د. أحمد عسكر

باحث مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

ربما لا تزال إيران تمتلك بعض أوراق الضغط التي يمكن توظيفها مع تصعيد الموقف في مواجهتها العسكرية ضد التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، والتي بات أحد أبعادها مرتبطاً بمساعي طهران للسيطرة على الممرات البحرية الاستراتيجية ربما تمهيداً لفرض أسلوب الهجوم الجماعي البحري على نطاق جغرافي واسع، في محاولة لإرباك الموقف الدولي وتوجيه رسالة تحذيرية للأطراف الدولية من مغبة التورط في الحرب ضد طهران إلى جانب واشنطن، وذلك من خلال إرباك حركة الملاحة البحرية، في مضيق هرمز الاستراتيجي الذي تمر عبره نحو 20% من حجم التجارة العالمية وخاصة تجارة النفط، لا سيما في ضوء تداول معلومات حول سيطرة الحرس الثوري الإيراني على المضيق، بالرغم من النفي الأمريكي المستمر.

وبفرض احتمال إغلاق مضيق هرمز وما قد يشكله من صدمة استراتيجية إلى جانب كونه هزة اقتصادية قوية للاقتصاد العالمي في ضوء المخاوف من ارتفاعات كبيرة في أسعار النفط العالمي، ربما تفكر طهران في توسيع النطاق الجغرافي للصراع العسكري مع الولايات المتحدة وإسرائيل ليشمل استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية في بعض نقاط الاختناق البحري الاستراتيجية، بالتوجه غرباً نحو مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وذلك عبر أحد وكلائها الإقليميين في المنطقة وهي جماعة الحوثي اليمنية، الأمر الذي ينذر بمزيد من العسكرة في البحر الأحمر، وما قد يترتب عليه من تهديد للتجارة الدولية في هذا الممر الحيوي الذي يمر عبره أكثر من 23% من إجمالي حجم التجارة العالمية، وذلك بهدف رفع كلفة العمليات العسكرية ضد إيران، من خلال نشر الفوضى على نطاق إقليمي أوسع يشمل عدة مناطق استراتيجية بالنسبة للمصالح الأمريكية والدولية تتجاوز منطقة الخليج العربي، لتصل إلى منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهو ما يعزز المخاوف من انزلاق القرن الأفريقي كساحة مواجهة جديدة في حرب الشرق الأوسط الجارية.

يعزز هذا الاتجاه أن القرن الأفريقي يقع ضمن أولويات سياسات العديد من الجهات الدولية والإقليمية الفاعلة على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل التي تحاول تعزيز وجودها في المنطقة عبر إقليم "أرض الصومال"، إضافة لكونه ساحة تضم وجوداً عسكرياً كثيفاً لعدد من القوى الفاعلة التي ترغب في حماية مصالحها الحيوية ونفوذها هناك لا سيما الصين وفرنسا وإيطاليا وتركيا وغيرها، وهو ما قد يحوّله لورقة ضغط مهمة في يد طهران إذا ما أرادت التصعيد بتمديد مواجهتها مع واشنطن خارج حدود الأراضي الإيرانية.

أهداف مشروعة

تدرك إيران أن منطقة القرن الأفريقي تمثل امتداداً استراتيجياً للمصالح الدولية لا سيما المصالح الأمريكية، وبالتالي هي تمثل إحدى الساحات التي يمكن لطهران استهداف مصالح كل من واشنطن وتل أبيب هناك، إذا ما تفاقمت الأوضاع وخرجت عن حدود السيطرة، مما يجعلها أداة مهمة قد تدفع المجتمع الدولي نحو الضغط لوضع حد للمواجهة العسكرية الأمريكية/الإسرائيلية ضد إيران، وأيضاً في ذات الوقت تهديد بعض الأطراف الدولية لإعادة النظر في التورط المحتمل في مستنقع الحرب[1].

ومن المفارقات أن توسيع نطاق المواجهة إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر لا يعد بمثابة تهديد للمصالح الأمريكية والإسرائيلية فحسب، بل يمثل تهديداً لمصالح العديد من الأطراف الدولية والإقليمية بما في ذلك بعض الدول الخليجية التي تعتمد بشكل أساسي على خليج عدن والبحر الأحمر في مرور تجارة النفط الخليجي إلى العالم، وهو ما قد يفاقم حالة الاستقطاب الدولي، كون أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر من شأنه أن يفضي إلى أزمة إقليمية، قد يترتب عليها مزيد من التسليح للتجارة بما يؤثر على حركتها في المنطقة في المدى القصير على الأقل، وبالتالي تفاقم الأزمات والمخاطر الأمنية وما لها من تداعيات اقتصادية وأمنية واجتماعية سلبية على الصعيد الإقليمي، وهو ما قد يُلقي باللوم على الولايات المتحدة وإسرائيل -ربما في نظر طهران- في ضوء المخاطر الاقتصادية والأمنية بالنسبة للمجتمع الدولي أيضاً[2].

من ثم، ربما تتخذ طهران هذه الخطوة بالتصعيد بهدف الضغط على واشنطن وكدليل على القدرة الإيرانية على فتح أكثر من جبهة للمواجهة، وملاحقة المصالح الأمريكية وتهديد المصالح الدولية في مناطق استراتيجية، لرفع تكلفة الإضرار بالمصالح الإيرانية في الشرق الأوسط.

وكيل إقليمي متحفز

في حالة التصعيد بين طهران وواشنطن، يحتفظ الجانب الإيراني بعدة أهداف استراتيجية نوعية في مواجهتها لواشنطن. إذ تبدو اللحظة حاسمة بالنسبة لوكيلها الرئيسي في المنطقة، جماعة الحوثي اليمنية، التي لم تفعّل قوتها بعد منذ اندلاع الحرب قبل أيام، برغم تهديداتها بشن هجمات في حال تجدد المواجهة العسكرية مع طهران، بما يضع أمن مضيق باب المندب والبحر الأحمر في مهب الريح، في ضوء احتمال استئناف الحوثيين هجماتهم على السفن المارة عبر الممر الحيوي، خاصة أنها لا تزال قادرة على التهديد الإقليمي باستهداف حركة الملاحة الدولية في أحد أهم نقاط الاختناق البحرية على مستوى العالم، بفعل الصراع الأمريكي/الإسرائيلي-الإيراني[3].

يعزز ذلك إدراك جماعة الحوثي أن احتمال نجاح التحالف الأمريكي-الإسرائيلي في الإطاحة بالنظام في إيران، يمثل خطراً وجودياً بالنسبة لها، لا سيما في ضوء علاقة الارتباط العقائدية الوثيقة مع طهران، والتي تعتمد عليها في تقديم المزيد من الدعم اللوجستي والعسكري بما في ذلك الخبرات الفنية والتدريب والتمويل العسكري[4].

لذلك، ربما تنخرط جماعة الحوثي في الصراع الدائر من خلال توسيع دائرة المواجهات العسكرية في البحر الأحمر، في محاولة لتخفيف حدة الضغوط العسكرية الشديدة على طهران من ناحية، وممارسة المزيد من الضغط على المجتمع الدولي خوفاً من خسائر اقتصادية كبيرة متوقعة من ناحية أخرى، وذلك من خلال شن هجمات بحرية تهدف إلى تعطيل حركة التجارة وإمدادات النفط العالمية، وتوجيه المزيد من الهجمات الصاروخية والمسيّرات باتجاه إسرائيل وكذلك المصالح الأمريكية في القرن الأفريقي بما في ذلك القاعدة الأمريكية في جيبوتي، بالإضافة إلى احتمال استغلال العلاقة مع حركة الشباب المجاهدين الصومالية بتوظيفها في تكثيف هجماتها الإرهابية في المنطقة بهدف زعزعة الاستقرار الإقليمي هناك.

نقاط مواجهة محتملة

شهدت مواقف بعض دول القرن الأفريقي بما في ذلك إثيوبيا والصومال وجيبوتي وكينيا -بالإضافة إلى إقليم أرض الصومال- إدانة واضحة للهجمات الإيرانية بالمسيّرات على دول الخليج العربي، واصفة إياها بالعدوان غير المبرر، مع تغاضيها عن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على طهران بالأساس. ومع ذلك، وفي ضوء الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى تحويل نقاط الاختناق البحرية لجزء من دائرة الصراع مع واشنطن، تكتسب جيبوتي أهمية استراتيجية في هذا الإطار انطلاقاً من أهميتها الاستراتيجية النابعة بالأساس من تموضعها الجيوبولتيكي المطل على مضيق باب المندب الاستراتيجي، إضافة لكونها تحتضن عدداً من القواعد العسكرية الأجنبية على أراضيها بما في ذلك القاعدة العسكرية الأمريكية "معسكر ليمونييه"[5].

ومن ثم، ربما تنظر طهران ووكيلها الإقليمي، جماعة الحوثي، إلى جيبوتي باعتبارها هدفاً يمكن من خلاله استهداف المصالح الأمريكية وإلحاق الضرر بها، مثلما هو الحال في توجيه ضرباتها تجاه القواعد العسكرية الأمريكية المتمركزة في منطقة الخليج العربي، وهو ما قد يضع جيبوتي في مأزق حقيقي عبر تحولها إلى ساحة لتصفية حسابات دولية وإقليمية، الأمر الذي ربما يجعلها مسرحاً لإجراءات معادية وهجمات صاروخية من قبل جماعة الحوثي، لا سيما أن جيبوتي تفتقد إلى قدرات الردع التقليدي، ولا تمتلك دفاعات جوية متطورة مقارنة بدول أخرى، مما قد يدفعها إلى طلب المساعدة من القواعد العسكرية على أرضها، ويوسع نطاق الصراع بتورط المزيد من الفاعلين هناك مثل فرنسا، وهو ما قد لا يكون في صالح الحوثي وحليفتها طهران.

هناك ساحة أخرى محتملة في مسار تصعيد المواجهات العسكرية بين طهران وواشنطن وحليفتها، إذ ربما توجه جماعة الحوثي هجماتها الصاروخية ومسيّراتها تجاه إقليم "أرض الصومال"، إذا ما حاولت إسرائيل استخدام الإقليم كمنصة لانطلاق عملياتها الهجومية ضد جماعة الحوثي وطهران، يعززه تهديد الحوثيين منذ شهرين تقريباً باستهداف أي تواجد عسكري إسرائيلي في أرض الصومال، وهو ما يسهم في تحوّل الصومال إلى ساحة إقليمية للصراع بالوكالة، بما يضفي مزيداً من الهشاشة للمشهد الأمني الإقليمي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، لا سيما أن غياب الاستقرار الأمني في المنطقة وانعدام الأمن البحري في البحر الأحمر وخليج عدن يشكل بيئة أمنية إقليمية شديدة التعقيد، مما يهدد الأمن الإقليمي في المنطقة ككل.

تداعيات خطيرة

يحمل التصعيد المحتمل للصراع العسكري في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، جملة من التداعيات السلبية على أكثر من مستوى، فأي اضطراب محتمل في الممرات البحرية الحيوية لا سيما البحر الأحمر من شأنه أن يهدد بتوسيع الصراع وانخراط المزيد من القوى الفاعلة فيه بهدف حماية مصالحها الحيوية والاقتصادية، خاصة في ضوء رغبة تلك القوى المستوردة للطاقة في تأمين طرق بديلة لمضيق هرمز من أجل إمدادات النفط الخاصة بها، لا سيما أن مضيقي هرمز وباب المندب ليسا ممرين بحريين منعزلين، بل يمثلان عنصريْن ضمن سلسلة استراتيجية متصلة تربط المحيط الهندي بالبحر الأبيض المتوسط، في إطار ترابط الجغرافيا السياسية البحرية. كما أن احتمال توقف شركات الشحن عن إرسال سفنها عبر البحر الأحمر قد يؤثر بشكل سلبي على التجارة العالمية وسلاسل التوريد، كما يهدد اقتصادات بعض دول المنطقة التي تعتمد بشكل كبير على عوائد مرور الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

من ناحية أخرى، يبدو أن منطقة القرن الأفريقي مرشحة لأن تصبح ساحة صراع بالوكالة بين واشنطن وطهران وحلفائهما، بما يعني احتمال تمدد المواجهات العسكرية إلى داخل المنطقة حال تصعيد الأوضاع في الشرق الأوسط، وما يحمله ذلك من تهديد خطير لأمن واستقرار الإقليم ككل.

إجمالاً، يظل المشهد الإقليمي الراهن مفتوحاً على كافة السيناريوهات بشأن احتمال تمدد المواجهة العسكرية الأمريكية/الإسرائيلية- الإيرانية إلى ساحات مواجهة أخرى خارج نطاق الشرق الأوسط، وخاصة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. ومن المبكر القول بأن طهران قد سُلبت كل ما لديها من ورقات للمساومة وربما تصعيد المواجهة مع واشنطن والمجتمع الدولي وفقاً لمقتضيات الصراع الدائر حالياً في الشرق الأوسط. فلا يزال البحر الأحمر يشكل ورقة مهمة ربما تستعين بها طهران في مساعيها لإجبار واشنطن على التراجع عن التصعيد العسكري، وربما لفرض سيناريو الفوضى على نطاق إقليمي واسع بما في ذلك تهديد الملاحة البحرية في نقاط الاختناق البحري الاستراتيجية لا سيما مضيقا هرمز وباب المندب في البحر الأحمر، وهو ما قد يشكل تحولاً نوعياً في مسار المواجهة العسكرية بين الأطراف المتحاربة، وربما إطالة أمد الصراع العسكري في المنطقة.  


[1]. Mona Yacoubian, The Regional Reverberations of the U.S. and Israeli Strikes on Iran, The Center for Strategic & International Studies, 1 March 2026, accessible at: https://tinyurl.com/yc42sn84

[2]. Peter Evais, U.S.-Israeli Attacks on Iran Disrupt Shipping in the Red Sea, The New York Times, 1 March 2026, accessible at: https://tinyurl.com/37jyy9me

[3]. Julien Barnes-Dacey (and Others), A war with no winners: The costs of US-Israeli aggression on Iran, The European Council on Foreign Relations, 2 March 2026, accessible at: https://tinyurl.com/4k5rnxjm

[4]. The Horn Review, Unceasing US–Iran Tensions And The Stakes For The Horn of Africa, 2 September 2025, accessible at: https://tinyurl.com/3wwyh86k

[5]. Sheriff Bojang Jnr, Africa picks sides in the US/Israel-Iran war, The Africa Report, 2 March 2026, accessible at: https://tinyurl.com/4vfb9rnd