد أن تراجعت حظوظ مرشحها الأول للمنصب، نورى المالكى رئيس ائتلاف دولة القانون ورئيس الوزراء الأسبق، على وقع انقسامات حادة بشأنه داخل المكون السياسى الشيعى ككل من ناحية، وتخوفات لدى التيارات السياسية السنية والكردية من ناحية ثانية، ناهيك عن اعتراض الولايات المتحدة وتهديدها بفرض عقوبات "حادة" على العراق حال تنصيبه رئيساً للحكومة أو مشاركة الفصائل المسلحة فيها من ناحية ثالثة.

وقد شغل آميدى منصب وزير البيئة فى حكومة شياع السودانى المنتهية فترة ولايتها، كما سبق وأن شغل منصب مدير مكتب رئيس الجمهورية خلال فترة رئاسة كل من فؤاد معصوم وبرهم صالح وعبداللطيف رشيد، وهو ما أكسبه العديد من المهارات التنفيذية فى العمل الحكومى والسياسى. ووفقاً لمصادر فإن آميدى لديه خبرة كبيرة فى "إدارة ملفات التباين" بين الحكومة المركزية فى بغداد وبين حكومة إقليم كردستان العراق، ما يعد ميزة تتطلبها العلاقة الفيدرالية بين الطرفين خلال المرحلة القادمة.

نهاية العمل بآلية "التوافق"

سيطرت على جلسة انتخاب الرئيس يوم 11 إبريل الجارى حالة من الانقسامات الحادة التى عكست مرحلة جديدة ربما تؤسس لمسار من "عدم التوافق" بين القوى السياسية بعضها البعض، والتى اعتادت على أن تتم عملية اختيار الرئاسات بقدر كبير من "التوافق" و"التسويات" السياسية بينها. وتُرجم هذا بوضوح فى حالة المقاطعة السياسية التى أبدتها كتلتان من أبرز وأهم الكتل السياسية الممثلة فى البرلمان الجديد وهما؛ ائتلاف دولة القانون برئاسة نورى المالكى، والحزب الديمقراطى الكردستانى برئاسة مسعود بارزانى. غياب تلك الكتل عن جلسة انتخاب البرلمان للرئيس حمل دلالة مهمة تشير إلى غياب حالة "التوافق" المعهودة بين كتل وازنة فى المشهد السياسى؛ فبالنسبة لائتلاف دولة القانون قد يكون الدافع الرئيسى هو ما تتداوله أروقة القوى السياسية الشيعية ذاتها من احتمالية تراجعها عن دعم المالكى كمرشح لها لشغل منصب رئيس الحكومة، لاسيما بعد الضغوط التى تمارسها الولايات المتحدة على المشهد السياسى العراقى، والتهديد بفرض عقوبات اقتصادية ليس على القوى السياسية الشيعية التى تدفع بالمالكى لشغل المنصب فحسب، وإنما على الحكومة العراقية الجديدة نفسها.

أما فيما يتعلق بغياب الحزب الديمقراطى الكردستانى؛ فيرجع ذلك إلى اعتراضه على غياب "آلية التوافق" المعتاد اتباعها داخل البيت السياسى الكردى، والتى رسخت لضرورة توافق الأحزاب الكردية وفى مقدمتها الحزبين الكرديين الكبيرين- الحزب الديمقراطى وحزب الاتحاد الوطنى- على شخصية المرشح لشغل منصب رئيس الدولة قبل طرح التصويت على اختياره فى جلسة البرلمان المحددة لذلك، وهو ما انعكس فى تقديم كل حزب مرشحه لشغل المنصب بصورة منفردة دون أن يتفقا على مرشح واحد. هذا فضلاً عن اشتراطه التوافق أولاً على تسمية المرشح لرئاسة الحكومة قبل أن يتم التوافق مع الشريك الكردى (حزب الاتحاد) على المرشح لمنصب رئاسة الدولة. بالإضافة إلى اعتراضه على دفع بعض قوى الإطار التنسيقى الشيعى الحاكم بعدد من ممثلى الفصائل ضمن جلسة البرلمان المخصصة لاختيار الرئيس بهدف استكمال النصاب القانونى لإتمام هذا الاستحقاق بحضور الثلثين.

ما سبق يعنى أن الوضع فى إقليم كردستان العراق سيشهد مستقبلاً تفاعلات حادة بين الحزبين الكبيرين اللذين يقتسمان العمل السياسى فى الإقليم وفقاً لقاعدة عرفية أساسها "التوافق السياسى" وتقوم على إبقاء منصب رئاسة الدولة العراقية داخل حزب الاتحاد الوطنى الكردستانى، بينما يُترك منصب رئاسة الإقليم للحزب الديمقراطى الكردستانى فى معادلة واضحة وثابتة لتقاسم النفوذ السياسى والسلطة موزعة بين الحزبين. وكسر هذه القاعدة سيؤدى بالضرورة إلى تصعيد الخلافات السياسية بين المكون الكردى السياسى نفسه، وقد تُرجمت بوادره الأولى فى الإجراءات التى اتخذها زعيم الحزب الديمقراطى الكردستانى مسعود بارازنى؛ حيث استدعى ممثلو الحزب فى البرلمان الاتحادى وفى حكومة تصريف الأعمال الحالية إلى أربيل للتشاور، فضلاً عن إعلانه عن اعتراضه لمسار انتخاب الرئيس داخل البرلمان كونه "خالف النظام الداخلى للمجلس وهو ما يعد انتهاكاً للقانون"، كما أعلن عن عدم تعامله مع الرئيس العراقى الجديد كونه جاء من خارج "الآلية الكردستانية القائمة على التوافق" على حد تعبيره. هذا التصعيد بين أطراف العمل السياسى الكردية من المتوقع أن تنعكس سلباً على مسار تشكيل حكومة إقليم كردستان، الذى يعانى من تأجيل مستمر على مدى أكثر من عام ونصف، بخلاف البرلمان المعطل عن العمل منذ مايو 2023 بقرار من المحكمة الاتحادية قضى ببطلان تمديد عمله الذى تم أواخر عام 2022.

الحرب واختيار رئيس جديد للحكومة

بعد اختيار الرئيس الجديد يفترض أن يقوم بتسمية رئيس الحكومة ومطالبته بتشكيلها فى غضون 15 يوماً كمهلة دستورية، فمن الأصول البرلمانية أن يقوم المرشح الفائز بمنصب رئاسة الدولة خلال الجلسة نفسها بإعلان الكتلة البرلمانية الأكبر وتسمية رئيس الوزراء المنوط له تشكيلها؛ لكن جرى العرف البرلمانى فى العراق أن يتم تجاوز هذه الخطوة الإجرائية، خاصة إذا لم تكن القوى السياسية الشيعية قد "توافقت" على مرشحها لمنصب رئاسة الحكومة. فى هذا السياق ثمة تفسيرات متباينة لما دار داخل جلسة البرلمان لاختيار الرئيس؛ أحد هذه التفسيرات يقول بأن رئيس البرلمان، هيبت الحلبوسى، قد دعا الإطار التنسيقى الشيعى – باعتباره الكتلة البرلمانية الأكبر - إلى ضرورة التقدم بمرشح لرئاسة الحكومة خلال 15 يوماً. فى المقابل ثمة تفسير آخر يقول بأن الحلبوسى لم يسم الكتلة البرلمانية الأكبر ، بل طالب القوى المشكلة لتلك القوى – دون تسميتها – بالتقدم بمرشحها لرئاسة الحكومة.

هذا التباين وفقاً للمعطيات السابقة يعكس عدة دلالات: أولاها، وجود حالة من عدم التوافق حول شخصية رئيس الوزراء – حتى كتابة هذه السطور - من قبل قوى الإطار التنسيقى نفسها، التى سبق وأن أعلنت عن نفسها بأنها الكتلة البرلمانية الأكبر. ثانيتها، حالة الانقسام العميقة التى أنتجتها الحرب الأمريكية على إيران على المشهد السياسى العراقى ككل من ناحية، وعلى "خيارات" الإطار التنسيقى نفسه فى طرح مرشحه لرئاسة الحكومة من ناحية ثانية، فبدا جلياً أن مرشحه الذى سبق وأن أعلن عنه وهو نورى المالكى، لم يعد مرشحاً مقبولاً لا من جانب الولايات المتحدة، ولا من بعض التيارات الشيعية المعتدلة داخل الإطار الشيعى نفسه، فضلاً عن تحفظات كبيرة عليه من قبل التيارات السنية والكردية. وهذا سيفرض على قوى الإطار – خلال الساعات القادمة-  سرعة التوافق على شخصية بديلة، حيث ترغب فى حسم هذا الأمر قبل انتهاء فترة "الهدنة الهشة" المعلن عنها بين الولايات المتحدة وإيران والتى لم يتبق على انتهائها سوى أسبوع. ثالثتها، محاولة قوى الإطار التنسيقى صرف الانتباه عن وجود قوة برلمانية أخرى تستطيع أن تكون هى الكتلة البرلمانية الأكبر، وهى كتلة ائتلاف الإعمار والتنمية التى يتزعمها شياع السودانى، والتى تصدرت نتائج الانتخابات التشريعية الاخيرة، والقادرة، بعد إبرام بعض التحالفات البرلمانية، على طرح نفسها ككتلة أكبر.

ورغم وجود مؤشرات كبيرة على تراجع "ضمنى" من قبل قوى الإطار التنسيقى على تسمية مرشحها لشغل المنصب – نورى المالكى- بعد اعتراض الولايات المتحدة عليه والتهديد بفرض عقوبات مباشرة على أى حكومة يتم تشكيلها، إلا أن عدم إعلانها سحب ترشيحها له أو تسمية آخرين، يعكس رغبة الإطار فى إبقاء خيار المالكى مطروحاً حتى اللحظات الأخيرة من باب المناورة السياسية حتى تتكشف مسارات الهدنة والمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. هذا فضلاً عن توتر العلاقة مستقبلاً بين الإطار التنسيقى وبين الحزب الكردستانى الديمقراطى بزعامة بارزانى على إثر اتفاق الإطار وحزب الاتحاد الوطنى الكردستانى – الحزب الكردى المنافس لحزب بارزانى -  على تسمية رئيس الدولة دون الحصول على موافقة "كردية شاملة"، الأمر الذى دفع بارزانى إلى الإعلان عن عدم التعامل مع الرئيس باعتباره لم يأت من بوتقة "التوافق الكردى الشامل ".

وهنا تبدو الخيارات المتاحة لاختيار من يشغل منصب رئاسة الحكومة خاضعة لتأثيرات الحرب، كون رئيس الحكومة الجديد لابد وأن يكون قادراً على إدارة الدولة فى ظل تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية جسيمة على العراق، ومن ثم فإن أمام قوى الإطار التنسيقى الشيعى- التى أعلنت عن نفسها بأنها الكتلة البرلمانية الأكبر- ثلاثة خيارات: الأول، يتمثل فى اختيار شخصية تكون متماهية إلى حد كبير مع السياسات الإيرانية فى المنطقة، بما يعنى أن تكون تلك الشخصية قريبة من الحشد الشعبى ومن الفصائل المسلحة أيضا العاملة خارج إطاره، وقادرة على التعامل معها فى ظل الظرف الإقليمى الراهن، بما "قد" يعنى اختيار شخصية لا تطالب الفصائل - خارج الحشد الشعبى - بتسليم سلاحها للمؤسسة العسكرية الحكومية. الثانى، ينصرف إلى إعادة اختيار رئيس الوزراء المنتهية فترة ولايته محمد شياع السودانى لفترة ولاية ثانية – رغم اعتراضها على سياسته تجاه الفصائل المسلحة – وعلى سياسة "التوازن" التى حاول اتباعها كآلية لإدارة علاقات العراق مع كل من الولايات المتحدة وإيران. أما الخيار الثالث، فيتعلق بالاختيار ما بين مرشحين محتملين آخرين طُرحت أسماؤهم مؤخراً وهم : باسم البدرى رئيس هيئة العدالة والمساءلة، وحميد الشاطرى رئيس جهاز المخابرات، ومستشار الأمن القومى قاسم الأعرجى، وحيدر العبادى رئيس الوزراء الأسبق. ويعكس كثرة طرح أسماء مرشحين لرئاسة الحكومة من قبل قوى الاطار حقيقة الانقسام العميق بينها، وغياب التوافق حتى داخل البيت الشيعى نفسه بصورة باتت واضحة وعلنية، وهذا يعنى أن الإطار التنسيقى سيرشح الشخصية التى ستعد "الأكثر قبولاً" لدى القوى السياسية المكونة له وليس المرشح "الأكثر توافقاً" بينها.

وفى الأخير يمكن القول إن اختيار البرلمان العراقى المنتخب لرئيس الدولة يعد خطوة مهمة نحو تعزيز الاستقرار السياسى داخل العراق، لاسيما فى ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها الأمنية والاقتصادية الصعبة والقاسية على العراق مباشرة، كونه يمثل "ساحة التأثر" المباشرة التى تنعكس فيها كافة تفاعلات الولايات المتحدة وإيران فى المنطقة سواء السياسية أو العسكرية على حد سواء. ويفترض أن يسرع ملء فراغ منصب رئاسة الدولة من حسم ملف رئاسة الحكومة وتشكيلها وفقاً للمهلة الدستورية المحددة فى غضون 15 يوماً قادمة، مما يسهم فى ترتيب المشهد السياسى العراقى خلال المرحلة المقبلة فى ظل الظروف الإقليمية الراهنة التى تشى باحتمالية استمرار الحرب الأمريكية الإيرانية بعد انقضاء مدة "الهدنة الهشة" المقررة.