بعد مرور أكثر من شهر (خمسة أسابيع) على بدء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران فى 28 فبراير 2026، بدا أن هناك عدة تحديات كبرى أصبحت تواجه سياسة النأى بالنفس التى اعتادت الحكومة العراقية برئاسة رئيس الوزراء المنتهية فترة ولايته محمد شياع السودانى، تصديرها كعنوان لموقف العراق الرسمى من الحروب التى استهدفت إيران فى المنطقة سواء كانت حرب الـ (12) يوماً فى يونيو 2025، أو الحرب الحالية التى شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل منذ 28 فبراير الماضى. فبالرغم من أن الحرب الأولى عكست نهجاً متوازناً فى موقف العراق منها؛ سواء الموقف الحكومى الرسمى أو حتى موقف بعض فصائل الحشد الشعبى الموالية لإيران، إلا أن الحرب الثانية وبعد مرور خمسة أسابيع على اندلاعها بدأت تعكس تطوراً ملحوظاً فى الموقف العراقى الرسمى وغير الرسمى على حد سواء مع اختلاف درجة هذا التطور بصورة تقول بأن العراق يتجه تدريجياً ليكون رقماً ضمن معادلة الاشتباك، وجزءاً فعلياً من ساحة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والتى بدأت متغيراتها تتكون فى تفاعلات ثلاثة أطراف رئيسية: الأولى، إيران التى استهدفت مباشرة القواعد الأمريكية فى العراق. والثانية، بعض فصائل الحشد الشعبى التى تستهدف القنصليات والقواعد ومناطق التمركز الأمريكية داخل إقليم كردستان فى أربيل والسليمانية. والثالثة، الولايات المتحدة التى تستهدف مقرات ومراكز فصائل الحشد إما كرد فعل مقابل، أو فى سياق إجهاض تحركاتها الداعمة لإيران عسكرياً ولوجستياً، وهى فى ذلك الاستهداف لا تفرق بين الفصائل التى تعمل ضمن الأطر الرسمية للمؤسسة العسكرية العراقية، وبين الفصائل المنطوية ضمن ما يُعرف بالمقاومة الإسلامية العراقية وتعمل من أجل الإسناد المباشر لإيران فى تلك الحرب، الأمر الذى يفسر دوافع الحكومة العراقية بمنح الفصائل "حق الرد" على الاستهدافات الأمريكية منذ أواخر مارس 2026.
ازدواجية الموقف: ضمن الحرب أم خارجها؟
وسط هذه المعادلة من تفاعلات الأطراف الثلاثة على الساحة العراقية، يحيط بالموقف الحكومى غموض واضح، ولم يعد كسابق عهده قادراً على الالتزام بسياسة النأى بالعراق بعيداً عن ارتدادات الحرب؛ لأن تلك الارتدادات باتت تفرض واقعاً جديداً داخل العراق تشكل ملامحه حالة التضامن العسكرى العلنى مع إيران التى أعلنتها بعض فصائل الحشد من ناحية، والضمنى لدى البعض الآخر منها ولدى المكونات السياسية للإطار التنسيقى الحاكم من ناحية ثانية، الأمر الذى وضع حكومة شياع السودانى أمام اختبار شديد الصعوبة بشأن "حياد" العراق خلال المرحلة المقبلة من عمر الحرب الأمريكية على إيران، لاسيما وأن بيانات الحكومة الصادرة فى هذا الشأن لا زالت تخضع لازدواجية واضحة ترفض فيها استهداف الفصائل للمصالح الأمريكية، خاصة مقرات البعثات الدبلوماسية، وفى الوقت نفسه ترفض الاستهداف الأمريكى لمقرات ومراكز فصائل الحشد الشعبى. فضلاً عن ظهور "صيغة" حكومية جديدة تدعو إلى ضرورة التمييز بين هيئة الحشد الشعبى التى هى جزء من المؤسسة العسكرية العراقية منذ عام 2016، وبين فصائل مسلحة تمثل جزءاً من محور المقاومة التابع لإيران وتعمل خارج الهيئة. هذا التمييز - حديث العهد- ظهر على استحياء خلال عمليات إسناد المقاومة الفلسطينية فى أعقاب عملية طوفان الاقصى فى 7 أكتوبر 2023، عندما شكلت بعض الفصائل المسلحة جبهة "المقاومة الإسلامية فى العراق"، إلا أن تطورات الحرب الجارية حالياً على إيران استدعت أن تقوم الحكومة العراقية بتمييز الفصائل المسلحة بين فصائل تتبع الحشد وتمتثل لقرارات هيئته التى تعمل وفق الأطر المؤسسية للدولة العراقية، وبين الفصائل المسلحة التى تعمل ضمن المقاومة الإسلامية، والتى لا تخضع لسلطة الدولة وتوالى بقوة إيران وهى (حزب الله العراقى، وكتائب النجباء، وكتائب سيد الشهداء، وكتائب الإمام على)، وتجدر الإشارة هنا إلى أن تلك الفصائل وإن كانت تعمل خارج الأطر الرسمية لهيئة الحشد، إلا أنها تتمتع بغطاء "أمنى" من قبل الهيئة وغطاء "سياسى" من قبل الأحزاب السياسية الشيعية الممثلة داخل الإطار التنسيقى الحاكم.
ويبدو هذا التمييز الحكومى غير واقعى فى الحقيقة كون أن الفصائل السابقة كانت جزءاً من الحشد الشعبى فعلياً، وأن ابتداع جبهة المقاومة الإسلامية فى العراق لإسناد جبهات الحرب الخاصة بإيران، ما هو إلا محاولة للالتفاف على فكرة كون الحشد الشعبى بفصائله المسلحة يمثل ذراعاً قوياً لإيران على الساحة العراقية بمستوياتها السياسية والعسكرية على حد سواء، وهو ما يفسر الإدانة الحكومية للاستهداف العسكرى الأمريكى لمناطق تمركز قوات بعض فصائل الحشد الشعبى فى منطقة الحدود العراقية-السورية بمحافظة الأنبار على مدار ثلاثة أيام ماضية، والتى تعمل ضمن الألوية النظامية (اللواء 45 واللواء 57) التابعة للمؤسسة العسكرية الرسمية للدولة العراقية. بهذا التصور يصبح هدف "حصرية السلاح" للدولة العراقية ضمن "المستحيلات" طالما لازالت هناك قوى سياسية ترغب فى العمل وفقاً لثنائية ممارسة العمل السياسى ضمن أطره الرسمية، وفى الوقت نفسه امتلاك السلاح كأداة لتعزيز نوعى للدور السياسى. وسط هذه المعطيات يصبح من الصعوبة القول بأن العراق قادر على النأى بنفسه بعيداً عن معادلة الحرب الأمريكية-الإيرانية الحالية، وأن فتح العراق كجبهة فعلية لهذه الحرب ما هو إلا مسألة وقت، ويعتمد على مدى طول أمد هذه الحرب من ناحية، ودرجة الصمود الإيرانى فى مواجهة الولايات المتحدة من ناحية ثانية، ونمط العلاقة بين العراق والولايات المتحدة خلال فترة الحرب من ناحية ثالثة.
حصاد شهر من الإسناد
تعلن الحكومة العراقية رسمياً أنها ليست جزءاً من الحرب الأمريكية على إيران؛ لكن على أرض الواقع تقوم فصائل مسلحة شيعية موالية لإيران بشن هجمات على المصالح الأمريكية من قواعد عسكرية وأبراج ونقاط مراقبة ومراكز تدريب واستخبارات سواء فى بغداد (قاعدة فيكتوريا للشئون اللوجستية) أو فى أربيل والسليمانية ودهوك وحلبجة فى إقليم كردستان، وامتدت الضربات لتشمل مقاراً حزبية ومدنية ومراكز للطاقة تديرها شركات أمريكية فى تلك المدن كنوع من الضغط على حكومة الإقليم التى تجمعها بالولايات المتحدة وإسرائيل علاقات تعاون. كما شمل استهداف "قوات البيشمركة" الكردية التى تتولى إدارة الأمن فى الإقليم، وشمل كذلك استهداف مقار البعثات الدبلوماسية لعدد من الدول الأوروبية والخليجية، ورغم أن تلك الفصائل كانت دائماً ما تستهدف الإقليم على مدار فترات الشد والجذب فى العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أن نمط الاستهداف منذ اندلاع الحرب الأمريكية على إيران بالكيفية السابقة كان مختلفاً من حيث الكم والنوع واتسع ليشمل اختطاف أجانب (اختطاف صحفية أمريكية بالقرب من بابل منطقة تمركز مقرات حزب الله العراقى)، بل ثمة من يقدم تحليلاً لأسباب توسيع الفصائل الموالية لإيران لاستهدافاتها داخل العراق خلال الشهر الماضى يشير إلى رغبة تلك الفصائل فى القضاء على ثلاثة جبهات تشكل جداراً للممانعة فى مواجهة إيران داخل العراق وهى: جهاز الاستخبارات العراقى الذى استهدفت الفصائل مقره ببغداد فى 21 مارس، والقواعد العسكرية واللوجيستية الأمريكية، وإقليم كردستان الذى تعرض خلال الفترة من 28 فبراير إلى 3 أبريل 2026 لأكثر من 600 هجوماً عسكرياً متنوعاً.
فى 2 أبريل الجارى، أصدرت السفارة الأمريكية فى بغداد ووزارة الخارجية الأمريكية عدة تصريحات تدور معظمها حول عدم قدرة الحكومة العراقية على منع الهجمات التى تقوم بها بعض الفصائل المسلحة الموالية لإيران على المصالح الأمريكية، معلنة أن تلك المليشيات قد تشن هجوماً شاملاً فى بغداد ضد الشركات والجامعات والمرافق الدبلوماسية والبنى التحتية للطاقة والفنادق والمطارات، وهو ما يفسر القصف الجوى النوعى الذى شنته القوات الأمريكية لمدة يومين على مواقع اللواء 57 للحشد الشعبى فى محافظة الأنبار واللواء 58 فى محافظة نينوى، ما يعكس التصعيد الميدانى بين الولايات المتحدة والفصائل العراقية المسلحة من ناحية، وتراجع الثقة الأمريكية فى قدرة الحكومة على تحجيم دور تلك الفصائل من ناحية ثانية؛ حيث ترى واشنطن أن سياسة التوازن التى تحاول الحكومة العراقية إتباعها فى التعامل معها لم تعد كافية فى ظل استمرار الهجمات التى تنطلق من داخل الأراضى العراقية نحو المصالح الأمريكية.
وفى سياق محاولات الولايات المتحدة قطع التواصل بين إيران والعراق، قامت القوات الأمريكية فى 4 أبريل الجارى باستهداف أحد أهم المعابر الحدودية بين الجانبين العراقى والإيرانى بقصف جوى وهو معبر "الشلامجة" شرق محافظة البصرة جنوب العراق، وقد استهدفت الضربة قطع شريان تجارى مهم لإيران عبر العراق، حيث يعد المعبر من أهم نقاط حركة التجارة بين البلدين. وبالرغم من وجود معابر حدودية أخرى يمكن اعتمادها فى حركة التبادل التجارى وانتقال الأفراد، إلا أن ضرب معبر "الشلامجة" تحديداً جاء بعد معلومات استخباراتية أمريكية تشير إلى أنه يستخدم فى نقل معدات دعم لوجيستى وعسكرى من العراق إلى إيران، كما تزامن مع تسريبات تقول بانتقال قوات من فصائل المقاومة الإسلامية العراقية إلى داخل إيران لدعم القوات الإيرانية على الأرض تحسباً للغزو البرى الأمريكى المحتمل. هذا التطور يحمل فى طياته هدفاً مهماً فى حال اتجاه الولايات المتحدة لاستهداف باقى المعابر الحدودية بين العراق وإيران ويتمثل هذا الهدف فى مساعى حثيثة لعزل العراق عن إيران بقطع شرايين التواصل البرية بينهما وهى حوالى (7) معابر. وقد استهدفت الفصائل العراقية فى المقابل عدداً من المنشآت النفطية التابعة لشركات أمريكية فى المحافظة نفسها لإجبارها على مغادرتها.
مزيد من التعقيد فى المشهد الداخلى
يعانى العراق من وضع سياسى صعب لاسيما بعد تأخر الاستحقاقات الدستورية المترتبة على الانتخابات التشريعية التى أجريت فى نوفمبر 2025، حيث فشل البرلمان الجديد فى اختيار رئيس الدولة وهو المخصص للأكراد نتيجة لعدم اتفاق الأحزاب الكردية على مرشح للمنصب، ومن ثم تعطلت كافة مسارات باقى الاستحقاقات من تسمية رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة الجديدة. ازدادت هذه الإخفاقات صعوبة مع الحرب الأمريكية على إيران كونها مثلت ورقة مساومة وضغط على كافة أطراف المشهد السياسى العراقى، وخاصة على الإطار التنسيقى الحاكم وعلى المكون السياسى الشيعى ككل المرتبط عقائدياً وعملياً بإيران، وبالتالى أصبح المرشحون للمناصب الرئاسية المتبقة (الدولة والحكومة) محل مساومة من قبل القوى السياسية العراقية الموالية لإيران سواء داخلياً عبر الضغط على غيرها من القوى – حتى داخل البيت الشيعى نفسه - لقبول تسمية مرشح بعينه يكون لديه القدرة على مواجهة سياسات واشنطن ولا يتبع سياسة "التوازن" التى كان يتبعها شياع السودانى رئيس الوزراء المنتهية فترة ولايته، أو خارجياً عبر الضغط على المصالح الأمريكية حال رفض قبولها المرشح الذى تدعمه إيران لتولى منصب رئاسة الحكومة فى العراق.
لذا، من الصعب القول بأن العراق يستطيع استكمال مسار تشكيل مؤسساته بناءً على انتخابات نوفمبر 2025 قريباً، بل يبدو السيناريو الأكثر ترجيحاً استمرار الوضع الحالى على ما هو عليه حتى انتهاء الحرب أو توقفها. وستنعكس مرحلة ما بعد الحرب على آلية المرشح "التوافقى" وهى الآلية الاعتيادية الخاصة باختيار المرشح لمنصب الحكومة حال اختلاف القوى السياسية داخلياً والقوى المعنية بالعراق خارجياً، وتحديداً إيران والولايات المتحدة، حول من يرأس الحكومة الجديدة من ناحية. كما ستنعكس نتائج تلك الحرب أيضاً على المطلب الأمريكى بمنع مشاركة الفصائل المسلحة فى الحكومة الجديدة، وعلى مطلب فك الارتباط مع إيران ككل. وفى كل تلك الحالات سيظل "السلاح الموازى" فى العراق أى السلاح الموجود لدى الفصائل المسلحة قائماً وموجوداً.
فى سياق آخر، ازداد الوضع الداخلى تأزماً مع رسالة "التريث" التى أطلقها رئيس الحزب الديمقراطى الكردستانى مسعود بارزانى مطلع أبريل الجارى التى وجهها لرئاسة البرلمان بعد جمع توقيع 226 نائباً للبدء فى إجراءات انتخاب رئيس الدولة؛ حيث طالب بارزانى قوى الإطار التنسيقى الحاكم بضرورة تأجيل جلسة انتخاب رئيس الدولة، كأحد الارتدادات السياسية المترتبة على الحرب الأمريكية على إيران؛ وقد حملت رسالته مضامين مهمة بشأن تغليب آلية التفاهم والحوار والتوافق الوطنى كآليات مهمة فى العمل السياسى خلال المرحلة المقبلة لاستكمال الاستحقاقات الدستورية. وبناءً على طلب بارزانى تم تأجيل جلسة البرلمان لاختيار رئيس الدولة وتسمية رئيس الوزراء إلى يوم 11 أبريل الجاري. وجدير بالذكر أن الأحزاب الكردية لا تزال مختلفة حول مرشح الرئاسة؛ فحزب الاتحاد (عائلة طالبانى) يرغب فى حسم منصب الرئاسة خلال جلسات البرلمان الفيدرالى مع ربطه بحصة للحزب من الحقائب الوزارية، بينما الحزب الديمقراطى (عائلة بارزانى) يرى ضرورة تحقيق "التوافق الكردى" أولاً حول مرشح منصب الرئاسة قبل مناقشة الأمر فى البرلمان الفيدرالى.
فى الأخير، يمكن القول إن العراق فى الحرب الأمريكية على إيران (فبراير 2026) بات يعانى من مأزق فعلى، وأن سياسة التوازن أو الحياد المعلن عنها رسمياً لا تعبر عن الواقع على الأرض الذى يشهد انخراطاً فعلياً وقوياً من قبل الفصائل العراقية المسلحة فيها، والتى وإن كانت تعمل من خارج منظومة الحشد الشعبى، إلا إنها تتمتع بمظلته الأمنية والسياسية على حد سواء، وأن شهراً من الحرب عكس عدة إشكاليات سياسية داخل العراق تمثل أبرزها فى تعقد مسار اختيار رئيس الدولة ورئيس الحكومة وتشكيلها، كما عكس إخفاقاً أمنياً بشأن دور "هيئة الحشد الشعبى" الأمنى، فضلاً عن الانعكاسات الاقتصادية الحادة التى بدأ يشهدها قطاع النفط والكهرباء والطاقة فى العموم. وتتخوف الحكومة العراقية من أن تنتج تلك الحرب عقوبات اقتصادية على العراق نتيجة سلوك الفصائل المسلحة الداعمة لإيران، بل من المتوقع أن تتعرض العراق لعقوبات أيضاً حال الجنوح إلى اختيار شخصية فى منصب رئاسة الحكومة لا تحظى بموافقة واشنطن، وهذا كله سيظل رهناً لمآلات ونتائج الحرب الأمريكية على إيران فى المدى المنظور.