مع دخول العدوان الإسرائيلي على لبنان أسبوعه الخامس، سقط 4 جنود إسرائيليين قتلى في جنوب لبنان في 31 مارس 2026 ليرتفع عدد قتلى الجيش الإسرائيلي في لبنان منذ بداية الحرب الجارية إلى 9 على الأقل. بينما أصيب خلال 24 ساعة فقط ما يقارب 48 ضابطاً وجندياً إسرائيلياً بما يجعل عدد المصابين يتخطى 150، رُبعهم على الأقل إصابتهم خطيرة. في المقابل، لا يعلن حزب الله عن أرقام ضحاياه من المقاتلين، ولكن مصادر غير مؤكدة رجحت أن يكون الحزب قد فقد نحو 400 من مقاتليه منذ بداية الحرب الراهنة في 2 مارس[1].
وتعلن وزارة الصحة اللبنانية بشكل دوري عن عدد الضحايا المدنيين، وقد بلغ العدد في بداية الأسبوع الخامس من الحرب 1268 شهيداً منهم 125 طفلاً و88 من النساء ونحو 3750 مصاباً منهم 423 طفلاً و473 من النساء[2]. فيما سقط نحو 51 من المسعفين والطواقم الطبية شهيداً بعد استهداف مباشر لسيارات الإسعاف أو المراكز الطبية والمستشفيات[3]. يتصاعد الاستهداف الإسرائيلي للأهداف المدنية بعد استنزاف بنك الأهداف العسكرية التي تدّعي إسرائيل أنها تابعة لحزب الله.
فقد تم استهداف سيارة تقل مراسلين صحفيين يعملون لصالح قناة المنار، مما أودى بحياة ثلاثة صحفيين. وادعت إسرائيل أن أحد الصحفيين الثلاثة المستهدفين هو عنصر تابع لحزب الله ولكنه متخفي في هوية صحفية. فيما استهجنت وزارة الإعلام اللبنانية استهداف الصحفيين واعتبرت أن ملاحقة إسرائيل للصحافة يعكس رغبتها في طمس الحقائق. ويستعد لبنان لتقديم شكوى رسمية لمجلس الأمن ضد الانتهاكات الإسرائيلية خلال الحرب الجارية، خاصةً فيما يتعلق باستهداف المدنيين والصحفيين والطواقم الطبية والبنية التحتية المدنية.
زحف غير نمطي لتوسيع العدوان جنوباً
أقدمت إسرائيل خلال يوميّ 29 و30 مارس على مهاجمة قوات اليونيفل الأممية العاملة في لبنان، مما أدى إلى مقتل 3 جنود من الكتيبة الإندونيسية بعد انفجار آليات لهم في حادثين منفصلين في بلدتيّ عدشيت وبني حيان في جنوب لبنان[4]، الأمر الذي دفع فرنسا للدعوة لعقد جلسة عاجلة بمجلس الأمن للتنديد باستهداف القوات الدولية والدعوة لاحترام عملها وعدم تعريض أفرادها للخطر. فيما أدانت وزارة الخارجية الإندونيسية الحادثين معتبرة أن العمليات العسكرية الإسرائيلية تُعرِّض أمن القوات الدولية للخطر وأن على جميع أطراف النزاع احترام القانون الدولي الإنساني وضمان سلامة القوات الدولية[5]. وقد حذر منسق الأمم المتحدة للمساعدات الإنسانية توم فليتشر خلال جلسة مجلس الأمن بشأن مقتل جنود اليونفل في لبنان من أن توسع الهجمات الإسرائيلية "يضع أراضٍ جديدة في لبنان تحت الاحتلال الإسرائيلي" وبالتالي يفاقم الاحتياجات الإنسانية للنازحين ويعمق الانتهاكات بحقهم وحثّ المجتمع الدولي على منع ذلك والتحسب له[6].
يؤشر تصاعد أرقام الضحايا واتساع دائرة الاستهداف، لتشمل فئات غير عسكرية مثل الصحفيين والمسعفين فضلاً عن القوات الدولية، على حجم التصعيد الذي قد بلغه العدوان الإسرائيلي على لبنان. ويأتي ذلك بعد سلسلة من الاستهدافات للجسور الممتدة على نهر الليطاني منذ 13 مارس، بما يشي بأن إسرائيل تنفذ خطة تصاعدية لعزل جنوب الليطاني عن شماله لتأمين غزوها البري وضمان قطع خط إمداد المقاومة في منطقة جنوب الليطاني. هذه الاستراتيجية تعكس خطة عسكرية معتادة كانت إسرائيل تعتمدها في حروبها السابقة على لبنان في أعوام 1978 و1982 وأيضاً في 2006. إذ تتذرع إسرائيل بأن قصف الجسور يتم بعد استخدامها من قبل حزب الله لنقل وسائل عسكرية عبرها وتدعو السكان إلى إخلاء المناطق المحيطة قبل تنفيذ التهديد بالقصف[7].
ولكن تدمير الجسور والطرق لا يشمل فقط تلك الرابطة بين جنوب الليطاني بشماله ولكن أيضاً تلك الرابطة بين قطاعات الجنوب الثلاثة، بحيث يتم عزل القطاع الشرقي عن الأوسط عن الغربي، بما يقسّم الجنوب إلى مربعات معزولة عن بعضها البعض وعن شمال الليطاني ويسهل من عملية خنقها ثم غزوها. وكان رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير قد هدد بأن العملية الإسرائيلية البرية ضد لبنان لا تزال في بدايتها وأنها ستتوسع وستكون طويلة الأمد، بينما اعتبر وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش أن "نهر الليطاني يجب أن يكون هو الحدود الدولية بين لبنان وإسرائيل"[8].
بخلاف الحفاظ على القصف المكثف على قرى الجنوب والبقاع وأحياء الضاحية الجنوبية لبيروت، دخل التوغل البري الإسرائيلي مرحلة جديدة من التوسع، حيث باشر الاحتلال التوغل البري عبر مسارات غير منتظمة، بحيث يتوغل رأسياً ثم أفقياً ثم رأسياً مرة أخرى في محاولة لبلوغ نهر الليطاني أو السيطرة على المرتفعات الاستراتيجية في جنوب لبنان. وهكذا تسلل الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب اللبناني من منطقة إصبع الجليل من مركبا بالالتفاف حول بلدة الطيبة والقنطرة ثم دير السريان حتى وصل إلى أحد أفرع نهر الليطاني الفرعية قرب وادي الحجير. ومن القطاع الأوسط حاول الاحتلال دخول عيناتا ثم نفذ التفافاً حول عيترون من أجل السيطرة على بلدة بنت جبيل ولكنه فشل فواصل تقدمه حتى وصل إلى المحيسبات وحاول تثبيت موقع له بها. ومن القطاع الغربي حاول التقدم نحو الناقورة للسيطرة عليها ولكنه فشل فالتف حولها عبر بلدة إسكندرونة ثم شمع حتى وصل إلى البياضة وثبّت مواقعه بها، وهي بلدة استراتيجية بالنظر إلى أنها تشرف على طول الطريق الساحلي حتى صور.
وقد نجح الإسرائيليون في تحقيق هذه الاختراقات بعمق يصل إلى 8 كم داخل الأراضي اللبنانية بسلوك مسارات غير تقليدية وغير خطية تتبادل التقدم الرأسي والأفقي من أجل الإفلات من المواجهات والاشتباكات الحامية مع حزب الله. وفرض الطيران الحربي الإسرائيلي سيطرة جوية على مناطق تقدم جنوده على الأرض من أجل إضعاف تحصينات حزب الله.
ويبدو أن الخطط الإسرائيلية لاحتلال جنوب لبنان تتوسع باضطراد، فبعد توجيه قصف مكثف لمنطقة جنوب الليطاني ثم التوغل فيها بحذر طوال الإسبوع الماضي، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء لعدة قرى تقع في المساحة بين شمال نهر الليطاني وجنوب نهر الزهراني، مما يعني توسيع المنطقة المستهدفة بالإخلاء والتدمير إلى شمال الليطاني. انعكست هذه الخطط في تصريحات نتنياهو التي أعلن فيها مساء 29 مارس عن إصداره أوامر للجيش الإسرائيلي بتوسيع "المنطقة الآمنة" في لبنان. بينما تشير الخطط الإسرائيلية إلى نية التوغل والاحتفاظ بالسيطرة على الجنوب اللبناني بعمق نحو 30 كم. فيما هدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 31 مارس بأن بلاده تنوي الاحتفاظ بالسيطرة على جنوب لبنان حتى بعد انتهاء الحرب مع حزب الله وأن سكان الجنوب الذين يقارب عددهم 600 ألفاً سيُمنعون من العودة إليه، وهو الأمر الذي يعني نية إسرائيل ابتلاع نحو 13% من مساحة لبنان لتحويلها إلى منطقة عازلة خالية من السلاح والسكان وغير قابلة للحياة أو إعادة الإعمار.
حزب الله.. الكُمون ثم الانقضاض
خلال الساعات الأولى من نجاح الإسرائيليين في التقدم في الجنوب اللبناني عبر مسارات غير خطية، اعتبر حزب الله أنه لا يتمسك بالجغرافيا ولكنه يركز على المناورة كي يستدرج العدو إلى حتفه[9]، وهو تكتيك معتاد يتبعه حزب الله عندما ينجح العدو بالتقدم البري، بحيث يسمح له ببلوغ نقاط متقدمة قبل أن يباغته بفخ محكم يقطع عليه طريق الانسحاب الآمن، وهو ما كان يشي بأن الأيام التالية للتوغل ستشهد عمليات قاتلة للقوات الإسرائيلية داخل الحدود اللبنانية.
على التوازي مع توسع التوغل البري منذ 29 مارس، أعلن حزب الله أنه نفذ نحو 1100 عملية منذ بداية الحرب الجارية، غير أن عملياته في الأيام الأخيرة قد أخذت طابع الالتحام المباشر من المسافة صفر مع جنود الاحتلال المتسللين إلى لبنان[10]. وقد زاوج في هجماته بين القصف المدفعي والاستهداف الصاروخي والتعقب بالمسيرات الانقضاضية فضلاً عن الأسلحة المتوسطة والخفيفة في الاشتباكات الفردية. ومن أبرز الاستهدافات الأخيرة لحزب الله تفجير المواقع التي ثبّتها جيش الاحتلال في البياضة عدة مرات منذ 28 مارس الجاري[11]. وكذلك استهداف متكرر لتجمعات جنود الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية وإحكام المصيدة على دبابات الميركافا التي تحاول الانسحاب وهذا تكرر بشكل خاص في محيط مركبا والخيام والطيبة وعيناتا[12]. بالإضافة إلى تنفيذ هجمات من أكثر من محور لمحاصرة وقطع إمداد القوات الإسرائيلية المتقدمة وخاصةً على المحور الشرقي في بيت ليف والمحور الغربي قرب بلدة شمع. أتت هجمات قطع الإمداد تلك بعد أن توغلت القوات الإسرائيلية لمدة ثلاثة أيام في الجنوب وعلى عمق 8 كم، حيث كمن عناصر حزب الله لدراسة نمط تقدم القوات وأماكن مواقعها المستحدثة وترتيبات الإمداد الخاصة بها، ثم اشتبكوا معها مما تسبب بمقتل 4 وإصابة 48 من الضباط والجنود الإسرائيليين خلال 24 ساعة فقط.
وعلى التوازي مع الاشتباك مع القوات الإسرائيلية المتوغلة، يحافظ حزب الله على استهداف صاروخي وهجمات بالمسيرات بوتيرة شبه ثابتة لمستوطنات الشمال الإسرائيلي حتى الخضيرة على بعد نحو 75 كم من الحدود المشتركة. فضلاً عن استهداف مراكز العمليات اللوجستية التي تساند القوات المتوغلة سواء في الجولان السوري المحتل أو شمال إسرائيل. يلعب حزب الله أيضاً دوراً مميزاً في استنزاف الدفاعات الجوية في شمال إسرائيل قُبيل توجيه طهران لهجوم موسع على مرافق الطاقة والصناعات العسكرية في خليج حيفا.
فبعد توسع إسرائيل في قصف البنية التحتية للطاقة والصناعات العسكرية الإيرانية، ردت طهران بالمثل، الأمر الذي انطوى على هجوم موسع على مصانع بتروكيماويات إسرائيلية في بئر السبع وخليج حيفا، وفي كلا الهجومين شارك حزب الله في استنزاف وإعطاب منظومة الدفاع الجوي عبر إغراقها بصواريخ ومسيرات قُبيل الهجوم الإيراني الذي حقق بالتالي إصابات مباشرة[13]، الأمر الذي يوحي بأن حزب الله قد رمم سريعاً قدراته الهجومية على إطلاق الصواريخ والمسيرات، ولم يتأثر أداؤه بأية ضربات إسرائيلية في جنوب الليطاني أو في شماله[14]. مع استمرار تهديد حزب الله ليس فقط لشمال إسرائيل بل أيضاً عمله في تناغم مع الإيرانيين لاستنزاف القبة الحديدية وغيرها من منظومات الدفاع الجوي.
في المقابل، ردت إسرائيل بتوسيع هجومها على لبنان، حيث استهدفت صباح 30 مارس حاجزاً للجيش اللبناني بمنطقة العامرية في محيط صور مما أدى لاستشهاد أحد الجنود وإصابة آخرين. وكان الجيش اللبناني قد أعاد نشر مواقعه على عمق نحو 10 كم في جنوب لبنان، وذلك لتفادي الاشتباك المباشر مع قوات الاحتلال الإسرائيلي دون توفر إمكانيات كافية للمواجهة. فيما أوضح الجيش في بيان بتاريخ 1 أبريل أن إعادة التموضع جاءت لتفادي عزل وحداته أو قطع خطوط إمدادها، وتعهد الجيش بإبقاء بعض جنوده لخدمة السكان الباقين في البلدات الجنوبية وفق ما يتوفر من إمكانيات. وقد حذر الجيش في بيانه من خطورة التحريض والتشكيك في المؤسسة العسكرية وما يخلقه ذلك من توتر داخلي له تأثير سلبي على الأهالي[15]، وهو في ذلك يشير إلى حملات تنتقد موقف الحكومة اللبنانية التي تعارض عمليات حزب الله العسكرية في الجنوب وتمتد للتشكيك بموقف الجيش اللبناني.
وكان حزب الله قد صعّد إعلامياً وسياسياً ضد الحكومة واصفاً إياها على لسان نائب رئيس المجلس السياسي محمود قماطي بـ "حكومة فيشي" في لبنان على غرار الحكومة الفرنسية التي تعاونت مع الاحتلال النازي لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية[16]. وهدد قماطي أنه عندما تنتصر "المقاومة" فإنها ستحاسب هذه الحكومة التي ستكون مضطرة إما للاعتذار والتراجع عن قراراتها بتجريم نشاط حزب الله العسكري أو مواجهة غضب شعبي واسع ضدها يؤدي لإسقاطها[17]. وقد أثارت هذه التصريحات التصعيدية غضب رئيس الحكومة نواف سلام الذي اعتبر أن الغرض منها هو الابتزاز ولفت الانتباه عن مساءلة حزب الله عن قراره المنفرد بالزج بلبنان في حرب ليس له مصلحة من خوضها. واعتبر سلام أنه لا رجعة عن استعادة قرار الحرب والسلم وفرض حصرية السلاح الذي تأخر كثيراً ويتضح جلياً أضرار تأخير هذا القرار. رأى سلام أن كل صاروخ أطلقه حزب الله قد تسبب في تهجير عشرات الآلاف من اللبنانيين وحمّل الحكومة اللبنانية أعباء إغاثة النازحين الذين تخطى عددهم المليون نازح ولم ينجح في استعادة سيادة لبنان[18].
محاولات تطويق التصعيد
يعكس توسيع العمليات الإسرائيلية في لبنان رغبة تل أبيب في تخريب الجهود الدبلوماسية الساعية لوقف الحرب خاصةً على التوازي مع انعقاد اجتماع رباعي لوزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان في إسلام آباد مساء 29 مارس. فتل أبيب تعارض خطط وقف الحرب الشاملة، أو على أقل تقدير ترفض وقف الحرب في لبنان، بحيث إذا ما توصل ترامب لهدنة مفاجئة مع طهران، تحرص إسرائيل على أن يبقى لبنان خارج هذا الاتفاق لحين تنفيذ مخططاتها في خلق "المنطقة العازلة".
وكان وزير الخارجية المصري د.بدر عبد العاطي قد زار بيروت في 26 مارس – قبل اجتماع إسلام آباد- لنقل رسالة دعم وتضامن من القيادة والشعب المصري إلى لبنان في وجه العدوان الإسرائيلي ورفض سياسة العقاب الجماعي بتدمير البنية التحتية والجسور وأوامر الإخلاء. زار عبد العاطي مركزاً للنازحين والتقى معهم ناقلاً مساعدات من الشعب المصري للشعب اللبناني في محاولة لتسليط الضوء على الأزمة الإنسانية التي يواجهها النازحون في لبنان، حيث تخطى عددهم المليون نازح. وقد ذكّر عبد العاطي بضرورة العودة لمقررات القرار 1701 ودعم مؤسسات الدولة اللبنانية وخاصةً الجيش اللبناني لبسط سلطة الدولة على كافة الأراضي اللبنانية وحصر السلاح بيد الدولة[19].
ويعكس التحرك المصري رغبة القاهرة في إبقاء لبنان ضمن بؤرة الاهتمام العربي، خاصةً مع انشغال دول الخليج بالعدوان الإيراني على أراضيها واستغلال إسرائيل لحالة العداء مع إيران لشق الصف العربي بشأن لبنان. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية رسم خط ثالث يُخرج التفاعل الإقليمي والدولي بشأن لبنان من ثنائية الرغبة الإسرائيلية في الهيمنة والاستحواذ والرغبة الإيرانية بتهميش الدولة اللبنانية والتفرد بالقرار خارج مؤسساتها الرسمية. وهنا يمكن وضع التحرك المصري للتضامن مع لبنان، والمبادرة الفرنسية لوقف الحرب ضمن هذا الخط الثالث الذي يسعى لتعزيز دور مؤسسات الدولة الرسمية اللبنانية ويُعيد الاعتبار للحلول الدبلوماسية بدلاً من التصعيد العسكري.
ولكن إزاء جهود الوساطة لوقف الحرب، تسعى تل أبيب لتوسيع الهجمات من أجل خلق أمر واقع جديد يصعب تغييره إذا ما توقفت الحرب مع إيران فجأة، كما أن استهداف الجيش والبنى التحتية اللبنانية يرمي إلى توسيع الهوة بين حزب الله والدولة اللبنانية لتبقى بذور الفتنة الداخلية قائمة، وهو أمر في غاية الخطورة بالنظر إلى حالة الاستقطاب الداخلي اللبناني بشأن الحرب القائمة ودور حزب الله في جر لبنان لهذه المواجهات دون تحسب لتداعياتها.
وكانت وزارة الخارجية اللبنانية قد طالبت السفير الإيراني لدى بيروت بالمغادرة بحلول 29 مارس معلنة رفض اعتماده لخرقه الأعراف الدبلوماسية وتدخله في الشئون الداخلية للبنان، وقامت في المقابل باستدعاء السفير اللبناني لدى طهران للتشاور. ولكن طهران أعلنت أن سفيرها في لبنان سيواصل عمله المعتاد ولن يغادر بيروت، بناءً على طلب من حركة أمل وحزب الله[20]. وقد تضامن وزراء كل من حركة أمل وحزب الله مع السفير الإيراني ضد قرار طرده وقرروا مقاطعة جلسة مجلس الوزراء في 26 مارس[21]، مما كشف عن اتساع الهوة بين السياسة الرسمية اللبنانية من جهة وبين حزب الله من جهة أخرى، الأمر الذي يعطي أفضلية لإسرائيل خلال هذه الحرب، حيث تحافظ حتى الآن على وحدة جبهتها الداخلية على عكس لبنان، الذي يتأرجح بين موقف حزب الله بالاحتكام للميدان العسكري، ورغبة الحكومة اللبنانية في تجنب تصعيد المواجهات.