رانيا مكرم

خبيرة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

تعتمد إيران على إدارة مركزية متكاملة لوسائل الإعلام في البلاد، تتزايد سيطرتها على المحتوى المقدم فيها خلال الأزمات التي تتعرض لها، من خلال تضافر جهود النظام والحرس الثوري للسيطرة على تدفق المعلومات والأخبار، وفق هدف رئيسي هو فرض سردية رسمية موحدة تمنع التسريبات التي قد تؤثر على معنويات الداخل، أو تقلل من قدر النظام في مواجهة الخارج.

 وقد تجلى هذا بوضوح في الحرب الحالية، حيث تم حجب وتقييد المواقع المستقلة وفرض رقابة على وسائل التواصل الاجتماعي، مع التركيز على القنوات الرسمية والصحف والمواقع الإلكترونية المملوكة للدولة. يتيح هذا التحكم للإعلام الإيراني تقديم صورة منظمة للصراع، تظهر فيه إيران قوية ومتماسكة، وتبرز تضحياتها العسكرية والشعبية، مع تقليل التأثير النفسي للتقارير حول الخسائر أو التراجع العسكري، مما يعكس فهم طهران لدور الإعلام كأداة استراتيجـية لا تقل أهمية عن العمليات الميدانية.

توظيف لتثبيت السردية الوطنية والدينية

يوظف النظام الإيراني وسائل الإعلام لإعادة إنتاج سرديتها التقليدية التي تجمع بين البعد الوطني والديني، بهدف تعزيز الدعم الداخلي والتأثير على المتلقي خارج حدود الدولة، خلال الحرب الحالية، من خلال عدة محاور:

1- إعادة إحياء مفاهيم دينية ووطنية: مثل "الشهادة" كغاية فكرية ووسيلة للدفاع عن الوطن، و"الدفاع المقدس" في إشارة إلى العدو الخارجي كقوة "استكبارية" يحاول كسر إرادة الأمة، و"الاستشهاد الحسيني" كمصدر إلهام ثقافي، عادة ما يستخدم لتفسير الموت في ساحة الحرب بأنه تضحية مستحقة ومأجورة من الله. مع التركيز على تضحيات الحرس الثوري والجيش الإيراني، لتقديم الحرب على أنها امتداد للصراع الحضاري مع القوى المعادية، وليس مجرد مواجهة عسكرية محدودة، من خلال تصويرها كاختبار وجودي يتطلب التضحية، وتقديم القيادة بوصفها راعية شرعية للصمود والصلابة وليس فقط مجرد قيادة سياسية.

كما يظهر اهتمام فائق باختيار الألفاظ التي يخاطب بها الإعلام الرسمي الجمهور، حيث تستخدم تعبيرات مثل "عملية عقابية" للتعبير عن هجوم جديد تشنه إيران على بنك أهدافها في المنطقة، و"ثمن النصر" للإشارة إلى الخسائر التي تتكبدها، و"قوى المقاومة" للإشارة إلى المليشيات الموالية، وبالطبع يُختار تعبير "استشهاد" بدلاً من اغتيال أو استهداف.

2- الاستخدام المكثف للمحتوى المرئي القصير: من خلال إنتاج الأفلام الوثائقية، والتاريخية التي تقارن بين الحرب الحالية والحرب العراقية–الإيرانية، والتغطية المكثفة للضحايا، وصياغتهم كـ "قدوة وطنية"، إلى جانب الخطب الدينية القومية التي تربط بين القومية الإيرانية والمقدس الديني الشيعي. فيما برزت بشكل كبير فيديوهات قصيرة عن المرشد الأعلى تتناول تسجيلات سابقة له، وأفلام مصنوعة بتقنية الـ AI عنه على وسائل التواصل الاجتماعي المحلية أو ما يسمى الإنترنت الأبيض، مثل تطبيق سروش (Soroush)، والعالمية التقليدية، بهدف جذب مزيد من التعاطف لشخصه ولدوره في النظام. هذا الأسلوب يتيح للنظام توجيه الرأي العام الداخلي نحو الالتفاف حول القيادة، ويعمل في الوقت نفسه على إرسال رسائل استراتيجية إلى الخارج حول جدية إيران وعمق التزامها بمبادئها الثابتة.

3- عزل الداخل إعلامياً: في سياق سيطرة المؤسسات الأمنية وعلى رأسها الحرس الثوري الإسلامي، على مفاصل الإعلام التقليدي والرقمي، بما يشمل التلفزيون الإيراني الرسمي (IRIB)، والصحف القومية والمحلية التابعة للدولة أو ذات ولاء سياسي، والمنصات الرقمية التي تعمل تحت إشراف الجهات الأمنية، فقد لجأ النظام إلى قطع الاتصالات الدولية، وحجب التطبيقات الأجنبية، ومراقبة منصات التواصل الاجتماعي المحلية، وتقييد الوصول إلى المواقع المستقلة، إلى جانب حملات الترويج الممنهج للرسائل الرسمية. هذه الإجراءات لا تهدف فقط إلى منع تداول الأخبار المعاكسة، بل تشكل آلية لترسيخ سردية الدولة بشكل مستمر لدى الجمهور الداخلي، ومنع أي أصوات معارضة من التأثير على المزاج الشعبي أو على معنويات القوات المسلحة. فضلاً عن كونها أداة أساسية لتفكيك البنية التنظيمية للاحتجاجات التي يمكن أن تندلع في أي وقت، وذلك من خلال قطع وسائل الاتصال بين المشاركين.

4- توظيف الإعلام الخارجي: تمتلك إيران شبكة واسعة من الإعلام الموجه للخارج، بعدة لغات، مثل قنوات "العالم" و"الكوثر" و"الأفق" الناطقة بالعربية، قناة "Press TV" الإنجليزية، و "Hispan TV" الأسبانية، وقناة "سحر" الناطقة بالكردية والأردية، وقناة "Hausa TV" الموجهة لمنطقة غرب أفريقيا بلغات محلية، فضلاً عن حوالي 11 محطة إذاعية أبرزها إذاعة "ثأر" و"ميسان" و"الحشد" و"الوعد"، إلى جانب وكالات الأنباء التقليدية الموجهة للخارج في الأساس. وتعمل هذه الشبكة حالياً على بث رسائل معادية للولايات المتحدة وإسرائيل. وتسلط الضوء على ضحايا الحرب من المدنيين الإيرانيين لخلق حنق عالمي ضد الحرب على إيران، لاسيما من خلال محتوى مرئي مؤثر للضحايا وبصفة خاصة ضحايا مدرسة "شجرة طيبة" الابتدائية للبنات بمحافظة هرمزكان، فضلاً عن بث محتوى حماسي يدعو إلى تدشين تحالفات ثقافية وسياسية مع حركات المقاومة الإقليمية. إلى جانب مخاطبة الجمهور الشيعي في المنطقة لتعزيز روح التضامن مع إيران.

 حدود التأثير

مع التسليم بتعدد توجهات الرأي العام الإيراني ناحية النظام، باختلاف الشرائح والفئات المكونة للمجتمع، فإن تأثير الإعلام الرسمي على المجتمع وما يبثه من سرديات رسمية بخطاب عاطفي أحياناً وديني أحياناً أخرى، وحاسم في أغلب الأوقات، يظل مرهوناً بالموقف المسبق من النظام، ومدى مرونة هذا الموقف للتحرك نحو دعم هذا النظام أثناء الحرب، أو التوقف عند الموقف الرمادي منه، أو حتى التحرك ناحية معاداته. ويشير الجدول التالي إلى ما يمكن اعتباره تلخيصاً لمستويات تأثر فئات المجتمع الإيراني المختلفة بوسائل الإعلام الرسمية بالمقارنة مع موقفها من النظام، اعتماداً على كتابات سابقة في ذات الشأن:

تفاوت تأثر الفئات الاجتماعية بالإعلام الرسمي

الفئة الاجتماعية

مستوى التأثر بالإعلام الرسمي

التوجه ناحية النظام خلال الحرب

ملاحظات

الفئات الموالية

عالي

مؤيد

تلتف حول القيادة، تستجيب للسردية الوطنية والدينية

الشباب الحضري

متوسط إلى منخفض

متشكك

وصولها لمصادر إعلامية متعددة يقلل التأثير الرسمي

الأقليات الدينية والعرقية

منخفض

متباين

الإعلام الرسمي يركز على القيم المشتركة، لكنه لا يضمن التأثير الكامل

المعارضة السياسية

منخفض إلى منعدم

ناقد

يستخدمون الإعلام البديل والمستقل لتشكيل آرائهم

 

يمكن القول إن الخبرة السابقة للنظام الإيراني في إدارة الإعلام الرسمي خلال حرب الـ 12 يوماً قد حققت اختراقاً واضحاً ناحية النجاح في حشد الجماهير في الداخل وتوحيدهم إلى حد كبير وراء النظام على الرغم من الاحتجاجات التي كانت تشهدها البلاد حتى قبل الحرب بيوم واحد، غير أنه منذ بداية الهجمات على إيران في يونيو الماضي 2025، تحولت الاحتجاجات الشعبية على سياسات النظام الاجتماعية والاقتصادية لتظاهرات تنديد بالضربات الإسرائيلية، وحث للنظام على مواجهة العدوان والرد عليه.

فقد تعامل النظام بذكاء في إدارته لملف الإعلام الرسمي من خلال فتح مجال لتغطية مستمرة ولحظية للهجمات على إيران، ورد النظام عليها، كما أظهرت شاشات التلفزيون فتيات غير ملتزمات بالحجاب وهن يتظاهرن لدعم ردع النظام للهجمات الإسرائيلية، في سابقة من نوعها، بينما تحول مبنى التلفزيون الرسمي لأيقونة لصمود عامليه، وخاصة عقب استهداف المبنى خلال بث مباشر لبرنامج للمذيعة سحر إمامي، وظهورها مجدداً خلال دقائق من الهجوم بثبات لتكمل برنامجها المباشر.

أما خلال الحرب الحالية، ومع تزايد السخط الشعبي قبل بدايتها على سياسات النظام ونزول فئات حديثة العهد بالاحتجاجات إلى الشارع، منها فئة البازار ورجال الأعمال، واعتماد الأجهزة الأمنية سياسة قمعية شرسة في السيطرة على الاحتجاجات التي استمرت لأسابيع، فإن ثمة فجوة قد اتسعت بين الفئات المحتجة والنظام، حدّت على الأرجح من قدرة تأثير الإعلام الرسمي عليها، فعلى الرغم من عدم ظهور احتجاجات خلال شهر من عمر الحرب على إيران، فإن التظاهرات المؤيدة للنظام لم تكن في الوقت نفسه بكثافة الحرب الأولى، باستثناء تلك التظاهرة المليونية في الجمعة التي أعقبت اغتيال المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي.

في هذا السياق، يراهن النظام الإيراني على مؤيديه وما يمكن أن يطالهم تأثير الإعلام الرسمي من الأغلبية الرمادية، التي لا تزال ترى أن استقرار البلاد ضرورة لا غنى عنها، وهي فئة يخاطب الإعلام الرسمي في إيران ذاكرتها الحاضرة، مستدعياً خبرات الحرب مع العراق، والحصار والعقوبات ومحاولات تأجيج الداخل، وهي كلها أحداث أثرت بشكل مباشر في بنية هذه الفئة الاجتماعية ومقدراتها الاقتصادية ونمط معيشتها، كما يحاول الإعلام الرسمي في هذا الإطار بث رسائل طمأنة لهذه الفئة للسيطرة على مشاعر الخوف القلق المرتبطة باستمرار الحرب.

وعلى الرغم من هذه المحاولات، تظل قدرة الإعلام الرسمي على التأثير بما يفرضه على المجتمع من سرديات محدودة على المدى الطويل، في ظل عدم إمكانية احتكار الحقيقة والمعلومات التي تعكسها، حتى في ظل التعتيم والحجب والإبطاء لكل ما يمثل مصدراً للمعلومة خارج سيطرة النظام، فضلاً عن تلك الفجوة التي لا يمكن إخفائها بشعارات رنانة بين الواقع على الأرض والسردية الإعلامية. إذ بات المواطن الإيراني محاصراً بين هجمات الخارج وتأثيرها على مشاهد حياته اليومية، وبين تعتيم إعلامي في الداخل تتناقص قدرته على الإقناع وإخفاء ما لا يمكن إخفاءه.