د. أحمد قنديل

رئيس وحدة العلاقات الدولية ورئيس برنامج دراسات الطاقة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيحية

 

مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران شهرها الثاني، ربما يكون من الأدق، ونحن نحاول قراءة ما يجري في منطقة الشرق الأوسط اليوم، أن نبدأ من إسلام آباد، لا من أي عاصمة أخرى. فهناك، في غرفة اجتماعات بدت للوهلة الأولى تقليدية، انعقد لقاء مهم ضم وزراء خارجية مصر وباكستان والسعودية وتركيا، في 29 مارس 2026.

كان هذا الاجتماع تعبيراً عن إدراك متزايد لدى هذه القوى الإقليمية المهمة بأن ترك الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران يتطور وفق منطقه الخاص، يعني عملياً فتح الباب أمام انفجار إقليمي واسع، تتجاوز تداعياته حدود الشرق الأوسط إلى الاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة، واستقرار النظام الدولي ذاته. وكان عنوان النقاش المباشر، في هذا اللقاء الرباعي، هو إعادة فتح مضيق هرمز لضمان تدفقات الشحن البحري، لكن جوهره الحقيقي كان يتمحور حول كيفية يمكن وقف "الانحدار نحو المجهول" في منطقة الشرق الأوسط.

في هذا الاجتماع الرباعي، كانت خريطة الأزمة حاضرة بكل تفاصيلها وتعقيداتها. مصر، عبر وزير خارجيتها د. بدر عبد العاطي، بدت حريصة على الحفاظ على توازن دقيق، يتيح لها التواصل مع جميع الأطراف دون أن تنحاز إلى أي منها. أما باكستان، ممثلة في وزير خارجيتها إسحاق دار، فقد تحدثت بلغة "الوسيط الحذر" الذي يدرك حساسية موقعه، مشيراً إلى دعم صيني واضح لهذه الجهود، وهو دعم لا يمكن قراءته إلا في سياق إدراك بكين أن استقرار المنطقة لم يعد مسألة بعيدة عن مصالحها الحيوية. وتركيا، التي عبر عنها وزير خارجيتها هاكان فيدان، فقد سعت إلى إعطاء الوساطة بعداً حركياً، مستفيدة من شبكة علاقاتها وقدرتها على التحرك بين خطوط التماس، بل وبين المتناقضات أحياناً.

ومع ذلك، فإن ما كان غائباً عن طاولة هذا الاجتماع، كان ربما أكثر حضوراً مما هو مطروح فوقها. فالولايات المتحدة مستمرة في سياسة "الضغط الأقصى"، وكأنها لا تملك خياراً آخر. وإسرائيل تنظر إلى أي تهدئة محتملة بوصفها "خطراً مؤجلاً"، وتتصرف على هذا الأساس. وإيران لا تزال ترفض منطق التفاوض الرسمي، متمسكة بسياسة ترى فيها ضمانة لعدم تقديم "تنازلات استراتيجية".

وهكذا، بدا واضحاً أن هذا الاجتماع الرباعي في إسلام آباد لا يملك "عصا سحرية" لحل الأزمة، لكنه، في المقابل، يملك ما هو أكثر أهمية، وهو القدرة على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، ومنع القطيعة الكاملة، وتأجيل لحظة "الانفجار الاقليمي الرهيب".

وهنا تحديداً، تبرز أهمية دبلوماسية خفض التصعيد، لا كحل نهائي، بل كأداة لإدارة الوقت، وربما أيضاً،  إذا أُحسن استخدامها، يمكن أن تكون مدخلاً لإعادة ترتيب الأوراق، وإعادة تعريف الأولويات.

الفوضى الممنهجة

قبل يومين فقط من هذا الاجتماع الرباعي في إسلام آباد، عقدت في اسطنبول "قمة الاتصالات الاستراتيجية" (Strat Com 2026) . وإذا كان اجتماع إسلام آباد قد قدم صورة لجهد إقليمي حثيث يحاول احتواء أزمة، فإن اسطنبول، من ناحيتها، قدمت الصورة الأوسع لهذ الجهد.

ففي تلك القمة، التي شارك فيها مسئولون وخبراء من 38 دولة، لم يكن الحديث يدور فقط حول الحرب في الشرق الأوسط، بل حول طبيعة النظام الدولي نفسه. إذ كان هناك شبه إجماع، صريح أحياناً وضمني أحياناً أخرى، على أن العالم دخل مرحلة "السيولة الاستراتيجية"، حيث تختلط أدوات القوة، وتتداخل ميادين الصراع. فالحرب لم تعد تُخاض فقط بالسلاح، بل بالمعلومة، والنصر لم يعد يُقاس بالسيطرة على الأرض فقط، بل بالقدرة على تشكيل الوعي.

وأحسب أن أخطر ما طرح في حوارات اسطنبول لم يكن متعلقاً بحجم الصراع والحرب في منطقة الشرق الأوسط، بل بطبيعتها، التي تم تفسيرها بمفهوم "الفوضى الممنهجة". فنحن لا نعيش في فوضى ناتجة عن غياب النظام، بل في فوضى تُدار ضمن حسابات دقيقة، وتُستخدم لإعادة توزيع النفوذ، وإضعاف الخصوم، وإعادة تشكيل الخرائط.

وفي هذا السياق، لم تعد الحروب كما عرفناها. فهي لم تعد تُخاض فقط بالدبابات أو تُحسم على خطوط النار. لقد دخلنا زمناً آخر، زمناً تصنع فيه الخوارزميات اتجاهات الرأي، وتُدار فيه المعارك على شاشات الهواتف بقدر ما تُدار في الميدان.

ولذلك لم يكن غريباً أن يؤكد برهان الدين دوران، رئيس إدارة الاتصال في رئاسة الجمهورية التركية، على أن "الإعلام أصبح ساحة قتال موازية"، لا تقل أهمية عن ميادين القتال الحقيقية. إذ تُستخدم المعلومات المضللة لتوجيه الرأي العام العالمي، وصناعة سرديات تخدم مصالح أطراف بعينها. وهنا، لم يعد الأمن القومي، وفقاً لدوران، مقتصراً على حماية الحدود، بل امتد ليشمل "حماية الحقيقة نفسها"، في مواجهة ما يمكن وصفه بـ"الإرهاب الإعلامي".

من تآكل النظام إلى هندسة الفوضى

حوارات اسطنبول، التي سبقت لقاء إسلام آباد الرباعي، كشفت عن أن التطورات الدولية المتلاحقة في السنوات الأخيرة قادت إلى تآكل تدريجي في بنية النظام العالمي الذي تأسس عقب الحرب العالمية الثانية. وهذا التآكل لا يعني الانهيار الكامل، بقدر ما يعكس فقداناً متزايداً للشرعية والفعالية. فالمؤسسات الدولية لم تعد قادرة على الاستجابة لتحديات معقدة، في ظل تصاعد إدراك عالمي بازدواجية المعايير، خاصة في مناطق مثل الشرق الأوسط.

غير أن الأخطر من ذلك هو تحول الفوضى ذاتها إلى "أداة سياسية". فبدلاً من أن تكون الأزمات نتيجة خلل عرضي، أصبحت تُدار وتُوظف لتحقيق أهداف استراتيجية. ويتجلى ذلك في تغذية الصراعات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط (بين العرب والفرس وبين الأتراك والأكراد على سبيل المثال)، وإعادة رسم خرائط النفوذ، وإضعاف الدول الوطنية عبر استنزافها داخلياً وإقليمياً.

وفي هذا السياق، تبرز التحذيرات من أن ما تشهده منطقة الشرق الأوسط لا يقتصر على صراع حول ملفات بعينها (كالملف النووي الإيراني مثلاً)، بل يمتد إلى محاولات أعمق تستهدف تفكيك البنية الاجتماعية والسياسية للدول، عبر تأجيج الانقسامات العرقية والطائفية، وتحويلها إلى صراعات ممتدة يصعب احتواؤها.

الملكية الإقليمية للسلام

وفي مواجهة هذا المشهد المعقد، برزت خلال حوارات اسطنبول فكرة محورية تتمثل في "الملكية الإقليمية للسلام". وتعني هذه الفكرة أن دول الإقليم هي الأقدر على إدارة أزماته، والأكثر مصلحة في تحقيق استقراره، مقارنة بالقوى الخارجية التي قد تستفيد، بشكل أو بآخر، من استمرار التوترات والصراعات بين الفاعلين الرئيسيين في المنطقة. وهذه الفكرة لا تلغي دور القوى الكبرى في المنطقة، لكنها تعيد التوازن إلى معادلات القوى الراهنة، بحيث يصبح الحل لأزمات المنطقة نابعاً من الداخل، ومدعوماً، لا مفروضاً، من الخارج.

وربما كانت دبلوماسية خفض التصعيد من جانب عدد من الدول الإقليمية الكبرى، ومنها مصر والسعودية وتركيا وباكستان، انعكاساً مباشراً لهذه الفكرة، خاصة مع تنامي الإدراك بخطورة الانزلاق إلى صراعات مفتوحة في المنطقة. فهذه النوعية من الدبلوماسية، وفقاً لكثير من الخبراء، أصبحت ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها. فهي، في عالم كهذا الذي نعيش فيه الآن، تمثل الحد الأدنى الممكن من العقلانية، والحد الأدنى اللازم لمنع الانهيار الكامل والفوضى الشاملة في منطقة الشرق الأوسط.

خفض التصعيد ليس كافياً

لكن دبلوماسية خفض التصعيد تظل أداة محدودة، إذا لم تتحول إلى جزء من رؤية أوسع. وهنا تكمن الإشكالية. فمنطقة الشرق الأوسط، رغم كل ما شهدته من أزمات منذ نشأة إسرائيل في عام 1948، لم تنجح بعد في إنتاج نظام أمني إقليمي مستقر. فما زالت الترتيبات مؤقتة، والتحالفات متغيرة، والثقة غائبة. وبالتالي، فإن أي خفض للتصعيد يظل هشاً، قابلاً للانهيار مع أول اختبار جدي.

ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في وقف التصعيد، بل في ما بعده. وهنا، نصل إلى النقطة الجوهرية وهي أن السلام في الشرق الأوسط لا يمكن أن يُبنى بالصدفة، ولا يمكن أن يُفرض من الخارج، ولا يمكن أن يقوم على "توازن رعب دائم". فالسلام يحتاج إلى نظام، والنظام يحتاج إلى قواعد، والقواعد تحتاج إلى اتفاق، ولو في حدوده الدنيا، بين الأطراف الفاعلة.

بعبارة أخرى، الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من الاجتماع الرباعي في إسلام آباد وحوارات اسطنبول معاً هو أن أدوات إدارة الصراع قد تغيرت جذرياً. ففي عالم "الفوضى الممنهجة"، لم تعد القوة الصلبة كافية لتحقيق الاستقرار، بل أصبح من الضروري امتلاك أدوات القوة الناعمة والذكية، وعلى رأسها القدرة على إدارة السرديات والتأثير في التصورات. فالحرب اليوم لا تُخاض فقط في الميدان، بل في العقول أيضاً.

ومن هنا، تبرز دبلوماسية خفض التصعيد كضرورة استراتيجية، وليست مجرد خيار تكتيكي. فهي تمثل الأداة الوحيدة المتاحة حالياً لمنع تحول التوترات إلى انفجار إقليمي شامل. لكنها، في الوقت ذاته، تظل أداة محدودة إذا لم يتم دمجها ضمن رؤية أوسع لبناء السلام في منطقة الشرق الأوسط.

وهنا نصل إلى السؤال التالي: كيف يمكن تحويل خفض التصعيد من حالة مؤقتة إلى مسار دائم؟

الإجابة تكمن في قدرة الدول الإقليمية على الانتقال من منطق "إدارة الأزمات" إلى منطق "بناء النظام".

وهذا يتطلب:

أولاً، إنشاء أطر مؤسسية، حتى وإن كانت غير رسمية، للتعاون الإقليمي، تشمل مجالات الأمن والطاقة والتجارة.

ثانياً، تطوير قنوات اتصال دائمة بين الأجهزة العسكرية والدبلوماسية والاستخباراتية، لتقليل احتمالات سوء الفهم والتصعيد غير المقصود.

ثالثاً، إشراك الفاعلين الاقتصاديين والمجتمعيين في عملية بناء السلام، بما يعزز الترابط الإقليمي ويخلق مصالح مشتركة.

إضافة إلى ذلك، يصبح البعد الإعلامي عنصراً حاسماً في نجاح أية استراتيجية سلام في منطقة الشرق الأوسط. ففي عصر السرديات، يمكن لأي حملة تضليل أن تقوض جهوداً دبلوماسية معقدة. لذلك، فإن بناء خطاب إعلامي موثوق ومتماسك، قادر على مواجهة المعلومات المضللة، يعد جزءاً لا يتجزأ من أية استراتيجية ناجحة للسلام في المنطقة.

وفي ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن دبلوماسية خفض التصعيد تمثل ضرورة حتمية لبناء السلام في منطقتنا المضطربة، لكنها ليست كافية بمفردها. فهي توفر فرصة لالتقاط الأنفاس ومنع الانفجار، لكنها، في الواقع، لا تضمن تحقيق السلام ما لم تُدمج ضمن رؤية استراتيجية شاملة. وهذه الرؤية يجب أن تتجاوز منطق "إدارة الأزمات" إلى منطق "بناء النظام"، بحيث يتم الانتقال من رد الفعل إلى الفعل، ومن التهدئة المؤقتة إلى الاستقرار المستدام.