د. أحمد قنديل

رئيس وحدة العلاقات الدولية ورئيس برنامج دراسات الطاقة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيحية

 

في السياسة الدولية، كما في التاريخ، تبدو الحروب في لحظتها الأولى وكأنها معادلة بسيطة بين طرف يمتلك القوة الساحقة، وطرف آخر يقف في موقع أضعف. وفي الحسابات التقليدية يُفترض أن النتيجة واضحة قبل أن تبدأ المعركة، وهي "انتصار الأقوى". غير أن الخبرة التاريخية تعلمنا أن الحروب ليست مجرد أرقام في ميزان القوى، بل هي تفاعل معقد بين القوة والإرادة والقدرة على الاحتمال.

واليوم يعود السؤال المذكور في عنوان هذا المقال بقوة مع الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فالمواجهة العسكرية التي بدأت بضربات واسعة النطاق على الأراضي الإيرانية تحولت بسرعة إلى صراع إقليمي مفتوح، مع تبادل الضربات الصاروخية والطائرات المسيرة عبر الخليج وامتداد التوتر إلى أكثر من ساحة في الشرق الأوسط.

فمع اتساع دائرة العمليات العسكرية، يطرح المراقبون سؤالاً جوهرياً، وهو: هل يمكن لإيران، وهي الطرف الأضعف نسبياً في ميزان القوة العسكرية، أن تصمد أو حتى تحقق مكسباً استراتيجياً في مواجهة تحالف يضم أقوى دولة في العالم وأقوى قوة عسكرية في الشرق الأوسط؟

وفي الواقع، لا يعد هذا السؤال جديداً، حيث تم طرحه مراراً منذ العصور القديمة، حين واجهت دول صغيرة أو شعوب محدودة الموارد إمبراطوريات واسعة النفوذ. وفي كل مرة كان الجدل يعود إلى الفكرة نفسها، وهي: هل تحسم الحروب بقوة السلاح وحدها، أم توجد عناصر أخرى أكثر تعقيداً تختبئ وراء الأرقام والخرائط العسكرية؟

الحروب غير المتكافئة وإمكانية مفاجأة الأقوياء

إذا نظرنا إلى التاريخ من زاوية القوة المجردة، فإن الكفة تميل في معظم الأحيان إلى صالح الطرف الأقوى. فالدولة التي تمتلك اقتصاداً واسعاً وقاعدة سكانية كبيرة تستطيع أن تُعبئ الموارد وتستمر في الحرب لفترة أطول. كما أن التنظيم المؤسسي المتماسك يسمح بإدارة الجيوش والموارد بطريقة أكثر كفاءة، وتمنح التكنولوجيا العسكرية المتطورة الجيوش الحديثة تفوقاً واضحاً في ساحة المعركة.

ولهذا السبب استطاعت إمبراطوريات كثيرة عبر التاريخ أن تفرض هيمنتها على مناطق واسعة من العالم. فالقوة العسكرية المدعومة بالاقتصاد والتنظيم والتكنولوجيا المتقدمة كانت قادرة على فرض إرادتها، وأحياناً لفترات طويلة امتدت لقرون. غير أن هذه الصورة، على وضوحها الظاهري، ليست كاملة.

فالتاريخ نفسه يقدم لنا مشاهد أخرى مختلفة، حيث توجد لحظات بدت فيها القوة الضخمة عاجزة أمام خصم أقل إمكانات. ففي القرن العشرين، واجهت قوى عظمى صعوبات كبيرة في حروب خاضتها ضد خصوم أقل قوة عسكرياً. ومن أبرز هذه الحالات حرب الولايات المتحدة في فيتنام وأفغانستان والعراق، وحرب الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، فضلاً عن تجارب استعمارية فشلت فيها قوى أوروبية في إخضاع حركات مقاومة محلية.

وهذه الحالات دفعت الباحثين إلى تطوير مفهوم "الحرب غير المتكافئة"، والذي يشير إلى صراع بين طرفين غير متساويين في القوة العسكرية والتكنولوجية، حيث يلجأ الطرف الأضعف إلى استراتيجيات بديلة لتعويض هذا الفارق. ومن بين هذه الاستراتيجيات الاعتماد على حرب العصابات، واستنزاف الخصم على المدى الطويل، والاستفادة من التضاريس الجغرافية، أو توظيف الدعم الشعبي والسياسي المحلي.

وفي هذا السياق، تظهر فكرة مفادها أن التفوق المادي لا يكفي وحده لتحقيق النصر، وأن عوامل أخرى مثل الإرادة السياسية، والقدرة على التكيف، وتماسك المجتمع قد تلعب دوراً حاسماً في مسار الصراع.

ميزان القوة: تفوق واضح في البداية

إذا نظرنا إلى ميزان القوة التقليدي في الحرب الجارية حالياً بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، فإن الصورة تبدو واضحة. إذ تمتلك واشنطن قدرات عسكرية وتكنولوجية هائلة، من حاملات الطائرات إلى القاذفات الاستراتيجية وأنظمة الاستخبارات المتقدمة. كما أن إسرائيل، بحكم تفوقها التكنولوجي والعسكري في المنطقة، تمثل عنصراً إضافياً في هذا الميزان. وقد استهدفت الضربات المشتركة مواقع حساسة داخل إيران، في محاولة لإضعاف بنيتها العسكرية والقيادية.

وفي مثل هذه الظروف، يبدو من الطبيعي أن يتوقع كثيرون حسم الحرب لصالح الطرف الأقوى. لكن هذه الصورة ليست سوى نصف الحقيقة.

الوجه الآخر للقوة

الحروب الكبرى لا تُحسم فقط في ميادين المعارك العسكرية، وإنما لها بعد آخر يتعلق بطبيعة المجتمعات والدول التي تخوضها. وفي كثير من الأحيان تظهر نقاط ضعف في القوى الكبرى لا تبدو واضحة في البداية. فعلى سبيل المثال، تصبح الدول العظمى، مع مرور الزمن، أكثر تعقيداً في بنيتها السياسية والاجتماعية. إذ تتضخم مؤسساتها، وتتعدد مراكز القرار فيها، وتزداد حساسيتها تجاه الكلفة البشرية والاقتصادية للحروب. وفي هذا السياق، أظهر عدد من استطلاعات الرأي العام داخل الولايات المتحدة بالفعل وجود قدر ملحوظ من الرفض الشعبي تجاه الحرب، حيث لم تتجاوز نسبة التأييد للضربات العسكرية الأمريكية ضد إيران ربع الأمريكيين تقريباً. وهذا العامل الشعبي يعد عاملاً مؤثراً في الحروب الحديثة. فالديمقراطيات الكبرى تحتاج دائماً إلى دعم داخلي يبرر استمرار العمليات العسكرية، خصوصاً إذا تحولت الحرب إلى صراع طويل.

وبالتزامن  مع ذلك، يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلاً داخلياً حول شرعية الحرب، خصوصاً في ما يتعلق بصلاحيات السلطة التنفيذية في إطلاق العمليات العسكرية. غير أن عدداً من المحللين القانونيين يرون أن تحرك الإدارة الأمريكية يقع ضمن الإطار الدستوري المرتبط بحماية المصالح القومية. وفي كل الأحوال، ينتظر الكونجرس تقريراً رسمياً خلال ستين يوماً يحدد الإطار القانوني والسياسي للحرب. وهذه النقطة مهمة للغاية. فالدول الديمقراطية الكبرى تحتاج دائماً إلى توازن بين القرار العسكري والشرعية السياسية، خصوصاً إذا تحولت الحرب إلى صراع طويل.

وفي المقابل، قد يمتلك الطرف الأضعف ما يمكن أن نسميه "طاقة المجتمع في لحظة الخطر". فعندما يشعر مجتمع ما بأن الحرب تمس وجوده أو مستقبله، تتولد فيه درجة عالية من الحافز والتماسك، حيث يصبح الصراع بالنسبة له "مسألة بقاء"، لا مجرد معركة عسكرية. وفي مثل هذه الظروف يمكن أن تتحول نقاط الضعف المادية إلى قوة معنوية قادرة على الصمود.

وهنا تحديدا يظهر السؤال الاستراتيجي الحقيقي في هذه الحرب، وهو: هل تستطيع إيران تحويل ضعفها النسبي في القوة العسكرية إلى مصدر قوة في صراع طويل؟

الاجابة تحمل بعدين رئيسيين: البعد الأول هو أن بعض التقديرات تشير إلى أن النظام السياسي الإيراني صُمم أساساً لتحمل الضغوط الخارجية، وأنه يمتلك بنية مؤسسية تسمح له بالاستمرار حتى في حال فقدان بعض القيادات أو تعرضه لضربات عسكرية قاسية.  أما البعد الثاني فهو أن طهران تعتمد منذ سنوات على ما يمكن تسميته "استراتيجية الحرب غير المتكافئة".  فبدلاً من مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى، تعتمد إيران على أدوات مثل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة والشبكات الحليفة في المنطقة. وهذه الاستراتيجية لا تهدف بالضرورة إلى تحقيق نصر عسكري تقليدي، بل إلى "رفع كلفة الحرب على الخصم" وتحويلها إلى صراع طويل ومعقد.

حدود نظرية "انتصار الضعيف"

ومع ذلك، ينبغي الحذر من الوقوع في مبالغة الاعتقاد بأن الطرف الأضعف يمتلك ميزة حتمية في الحروب. فالتاريخ لا يقدم قاعدة تقول إن الضعيف ينتصر غالباً، بل إن العكس هو الأقرب إلى الحقيقة في معظم الحالات. ففي الواقع، تشير معظم الدراسات التاريخية إلى أن القوى الكبرى تفوز في أغلب الحروب التي تخوضها، خاصة عندما يكون الهدف عسكرياً مباشراً ومحدوداً. كذلك، يتم توجيه سهام النقد إلى نظرية انتصار الأضعف من زاوية "الانتقائية في استخدام الأمثلة التاريخية". فالتاريخ مليء بحالات انتصار القوى الكبرى على خصوم أضعف، لكن هذه الحالات لا تحظى بنفس القدر من الاهتمام في الخطاب الذي يركز على "مفاجآت التاريخ". وبالتالي فإن التركيز على حالات محددة قد يخلق انطباعاً مضللاً حول القاعدة العامة.

وفي ضوء كل ذلك، يمكن القول إنه لا توجد إجابة واحدة على السؤال "القديم الجديد" الذي بدأنا به هذا المقال، وهو هل يمكن للطرف الأضعف أن يفوز في الحروب. فالتاريخ يقدم أمثلة على انتصار الأقوياء، كما يقدم "مفاجآت" حين استطاعت قوى أصغر أن تصمد أو حتى تغير مسار الصراع. فالحروب لا تخضع لقانون واحد بسيط. إنها ظاهرة معقدة تتداخل فيها عناصر متعددة: الاقتصاد، والسياسة، والجغرافيا، والتحالفات الدولية، فضلاً عن الروح المعنوية للمجتمعات.

وفي الحرب الجارية اليوم، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو من يمتلك القوة الأكبر، فذلك واضح نسبياً. وإنما السؤال الأهم، في تقديري، هو من يمتلك القدرة على الصمود الأطول، ومن يستطيع تحويل الحرب إلى ساحة تحقق فيها استراتيجيته أهدافها. فالحروب، في النهاية، ليست مجرد معارك عسكرية، بل هي اختبار طويل لإرادة الدول والمجتمعات. وفي هذا الاختبار، كثيراً ما تُكتب المفاجآت الكبرى في التاريخ.