لم تكن قارة أفريقيا بعيدة عن سلسلة الأزمات التي يواجهها النظام الدولي على مدار السنوات الماضية -وآخرها الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت منذ عام 2022- ومع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير 2026، وجدت أفريقيا نفسها ضمن أكثر المناطق تأثراً بما يجري في الشرق الأوسط، مع أنها ليست طرفاً بالأساس، وذلك على مستويات عدة تشكّل جميعها تهديداً محتملاً للاستقرار في معظم دولها خلال الفترة المقبلة.
فمن جهة، يأتي التموضع الجيوسياسي لأفريقيا عند ملتقى ممرات بحرية رئيسية -لا سيما مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر- تربطها بمناطق الخليج العربي والبحر الأحمر والمحيط الهندي والشرق الأوسط، ليجعل الاقتصادات الأفريقية وأسواقها شديدة الحساسية لأي تصعيد عسكري في المنطقة.
ومن جهة أخرى، تُلقي الحرب في الشرق الأوسط بظلالها على تحمل معظم الحكومات الأفريقية للمزيد من الأعباء الاقتصادية والأمنية في ضوء سلسلة الأزمات الناتجة عن استمرار الحرب في إيران بما في ذلك ارتفاع أسعار النفط ومعدلات التضخم وغيرهما.
ومن جهة ثالثة، وجدت أفريقيا نفسها مع اندلاع الحرب أمام موقف متأزم، نتيجة حالة الانقسام في الموقف الأفريقي من أطراف الصراع، مع تغليب النهج البرجماتي الذي تبنته معظم الدول الأفريقية في حساباتها إزاء الحرب بما يعظم مصالحها الوطنية عقب انتهاء الصراع في الشرق الأوسط.
مواقف متضاربة
تضفي الحرب في الشرق الأوسط مزيداً من الضغوط على قارة أفريقيا على المستويات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، وهو ما انعكس على حسابات الدول الأفريقية إزاء الصراع الجاري وأطرافه. من هنا، قد يبدو ضرورياً محاولة فهم وتفكيك تشابكات وتعقيدات حسابات الأفارقة إزاء حرب إيران المستمرة، وذلك عبر النقاط المحددة التالية:
1- غياب موقف أفريقي موحد: تبدو أفريقيا غائبة عن المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط منذ اندلاع الحرب الإيرانية، حيث واجهت انتقادات بخصوص عدم قيامها بأي مبادرة للوساطة؛ مما اعتبره البعض أنه يعكس ضعف النفوذ الدولي لأفريقيا بالرغم من قوة كتلتها التصويتية في الأمم المتحدة "54 دولة".
وبنظرة عامة، يكشف معظم مواقف الدول الأفريقية أن القارة لا تؤيد إيران بشكل موحد، وفي ذات الوقت لا تؤيد الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل قاطع. بل تبدو مواقف معظم الحكومات الأفريقية في مواقفها تجاه صراع الشرق الأوسط مدفوعة بشبكة معقدة من الحسابات والمصالح التي قد تقيّدها؛ وعلى رأسها أمن الموانئ البحرية وطرق التجارة في البحر الأحمر والتبعية الاقتصادية والتأثر باضطرابات سوق الطاقة ومجموعات الشتات الأفريقي في دول الشرق الأوسط وتحويلاتها المالية الكبيرة، بالإضافة إلى الشراكات الأمنية مع القوى الفاعلة مثل الولايات المتحدة، علاوة على الحساسيات السياسية الداخلية في بعض دول القارة مثل نيجيريا.
وقد تشكلت مواقف الدول الأفريقية تجاه الحرب الإيرانية على النحو التالي: فهناك اتجاه قد تبنى التحذير من استخدام القوة في إدارة العلاقات الدولية مثل جنوب أفريقيا والسنغال، بينما ذهب اتجاه آخر إلى إدانة الجانب الإيراني بسبب شن الهجمات الصاروخية ضد دول الخليج. في حين فضّلت دول أخرى الصمت الذي تمحور في مسارين؛ أحدهما يتعلق بالدول الأفريقية التي قررت عدم التعليق على الأحداث بالأساس، والآخر يرتبط بالانتقائية التي ميزت مواقف بعض الدول التي رفضت إدانة أو حتى التطرق إلى العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران.
2- موقف قاري هش: يواجه الاتحاد الأفريقي عدداً من الانتقادات حول ضعف موقفه تجاه الأحداث في الشرق الأوسط، ومحدودية تأثيره في الوساطة في الأزمات الدولية بما في ذلك الحرب الإيرانية، حيث انتقد البعض عدم الدعوة إلى قمة استثنائية ربما تعزز الحضور الأفريقي، إلا أن هناك اتجاهاً يفضل الحياد الإيجابي بين أطراف الصراع باعتباره خياراً استراتيجياً صحيحاً. فمنذ اندلاع الحرب، أصدر الاتحاد الأفريقي بيانيْن اثنيْن، حيث حذر البيان الأول من مخاطر تصعيد محتمل للأزمة بما قد يؤثر على الاستقرار الدولي وأسواق الطاقة والأمن الغذائي، ودعا إلى ضبط النفس وخفض التصعيد ولحوار الدبلوماسي. بينما جاء البيان الثاني رداً على الضربات الإيرانية حيث أدان الهجمات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج، والتي اعتبرها الاتحاد بمثابة انتهاك صارخ للسيادة والسلامة الإقليمية.
3- قدر من البرجماتية: تعكس استجابات معظم دول القرن الأفريقي -على المستوى الفردي- إزاء الحرب الإيرانية في الشرق الأوسط درجة عالية من البرجماتية، حيث بات موقفها الدبلوماسي يتشكل بفعل المصالح الوطنية والحسابات الاستراتيجية التي ترتبط بشكل أساسي بحرصها على عدم خسارة شركائها التجاريين والأمنيين الرئيسيين. فقد أدانت حكومات المنطقة بشدة الهجمات الإيرانية ضد دول الخليج، في الوقت الذي التزمت فيه الصمت حيال العدوان الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران.
فعلى سبيل المثال، جاء الموقف الإثيوبي حاسماً في إدانة هجمات طهران على دول الخليج واعتبرتها بمثابة هجوم شنيع على سيادة دول شقيقة ومجالها الجوي. ويمكن فهم حسابات إثيوبيا في ضوء تطور علاقاتها مع إسرائيل سياسياً وأمنياً، وحرصها على تطوير علاقاتها مع دول الخليج العربي التي تعزز استثماراتها ومشروعاتها في الداخل الإثيوبي على مدار السنوات الأخيرة، إضافة إلى تزايد أعداد الشتات الإثيوبي في الخليج، حيث يعمل نحو 500 ألف إثيوبي في السعودية، و100 ألف آخرين في الإمارات. وهو عامل مشترك مع معظم دول المنطقة، حيث يعيش نحو 100 ألف إريتري في السعودية، ونحو 540 ألف سوداني في دول الخليج. كما يعيش حوالي 500 ألف كيني في دول الشرق الأوسط بما في ذلك السعودية (300 ألف كيني) والإمارات (60-80 ألف كيني) وقطر (70 ألف كيني) وسلطنة عُمان (4-5 آلاف كيني).
ويبلغ حجم إجمالي التحويلات المالية للشتات الأفريقي في دول الخليج إلى أفريقيا نحو 96 مليار دولار. ووفقاً للبنك المركزي الكيني، بلغت قيمة التحويلات المالية القادمة من السعودية نحو 302.1 مليون دولار في عام 2025، مقارنة بنحو 403.12 مليون دولار في عام 2024.
4- التحوط الاستراتيجي: تغلب حالة من الحذر والتحوط على موقف معظم دول غرب أفريقيا تجاه حرب الشرق الأوسط، وذلك لاعتبارات تتعلق بحسابات سياسية داخلية وكذلك الحرص على استمرار شراكات اقتصادية وأمنية مع شركاء دوليين مثل الولايات المتحدة ودول الخليج، وتفادياً للمزيد من الضغوط السياسية الدولية في مرحلة تالية. فقد تبنت دول مثل نيجيريا وغانا وجامبيا وناميبيا خطاباً متزناً يطالب بخفض التصعيد وحماية المدنيين. إذ دعت الحكومة النيجيرية إلى ضبط النفس والالتزام بالقانون الدولي، حيث تجنبت إدانة إيران أو التحالف الأمريكي الإسرائيلي، وهو موقف مدفوع باعتبارات عديدة منها الداخلية المرتبطة بالجالية الشيعية النيجيرية التي تعد الأكبر في أفريقيا، وتعتبر المرشد الإيراني الراحل مرجعهم الروحي، وهو ما عكسته التظاهرات في عدد من المدن والولايات النيجيرية عقب اغتياله، لا سيما أن نيجيريا تدير مشهدًا داخليًا متنوعًا دينيًا وشديد الحساسية لأحداث الشرق الأوسط. في حين تشترك نيجيريا مع معظم دول غرب أفريقيا في حرصها على العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى جانب الحفاظ على استثمارات دول الخليج والمساعدات الإنمائية التي تضخها في غرب أفريقيا.
5- موقف مغاير: يتخذ بعض الدول الأفريقية موقفاً مخالفاً تجاه الحرب الإيرانية، فقد أبدت السنغال قلقها إزاء العمليات العسكرية أحادية الجانب التي تقوم بها القوى الكبرى، وما قد يمثله ذلك من خطورة على أمن واستقرار النظام الدولي. كما انتقدت دولة جنوب أفريقيا فكرة الدفاع الاستباقي عن النفس التي تشير بالأساس للعقيدة الأمريكية الإسرائيلية في التعدي على دولة بالهجوم المسلح بما يخالف ميثاق الأمم المتحدة في مادته (51) التي لا تسمح بالدفاع عن النفس إلا عندما تتعرض دولة ما لهجوم مسلح. ويأتي هذا الموقف استمرارًا لموقف بريتوريا المناهض لسياسات إسرائيل في الشرق الأوسط، حيث عارضت بشدة العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، كما أن علاقاتها مع واشنطن تشهد تراجعاً ملحوظاً، وربما تتفاقم خلال المرحلة المقبلة، خاصة بعدما استضافت بريتوريا سفناً بحرية إيرانية لإجراء مناورات بحرية مشتركة "إرادة السلام 2026" في يناير 2026، بالرغم من إعلان الحكومة أن وزارة الدفاع قد تصرفت ضد الأوامر الرئاسية باستثناء إيران من المناورات التي ضمت أيضاً كلاً من الصين وروسيا.
بينما اتخذت تشاد موقفاً مزدوجاً، حيث أعربت عن تضامنها مع إيران ضد الهجمات الأمريكية الإسرائيلية، وفي ذات الوقت، أدانت الضربات الإيرانية على دول الخليج العربي. وهو ما أثار جدلاً كبيراً في الداخل التشادي وانتقادات وُجهت للنظام الحاكم بالاندفاع نحو معاداة شركاء استراتيجيين مثل الولايات المتحدة وإسرائيل[1].
على جانب آخر، أثار تصريح رئيس الأركان الأوغندي، موهوزي كاينروجابا، الذي أعلن فيه دعمه لإسرائيل في الحرب الجارية مع إيران، المزيد من الجدل باعتباره الموقف الأفريقي الأكثر صراحة في تأييده لإسرائيل، لا سيما أنه قد أبدى استعداده للمشاركة في العمليات العسكرية، معتبراً أن وحدة عسكرية من الجيش الأوغندي قد تكون كافية لتنفيذ مهام داخل طهران[2]. وإن كانت هذه التصريحات هي استمرار لتصريحاته المثيرة للجدل خلال السنوات الأخيرة والتي كانت سبباً في توتر العلاقات مع بعض دول الجوار الإقليمي مثل كينيا. إلا أنها في نفس الوقت تكشف حجم العلاقات التي تربط إسرائيل مع بعض دول شرق أفريقيا مثل أوغندا وكينيا.
6- إدراك مخاطر التورط في المستنقع الإيراني: هناك إدراك لدى معظم الدول الأفريقية بشأن مخاطر الانحياز لأي طرف من أطراف الصراع الشرق الأوسطي وما له من تداعيات سلبية سياسية واقتصادية وأمنية. لذا، من المتوقع ألا تغامر أي دولة أفريقية بالتورط في مستنقع الحرب الإيرانية، فإلى جانب أن الدول الأفريقية تبدو أقل ميْلاً للتدخل في شئون الشرق الأوسط، فهي لا يمكنها أيضاً تحمل تبعات هذه الخطوة، فضلاً عن كونها لا ترغب في خسارة أي من شركائها الرئيسيين، بالإضافة إلى طبيعة التحديات الداخلية المتفاقمة في السياسة الأفريقية، بما في ذلك تفاقم التداعيات الاقتصادية للحرب الجارية هناك، وانعكاساتها السلبية على الاقتصادات الأفريقية التي تعاني من صدمات بطبيعة الحال، بالإضافة إلى تزايد المخاوف من انعدام الأمن والاستقرار الإقليمي في القارة[3].
الشيعة في أفريقيا.. ما موقفهم؟
دأبت إيران طوال السنوات الماضية على نسج علاقاتها الارتباطية مع الجاليات الشيعية في أفريقيا، في إطار مساعيها لبناء شبكة من الحلفاء الموثوقين في أنحاء القارة. وتعد نيجيريا موطناً مهماً لأكبر جالية شيعية في أفريقيا، حتى أن إيران حاولت بناء نواة هيكل تنظيمي على غرار حزب الله اللبناني في نيجيريا على يد إبراهيم الزكزكي، زعيم الحركة الإسلامية في نيجيريا، بالإضافة إلى استغلال الجالية اللبنانية في غرب أفريقيا لدعم المشروع الإيراني في الشرق الأوسط وأفريقيا[4].
ومع اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير 2026 التي شهدت في ساعاتها الأولى اغتيال المرشد الإيراني على خامنئي، تبلور رد فعل الجاليات الشيعية في أفريقيا في خروج تظاهرات غاضبة بسبب اغتيال خامنئي ورفض العدوان الأمريكي الإسرائيلي ضد طهران. واندلعت احتجاجات قادتها الحركة الإسلامية بقيادة الزكزكي في عدد من الولايات النيجيرية مثل جومبي والنيجر وكانو وباوتشي ويوبي وسوكوتو ولاجوس في أعقاب اغتيال خامنئي. كما خرجت تظاهرات في العاصمة النيجيرية أبوجا من المسجد الوطني تضامناً مع الشعبين الفلسطيني والإيراني مرددين هتافات معادية للولايات المتحدة وإسرائيل.
فيما خرجت أعداد كبيرة من المسلمين الشيعة في شوراع فريتاون عاصمة سيراليون -يمثل المسلمون الشيعة هناك ثاني أكبر مجموعة في غرب أفريقيا بعد نيجريا- للتعبير عن دعمهم وتضامنهم مع طهران في مواجهة واشنطن وتل أبيب. كما شهدت مؤسسة أهل البيت في جنوب أفريقيا تجمعاً للمسلمين احتجاجاً على عملية اغتيال المرشد الإيراني، حاملين الشموع والأعلام الإيرانية، حيث أثارت عملية الاغتيال مشاعر الغضب في المجتمع المسلم الشيعي في كيب تاون.
ولم يتطور موقف الشيعة الأفارقة إلى حد التصعيد بتهديد المصالح الغربية والأمريكية في عدد من المناطق الأفريقية، وربما يُعزى ذلك إلى أن معظم المجموعات الشيعية في أفريقيا هي حركات سلمية بالأساس، وتخضع لمراقبة شديدة من الحكومات الأفريقية لا سيما نيجيريا، بالإضافة إلى حالة الحذر والتحوط الذي تتبناه معظم تلك الحكومات تجاه تداعيت الصراع الصراع في الشرق الأوسط. ومع ذلك، تبقى ورقة الشيعة الأفارقة حاضرة في المشهد الجيوسياسي الأوسع حال خرجت الأمور عن السيطرة في حرب إيران خلال المرحلة المقبلة.
أوراق ضغط مؤجلة
مع إعلان المسئولين الإيرانيين أن بلادهم مستعدة لحرب طويلة الأمد مع الولايات المتحدة وإسرائيل، يبدو أنه لا يزال في جعبة الإيرانيين أوراق ضغط قد يضطروا لاستخدامها حال تصعيد الوضع وتوسيع دائرة الحرب الجارية في الشرق الأوسط على نطاق جغرافي قد يتجاوز المنطقة إلى مناطق استراتيجية أخرى مثل أفريقيا، لا سيما وأن إيران تمتلك شبكة معقدة ومتشابكة من الحلفاء ورجال الدين والوكلاء الإقليميين في القارة الأفريقية، قد تستعين بها للمساومة على الضغوط الأمريكية والإسرائيلية خلال الفترة المقبلة وربما فتح جبهة جديدة للقتال معهما هناك.
فقد استطاعت طهران على مدار العقد الأخير أن تعيد صياغة علاقاتها مع عدد من الدول الأفريقية بحيث تتجاوز المساعي لنشر المذهب الشيعي على نطاق واسع في القارة، لتركز بالأساس على بناء علاقات تقوم على المنفعة المتبادلة، في تغليب واضح للمسار البرجماتي، مستفيدة في ذلك من التراجع الواضح للقوى الغربية في عدد من المناطق الأفريقية لا سيما غرب القارة ومنطقة الساحل، التي عزز بعض دولها علاقاتها مع طهران على المستوى الأمني، في محاولة للاستفادة من التكنولوجيا الإيرانية في صناعة المسيّرات "شاهد ومهاجر" في مقابل الحصول على كميات من اليورانيوم الخام، مثلما أشارت تقارير غربية إلى الاتفاق الذي أبرمته طهران مع حكومة النيجر في عام 2023 من أجل الحصول على 300 كيلو من اليورانيوم، بالإضافة إلى رغبة دولة مالي في الاستفادة من التكنولوجيا العسكرية الإيرانية -الرخيصة نسبياً- عبر الحصول على أنظمة المراقبة والمسيّرات، واستقدام المستشارين العسكريين الإيرانيين، للمساهمة في مجال الحرب على الإرهاب في الساحل[5].
كما تزود طهران بعض الأطراف الإقليمية في منطقة القرن الأفريقي بتكنولوجيا المسيّرات. وبالتالي، استطاعت طهران توسيع نطاقها اللوجستي بدءاً من شرق أفريقيا مرورًا بمنطقة الساحل ووصولاً إلى غرب أفريقيا الذي يضم أعدادًا كبيرة من الجاليات الشيعية الموالية لإيران.
وبالتالي، ربما تمثل أفريقيا إحدى نقاط الضغط بالنسبة لطهران على خصومها الاستراتيجيين خارج المسرح العملياتي في الشرق الأوسط، وذلك بالاعتماد على وكلائها في محاولة لرفع تكلفة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على الدولة الإيرانية.
وتظل جماعة الحوثي اليمنية المرتبطة عقائدياً بدولة إيران من أهم أدوات الضغط الإقليمي التي تمتلكها طهران، لطالما بقيت القواعد العسكرية الأمريكية والغربية وغيرها في مرمى الصواريخ الإيرانية في منطقة القرن الأفريقي، والتي تعد مركزاً رئيسياً للتواجد العسكري الغربي بوجود 11 قاعدة عسكرية في دول المنطقة، بما في ذلك جيبوتي التي تضم أكثر من 6 قواعد عسكرية على أراضيها من بينها معسكر ليمونيه الذي يحتضن نحو 4000 جندي أمريكي. كما أن واشنطن تمتلك نحو 34 قاعدة عسكرية في أنحاء أفريقيا، بما قد يجعلها ضمن أهداف "بنك إيران" في مناطق استراتيجية خارج الشرق الأوسط حال تصعيد الحرب بينهما. وتزداد مخاطر جماعة الحوثي مع دخولها إلى خط المواجهة العسكرية في 28 فبراير 2026 عقب شن هجمات بالصواريخ إلى إسرائيل، بما قد ينذر بمرحلة جديدة من الحرب ربما تتفاقم تأثيراتها على أمن واستقرار القارة الأفريقية.
وربما توظف طهران بعض الفاعلين من غير الدول مثل حركة الشباب المجاهدين الصومالية، مستغلة علاقاتها المتشعبة مع جماعة الحوثي، في تهديد المصالح الأمريكية والإسرائيلية في القرن الأفريقي، بما في ذلك تهديد أمن وملاحة البحر الأحمر، لا سيما مع التحولات الجيوسياسية الأخيرة في القرن الأفريقي وسط مساعي إسرائيلية منذ بداية العام الجاري (2026) لإيجاد موطئ قدم استراتيجي في المنطقة عبر بوابة إقليم "أرض الصومال" الذي يُرجح أنه وافق على تسهيلات عسكرية إسرائيلية، بما في ذلك نشر معدات عسكرية وأفراد عسكريين هناك، بما يجعلها هدف مباشر لجماعة الحوثي.
في سياق متصل، ربما تلعب ورقة الشيعة في أفريقيا دوراً بارزاً في مسار هذا الصراع العسكري في الشرق الأوسط، فمن المرجح أن تدفع موجات الاحتجاجات والتعاطف بين الجاليات الشيعية في أفريقيا إلى تفاقم حالة التعبئة والاستقطاب داخل المجتمعات الشيعية في عدد من دول غرب أفريقيا بما فيها نيجيريا والسنغال والنيجر وغينيا، ومع تصاعد الخطاب الطائفي عقب اندلاع الحرب، قد تجد هذه المجتمعات نفسها متورطة بشكل قوي في صراعات تتجاوز حدودها المحلية، وهو ما ينذر بانقسامات طائفية واسعة، ربما تدفع إلى تبني بعض المجموعات الشيعية في دول المنطقة خطاب المقاومة المسلحة، ومحاولة استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
وقد يُهيِّئ هذا السياق الإقليمي المتوتر بيئة خصبة للجماعات الإرهابية في الساحل وغرب أفريقيا، لا سيما حركة بوكو حرام وتنظيم داعش لتوسيع نشاطها وتجديد خطابها الساعي باستمرار إلى تجنيد وتعبئة مقاتلين جدد، وربما السعي لشن هجمات إرهابية على غرار هجمات تنظيم القاعدة ضد سفارتي الولايات المتحدة في دار السلام وتنزانيا في عام 1998. وهو ما يثير تساؤلاً حول كيف يمكن للصراع في الشرق الأوسط أن يتمدد لمناطق أبعد جغرافياً متجاوزاً حدوده المعروفة حالياً؟.
كما يمكن لإيران الاستعانة بشبكة بشرية قوية داعمة لها تنتمي إلى جامعة المطصفى العالمية[6]، بحيث يتحول أعضاء هذه الشبكة في أوقات الصراع إلى داعم لوجستي لطهران فيما يتعلق بنقل الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية في المنطقة. ويمكن توظيف هذه الشبكة أيضاً كحلقة وصل مع بعض الأطراف العسكرية الإقليمية في الساحل مثل وحدات النخبة في عدد من الدول الأفريقية مثل قوات كوبرا في بوركينا فاسو والحرس الرئاسي في مالي. وربما تُشكل هذه الشبكة أيضاً مليشيات محلية بحيث يتم تفعيلها للعمل كوكيل لطهران يستهدف بالأساس تنفيذ عمليات انتقامية محتملة ضد أهداف أمريكية وإسرائيلية وغربية في أنحاء القارة.
أفريقيا.. إلى أين؟
تبرز أفريقيا كساحة معرضة بشكل متزايد لتداعيات الحرب الإيرانية بشكل مباشر، وسط تخوفات من أن تتحول لمسرح جيوسياسي وساحة لتصفية الحسابات بين أطراف الصراع وحلفائهم خلال الفترة المقبلة. ويدرك قادة أفريقيا أن القارة لا تستطيع تحمل التكلفة المتصاعدة للصراع العسكري في الشرق الأوسط.
وتتعرض دول أفريقيا نتيجة اندلاع الحرب الإيرانية لمخاطر مباشرة على رأسها ارتفاع أسعار النفط العالمية وضعف أسعار الصرف وتصاعد الضغوط الدبلوماسية. كما أنها تدرك أن استمرار الصراع لفترة زمنية أطول من شأنه تعطيل طرق الإمداد العالمية، وما قد يترتب عليه من أزمات اقتصادية واجتماعية في دول القارة.
ويعد التأثير المباشر الأكبر للحرب الإيرانية على أفريقيا هو ارتفاع تكلفة الطاقة، خاصة مع تجاوز أسعار النفط العالمية عقب اندلاع الحرب 100 دولار، وربما تدفع تكلفة استيراد النفط ميزانيات الدول الأفريقية إلى حافة الانهيار. إذ يؤثر ارتفاع أسعار النفط على النقل والتصنيع وتوزيع المواد الغذائية، وهو ما يؤثر على الاقتصادات الأفريقية بما في ذلك رفع التضخم وتوسيع العجز التجاري. فعلى سبيل المثال، تقوم غانا بتصدير النفط الخام، لكنها تستورد المنتجات النفطية المكررة، وبالتالي، هي لا تستفيد، خاصة أنها تستورد ما قيمته 400 مليون دولار شهرياً من المنتجات النفطية المكررة دون وجود أي احتياطيات استراتيجية لديها، وهو ما ينذر بتعرض القارة لأي اضطراب جيوسياسي.
في سياق متصل، تشكل صدمات أسعار النفط ضغطاً هائلاً على العملات الوطنية، حيث أن زيادة الطلب على الدولار لتمويل واردات الوقود قد تُضعف العملات المحلية، وما قد يترتب عليه من تضخم تكلفة خدمة الديون الأجنبية لأفريقيا والتي تبلغ قيمتها نحو 96 مليار دولار مستحقة الدفع في عام 2026. وهذا الانخفاض في العملة المحلية يؤثر سلباً على تفاقم التضخم ورفع فواتير الاستيراد واستنزاف الاحتياطيات الأجنبية. وبالتالي، قد تضطر الدول الأفريقية إلى اتباع سياسات تقشفية أو تحمل المواطنين أعباء مالية متزايدة، بما قد يؤثر على الاستقرار السياسي والاجتماعي في أنحاء القارة.
وربما تعقّد الحرب الإيرانية بشكل غير مباشر الجهود الدولية المبذولة لمنع النزاعات ومساعي تسويتها في أفريقيا، حيث تلعب بعض دول الخليج العربي دوراً مهماً كوسيط في بعض النزاعات الأفريقية، إذ تنخرط السعودية في جهود دبلوماسية مكثفة بين إثيوبيا وإريتريا لتجنب حرب محتملة في القرن الأفريقي. فيما تدعم قطر الولايات المتحدة في محاولة الوصول إلى اتفاق سلام في الكونغو الديمقراطية. بينما تسعى الولايات المتحدة ومصر والسعودية للمساعدة في التوصل إلى وقف إطلاق النار في صراع السودان. ومن ثم، يبدو أن جميع الأطراف المعنية باتت مشتتة مع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، وهو ما قد ينذر بتفاقم الأزمات الأفريقية وتداعياتها على زعزعة الاستقرار في القارة.
كما قد تواجه أفريقيا تهديدات أمنية طويلة الأمد في حال تصاعد الصراع في الشرق الأوسط أو تورط قوى أخرى فيه، وهو ما قد يعيد للأذهان حرب العراق في عام 2003 التي أدت إلى ظهور تنظيم داعش الذي انتقل إلى أفريقيا وتمدد عبر فروعه في أنحاء القارة على مدار العقد الأخير، ما يعزز المخاوف من تكرار التجربة في المسرح الأفريقي.
وربما يحدّ هذا الصراع في الشرق الأوسط من وصول بعض الدول الأفريقية إلى الصناعات العسكرية الإيرانية وخاصة المسيّرات، لا سيما حكومات بوركينا فاسو والنيجر ومالي. إذ تشير تقارير إلى رغبة مالي في الحصول على منظومة دفاع جوي من إيران، كما زار رئيس أركان بوركينا فاسو طهران قبل أيام من اندلاع الحرب الإيرانية تمهيداً لعقد صفقة عسكرية من الطائرات المسيّرة.
ختاماً، تعيش أفريقيا حالة من القلق المستمر وسط تكهنات بإطالة أمد الحرب الإيرانية واحتمال تمددها على نطاق جغرافي واسع بما في ذلك بعض المناطق الأفريقية، في ظل التخوف من التداعيات السلبية للحرب على الأوضاع الاقتصادية وتعطل سلاسل الإمداد والغذاء والنفط الذي قد يفاقم الأزمات في الساحة الأفريقية.
وتظل أفريقيا مرشحة بقوة لأن تصبح ساحة لتصفية الحسابات في مرحلة ما بعد انتهاء الصراع في الشرق الأوسط، وهو ما ينذر بتنافس دولي أكثر شراسة على الموارد والمعادن والنفط في المسرح الأفريقي خلال المرحلة المقبلة.
[1] Fuseini Abdulai Braimah, Arab And African Silence InThe Iran – Israel 12-Day War, Modern Ghana, 27 June 2025, accessible at: https://2u.pw/x2Zn1z
[2] Paul Tilsley, Ugandan military chief vows to back Israel against Iran in viral social media barrage, Fox News, 28 March 2026, accessible at: https://url-shortener.me/IT1N
[3] Mathieu Olivier, Iran-Africa: Who’s who in Tehran’s influence network on the continent?, The Africa Report, 15 March 2026, accessible at: https://2u.pw/oiYPOb
[4] Mathieu Olivier, Iran-Afrique : qui sont les piliers de l’empireiranien sur le continent?, Jeune Afrique, 15 March 2026, accessible at: https://2u.pw/fACF41
[5] Africa Defence Forum, Iranian Military Branch Casts Shadow Across Continent, 11 March 2026, accessible at: https://2u.pw/hpL9XP
[6] تتخذ "جامعة المصطفى العالمية" من مدينة قم الإيرانية مقراً لها، ولها فروع في 17 دولة أفريقية، وقامت باحتضان آلاف الطلاب الأفارقة من السنغال إلى تنزانيا وغالبيتهم من نيجيريا ومنطقة الساحل وشرق أفريقيا وجنوب أفريقيا.