رانيا مكرم

خبيرة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

كثيراً ما تتحول الحروب إلى لحظة فاصلة في تاريخ الدول، لا تقف فيها آثارها عند حدود ساحات القتال وموازين القوة العسكرية بين أطرافها، بل تمتد لتطال البنية الداخلية المكونة لها. إذ تختبر قدرة النظم السياسية على الحفاظ على تماسكها، وإدارة الأزمات المركبة الناتجة عن الحرب، كما تظهر بوضوح طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، ومدى صلابة الترتيبات السياسية والاجتماعية التي يقوم عليها النظام.

وتكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة في حالة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، بالنظر إلى الطبيعة المركبة للنظام السياسي الإيراني الذي تشكل مع قيام الثورة الإسلامية عام 1979، والذي يقوم على تداخل معقد بين المؤسسات الدينية والثورية والعسكرية، ضمن منظومة أيديولوجية ترى في الصراع مع الخارج أحد محددات شرعيتها واستمراريتها.

في هذا السياق، جاءت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، واستهداف ضرباتها العسكرية المكثفة البنية القيادية للنظام الإيراني، لتضع هذه البنية المؤسسية أمام اختبار غير مسبوق، خاصة مع وصول الاستهداف إلى الصف الأول من القيادات السياسية والعسكرية، وانتهاءه باغتيال المرشد الأعلى على خامنئي، فهذه التطورات لا تمثل مجرد ضربة عسكرية عابرة، بل تشكل لحظة مفصلية تعيد طرح تساؤلات جوهرية حول قدرة النظام الإيراني على التكيف مع صدمة فقد القيادة، ومدى قدرة مؤسساته المختلفة على الحفاظ على تماسكها في ظل الضغوط الداخلية والخارجية المتزامنة.

وتزداد أهمية هذا التساؤل في ضوء التحولات التي شهدها المجتمع الإيراني خلال العقدين الأخيرين، سواء على مستوى التغيرات الديموغرافية، وصعود جيل جديد أقل ارتباطاً بسرديات الثورة، أو على مستوى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي ألقت بظلالها على العلاقة بين الدولة والمجتمع، فضلاً عن استمرار حالة التعدد والتباين داخل أطياف المعارضة السياسية في الداخل والخارج.

من هذا المنطلق، يصبح فهم ديناميات الداخل الإيراني في لحظة الحرب أمراً ضرورياً، إذ لا يتوقف مستقبل النظام الإيراني على نتائج المواجهة العسكرية فحسب، بل يتشكل بدرجة كبيرة بفعل تفاعلات المجتمع، ومواقف النخب السياسية، وقدرة مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الحرس الثوري والأجهزة الأمنية، على إدارة مرحلة ما بعد الصدمة. ولذلك تسعى هذه الورقة إلى قراءة ملامح المشهد الداخلي الإيراني في ظل الحرب، من خلال تحليل المزاج الاجتماعي داخل المجتمع الإيراني، وطبيعة خريطة المعارضة السياسية، وحدود قدرتها على التأثير في معادلة التغيير داخل البلاد.

واقع المزاج الاجتماعي في الداخل الإيراني

تقف إيران اليوم أمام مرحلة استثنائية من تاريخها السياسي، في ظل الحرب الحالية، وما رافقها من تطورات عسكرية غير مسبوقة طالت قادة الصف الأول في النظام، ووصلت إلى حد اغتيال المرشد الأعلى. غير أن قراءة مسار النظام الإيراني منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979 تشير إلى أن استمراريته لم تكن مرتبطة بشخصيات القيادة السياسية وحدها، بقدر ما استندت إلى بنية مؤسساتية معقدة ومتشابكة تضم الحرس الثوري والمؤسسة الدينية والأجهزة الأمنية، وهي مؤسسات لعبت دوراً محورياً في حماية النظام وإدارة الأزمات التي واجهها على مدار العقود الماضية.

وفي المقابل، تكشف التحولات الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع الإيراني خلال السنوات الأخيرة عن تراجع ملموس في مستويات التأييد الشعبي للنظام لدى قطاعات واسعة من المجتمع، ولاسيما بين فئات الشباب التي لم تعايش اللحظة التأسيسية للثورة الإسلامية، ولم ترتبط بنفس القدر بالسرديات الأيديولوجية التي شكلت أساس شرعية النظام. وقد انعكس ذلك في موجات احتجاجية متكررة نجحت الأجهزة الأمنية في احتوائها مؤقتاً، لكنها كانت سرعان ما تعود للظهور في صور أكثر حدة، بما يعكس وجود أزمة كامنة في العلاقة بين الدولة وقطاعات من المجتمع.

يمكن القول إن المجتمع الإيراني يعيش حالة من الصدمة المركبة، الناتجة عن الضربة الأولى التي شنتها كل من إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، والتي أدت إلى مقتل المرشد الأعلى على خامنئي، و40 شخصية قيادية في البلاد، على الرغم من إعلان إيران أكثر من مرة عن استعدادها للجولة القادمة من المواجهات، ما يعني أن الاختراق الأمني والاستخباراتي قد بلغ مراحل متقدمة وصلت إلى الصف الأول من القادة، بل إلى رأس الدولة ومرشدها.

أول أسباب هذه الصدمة المركبة يتمثل في تعرض البلاد لحرب فرضت عليها على الرغم من عقد المفاوضات، والتصريحات المتفائلة التي صدرت بشأنها، وثانيها، صدمة فقد القيادة وبالتالى التحول القيادي داخل النظام، وحجم الخسائر التي نتجت عن الحرب في ضرباتها الأولى، وهي صدمة لا تستثني توجه سياسي في البلاد، إذ لوحظ أثر هذه الصدمة على مؤيدي النظام ومعارضيه، وكذلك الغاضبين والمرحبين بمقتل المرشد الأعلى، وثالثها، صدمة الأزمة الاقتصادية التي يدرك المجتمع الإيراني أنها حتماً ستتزايد بشكل كبير أثناء وحتى عقب انتهاء الحرب.

هذه الصدمات الثلاث خلقت حالة عدم يقين اجتماعي عميق، تغلب فيها مشاعر الخوف، والغضب، والأمل المقرون بتوقع التغيير، وقد ظهرت هذه المشاعر بشكل واضح بعد إعلان مقتل المرشد، حيث أظهرت مقاطع من داخل إيران مزيجاً من الحزن الرسمي والشعبي للمؤيدين، والاحتفال الشعبي أيضاً للمعارضين في بعض المناطق من البلاد، ما يعكس انقساماً نفسياً عميقاً داخل المجتمع.

ويمكن لمزيد من فهم المزاج الاجتماعي الإيراني الحالي، تقسيم المجتمع إلى أربع كتل اجتماعية رئيسية:

أولها: كتلة النواة الصلبة المؤيدة للنظام: والتي تتكون من: مؤسسة الحرس الثوري، وقوات الباسيج، وشرائح من رجال الدين، وموظفي الدولة، وتري هذه الكتلة الحرب باعتبارها حرباً على إيران وليس على النظام فقط. لذلك يصدر عن هذه الكتلة تصريحات شعبوية قومية تعبوية، عن الاستعداد للدفاع عن الدولة، والتخويف من سيناريو انهيار الدولة تمهيداً لتقسيمها، مثل ما حدث في العراق أو سوريا، وعلى الرغم من أن حجم هذه الكتلة مجتمعة ليس بالحجم الكبير اجتماعياً، إلا أنها تعد الأكثر تنظيماً وتسليحاً وتأثيراً وفاعلية بين كتل المجتمع الإيراني، نظراً لسيطرتها على مقدرات الدولة السياسية والاقتصادية والعسكرية.

ثانيها: الكتلة الناقمة على الوضع الاقتصادي في البلاد: والتي تضم مؤيدين ومعارضين للنظام، وتعتبر الكتلة الأكبر في المجتمع الإيراني، وتشمل: الطبقة الوسطى المتآكلة، والتجار في البازار، وكل فئات العمال، والموظفين. وتشكل الأزمة الاقتصادية العامل الأساسي في تشكيل مزاج هذه الفئة. إذ أن انهيار العملة وارتفاع الأسعار كانا الشرارة التي فجرت موجة الاحتجاجات في أواخر 2025، عندما بدأ تجار الأسواق في طهران الاحتجاج على تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، ثم اتسعت الاحتجاجات لتشمل طلاب الجامعات، وعمال النفط، والمعلمين، وسائقي الشاحنات، وهو ما جعلها واحدة من أوسع موجات الاحتجاج في تاريخ الجمهورية الإسلامية. لكن هذه الكتلة ليست ثورية بالضرورة، بل يمكن وصفها بأنها كتلة احتجاجية لا ثورية أي أنها غاضبة من الوضع الاقتصادي لكنها تخشى الفوضى بعد انهيار النظام، حيث لا يتوافق هذا الوضع مع مصالحها المباشرة وغير المباشرة.

ثالثها: جيل الشباب وصغار السن، وهذه الكتلة تمثل التحول الاجتماعي الأعمق في إيران. فمتوسط العمر في إيران يبلغ حالياً 35 عام، وهذا العمر لم يواكب الأحداث الكبرى التي شكلت أيديولوجية النظام الإيراني، المتمثلة في الثورة الإسلامية، والحرب العراقية-الإيرانية، ولذلك لا تتأثر هذه الكتلة بالخطابات الشعبوية الرنانة كباقي كتل المجتمع. وتتسم هذه الكتلة بأنها بالطبع أقل ارتباطاً بثقافة الثورة الإسلامية، وتبدو ظاهرياً أقل تديناً، وتميل في مظهرها للغرب، وأكثر اتصالاً بالعالم عبر الإنترنت، وأكثر تطلعاً للعيش في رغد، وقد كانت هذه الكتلة العمود الفقري لاحتجاجات التي شهدتها البلاد في أعوام 2022 و2025 وبداية 2026، وبالتالى هي الكتلة الأكثر ميلاً إلى تغيير بنية الدولة، على الرغم من غياب التنظيم السياسي الخاص بها، كونها لا تقع تحت أي مظلة سياسية منظمة في البلاد.

رابعها: الأقليات القومية المتعددة، وتشمل؛ الكرد، والبلوش، والعرب، إلى جانب قوميات أخري، لكنها لا تشترك مع هذه الأقليات في المزاج العام المسيطر عليها، مثل الآذاريين الذين يميلون للانخراط في الدولة، وتعود أصول المرشد الراحل لهم، بعكس الكرد، والبلوش، والعرب، الذين يحاولون التمرد المسلح وشبه المسلح.

فيما يعد الأكراد الأقلية الأكثر تنظيماً وتسليحاً بين صفوف المعارضة القومية في إيران، ففي مطلع العام الحإلى 2026 تصاعد النشاط المسلح الكردي في كردستان العراق على الحدود الإيرانية، بعد توحيد عدة أحزاب كردية ضمن تحالف سياسي وعسكري، مستفيدة من انشغال الأجهزة الأمنية في السيطرة على الاحتجاجات الأخيرة في إيران.

ومن الجدير بالذكر أن الأكراد أكبر أقلية عرقية في العراق، وثالث أكبر الأقلية عرقية في إيران وأكبر مجموعة إثنية في العالم بلا دولة. فيما يعرف المقاتلون الأكراد باسم "البيشمركة" أي الذين يواجهون الموت، وقد اكتسبوا خلال عقود خبرات قتالية واسعة لاسيما في العراق وسوريا ضد تنظيم داعش.

وتضيف كتلة الأقليات القومية أو بمعنى أصح تكرر النقاش حول الصراع القومي داخل الدولة، حيث خسرت إيران أمام الموقع الجغرافي، وحدة السكان وتماسكهم، وقد ظهرت ورقة ضغط الأقليات بوضوح في الحرب الحالية، مع إعلان إسرائيل والولايات المتحدة دعم الجماعات الكردية المعارضة لإيران في كردستان العراق، للعبور إلى الأراضي الإيرانية لإحداث تمرد فيها، وهو ما قابلته إيران برد فوري باستهداف مقرات هذه الجماعات في كردستان العراق لاسيما في السليمانية.

المعارضة الإيرانية في الداخل والخارج

برزت ورقة المعارضة الإيرانية للضغط على النظام الإيراني خلال الأشهر الماضية مع تصاعد الحديث الأمريكي والإسرائيلي عن دعم الحركات الاحتجاجية في البلاد، مع محاولة لتلميع صورة نجل شاه إيران رضا بهلوي، غير أن هذا الرهان الأمريكي-الإسرائيلي على تغيير النظام في إيران من خلال دعم المعارضة يواجه عقبات ميدانية وسياسية، حيث يصطدم طموح واشنطن وتل أبيب لإعادة صياغة المشهد السياسي بتشرذم عميق في صفوف المعارضة الإيرانية وغياب بديل موحد في الداخل أو الخارج، فضلاً عن تعدد أمزجة الرأي العام الإيراني، واختلاف توجهاته.

كما تأتي أهمية إلقاء مزيد من الضوء عن أطياف المعارضة الإيرانية في إطار الحديث عن احتمالية تأثير هذه المعارضة إذا قررت التحرك في الداخل الإيراني خلال الفترة القليلة المقبلة، لاسيما في ظل تعقيد تركيبتها، وتوجهاتها المختلفة، والمتعارضة أيضاً. إذ يمكن القول بأن المعارضة للنظام الإيراني في الداخل والخارج الإيراني هي مجموعات غير متجانسة، من الأفراد والجماعات والتنظيمات المسلحة وغير المسلحة.

أولاً: المعارضة الإيرانية النشطة في الخارج

1- منظمة مجاهدي خلق: تحت قيادة مريم رجوي وهي أبرز كيانات المعارضة تنظيماً وتمويلاً كما أنها تهيمن على الائتلاف الإيراني المعارض المتمثل في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وهي منظمة لا تتمتع بشعبية في الداخل الإيراني، بل على العكس يتم التشكيك في تمويلها وتوجهاتها وولاءاتها للغرب، وكذلك الجهات الداعمة لها، والجهات التي تمد فرعها المسلح بالسلاح وتوفر له التدريب.

2- مؤيدو الملكية: أو ما يعرف بأنصار الملكية، ومؤيدي نجل الشاه رضا بهلوي، وهي على خلاف كبير مع توجهات وأهداف جماعة مجاهدي خلق، ولهذه الجماعة نفوذ كبير في شبكات إعلام أجنبية، وتواجد قوي على وسائل التواصل الاجتماعي، تقوده زوجة الشاه فرح بهلوي وأسرتها، وتعمل الأسرة وعلى رأسها رضا بهلوي على جذب الشباب بوعود الحريات ومظاهر حياة أكثر انفتاحاً ورفاه، غير أن مؤيدي الملكية يتعرضون في الداخل الإيراني للانتقاد بشكل كبير، من قبل مريدي تغيير النظام الحالى بنظام ديمقراطي وليس العودة للنظام الشاهنشاهي، بسبب علاقاته الوطيدة مع إسرائيل، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وكلتا الجماعتين - مجاهدي خلق والملكيين- تميلان إلى الترحيب بأي ضغط خارجي يضعف النظام، وتراهنان على أن الهزيمة العسكرية قد تفتح الطريق لتغيير سياسي في البلاد. وقد ظهرت عدم شعبية زعيم الملكيين في الداخل الإيراني خلال الاحتجاجات الأخيرة، بالرغم من توجيه نجل الشاه وعائلته العديد من الخطابات للشعب الإيراني، في ظل محاولات إسرائيل دعمه وتقديمه للولايات المتحدة الأمريكية كبديل للنظام، غير أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه لم يبد اقتناعاً بشخصه كبديل له شعبية للنظام الإيراني الحالي.

3- الأحزاب المسلحة في الخارج: ومن أهمها حزب حرية كردستان الانفصالى الذي ينشط من العراق، والذي سبق وأن دعا زعيمه الأكراد في الداخل الإيراني إلى مهاجمة أهداف النظام، وهو ما لم يحدث لأسباب عدة، يأتي على رأسها الإجراءات الأمنية المشددة التي يتخذها النظام الإيراني على المنطقة الحدودية مع العراق، والذي يراهن عليه حالياً للعب دور في إضعاف قبضة النظام الأمنية كما سبق الإشارة في موضع سابق من التقرير.

ثانياً: المعارضة الإيرانية في الداخل

وهي معارضة أقل تنظيماً وأكثر تشتتاً بسبب التضييق عليها سياسياً، فضلاً عن غياب قيادة جامعة لاتجاهاتها كافة، إلى جانب كونها تقع تحت طائلة قمع النظام الإيراني، ومؤسساته الأمنية ومنها:

1- تيار الإصلاحيين: وهي جماعة توصف في بعض الأدبيات على أنها معارضة للتيار المحافظ الذي يسيطر على مفاصل الحكم في إيران، وتحاول منذ الثورة الإسلامية الانخراط في مؤسسات الدولة وتستطيع بين حين وآخر الوصول إلى السلطة، وأبرز قادتها وكوادرها الرئيسان السابقان محمد خاتمي، وحسن روحاني، والرئيس الحالى مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف، والمرشح السابق للرئاسة مير حسين موسوي، ورجل الدين مهدي كروبي، ويرفض الإصلاحيون الحرب على النظام، ويعتبروها حرباً على البلاد، لاسيما وأنها تعطي النظام مبرراً لتشديد القمع وإحكام القبضة الأمنية. كما تحاول تغليب الحلول السياسية، والعودة للتفاوض بجدية للمفاوضات، وتخشى انهيار الدولة.

2- الأحزاب السياسية: وهي أحزاب صغيرة نشأ أغلبها قبل الثورة الإسلامية، إسلامية وقومية ويسارية شيوعية، ومنها أحزاب محظورة النشاط، مثل حزب توده الشيوعي المحظور، والمناهض للنظام الإسلامي ونظام الشاه، والذي تأسس عام 1941، وتم إعدام وسجن كوادره ومفكريه من قبل النظامين، وكان له دور بارز في إسقاط نظام الشاه، وقد أصدر الحزب بياناً رسمياً بتاريخ 28-2-2026 يدين بشدة الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران، واصفا إياها بـ "الهجوم العدواني على إيران من قبل الحكومة الإسرائيلية الإجرامية والإمبريالية الأمريكية"، داعياً "جميع القوى الوطنية والمحبة للحرية في إيران، وجميع القوى المحبة للسلام والتقدمية في أنحاء العالم، إلى توحيد الجهود لإرساء السلام وإنهاء هذا العدوان" واختتم بيانه بالتأكيد على أن "تدمير إيران ليس سبيلاً لإنقاذ البلاد من نير الحكومة الاستبدادية الحالية، بل إن ذلك لا يتحقق إلا من خلال نضال الشعب والقوى الوطنية والمحبة للحرية في البلاد"، وهو موقف يعكس أغلب توجهات المعارضة الإيرانية في الداخل التي لا ترحب بالتدخل الأجنبي لتغيير النظام.

3- الحركات الشبابية والطلابية والناشطات والحقوقيات التي تطالب بالحريات: والتي زاد زخم تواجدها في الشارع الإيراني عقب مقتل الفتاة مهسا أميني عام 2022، وتشمل ناشطين بارزين مثل؛ مسيح علينجاد، وشرين عبادي، ونرجس محمدي، الحاصلة على جائزة نوبل عام 2023 التي بقيت بالرغم من سجنها عرضة لانتقادات أنصار رضا بهلوي في الخارج عبر الإنترنت، ونسرين ستود، والكاتبة سحر دليجاني، وتركز هذه الحركات على حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والإصلاح السياسي.

وقد ظهر تفتت موقف هذه المعارضة خلال الحرب الحالية بين مؤيد لها ورافض لها، فعلى سبيل المثال؛ سجلت الكاتبة سحر دليجاني موقفها من الحرب على حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي بقولها: "ولدت في سجن إيران وقبع أمي وأبي في سجن إيراني وأعمامي اليوم داخل سجون النظام لكنني لا أريد أن يقصف شعبي أو يشوه أو يقتل إذا كانت رؤيتكم للحرية لا تتحقق إلا بقتل الأبرياء فأنتم لا تسعون للحرية"، بينما أعلنت مسيح علينجاد تأييدها للحرب بل ودعت إلى تدخل الولايات المتحدة لإسقاط النظام في إيران خلال جلسة استماع لها في الكونجرس أثناء الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها إيران، كما عبرت عن سعادتها بمقتل المرشد الأعلى، بنزولها للشارع في الولايات المتحدة محل سكنها وقولها "Ali Khamney Is Deed" وتلقيها التهاني من المارة.

 4- الأحزاب والجماعات المسلحة: مثل أغلب الأحزاب الكردية، وبعض الأحزاب الأحوازية، والحركات المسلحة من البلوش السنة مثل الفرقان وجند الله وجيش العدل، والتي تشن بين الحين والآخر هجماتها على عناصر الأمن والحرس الثوري في المدن الحدودية، في مقابل حملات واسعة من الاعتقالات والإعدامات التي يقوم بها النظام بحق كوادرها.

يشير ما سبق إلى أن المشكلة الأساسية التي تواجه المعارضة الإيرانية بشكل عام، وفي الداخل بشكل خاص - مع التسليم بأن معارضة الخارج شبه منعدمة التأثير في توجهات الشارع الإيراني- هي غياب التنظيم الجامع. إذ لم تستطع أي جبهة من جبهات المعارضة، توحيد القوى المعارضة مع توجهاتها، أو بناء مشروع سياسي قادر على حشد الشارع، أو حتى اكتساب شرعية واسعة للحديث بالنيابة عن الرأي العام الإيراني، وهذا ما يجعل احتمالات التغيير السياسي عبر المعارضة ضعيفة في المدى القريب.

ففيما تشير المعطيات الحالية إلى أن الحرب والضربات العسكرية تضع النظام الإيراني تحت ضغط غير مسبوق، لكنها لا تعني بالضرورة انهياره السريع، في ظل امتلاك النظام شبكة مؤسساتية قوية، على رأسها مؤسسة الحرس الثوري، وقوات الباسيج المليونية التي لازالت حتى الآن قادرة على احتواء الأزمات.

وفي ضوء ذلك، تبقى السيناريوهات الأكثر ترجيحاً هي استمرار النظام بصيغة معدلة أو انتقال السلطة داخل النخبة الحاكمة، مع احتمال حدوث إصلاحات محدودة تهدف إلى احتواء الضغوط الداخلية والخارجية على النظام الحالي.