يشكل اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي في أول أيام عملية "الغضب الملحمي" المشتركة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل نقطة تحول فارقة في مسار الجمهورية الإسلامية، إذ أحدث فراغًا في قمة هرم السلطة وفتح الباب أمام أعقد عملية انتقال قيادي منذ تأسيس النظام عام 1979. فإيران، التي لم تعرف سوى انتقال واحد لقيادة منصب المرشد الأعلى حين خلف خامنئي الخميني عام 1989، تجد نفسها اليوم أمام لحظة انتقالية غير مسبوقة، تتزامن مع حرب مفتوحة وضغوط خارجية متصاعدة، ما يضاعف من حساسية المشهد وتعقيد حساباته الداخلية. ورغم التحرك السريع لتشكيل مجلس مؤقت لإدارة البلاد واحتواء الصدمة، فإن مراكز الثقل الفعلية بدت أكثر ارتباطًا بدوائر الأمن القومي، وفي مقدمتها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، الذي تصدّر إدارة الملفات الأمنية والخارجية في الأشهر الأخيرة، بالتوازي مع إعلان الحرس الثوري مواصلة الحرب والتعهد بالانتقام، في ظل استمرار الضربات الأمريكية والإسرائيلية.
في هذا السياق، تطرح دعوات واشنطن وتل أبيب لتغيير النظام سيناريوهات متعددة، إذ قد يؤدي التهديد الخارجي المستمر إلى تعزيز التماسك الداخلي والاصطفاف حول القيادة الجديدة بدلًا من إضعافها، لكن هذا يتوقف على مدى طول الحرب، وحجم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وقدرة الشعب الإيراني على الصبر والتحمل. هذا بجانب المعلومات المتداولة في الأيام الأخيرة والتي تشير إلى تطور خطير في مسار الصراع مع بروز احتمال فتح جبهة كردية داخل الأراضي الإيرانية. فوفقًا لعدة تقارير، أجرت جماعات كردية إيرانية مسلحة مشاورات مع الولايات المتحدة حول تنفيذ هجمات ضد قوات الأمن الإيرانية في غرب البلاد. وبهذا، تقف إيران عند مفترق تاريخي، حيث تتقاطع مرحلة انتقالية غامضة مع احتمالات توسع نفوذ المؤسسة العسكرية–الأمنية في تشكيل ملامح النظام القادم، وسط صراع مفتوح قد يعيد تعريف طبيعة السلطة في طهران وحدودها لفترة طويلة.
اغتيال المرشد الأعلى وتوسع الاختراقات الداخلية
صحيح أن حرب يونيو 2025 كشفت عن عمق الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي للداخل الإيراني، غير أن عملية اغتيال المرشد الأعلى تمثل أبرز مؤشر على هذا المستوى من التخطيط والدقة. فمثل هذا النوع من العمليات لا يعكس فقط تفوقًا في جمع المعلومات، بل يدل أيضًا على قدرة عالية على اختراق الدوائر الأمنية الحساسة داخل الدولة. وإلى جانب البعد العملياتي، تخوض إسرائيل حربًا نفسية موازية، عبر توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لإرسال رسائل رمزية من شأنها تقويض الثقة داخل بنية النظام الإيراني وإرباك الرأي العام. وفي هذا السياق، تصبح المعركة الإعلامية والنفسية جزءًا لا يتجزأ من الاستراتيجية الأوسع للصراع، حيث تستخدم كأداة لتعميق الضغط الداخلي وإضعاف تماسك النظام من الداخل. وهو ما يمكن توضيحه فيما يلي:
1- اغتيال خامنئي والرواية الغربية: تقدم في بعض التقارير الغربية رواية مفادها أن عملية استهداف خامنئي جرى التخطيط لها على مدى أشهر، قبل أن يعاد ضبط توقيتها وأهدافها التكتيكية بعد تأكيد استخباراتي مشترك بين واشنطن وتل أبيب بشأن انعقاد اجتماع رفيع المستوى له وكبار مساعديه في مجمعه صباح يوم اغتياله. ووفق هذه الرواية، استندت العملية إلى اختراق تقني طويل الأمد لمنظومة المراقبة في طهران، شمل الوصول إلى كاميرات المرور لتتبع تحركات فرق الحراسة وبناء صورة دقيقة لروتينهم الأمني، بالتوازي مع تعطيل أجزاء من شبكة الاتصالات الخلوية في محيط الموقع المستهدف لمنع وصول أي تحذيرات محتملة، إضافة إلى اعتماد واشنطن على مصدر بشري للتحقق من وجود خامنئي قبل تنفيذ الضربة.[1] أهمية هذه الرواية لا تكمن فقط في تفاصيلها التقنية، بل أيضًا في توقيت الإعلان عنها. فحتى إذا افترضنا صحة جانب من هذه المعطيات، فإن إبرازها إعلاميًا بعد العملية يندرج ضمن إطار الحرب النفسية. ذلك أن خامنئي لم يكن في حالة اختفاء كامل، بل كان يواصل الظهور العلني وإلقاء الخطابات، ما يعني أن تحديد موقعه لم يكن التحدي الاستخباراتي الأبرز. ومن ثم، فإن التركيز على سردية "الاختراق العميق" يهدف بالأساس إلى إرسال رسالة ردع سياسية وأمنية إلى الداخل الإيراني، مفادها أن البنية الأمنية للدولة قابلة للاختراق، بما قد يزرع الشك داخل دوائر النخبة ويضعف الثقة في منظومات الحماية، وهو أحد الأهداف التقليدية للحرب النفسية المصاحبة للصراعات الكبرى.
2- تأثير الفضاء الإلكتروني في معركة التأثير الداخلي: لعب الفضاء الإلكتروني دورًا محوريًا مع العمليات الميدانية في الحرب الحالية، حيث قامت إسرائيل باختراق مواقع إخبارية إيرانية وبث رسائل نفسية موجهة، إلى جانب استهداف تطبيق "بادصبا" الديني واسع الانتشار، الذي يزيد عدد مستخدميه عن خمسة ملايين، لإرسال رسائل للمستخدمين بأن "المساعدة قد وصلت" ودعت القوات المسلحة إلى التخلي عن أسلحتهم والانضمام إلى "الشعب"، متزامنة مع الضربات العسكرية. وتهدف هذه الرسائل شكلت أداة ضغط سياسي واستراتيجي سعت إلى خلق بيئة اضطراب داخلي متزامنة مع الضغط العسكري الخارجي، في إطار تكاملي يجمع بين البعد الإلكتروني والعمليات التقليدية.[2]
فالهدف لا يقتصر على إلحاق ضرر مادي، واستهداف شخصيات، بل يتعداه إلى إرباك الداخل، وبث الشك، وخلق انطباع بأن الاختراق شامل (عسكري، تقني، وإعلامي) في آنٍ واحد. إنها صورة مكثفة عن تحول التطبيقات والمنصات إلى أدوات ضغط استراتيجية، تخاض من خلالها معركة التأثير في العقول بنفس قوة المعارك الميدانية على الأرض.
مرحلة جديدة من عدم اليقين.. هل سيسقط النظام؟
على الرغم من أن الضربة الأمريكية–الإسرائيلية وصفت بأنها "نجاح عملياتي" لكونها استهدفت قمة الهرم القيادي، فإن تحويل هذا الإنجاز التكتيكي إلى مكسب استراتيجي مستدام يظل موضع شك. فالنظام الإيراني لم يكن غافلًا عن سيناريو غياب المرشد، بل طور عبر السنوات آليات احتياطية لإدارة مرحلة ما بعده، بما في ذلك ترتيبات قيادية انتقالية بجانب هيكل مؤسسي قادر على امتصاص الصدمة. إذ تظهر البنية الدستورية التي تبلورت في إيران عقب عام 1979 تصميمًا مؤسسيًا واعيًا استهدف تقليل هشاشة النظام أمام صدمات القيادة والتحولات المفاجئة في قمة السلطة، عبر طبقات متداخلة من المؤسسات الأمنية - العسكرية والبيروقراطية والشرعية الدينية.
فقد جرى توزيع مراكز التأثير والرقابة على هيئات متعددة بحيث لا تختزل شرعية الحكم أو استمراريته في شخص واحد، مهما بلغت مكانته. في هذا السياق، يتولى مجلس صيانة الدستور وظيفة ضبط المجال التشريعي وضمان اتساق القوانين مع الإطار الأيديولوجي للنظام، بينما يناط بـمجلس خبراء القيادة اختيار القائد الأعلى ومساءلته، بما يؤسس لآلية رقابة داخلية على قمة الهرم. أما مجمع تشخيص مصلحة النظام فقد صمم كأداة لفض الاشتباك المؤسسي ومعالجة حالات التعارض بين السلطات، في حين يشكل الحرس الثوري الإسلامي مع المنظومة الاستخباراتية ركيزة الضبط الأمني وحماية النظام من التهديدات الداخلية والخارجية. هذه التعددية المؤسسية لا يمكن قراءتها بوصفها تضخيمًا بيروقراطيًا بقدر ما هي آلية لإنتاج "مرونة بنيوية" تتيح امتصاص الصدمات عبر إعادة توزيع الوظائف والأدوار عند الضرورة.[3]
بناءً عليه، يمكن القول إن الفلسفة الحاكمة لهذا الترتيب المؤسسي تقوم على مبدأ مفاده أن بقاء النظام يتقدم على بقاء الأفراد، وأن الشرعية تعاد إنتاجها عبر المؤسسات لا عبر الشخصنة. ومن ثم، فإن الدستور الإيراني لا يتعامل مع احتمال الغياب المفاجئ للقيادة بوصفه حدثًا استثنائيًا، بل كسيناريو مدرج ضمن تصوراته المسبقة، ومحاط بأدوات احتواء وانتقال صممت لضمان الاستمرارية وتقليل كلفة التحول. أضف إلى ذلك أن إيران تمتلك قدرة أكبر بكثير على تحمل الخسائر البشرية. وخلال حربها التي استمرت ثماني سنوات مع العراق، ومع مجموعة من الدول الأخرى بينها الولايات المتحدة، لم يبد النظام أي تردد، ولم تتساقط الرؤوس عقب انتهاء النزاع.[4]
وبينما لا يعد دقيقًا افتراض أن موت المرشد يعني انهيارًا فوريًا للنظام، فإنه لا يبدو صحيحًا كذلك افتراض أن النظام الإيراني قادر على المرور السلس إلى "اليوم التالي". فالحدث الأكثر دلالة على أن الحرب تتجاوز استهداف القدرات العسكرية إلى اختبار آليات الخلافة، كان ما أفيد به عن ضرب مواقع مرتبطة بمؤسسة اختيار المرشد الجديد (مجلس خبراء القيادة)، وسط روايات متقاطعة عن توقيت الضربة ومن كان حاضرًا. فهذه الضربات تثير سؤالًا جوهريًا داخل النظام: كيف يمكن اختيار قائد جديد في بيئة تصبح فيها "غرفة القرار" نفسها هدفًا؟ ومن هنا تظهر الانقسامات، ليس فقط بين التيارات السياسية، بل بين المدارس الأمنية حول الأولويات بين الانتقام، وتهدئة الداخل، ومحاولات كسب الوقت، أو فتح قنوات تفاوض مشروط.[5]
صراع الأجنحة داخل السلطة.. من سيتولى منصب المرشد؟
يبقى تعيين المرشد الأعلى الجديد في إيران قضية مفتوحة على أكثر من احتمال، إذ يعود القرار النهائي في هذا الأمر إلى مجلس الخبراء، الهيئة المنتخبة المكونة من 88 من كبار رجال الدين والمسئولة عن اختيار المرشد وتحديد السياسات الكبرى للنظام. وتكتسب المرحلة الحالية حساسية خاصة ليس فقط بسبب الحرب، بل أيضًا نتيجة فقدان عدد من الشخصيات التي كانت تعد لوقت طويل من أبرز المرشحين لخلافة خامنئي. فقد توفى الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني عام 2017، وتوفى رئيس السلطة القضائية السابق محمود هاشمي شاهرودي عام 2018، فيما لقى الرئيس السابق إبراهيم رئيسي حتفه في حادث تحطم طائرة هليكوبتر عام 2024. كما تم تهميش رجل دين بارز آخر هو صادق آملي لاريجاني. ويمكن رسم المشهد الحالي على النحو التالي:
1- مرشحون محتملون: هناك عدة شخصيات يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في هذا السياق، كل وفق موقعه الديني والسياسي وصلاته بالمؤسسة الأمنية. فمجتبى خامنئي، الابن الثاني للمرشد، البالغ من العمر 56 عامًا، يتمتع بنفوذ واسع وعلاقات وثيقة مع الحرس الثوري وقوات الباسيج ما يجعل فرص ترشيحه للمنصب قوية. ومع ذلك، فإن الوراثة المباشرة للسلطة من الأب إلى الابن لا تحظى بقبول تقليدي داخل المؤسسة الدينية الشيعية، التي تأسست أساسًا لرفض نظام الوراثة في القيادة. كما أن مجتبى لا يمتلك رتبة عالية بين رجال الدين ولا يشغل منصبًا رسميًا في الدولة، ما يضعه في موقع ضعف نسبي رغم نفوذه العشائري والسياسي.
وفي الأيام الأخيرة، انتشرت شائعات واسعة تفيد باحتمال تولي مجتبى المنصب، إلا أن توقيت تداول هذه الأنباء وطريقة انتشارها يشيران إلى احتمال استخدامها كأداة ضغط سياسي وإعلامي. فقد ساهمت هذه الروايات في إثارة جدل واسع داخل الرأي العام الإيراني، وربما هدفت إلى شحن الشارع ضد فكرة التوريث ودفع النظام إلى تجنب هذا الخيار تحت ضغط ردود الفعل الشعبية، خصوصًا مع موجة الاعتراضات التي تزامنت مع تداول الخبر. فالولايات المتحدة وإسرائيل لا يفضلون مجتبى، نظرًا لتشدده الأكبر مقارنة بوالده، ما يجعله خيارًا أقل قبولًا لدى القوى الخارجية التي تسعى إلى التأثير في مسار التحولات الإيرانية. لذلك، يمكن قراءة هذه الشائعات بوصفها محاولة لإرباك الداخل الإيراني والتأثير على خيارات النخبة السياسية، أكثر من كونها مؤشرًا على خطة فعلية لتولي مجتبى منصب المرشد.
أما حسن الخميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية، فهو يتمتع بشرعية ثورية ودينية موروثة، ويشغل منصب أمين ضريح الخميني، لكنه لا يمتلك حضورًا مؤسسيًا داخل أجهزة الأمن أو النخبة الحاكمة، كما أن نفوذه محدود سياسيًا، فيما يعرف عنه اعتداله مقارنة بنخبة رجال الدين الأكثر تشددًا. إلا أنه قد ينظر إليه على أنه الأقدر على تهدئة العداء الغربي واسترضاء الداخل. وينظر إلى شقيق حسن (علي الخميني)، الذي يقيم منذ سنوات في النجف بوصفه أحد المرشحين. كما ينظر إلى مسعود خامنئي، الابن الثالث للمرشد الإيراني، على أنه مرشح محتمل، نظرًا لدوره في مكتب والده، وهو متزوج من ابنة الشقيق الأكبر لوزير الخارجية الأسبق كمال خرازي.
وفضلًا عن أبناء خامنئي وأحفاد الخميني، تبرز أسماء بعض رجال الدين الصاعدين، أبرزهم، علي رضا أعرافي، البالغ 67 عامًا، خيارًا دينيًا تقليديًا مؤهلًا، فهو نائب رئيس مجلس الخبراء ورئيس نظام الحوزات العلمية، وعضو في مجلس صيانة الدستور، ما يمنحه شرعية دينية ومكانة رسمية قوية وترشيحًا قويًا. غير أن افتقاره إلى حضور سياسي فعلي وغياب العلاقات الوثيقة مع الأجهزة الأمنية قد يحد من قدرته على إدارة مرحلة انتقالية حساسة.
في المقابل، يمثل محمد مهدي ميرباقري، عضو مجلس الخبراء في أوائل الستينيات من عمره، الجناح المحافظ المتشدد داخل المؤسسة الدينية، ويشتهر بمعارضته الشديدة للغرب، تشدده السياسي والديني قد يجعله أداة للحفاظ على خط خامنئي الفكري، لكنه قد يواجه مقاومة من الأطراف الأكثر مرونة في النظام.
ويعد هاشم حسيني بوشهري، النائب الأول لرئيس مجلس الخبراء، شخصية دينية بارزة وذات علاقات وثيقة بالمؤسسات المسئولة عن الخلافة، لكنه يتمتع بحضور إعلامي منخفض ولا يعرف عن امتلاكه روابط قوية مع الحرس الثوري. هذه الخصائص تجعل منه خيارًا محافظًا لكنه محدود التأثير على الصعيد الأمني والعسكري.[6]
كما يعد كل من أحمد علم الهدى، إمام جمعة مشهد، ومحسن أراكي، عضو مجلس الخبراء، من كبار رجال الدين المتشددين ذوي النفوذ الواسع في السياسة الإيرانية، وقد ينظر إليهما أيضًا كمرشحين محتملين.
أما الرئيس الأسبق حسن روحاني، فرغم كونه من كبار رجال الدين، فإنه لا يحظى بثقة بعض المتشددين النافذين الذين يتمتعون بتأثير كبير على عملية الاختيار.
ويمكن القول إنه من الناحية النظرية، يحق لمجلس خبراء القيادة اختيار شخصية دينية لا تتمتع بانتشار جماهيري واسع. غير أن الضربات العسكرية الأخيرة وما خلفته من إرباك داخل بنية السلطة قد تجعل من الصعب تسويق مرشح يفتقر إلى قاعدة دعم راسخة داخل مراكز القرار. فمرحلة ما بعد الصدمة الأمنية تميل عادة إلى تفضيل الأسماء القادرة على طمأنة الشبكات المؤسسية الحساسة، لا إلى المغامرة بوجوه جديدة.[7]
مع ذلك، تظل احتمالات المفاجأة قائمة، سواء عبر الدفع باسم أقل شهرة لكنه يحظى بدعم توافقي ضمن الحلقة الضيقة، أو من خلال إعادة النظر في نموذج القيادة الفردية نفسه، والانتقال ولو مؤقتًا إلى صيغة مجلس قيادة جماعي يوزع الصلاحيات ويخفف عبء القرار في مرحلة انتقالية معقدة. فبمعزل عن النقاش حول الأسماء والمرشحين المحتملين، يبرز تحدي بنيوي أكثر عمقًا يتمثل في إعادة تعريف موقع المرشد الأعلى داخل المعادلة الدستورية والسياسية. فالمرحلة المقبلة لا تطرح سؤال "من يخلف المرشد؟" بقدر ما تطرح سؤال "بأي صلاحيات وكيفية ممارسة السلطة؟".
2- الحرس الثوري.. فاعل قوي في عملية الاختيار: يبرز الحرس الثوري الإيراني بوصفه الفاعل الأكثر ترجيحًا في عملية ملء الفراغ في مركز السلطة، حتى وإن بقيت الآليات الدستورية لاختيار المرشد الجديد قائمة شكليًا عبر مجلس خبراء القيادة. فمع مقتل عدد من كبار القادة العسكريين، يتوقع أن يعيد الحرس ترتيب هرم قيادته بسرعة، وأن يحكم قبضته على مفاصل القرار الأمني والاستراتيجي، مستندًا إلى بنيته المتشعبة التي تضم قوات برية وبحرية وجوية وأجهزة استخبارات، فضلًا عن إشرافه على قوات الباسيج كذراع للأمن الداخلي. وفي مرحلة اختيار مرشد جديد، لن يكتفي الحرس بدور الضامن للاستقرار، بل سيعمل على توجيه مسار الخلافة بما يضمن صعود شخصية منسجمة مع أولوياته العقائدية والأمنية، مع تقليص فرص التيار الإصلاحي في التأثير على المرحلة الانتقالية. كما أن ثقله الاقتصادي، القائم على شبكات واسعة وشراكات في قطاعات حيوية، يمنحه أدوات ضغط إضافية لترجيح كفة خيار يكرس نهجًا أكثر تشددًا، خاصة في ظل انهيار مسارات التفاوض مع الغرب وتعرض محور المقاومة لاختبارات قاسية. وعليه، تبدو مرحلة ما بعد خامنئي مرشحة لتعزيز الطابع الأمني–العسكري للنظام، بحيث يصبح الحرس الثوري ليس فقط حارسًا للثورة، بل محددًا فعليًا لاتجاه الدولة في لحظة إعادة تشكيل القيادة العليا.
الرهان على "الفوضى الداخلية".. ورقة الأكراد كعامل ضغط إضافي
يمثل التحرك الأمريكي في مواجهة إيران نموذجًا لحرب متدرجة، تبدأ بإضعاف منظومات الدفاع الجوي وتأكيد التفوق الجوي والناري، ثم تتوسع لتشمل البنية الصاروخية والقدرات البحرية ومراكز القيادة والسيطرة، ما يتيح حرية المناورة ويقلل كلفة العمليات اللاحقة. وتشير تصريحات بعض المسئولين إلى أن الاستراتيجية تهدف لاستنزاف تدريجي، قد يمتد لأسابيع، رغم نفي الإدارة رغبتها في حرب طويلة.
غير أن مراحل العمليات لا تحدد فقط بنوع الأهداف أو كثافة الغارات، بل تتعلق أيضًا بالهدف السياسي من الضربات. فهناك من يراه محاولة لإجبار إيران على تعديل سلوكها، فيما يرى آخرون أنه قد ينطوي على إسقاط النظام. هذه الفروق تحدد آفاق الصراع ففي حال التركيز على السلوك، يمكن التوصل إلى تسوية تقيد الأنشطة النووية مع الحفاظ على مؤسسات الحكم، أما إذا صار إسقاط النظام الهدف، فمن المرجح أن تمتد العمليات، لأن الاعتماد على القوة الجوية وحدها نادرًا ما يؤدي إلى انتقال سلطة مستقر، وقد يفتح الطريق أمام فراغ سلطوي وفوضى يصعب احتواؤها.[8]
هنا يأتي دور الأكراد كبديل للتدخل الأمريكي البري في إيران، حيث يمكن فهم تصريحات ترامب في مقابلته مع NBC News باعتبارها جزءًا من مقاربة استراتيجية تعتمد على الضغط غير المباشر بدلًا من الانخراط العسكري التقليدي واسع النطاق. فاستبعاد إرسال قوات برية بوصفه "مضيعة للوقت" يعكس إدراكًا لتكاليف الحروب البرية في الجغرافيا الإيرانية المعقدة، مقابل تفضيل أدوات أخرى مثل الضربات الجوية والدعم غير المباشر لقوى محلية معارضة. وفي هذا السياق، يكتسب تشجيع الجماعات الكردية الإيرانية المتمركزة في إقليم كردستان دلالة استراتيجية، إذ يمكن توظيفها كعامل ضغط على الجبهة الغربية لإيران، بما يساهم في تشتيت قدرات طهران العسكرية والأمنية.[9]
تمثل فرضية فتح جبهة كردية داخل إيران أحد أكثر السيناريوهات حساسية في سياق الحرب الدائرة بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ إن تحول الأكراد إلى فاعل عسكري مباشر لن يكون مجرد تطور ميداني محدود، بل قد يفضي إلى إعادة تشكيل معادلات الأمن الإقليمي. فمثل هذا السيناريو سيضع دول الجوار، وعلى رأسها العراق وتركيا، أمام معادلة أمنية شديدة التعقيد، نظراً لحساسية الملف الكردي داخل حدودهما.
ويمكن القول إن مرحلة ما بعد خامنئي ليست اختبارًا لتماسك النظام فحسب، بل أيضًا لقدرة الفاعلين الدوليين على إدارة التصعيد دون الانزلاق إلى إعادة تشكيل جيوسياسي غير محسوب العواقب، قد يمتد تأثيره إلى الإقليم بأسره.[10] ومن فإن دخول واشنطن الحرب، رغم استمرار التفاوض، يعكس قناعة بأن ميزان القوة لا يضبط بالوعود وحدها، لكنه في الوقت ذاته يضع المنطقة أمام اختبار بالغ الحساسية بين ردع يعاد ترسيمه بالقوة، وفوضى قد تتجاوز حدود إيران إلى المجال الإقليمي الأوسع. بل إن أحد السيناريوهات المحتملة يتمثل في صعود قيادة داخل إيران تكون أكثر تشددًا، تستخلص من الحرب درسًا معاكسًا يتمثل في ضرورة تعزيز أدوات الردع لا تقليصها. وقد يدفع ذلك إلى تسريع برامج الصواريخ الباليستية أو حتى إعادة تقييم الموقف من الخيار النووي، على قاعدة أن امتلاك قدرة ردع قصوى على غرار نموذج كوريا الشمالية قد يكون الضمانة الوحيدة لمنع تكرار الاستهداف. في المقابل، يظل الاحتمال الأكثر خطورة كامنًا في انزلاق الدولة إلى حالة تآكل داخلي أو صراع مفتوح، بما يحمله ذلك من تداعيات عابرة للحدود، لا سيما في ما يتعلق بأمن المنشآت النووية ومخزونات اليورانيوم المخصب.
ختامًا، يبقى السؤال الجوهري معلقًا بين احتمالين متعارضين، هل تمثل هذه اللحظة طي صفحة طويلة من تاريخ الجمهورية الإسلامية، أم أنها تؤسس لمرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة في مسار الصراع الإيراني–الإسرائيلي؟ فالمؤشرات المتاحة لا ترجح سيناريو الانهيار السريع للنظام تحت وطأة الضربات الحالية، ذلك أن بنية الحكم في إيران تقوم على شبكة من مراكز قوة متداخلة ومؤسسات راسخة تمتلك خبرة طويلة في إدارة الأزمات وامتصاص الصدمات. ومع ذلك، فإن قدرة هذه المنظومة على الصمود ترتبط بشكل حاسم بمدى نجاحها في احتواء الاختراقات الأمنية العميقة التي كشفتها الأحداث الأخيرة، والتي ألحقت بها كلفة سياسية ومعنوية كبيرة، فضلًا عن احتمال التدخل البري أو حتى دعم الفضائل الكردية للدخول في الحرب الجارية الذي لا يزال مطروحًا من الجانب الأمريكي–الإسرائيلي.
[5] إيلي يوسف، مرجع سابق.