مقدمة
تتمايز "الدبلوماسية العامة" عن "الدبلوماسية التقليدية"، حيث تُعدّ الأولى، في المقام الأول، نشاطًا للتواصل مع الجمهور، أيًا كان تعريفه، بينما تُركّز الثانية بشكل رئيسي على قنوات التواصل بين الحكومات، والتي غالبًا، إن لم يكن حصرياً، ما تتم ضمن قنوات اتصال مغلقة بعيدًا عن أعين وآذان وسائل الإعلام، وبالتالي الجمهور. وبالتعمق أكثر، يمكن تحديد الاتجاهات الرئيسية لتعريف الدبلوماسية العامة بين رؤية تقييدية ترى فيها نشاطًا تقوم به المؤسسات الحكومية للتواصل مع الجمهور (الأجنبي) غالبًا بغرض تحقيق أهداف المصلحة الوطنية. أما التعريف الأوسع فيشمل جميع أشكال التواصل العام بين الجهات الفاعلة في مجتمعات مختلفة؛ فيشمل ذلك الجهات الحكومية وغير الحكومية التي تتواصل في الأساس مع نظرائها، أو بشكل أعم مع جهات فاعلة أخرى عبر الحدود الوطنية. وفي عالم اليوم الذي يتميز بتعدد الجهات الفاعلة في العلاقات الدولية، يبدو هذا المنظور الأوسع للدبلوماسية العامة أكثر منطقية.
للوهلة الأولى، وفي جميع المجالات تقريبًا، تُعدّ مطبوعات الدبلوماسيين، بطريقة أو بأخرى، شكلاً من أشكال الدبلوماسية العامة، إذ إنها، بحكم تعريفها، موجهة لجمهور مفتوح، مما يُسهم في تشكيل الرأي العام. ويكشف التدقيق في التعريفات المختلفة للدبلوماسية العامة عن أشكال مختلفة من المساهمات، تعتمد على زاوية تحليل التي يتم تبينها هذا المفهوم. وننوه هنا إلى أن مفهوم ومصطلح "الدبلوماسية العامة" كان مُعرّفًا بأشكال متباينة، خاصة في بدايته، لدرجة تشبيهه أو مساواته بـ"دعاية البروباجندا" (Berridge, GR, 2022). ولتحديد الأدوار التي تلعبها "الكتابات الدبلوماسية المنشورة" في الدبلوماسية العامة، نعتمد "مخطط لاسويل للاتصالات"، "من → يقول ماذا → من خلال أي قناة → لمن → بأي تأثير". وفقًا لساليو ، هـ.، 2020 (ص 372-373)، في حين أن بُعدي الدبلوماسية العامة (إدارة المعلومات والاتصال الاستراتيجي) لا يمكن إدارتهما إلا جزئيًا من قبل مؤسسات الدولة، فإن التطورات الأخيرة المتعلقة بوسائل الإعلام الجديدة تجعل هذه الإدارة المركزية أكثر صعوبة، حيث مكنَّت الجهات الفاعلة غير الحكومية في عصر الإنترنت من التواصل بشكل متزايد مع الجماهير الخارجية.
كتابات الدبلوماسيين المنشورة كنوع من الدبلوماسية العامة الحكومية أو الرسمية
إذا أخذنا السؤال الأول في مخطط لاسويل للاتصالات، وهو "من القائل"، أو بعبارة أخرى، كما صاغه ساليو، هـ. (2020)، "من ينقل الرسالة إلى الجمهور الخارجي"، نجد أن كتابات الدبلوماسيين المنشورة يمكن أن تندرج ضمن ما يمكن أن نسميه الدبلوماسية العامة "الحكومية" أو "دبلوماسية المواطنين العامة"، اعتمادًا على ما إذا كانوا وقت النشر يتصرفون كوكلاء للدولة أو ببساطة يفترضون صفتهم المتأصلة كمواطنين لتلك الدولة، والتي غالبًا ما يشار إليها بتوصيف، أو بالأحرى إخلاء مسئولية وارتباط جهات عملهم بالمنشور الذى لا يعبر إلا عن "صفتهم الشخصية". وينطبق هذا بشكل خاص على مطبوعات الدبلوماسيين "العاملين" وليس المتقاعدين أو أولئك الذين غير المرتبطين بالوظيفة الرسمية المتعلقة بموضوع كتاباتهم. ومع ذلك، حتى في حالة الدبلوماسيين "العاملين"، فمن أجل تصنيف هذه المطبوعات على أنها "دبلوماسية عامة حكومية"، يجب أن تكون الإشارة واضحة إلى أن نشرها يتم باسم المؤسسة الحكومية التي يمثلونها.
من النادر أن تُشفع المطبوعات الدبلوماسية الحكومية الرسمية، سواءً كانت طويلة كالتقارير أو الكتيبات، باسم مؤلفها، ولكن في حال حدوث ذلك، يُمكن تصنيف النشر فورًا كعمل من أعمال الدبلوماسية العامة الحكومية تجاه جمهور أوسع، خاصةً عندما يكون هؤلاء الجمهور في الخارج. وفي حالة النشر بلغة غير اللغة الوطنية، يُمكن اعتبار ذلك مؤشرًا إضافيًا على النية في هذا الاتجاه. والأكثر شيوعًا في هذه الفئة من أنشطة الدبلوماسية العامة هو المقالات فيما يُمكن أن نُسميه "الكتابات الصحفية" كمقالات الرأي أو الرسائل إلى رؤساء تحرير ومحررى الصحف، حيث يُوقع الدبلوماسيون المنشور بوضوح باسمهم الرسمي، وبذلك يعكسون أنه الموقف الرسمي لدولتهم. في هذه الحالة، تُعتبر هذه المطبوعات، سواءً كانت طويلة أم قصيرة، مثالًا واضحًا على الدبلوماسية العامة الحكومية أو الرسمية.
مطبوعات الدبلوماسيين كـ"دبلوماسية المواطنين" أو "الدبلوماسية العامة الجديدة"
تزداد الصورة ضبابيةً عندما ينشر "الدبلوماسيون العاملون" مقالاتهم "بصفتهم الشخصية"، دون الإشارة بالضرورة إلى مناصبهم الرسمية، أو حتى دون إضافة تنويه واضح بأن الآراء الواردة فيها لا تعكس بأي شكل من الأشكال انتماءهم المهني. في هذه الحالة، لن يندرج هذا النشاط بالتأكيد ضمن التعريف الأضيق للدبلوماسية العامة، الذي يحصرها في الجهات الفاعلة العامة (الدبلوماسية) التي تمثل حكوماتها. ومع ذلك، إذا اعتمدنا تعريفًا أوسع ليشمل تقريبًا جميع التفاعلات بين الجماهير الأجنبية، فإن هذه المطبوعات ستجتاز الاختبار بنجاح، وستكون، بامتياز، أعمالًا من "الدبلوماسية العامة الجديدة".
حتى في ظل هذا التعريف الأوسع، سيُطرح السؤال بشكل أعمق في حالة أن كانت هذه الكتابات المنشورة باللغة الأم أو الوطنية، وبالتالي موجهة في المقام الأول إلى الجمهور المحلي. وهنا سيكون هناك احتمالان لتصنيف هذه المطبوعات كأنشطة للدبلوماسية العامة. الأول هو ما إذا كان التأثير على الجمهور الوطني وتشكيل الرأي العام المحلي يُصنف على أنه دبلوماسية عامة. وهنا ننوه إلى أن إدراك وزارات الخارجية بضرورة إعلام جمهورها وشرح المهام التي تضطلع بها في الخارج للدفاع عن المصلحة الوطنية يتزايد يوماً بعد يوم. وينطبق هذا بشكل خاص عندما يخدم رفع هذا الوعي أيضًا غرض الدفاع عن ميزانيتها التي تُناقش داخل السلطة التشريعية في البرلمان. وإذا تم اعتماد هذا التعريف الأوسع والأكثر شمولاً، فستُصنف هذه المطبوعات كأنشطة للدبلوماسية العامة، حتى لو كان القصد الأصلي ولغة النشر موجهين إلى الجمهور المحلي. ومع ذلك، حتى لو لم نعتمد هذا النهج المرن في التعريفات، ولكن مع الأخذ في الاعتبار مدى "نفاذية" الحدود الدولية، وخاصةً من حيث تدفق الأفكار وسهولة الوصول إليها عند توافرها في المجال العام، فإن هذه المطبوعات ستُدرج مجددًا ضمن أعمال "الدبلوماسية العامة الجديدة"، لا سيما وأن محتواها غالبًا ما يتناول قضايا التفاعل مع المجتمعات الأخرى. أضف إلى ذلك أن الترجمة الآلية أصبحت الآن متاحة بسهولة أكبر، مما يجعل معيار اللغة الأصلية للنشر أقل أهمية في تحديد جمهور القراء.
الوسيلة والجمهور: النية والتأثير
السؤال الثالث الذي طرحه لاسويل، " عبر أي قناة؟”. وتُعتبر وسائل الإعلام هنا هي قناة الاتصال. ومع ذلك، ينبغي أن نضع في اعتبارنا أيضًا التواصل المباشر، والشخصي، والجماعي، بما في ذلك التواصل العام - دون أي تدخل إعلامي، أو التواصل الجماهيري مع قنوات الاتصال. وإذا انصب التركيز على الكتابات المنشورة الأطول، أي الكتب والمقالات المنشورة في المجلات المحكمة أو ما شابهها، فمن المتوقع أن يكون الجمهور متخصصًا، مما يحد من دائرة القراء. وبطبيعة الحال، كلما زاد التوزيع، اتسع نطاق نشاط "الدبلوماسية العامة".
لذا، لا ترتبط الوسيلة هنا بطبيعة النشاط الدبلوماسي العلني فحسب، بل أيضًا بجودة وفعالية هذا التفاعل العام، بما في ذلك جمهوره المستهدف، وتأثيره، وبالتالي الهدف من القيام به في المقام الأول. الأسئلة الثلاثة الأخيرة التي طرحها لاسويل من خلال أي قناة ← لمن ← بأي تأثير، هي مرتبطة فيما بينها ارتباطًا وثيقًا. وكما ذكرنا سابقًا، غالبًا ما تكون مطبوعات الدبلوماسيين ذات طابع أكثر تخصصًا، سواءً في شكل كتب، خاصةً بعد التقاعد، أو مقالات تقنية تُسهم في الأدبيات الأكاديمية. في كلتا الحالتين، قد يكون تأثيرها على شريحة اجتماعية محدودة. هذا لا يعني بالضرورة أنه تأثيرها محدود، فإذا ارتبطت شريحة القراء بدوائر صنع السياسات، فقد يكون لهذه الكتابات تأثير كبير على العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين، أو أكثر. والمثال على ذلك هو المقالات المنشورة في الدوريات المشهورة، خاصة المعروف عنها ارتباطها أو تعبيرها عن دوائر صنع السياسات بشكل مباشر، أو حتى مجرد "سمعتها" بأنها مقروؤة لديهم. ولنا في دوريات "السياسة الخارجية" و"الشئون الخارجية" الأمريكيتين عبرة.
مرة أخرى، يرتبط التأثير أيضًا بالهدف الأصلي للنشر، سواءً أكانت كتابات "مُعتمدة"، أي مُصدق عليها، من الحكومة أم ذاتية الدوافع. إذ أن الأولى مصمَمة لخلق هذا التأثير من خلال الإفصاح عن أن الدبلوماسي ينشر بصفته الرسمية، مما يُثبت تلك الصلة المباشرة. أما إذا أُدرج الكاتب تنويه بإخلاء الارتباط، وأن النشر يتم عن "الصفة الشخصية"، فقد لا تتضح النية "الحقيقية" فورًا. الافتراض البسيط للوهلة الأولى هو أن الفاعل، الكاتب في هذه الحالة، لا يمثل إلا البُعد الخاص لشخصه وآرائه. لكن حتى في هذه الحالة، قد يصبح لتلك الكتابات عواقب غير مقصودة على العلاقات بين الجهات الدبلوماسية تقلع ضمن نطاق الدبلوماسية العامة الجديدة، بعيدًا عن نطاق الجهات الحكومية الرسمية. ومع ذلك، لا يزال احتمال أن يكون الكاتب الدبلوماسي، خاصةً وهو لا يزال في الخدمة الفعلية، مُصرّحًا له بالنشر بشرط عدم نسب المضمون والأفكار إلى حكومته. وفي الواقع، قد يكون هذا شكلاً من أشكال مقاربة "دبلوماسية المسار 1.5"، حيث يُجاز للمسئولين المشاركة -بصفتهم الشخصية- في فعاليات غير رسمية تسمح بعدم إسناد مداولاتها إلى المسئولين المشاركين، وبالتالي إتاحة مساحة أكبر لاختبار الأفكار والمواقف الجديدة أو ممارسة المرونة التفاوضية مع إمكانية التراجع إلى المواقف الثابتة الأصلية (ستاتس، جيه، والش، جيه، وتوتشي، آر، 2019).
خاتمة
من خلال تطبيق نموذج "لاسويل" على كتابات الدبلوماسيين المنشورة، نستكشف بفعالية أبعادها المتعلقة بـ"الدبلوماسية العامة الرسمية" أو "الدبلوماسية العامة الجديدة"، بالإضافة إلى العلاقة بين الوسيلة والجمهور، والنية والتأثير. وبينما ينصب التركيز المباشر على مطبوعات الدبلوماسيين، فإن النتائج يمكن أن تُلقي الضوء على مجموعة أوسع من القضايا المتعلقة بالتفاعل العام للدبلوماسيين، لا سيما في عالمنا اليوم حيث تتداخل الأبعاد المختلفة للصفة الشخصية والتمثيل الرسمى نتيجةً لطبيعة "العصر الرقمي". إن الاستخدام المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك من قِبل الدبلوماسيين، يُصعّب أن يتم نسب جميع محتوياتها إلى الصفة الرسمية للدبلوماسي. في الواقع، تتضمن العديد من هذه الصفحات والحسابات إخلاء ارتباط فتتم الإشارة إلى أنها منشورة بصفتهم الشخصية. إنها شهادة متزايدة على تنامي المجال العام للدبلوماسيين، مع التركيز بشكل أساسي على صفتهم الشخصية. وينطبق الأمر نفسه على كتاباتهم المنشورة كما تناولناه هنا. وتكمُن المفارقة هنا في أن الدبلوماسيين أصبحوا ناشطين أكثر فأكثر بصفتهم الرسمية في المجال العام، ومع ذلك، في نفس الوقت الذى أصبح المزيد من تفاعلهم في المجال العام ينظر إليه على أنه بالصفة الشخصية، لا الرسمية.
المراجع
- بريدج، ج.ر. (2022). الدبلوماسية: النظرية والتطبيق . سبرينغر نيتشر.
Berridge, G. R. (2022). Diplomacy: theory and practice. Springer Nature.
- جلبوع، إي. (2023). الانتقال إلى مرحلة جديدة في أبحاث الدبلوماسية العامة. أجندة بحثية للدبلوماسية العامة: 0، 1.
Gilboa, E. (2023). Moving to a new phase in public diplomacy research. A Research Agenda for Public Diplomacy: 0, 1.
- ساليو، هـ. (2020). الدبلوماسية العامة والمفاهيم ذات الصلة من منظور نموذج لاسويل للاتصال. المجلة الأوروبية للأخلاقيات الحيوية، 11(2)، 357-376.
Saliu, H. )2020(. Public Diplomacy and Related Concepts from the Perspective of Lasswell’s Communication Model. Jahr–European Journal of Bioethics, 11(2), 357-376.
- سيفين، إي.، ميتزجار، إي. تي.، وهايدن، سي. (2019). دراسات/أدبيات الدبلوماسية العامة: تحليل لمجال ناشئ.
Sevin, E., Metzgar, E. T., & Hayden, C. (2019). The scholarship of public diplomacy: Analysis of a growing field.
- ستاتس، ج.، والش، ج.، وتوتشي، ر. (2019). مقدمة في الدبلوماسية متعددة المسارات: كيف تعمل؟ خبراء معهد السلام الأمريكي ينظرون في الاستخدام المتزايد لحوارات المسار 1.5 والمسار 2 لمعالجة التحديات العالمية. معهد السلام الأمريكي، 31 يوليو.
Staats, J., Walsh, J., & Tucci, R. (2019). A primer on multi-track diplomacy: How does it work? USIP experts look at the increasing use of track 1.5 and track 2 dialogues to address global challenges. United States Institute of Peace, July, 31.