تدخل الحرب بين إسرائيل وحزب الله مرحلة التصعيد في أسبوعها الثالث وسط أنباء عن مبادرة فرنسية لرعاية مفاوضات سياسية مباشرة بين لبنان الرسمي وإسرائيل في مقابل وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي بشكل فوري، وهو ما يُنبِئ بأن الشقاق بين حزب الله والحكومة اللبنانية قد أخذ أبعاداً أكبر مما هو متوقع، فإذا مضى الأول في الحرب منفرداً تسعى الثانية للتفاوض لوقف الحرب وفك مسار لبنان عن مسار إيران.
الحكومة تفاوض وحزب الله يحارب
عندما قرر حزب الله دخول الحرب ضد إسرائيل في 2 مارس الجاري (2026) رداً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، فقد الغطاء السياسي الذي كانت توفره له الحكومة اللبنانية، حيث جرّمت هذه الأخيرة نشاطه العسكري وأمرت بملاحقة عناصره المسلحين. كما فقد الحزب أيضاً جزءاً من رصيده الشعبي نظراً لتضرر اللبنانيين من الحرب المفاجئة، التي اعتبر كثيرون أنها جاءت في توقيتها ذاك بقرار إيراني وليست لضرورة لبنانية مباشرة. بينما اعتبر الحزب نفسه أنه خاض الحرب لأنه كان على علم بأن إسرائيل ستجدد عدوانها على لبنان في كل الأحوال وهو ما عززته فيما بعد تصريحات إسرائيلية بنفس المعنى. ولكن رغم ذلك عارض الكثيرون في لبنان استئثار حزب الله بقرار الحرب والسلم اللبناني، مع التشكيك في مدى قدرته على إيقاع تهديد حقيقي لإسرائيل في مقابل الخسائر الكبيرة المتوقع أن يتكبدها لبنان.
فمع بداية الأسبوع الثالث للحرب وصل عدد الضحايا لما يقارب 850 شهيداً بينهم 107 من الأطفال و66 من النساء وأصيب 2105 منهم 331 من الأطفال و359 من النساء[1]، كما نزح أكثر من 800 ألف من مناطق الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية[2]. ولكن من أهم هذه الخسائر حدوث شقاق داخلي بين حزب الله والحكومة اللبنانية، حيث انقطعت الاتصالات بشكل كامل بين الحزب وكل من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء. بينما يبدو أن الاتصالات بين الحزب ورئيس مجلس النواب لا تزال قائمة رغم امتعاضه من قرار الحرب المفاجئ. ولكن انقطاع الاتصالات ليس كل ما في الأمر، بل الأخطر أنه كما قرر حزب الله المضي بشكل منفرد في طريق الحرب دون استشارة حلفائه في الحكومة، تمضي الحكومة حالياً وبمبادرة من رئيس الجمهورية جوزيف عون في طريق التفاوض المباشر مع إسرائيل دون قبول حزب الله.
إذ تواصل الرئيس عون مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للسعي لدى إسرائيل لتجنب قصف البنية التحتية اللبنانية خلال العدوان الإسرائيلي، وهو الأمر الذي تحقق نسبياً باستثناء قصف بعض الجسور التي تمكن من الانتقال إلى جنوب نهر الليطاني. ثم لاحقاً قدم لبنان الرسمي مبادرة للتفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية فرنسية في مقابل وقف فوري للحرب وإطلاق مسار سياسي موسع للتفاوض حول اتفاق يشمل تعهدات بعدم الاعتداء وترسيم الحدود المشتركة بين البلدين. وقد يعني هذا العرض أن لبنان مستعد للتفاوض للوصول لاتفاق شامل ينشأ عنه اعتراف كامل بإسرائيل، وهو تطور غير مسبوق لم يطرح في السياسة اللبنانية منذ الاتفاق الذي وقع بين لبنان وإسرائيل في 17 مايو 1983 إبان الاحتلال الإسرائيلي للبنان.
ولا يمكن تبين مدى قبول اللبنانيين لمثل هذه الخطوة، أو مدى توفر غطاء سياسي لها إذا ما طُرحت للتصويت في مجلس النواب، خاصةً أن العدوان الإسرائيلي على مدار العامين الأخيرين قد عمّق من حجم العداء لإسرائيل بين اللبنانيين. ورغم السخط الشعبي من خطوة حزب الله الأخيرة بالانخراط في الحرب إلى جانب إيران، فإن هذا لا يعني أن اللبنانيين على استعداد لاتفاق شامل مع الإسرائيليين. فرفض خيارات حزب الله بالحرب المنفردة لا يعني بالضرورة تبني خيار السلام والصلح مع إسرائيل تلقائياً، بل كان من الأجدر أن تبحث الحكومة عن مسار ثالث لا يورطها في الحرب ولا يورطها أيضاً في سلام متعجل قد لا يكون لبنان مستعداً له. بل إن عرض التفاوض المباشر الذي قدمته الحكومة يبدو وكأنه مكافأة لإسرائيل على عدوانها على لبنان ولا يُذكر إلا باتفاق سلام آخر عقد قبل نحو أربعة عقود عندما كانت بيروت تحت الاحتلال.
أصداء المبادرة الفرنسية
في مقابل هذه المبادرة، لا يزال حزب الله ملتزماً بالموقف الإيراني، فالحزب متأهب لحرب طويلة والكلمة لا تزال في الميدان ولا تفاوض في المدى المنظور. ناهيك عن أن حزب الله لا يقبل بالتفاوض السياسي المباشر، وإنما قبل فقط سابقاً بالتفاوض العسكري التقني غير المباشر دون إطار سياسي أوسع، مما يرهن فرص وقف الحرب في لبنان بوقف الحرب في إيران، ولكن إيران لا تزال في خطوات التصعيد وبصدد استخدام صواريخ جديدة لأول مرة. بينما يدرس الأمريكيون إنزال قوات برية في جزر مضيق هرمز لفتحه بالقوة وتأمين الملاحة الدولية الآمنة فيه. ولذا فمسار الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران لا يشي بأي خطة لوقفها في الوقت الراهن بل يتخذ مزيداً من التصعيد.
وكانت المبادرة الفرنسية تستهدف فصل مسارات الحرب في لبنان عن الحرب في إيران، إذ لا شيء يضمن أن توقف الهجمات الأمريكية على إيران باتفاق أو بإعلان انتصار أمريكي من طرف واحد، سيجبر إسرائيل على وقف عدوانها على لبنان. ولذا يسعى الفرنسيون لدى الإسرائيليين لبحث مسار وقف الحرب في لبنان على أساس اتفاق سياسي موسع وليس فقط اتفاق هدنة يمكن خرقه مثل المرة السابقة.
تعتمد المبادرة الفرنسية على تكوين وفد لبناني من 6 شخصيات من الدبلوماسيين على درجة سفير للتفاوض بشكل مباشر مع الإسرائيليين في إحدى العواصم الأوروبية – قبرص أو باريس- بحيث يشمل التفاوض وقف الحرب وسيطرة الجيش اللبناني على المناطق التي ينسحب منها الاحتلال الإسرائيلي خلال شهر واحد. ثم البحث لاحقاً في تدابير سياسية وأمنية تضمن عدم تجدد الاعتداء المتبادل وإجراءات للرقابة الدولية على المنطقة الحدودية وصولاً إلى الاتفاق النهائي لترسيم الحدود البرية بين البلدين.
وقد طرح الفرنسيون أفكاراً متعددةً تشمل وقفاً فورياً للحرب وانسحاباً إسرائيلياً خلال شهر في مقابل موافقة لبنان على المفاوضات المباشرة والمسار السياسي لاتفاق دائم لمنع الأعمال العدائية المتبادلة[3]. وكان ماكرون قد دعا إسرائيل إلى اغتنام فرصة المفاوضات المباشرة مع الحكومة اللبنانية -التي تمثل كل المكونات اللبنانية- والانتقال من مجرد فكرة بحث وقف الحرب الراهنة إلى البحث في إمكانية عقد اتفاق دائم[4]. قبل أن تعلن وزارة الخارجية الفرنسية أن لا خطة فرنسية محددة لوقف الحرب، بل إن الأمر لا يعدو تشجيعاً فرنسياً لانفتاح الحكومة اللبنانية على التفاعل الدبلوماسي المباشر مع إسرائيل وعرض تسهيل هذه المحادثات المحتملة[5].
من جهته، رفض حزب الله المبادرة الفرنسية واعتبر أنها ولدت ميتة، حيث رأى محمود قماطي نائب رئيس المجلس السياسي لحزب الله أن الفرنسيين والأمريكيين سبق وفشلوا في إلزام إسرائيل بتنفيذ الهدنة السابقة أو التعامل مع الخروقات الإسرائيلية ضمن آلية "الميكانيزم". واعتبر قماطي أن الحكومة اللبنانية تواصل تقديم التنازلات للاحتلال الإسرائيلي رغم عدم التزامه بالاتفاق السابق وخرقه بشكل متكرر. كما انتقد قماطي سعى الحكومة اللبنانية لـ"التطبيع" مع الاسرائيليين أثناء العدوان واعتبر أن عرضها بالتفاوض المباشر يعد "خطيئة كبرى" وأن قراراتها تضع الجيش اللبناني في مواجهة "المقاومة" بدلاً من أن تستفيد من "المقاومة كورقة للتفاوض"[6]. بينما رأى رئيس مجلس النواب أن لا بحث في أي تفاوض قبل وقف الحرب والسماح بعودة النازحين إلى مناطقهم، ولكن فحوى المبادرة لا يفي بهذه الشروط بل تفترض أن يبدأ التفاوض فوراً أثناء الحرب ويتم انسحاب الجيش الإسرائيلي على مدار شهر[7].
أما رد الفعل الإسرائيلي فقد كان متضارباً، فمن جهة نفي وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر دخول إسرائيل في أي محادثات مع لبنان في المدى المنظور، بل دعا الحكومة اللبنانية إلى نزع سلاح حزب الله[8]. فيما ترددت أنباء لاحقة عن قبول إسرائيل لعقد جلسة تفاوض مباشر بين مسئولين لبنانيين وإسرائيليين في مدينة أوروبية خلال أيام، دون مزيد من التفاصيل عن جدول الأعمال أو وفود التفاوض[9].
تصعيد ميداني لا يُبشر بنجاح المبادرة
يواصل حزب الله هجماته الصاروخية على شمال إسرائيل وصولاً إلى منطقة الوسط حيث تل أبيب الكبرى وأطراف القدس، وهو في ذلك ينسق هجماته الصاروخية بشكل مباشر مع الهجمات الإيرانية بحيث تأتي متزامنة لتستنزف الدفاع الجوي الإسرائيلي وتحدث أضراراً، وهو الأمر الذي تكرر سواء في قصف الداخل الإسرائيلي مثل نهاريا وكريات شمونة أو في الجولان السوري المحتل لقصف قواعد الإمداد التي تسند قوات الاحتلال المتوغلة في لبنان.
بينما في عملياته الدفاعية يتمركز على خط الحدود لصد توغلات القوات الإسرائيلية على المحاور المختلفة في جبل البلاط وعيتا الشعب والعديسة ومركبا والخيام لمنع تقدم جنود الاحتلال. فيوزع عملياته الدفاعية بين النقاط التي يتمركز فيها الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية والتي ارتفعت من 5 نقاط إلى 18 نقطة بعمق لا يزيد عن 3 كيلومترات، وبين قصف قواعد الإمداد لهذه القوات داخل الأراضي الإسرائيلية والجولان السوري المحتل.
أما الإسرائيليون فيرفضون مبدأ التفاوض قبل نزع سلاح حزب الله ويعولون حتى اللحظة على التصعيد العسكري من أجل إتمام هذه المهمة. إذ تم استدعاء ما يقارب 450 ألفاً من جنود الاحتياط، وتم استدعاء الفرقة 91 مشاة التي سبق وعملت في غزة من أجل نشرها على الحدود الشمالية استعداداً لتنفيذ خطة للاجتياح البري. وذلك بالإضافة إلى فرق أخرى كان سبق أن نشرها الاحتلال الاسرائيلي قرب الحدود مع لبنان مثل الفرقة 146 و210 و162 وهي خليط من قوات مدرعة ومشاة وقوات استطلاع ومهمات خاصة، مما يشي بأن العدوان الإسرائيلي في لبنان يتأهب لدخول مرحلة الحرب البرية الموسعة، بما يتطابق مع تهديدات يسرائيل كاتس وزير الدفاع الإسرائيلي الذي هدد بأن إسرائيل ستستولى على الأراضي اللبنانية بنفسها إذا فشلت حكومة لبنان في وقف هجمات حزب الله على إسرائيل[10].
كما اعتبر مصدر عسكري في حزب الله أن الاشتباكات التي تجري في بلدة الخيام قد لا يكون هدفها فقط اختبار مدى صلابة دفاعات حزب الله، بل التوغل منها إلى نهر الليطاني مباشرةً لتنفيذ عملية برية[11]. ويعزز من هذه الفرضية تركيز إسرائيل مؤخراً على قصف مجموعة من الجسور في الجنوب لعزل منطقة جنوب الليطاني عن شمالها، مما قطع الصلات بين المنطقة التي يستهدف الاحتلال الاسرائيلي الانتشار فيها عن بقية مناطق الجنوب[12].
ورغم ذلك يواصل الفرنسيون اتصالاتهم في محاولة لإقناع طرفي الصراع بجدوى التفاوض في هذه المرحلة لإيجاد مخرج من الحرب الراهنة. ففي الطرف اللبناني، يبدو أن الدولة اللبنانية التي عرضت التفاوض لا تملك فعلياً تنفيذ ما قد يتم التوصل إليه في المفاوضات، فحزب الله لا يخضع لقرار الحكومة بل ينتقد مسعى التفاوض برمته. بينما يميل الإسرائيليون إلى إعطاء فرصة للحرب لا للتفاوض ويعولون على توسيع الهجوم البري لخلق منطقة عازلة لعله ينجح في تحجيم نفوذ حزب الله، بعد أن أعاد هذا الأخير انتشاره سريعاً في جنوب الليطاني كأن شيئاً لم يكن، رغم التأكيدات السابقة بسحب سلاحه بعيداً عن الحدود.
ولذا فالعلة تكمن في عدم اقتناع أي من الطرفين بجدوى التفاوض في الوقت الراهن، فإسرائيل درجت على خرق الاتفاق السابق بل صعّدت بشكل عمدي خلال مفاوضات سابقة لخداع الخصم ومباغتته بهجمات مفاجئة. والقرار اللبناني ليس بين يديّ الحكومة وحدها وحزب الله دائم التمرد على قراراتها ولا يعتد إلا بالضوء الأخضر القادم من طهران حصراً، فإذا لم تفاوض طهران الأمريكيين لن ينفتح حزب الله على أية مفاوضات مع الإسرائيليين. ولكن باريس أعدت مائدة التفاوض بانتظار من سيتألم أولاً من التصعيد العسكري فيأتي إليها طالباً فتح محادثات للخروج من الحرب، وإذ تمتلك إسرائيل القوة الجوية الكفيلة بإيلام لبنان، يمكن لحزب الله أيضاً استغلال التوغل البري لإيقاع خسائر كبيرة في صفوف جنود الاحتلال في وقت قياسي.