د. محمد عز العرب

رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

هناك سؤال كبير سيظل مطروحاً خلال المرحلة المقبلة، وسيرتبط بكيف ومتى ستنتهي الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، انطلاقاً من أهداف ومحددات السلوك الأمريكي وتوافقه مع السلوك الإسرائيلي في إسقاط النظام الإيراني، وحدود قدرة الأخير على الصمود بل وممارسة ضغوط على دول الإقليم، وبصفة خاصة على دول الخليج بالنظر لقربها الجغرافي واستضافتها لقواعد عسكرية أمريكية ومحورية دورها في إدارة الاقتصاد العالمي، فضلاً عن قدرة إيران على الاستمرار في عرقلة حرية الملاحة البحرية وفرض قيود على حركة التجارة العالمية.

فالولايات المتحدة تستطيع أن تبدأ أو تتخذ قرار الحرب بإرادتها لكنها لا تستطيع أن تنهيها بتصورها بمفردها، فيما يعرف بمأزق الرمال المتحركة، لأن ذلك مرهون بأبعاد أخرى تتعلق بحسابات الحليف (إسرائيل) وضغوط الشركاء بالإقليم (دول الخليج) ورد فعل الخصم (إيران) ووضع الأسواق، وبصفة خاصة في الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا. وفي بعض الأحيان، قد يرى الطرف الخصم ميزة في استمرارية المواجهة المحدودة، وتمثل فرصة لتحسين شروطه أو وضعيته السياسية، إذ تعمل إيران على إثبات قدرتها على البقاء، سواء لشعبها أو للإقليم أو للعالم.

كما أن هناك رؤية حاكمة للنخبة الإيرانية الحاكمة، وخاصة الحرس الثوري، بأن التفاوض مع واشنطن لا يقدم ضمانات حقيقية للتهدئة، على نحو ما عكسته جولات التفاوض المتعددة في مسقط وجنيف، والتي انتهت بحرب لم تؤدي إلى تدمير بنى عسكرية ومنشآت حيوية فحسب، وإنما شملت أيضاً تآكل الثقة السياسية الضرورية لأي تفاوض. علاوة على استمرار تأكيد القيادة المركزية الأمريكية على أن النظام الإيراني يمثل منذ سنوات "التهديد الأول للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط"، على نحو ما جاء في منشورها بتاريخ 13 مارس الجاري عبر منصة "إكس".

يضاف إلى ذلك تخبط الإدارة الأمريكية وفي القلب منها الرئيس دونالد ترامب في توقعه لمآل الحرب، والخلط بين إسقاط النظام وتعديل سلوكه، وآخرها تصريحه لشبكة فوكس نيوز في 13 مارس الجاري بإبداء ثقته بأن الشعب الإيراني سيتحرك لإسقاط النظام الحالي بعد الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي، لكنه تدارك في مقابلة بثت الجمعة أن هذا الأمر قد لا يحصل في شكل فوري. ويعبر ذلك عن تصعيد محتمل، عبر سعي الأطراف المتحاربة لاستهداف نقاط موجعة لدى الطرف الآخر، واحتمال إدخال أطراف جديدة، واتساع رقعة المواجهات.     

الأبعاد العقدة

كلما تظهر معلومات أو تحولات جديدة ستظهر إجابات جديدة في أعقابها، سواء بإعلان الولايات المتحدة الوقف النهائي للحرب أو تحيدد سلوك إسرائيل في التصعيد أو تقديم إيران بادرة تعاون أو الاستجابة للتهدئة. وعلى الرغم من صدور كم هائل من المقالات والتحليلات الإخبارية وتقديرات المواقف، من الصحف ومراكز الأبحاث والدراسات، حول الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، إلا أن هناك حالة من عدم اليقين بشأن "اليوم التالي" للحرب، وهو ما عبر عنها المستشار الألماني فريدريش ميرتس عقب لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مقابلة مع قناة "زد دي إف" الألمانية بتاريخ 4 مارس الجاري، بأنه لا يزال يفتقد إجابات بشأن الكيفية التي قد تتطور بها الأوضاع في إيران بعد الحرب.

ويمكن القول إن هناك مجموعة من القضايا الملتبسة بشأن اليوم التالي لانتهاء الحرب، والتي ترتبط بحدود التغير في المواجهات العسكرية بين الأطراف المتحاربة، على النحو التالي:

1- واقع النظام السياسي في إيران بعد الحرب: لم تطرأ تعديلات هيكلية على النظام الإيراني في ظل الحرب، رغم الخسائر الضخمة التي تكبدتها طهران على صعيد الصواريخ الباليستية والقوات البحرية والدفاعات الجوية والمنشآت النووية والمراكز الأمنية، أو استهداف الشخصيات المحورية مثل المرشد الأعلى علي خامنئي أو القادة في الجيش والحرس الثوري والاستخبارات ومراكز القيادة والتحكم، حيث تم امتصاص تلك الضربات بسرعة كما لو أن هناك سيناريوهات مسبقة للتعامل مع أسوأ حالة يمكن أن تتعرض لها البلاد في لحظة ما، على نحو ما جرى في الساعات الأولى من الحرب.

وعلى الرغم من امتلاك الولايات المتحدة وإسرائيل قوة عسكرية هائلة وقدرة تدميرية استثنائية، إلا أنهما لم تنجحا- حتى اليوم الـ15 من الحرب- في إسقاط النظام الإيراني أو حتى في شل إرادته السياسية الرامية إلى الصمود والبقاء. ووفقاً لأحد التحليلات المنشورة في صحيفة "الفايننشال تايمز" لسايمون غاس السفير البريطاني السابق في طهران، لا يكمن الخطأ الرئيسي لواشنطن في سوء التقدير للقوة العسكرية الإيرانية بل في سوء فهم لبنية النظام، فهو ليس مجرد هرم سلطوي ينهار بمقتل رأس النظام بل نظام تشكل لعقود على أساس الصمود في وجه الضغوط الخارجية والعقوبات الغربية. ولذلك، فإن الضربات العنيفة قد تضعفه أو تستنزفه عسكرياً، ولكنها لا تؤدي إلى تفككه.

وسيظل الواقع الإيراني أكثر تعقيداً من حيث توازنات القوة السياسية الداخلية التي لاتزال متمركزة في ثلاث كيانات محورية، هي المرشد الذي يمتلك الشرعية الدينية والثورية، والحرس الثوري الذي يملك السلاح والاقتصاد والشبكات الميدانية، والحكومة التي تدير الأوضاع الداخلية للدولة. فإيران ليست ديكتاتورية فردية، وإنما هي بنية سلطوية متعددة المراكز، وسيظل المرشد صاحب الكلمة العليا المحورية، لكنه منظم للتوازنات السياسية داخل. ولعل ذلك يفسر لماذا لم يسقط النظام الإيراني حتى لو تعرض أحد هذه المراكز لضربات موجعة. وهنا، يعد الصمود في وجه الهجوم جزءاً من شرعية النظام نفسه.

ولعل ذلك لم يفهمه الرئيس ترامب أو النخبة الاستراتيجية المحيطة به، لأن هذه النوعية من النظم العقائدية يمكنها وأد الاحتجاجات الجماهيرية التي كانت تواجهها بين الحين والآخر. فالغضب الاجتماعي موجود، والاقتصاد مأزوم، لكن لا توجد أنسجة رابطة بين الشارع ومشروع منظم لتغيير السلطة، حيث تغيب المعارضة المتماسكة والقيادة الموحدة والشبكة القادرة على تحويل التظاهر إلى انتقال سياسي، وتترجم فعلياً فوران "وعاء الطهي الضاغط". فالاستياء الشعبي لا يكفي وحده لإنتاج ثورة. كما أن النظام الإيراني مدرك أن العدوان الخارجي قد يعيد إنتاج التماسك الوطني المؤقت حتى داخل المجتمعات المنقسمة.    

2- إدارة العلاقة بين دول الإقليم وإيران: تظل هذه العلاقة إحدى الإشكاليات التي تواجه عدداً كبيراً من دول الإقليم، وخاصة دول الخليج والأردن والعراق، التي تعرضت أراضيها ومنشآتها ومطاراتها لاستهدافات متكررة، دون أن تكون طرفاً في الحرب، فضلاً عن مصر والمغرب اللتين أصدرتا بيانات رسمية تدين السياسة الإيرانية، وهو ما يشير إلى أن نصف الدول العربية سيشوبها توتر أو ترقب حذر للسلوك الخارجي الإيراني في تعامله مع القضايا العربية. فقد تحولت إيران من دولة جوار يقتضي التفاهم معها إلى مصدر تهديد بالنسبة للعديد من دول الإقليم في سياق إتباعها منطق مفاده "في حال غرق سفينتي لابد من غرق كل السفن الأخرى".

وهنا تجدر الإشارة إلى أنه في حال انتهاء الحرب دون تغير ميداني لصالح أحد الطرفين، أو بالأحرى -وهو الأرجح- بقاء النظام الإيراني، فإن إيران بعد 28 فبراير الفائت ليست هي إيران قبل هذا التاريخ. فلقد خسرت إيران دفاعاتها الجوية وجزءاً كبيراً من قواتها البحرية والجوية واستمرار خسارة طهران يومياً منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الصواريخ والأسلحة، وتعذر استيراد أي أسلحةٍ وقطعٍ وعتادٍ من روسيا أو الصين بسبب الحصار البحري والجوي المطبق من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل. ولعل حالة الإضعاف هذه تؤثر على علاقتها بدول جوارها، وتمتد إلى صلاتها بوكلاءها في دول الأزمات العربية، وهو ما أطلق عليه الكاتب عبدالرحمن الراشد التعايش مع حكمٍ مكسور.

ولكن الإشكالية تكمن في محاولة طهران الخروج من الحالة هذه بممارسات توحي بعودتها الخشنة في وقت تحتفظ بخطابات الجار قبل الدار، غير أن المسألة تقتضي أن تتجاوز التصريحات الرسمية إلى السياسات العملية، حيث قدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ومن أجل الحفاظ على العلاقات القائمة بين بلاده ودول الخليج العربية، يوم 7 مارس الجاري، اعتذاراً صريحاً قائلاً: "أعتذر للدول المجاورة وليست لدينا عداوة معها"، مضيفاً: "يجب أن نعمل مع دول الجوار بهدف ضمان وتأمين الأمن والسلام".

ولذا، قال رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، في حوار مع قناة "سكاي نيوز" الإنجليزية: "كنا نعمل في الوقت نفسه مع بقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية للخروج بموقف جماعي يؤكد أننا نريد أن نرى ما قاله الرئيس الإيراني مطبقاً على أرض الواقع" مضيفاً: "بينما كنا نجري تلك المناقشات مع زملائنا في دول مجلس التعاون، كانت هذه الدول تتعرض للهجوم"، وهو الأمر الذي جعل تصريحات الرئيس بزشكيان تفقد قيمتها السياسية. ومن المجدي لأي أفق مستقبلي بَنّاء للعلاقة بين دول الخليج وإيران أن يميّز بين سياسات ما قبل هذه الحرب، وفي أثنائها، وسياسات ما بعد الحرب.

3- مراجعة اعتماد دول الخليج على المنظومة الأمنية الأمريكية: قد يدفع وضع ما بعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران إلى إعادة التفكير لدى دول الخليج في أهمية المظلة الأمنية الأمريكية المستمرة منذ مرحلة ما بعد حرب الخليج الثانية، وفي جدوى الرهان على الولايات المتحدة كحليف موثوق به في مواجهة أية مهددات قائمة أو مخاطر أمنية محتملة، وفي جدوى بناء ترتيبات أمنية إقليمية أكثر تعقيداً في شرق أوسط شديد الاضطراب يحتاج إلى تضافر الجهود مع الأطراف الإقليمية المعنية بأمنها الوطني أولاً والأمن الإقليمي ثانياً. فالولايات المتحدة لا يشغلها سوى حماية مصالحها ودعم أمن إسرائيل دون أن يمتد ذلك إلى بقية الحلفاء في الإقليم، وهو ما يقتضي التفكير في مستقبل منظومات وأدوات الدفاع الخليجية على مستوى كل دولة خليجية، والبحث عن مأسسة التعاون والتكامل الدفاعي الخليجي الجماعي.

4- تحول منطقة الخليج من بؤرة عالية المخاطر الأمنية إلى وجهة استقرار اقتصادي: ثمة تحدٍ كبير يواجه كل دول الخليج، بدرجات متفاوتة، في مرحلة ما بعد انتهاء الأمد الزمني للحرب، وسرعة التحول إلى الإنتاج مرة أخرى، بعد أسابيع من تعطيل قدرات إنتاج الطاقة في الخليج نتيجة الهجمات الإيرانية على منشآت الطاقة الرئيسية، على نحو ما أشارت إليه البيانات المتتالية الصادرة عن شركات الطاقة الكبرى في منطقة الخليج، مثل شركة "قطر للطاقة" و"نفط البحرين" (بابكو) و"مؤسسة البترول الكويتية" وشركة "أبوظبي الوطنية للنفط" (أدنوك). فضلاً عن الأضرار التي طالت سلاسل الإمداد ومصادر الطاقة ورؤوس الأموال، على نحو أدى إلى اهتزاز صورة "واحة الأمان" التي قدمتها منطقة الخليج لعقود، الأمر الذي يتطلب منع ترسّخ صورة "قابلية الإمدادات للاستهداف" في وعي الأسواق الدولية. 

5- معضلة تحول لبنان إلى حرب أهلية: وهو أحد السيناريوهات الخطرة المقبلة عليها لبنان بمدى يتجاوز في حدته الحرب الأهلية التي شهدتها لبنان خلال الفترة (1975-1990)، حيث
أن إسرائيل ستواصل استهداف حزب الله، حتى في حال توقف الحرب مع إيران، لأن هذه فرصة استراتيجية لا يمكن تكرارها بعد الحريق الأكبر المتمثل في طوفان الأقصى، ويتعين اغتنامها بعد الحرب الحالية في مواجهة إيران، بعد انخراط الحزب في دينامياتها منذ اليوم الثالث في 2 مارس الجاري، لوقف أي تهديدات لإسرائيل تكون قادمة من الضاحية الجنوبية بلبنان، وربما يكون الاجتياح البري وارداً في هذا السياق، بما يؤدي إلى تدمير البنية التحتية المدنية في البلاد لتحويلها لخان يونس ثانية. ويتجلى هذا الأمر بشكل خاص في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة التي يعاني منها لبنان، والتي وصفها البنك الدولي بأنها من "الأزمات الأشد على مستوى العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر".  

6- تسيير حركة الملاحة البحرية والتجارة العالمية في مضيق هرمز: يظل هذا البعد هو أحد القضايا الإشكالية، التي ستعمل الولايات المتحدة على إيجاد حل سريع لها، وحتى قبل نهاية الحرب، بعد وضعية "شبه الإغلاق" لمضيق هرمز، ما أسفر عن شل مرور ما يقارب خُمس التجارة العالمية للنفط والغاز الطبيعي المسال، على نحو يعكس قدرة إيران على رفع تكلفة المخاطر في حال محاولة مرور الشاحنات أو الناقلات عبر هذا المضيق، ليس من خلال زرع ألغام، أو حتى إغلاقه، وإنما عبر طائرات مسيرة محدودة، أو هجمات متقطعة على الناقلات، أو مجرد إطلاق تهديدات بحيث تتحول التكلفة النفسية والمالية إلى جزء من السلاح ذاته. ولذا، تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم 14 مارس الجاري، بضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام حركة الملاحة الدولية "بطريقة أو بأخرى"، مؤكداً أن واشنطن ستشن قصفاً مكثفاً على طول الساحل وستواصل استهداف القوارب والسفن الإيرانية وإغراقها.

خطط مبهمة

خلاصة القول، إن خطط اليوم التالي للحرب تبقى مبهمة، ويشير تيار رئيسي في الكتابات إلى أنها غير متطابقة بين واشنطن وتل أبيب، لدرجة أن البعض يميز بين "حرب ترامب" و"حرب نتنياهو"، انطلاقاً من تجربتين سابقتين، في غزة وفنزويلا، مع الأخذ في الاعتبار الاختلافات الجوهرية بينهما حيث تختلف إيران الدولة عن حماس الحركة، فضلاً عن صعوبة تكرار نموذج "مغامرة فنزويلا" في إيران، فليس للمرشد الراحل "نائب" يحلّ محله ليلعب دور دولسي رودريجيز في موقع الرئيس نيكولاس مادورو. ومن ثم، لا يمكن فرض "نظام صديق" كما تخطط واشنطن والبحث عن بديل من "داخل النظام".

علاوة على وضع خطوط حاكمة لعلاقات دول الإقليم، وبصفة خاصة في منطقة الخليج مع إيران، في أعقاب اليوم التالي، حيث أدركت أبوظبي والرياض والدوحة أن رسالة إيران في هذه الحرب لا تخص عاصمة خليجية دون غيرها، فالكلّ مستهدف بمطاراته وموانئه وفنادقه وبنيته التحتية للطاقة، وبنيته الرقمية ومنشآته الحيوية وأحيائه السكنية. الكل مستهدف بخياراته الاستراتيجية، في ما يتعلق بالأمن والدفاع والعلاقات الخارجية، بحيث انتقلت إيران من خطاب أولوية الجوار إلى الحرب على الجوار، لتُعيد طهران تقييم حساباتها تجاه جيرانها على أسس جديدة في ظل بيئة إقليمية متقلبة ومضطربة، وفيها هوامش تتسع من المفاجأة وعدم المقدرة على التنبؤ في وجود قيادات سياسية دولية وإقليمية تسعى لهندسة سياسية مختلفة للشرق الأوسط.