د. رابحة سيف علام

خبيرة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

 

تجددت المخاوف مرة أخرى بشأن مصير لبنان في خضم الحرب المشتعلة بين إيران من جانب والولايات المتحدة وإسرائيل من جانب آخر. إذ انقضى اليومان الأول والثاني للحرب بهدوء نسبي على الجبهة اللبنانية، ولكن مع الدقائق الأولى لليوم الثالث من الحرب، دوّت صافرات الإنذار الإسرائيلية في حيفا والشمال لتعلن التصدي لمجموعة من الصواريخ والمسيرات التي عبرت من لبنان. لم يكن حزب الله قد أعلن بعد مسئوليته عن إطلاق هذه الصواريخ، وكان الخبر الأوّلي المنشور على موقع قناة المنار التابع للحزب يفيد بأن صافرات الإنذار قد دوت في حيفا بسبب مسيرات وصواريخ أطلقت من إيران. هذه الضبابية لم تدم طويلاً، حيث أعلن حزب الله في بيان فجر الإثنين 2 مارس الجاري عن استهداف موقع للدفاع الصاروخي الإسرائيلي جنوب حيفا ثأراً لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي[1].  

وكان حزب الله قد أعلن قبل اندلاع الحرب أنه لن يتدخل فيها إذا ما كانت الضربة الأمريكية لإيران محدودة، ولكنه حذر بأنه سينخرط في الحرب إذا تم المساس بشخص المرشد[2]. كانت هذه التحذيرات عشية انطلاق جولة جديدة من المفاوضات بين الإيرانيين والأمريكيين في جنيف، ولكن بدلاً من التوصل لاتفاق، اندلعت الحرب بشكل عنيف ومباغت وتم اغتيال المرشد الإيراني على خامنئي خلال الضربات الإسرائيلية الأولى لطهران.

محاولات الحكومة اللبنانية تجنيب لبنان الحرب

على إثر اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، سارع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام بإعلان رفضه لدخول بلاده أي مغامرة جديدة تهدد أمنه وسلامته[3]. ساد الصمت الحذر أغلب المصادر المقربة من حزب الله خلال اليوم الأول من الحرب، حتى نعى الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم في اليوم الثاني المرشد الإيراني واعتبر أن اغتياله هو "قمة الإجرام ووصمة عار على جبين البشرية" معلناً أن حزب الله سيقوم بواجبه في التصدي للعدوان وهو على ثقة بالنصر ولن يتخلى عن خط المقاومة[4].

في البداية، لم يتبع هذا البيان أي موقف عسكري لحزب الله ينم عن انخراطه في الحرب. بل على العكس كان الفعل سياسياً، حيث دعا أنصاره للتجمع بالضاحية الجنوبية للتنديد باغتيال المرشد الإيراني. فبدا أن حزب الله سيستمع لحفائه في الداخل ولن ينفذ تهديده بإشعال جبهة لبنان، التي لم تنطفئ أصلاً في ظل الخروقات الإسرائيلية المتكررة لوقف إطلاق النار واستمرار اغتيال عناصره على مدار الساعة. ولكن مع بداية اليوم الثالث من الحرب، انطلقت صواريخ ومسيرات من لبنان باتجاه حيفا معلنة عن دخول حزب الله رسمياً في هذه الجولة الجديدة من الحرب.

فبعد عام وثلاثة أشهر من وقف إطلاق النار مع إسرائيل كان لبنان يقف في وضع مربك وهش. فالقوات الإسرائيلية لا تزال تحتل خمس نقاط استراتيجية في الجنوب، والمسيرات الإسرائيلية تخترق المجال الجوي اللبناني وتنفذ عمليات يومية من الاغتيال والتعقب لعناصر حزب الله. ويمنع التهديد الإسرائيلي للسيادة اللبنانية عودة الحياة لطبيعتها في قرى الجنوب ويعيق عملية إعادة الإعمار مع الاستهداف المتكرر للآليات والفرق الهندسية العاملة في رفع الركام. من جانبه، التزم لبنان بوقف إطلاق النار منذ دخوله حيز التنفيذ في 27 نوفمبر 2024، وسحب حزب الله وجوده المسلح من منطقة جنوب نهر الليطاني، ونفذ الجيش اللبناني خطة لنشر جنوده وتفكيك أي وجود عسكري غير رسمي. بينما كان إطلاق حزب الله للصواريخ فجر الاثنين 2 مارس الجاري هو الخرق الأول من جانبه لوقف إطلاق النار ولكنه كان إشارة البدء لانخراط لبنان في الحرب مرة أخرى وبداية تنفيذ الرد الإسرائيلي القاسي.

ولكن اللافت أن الدوائر المقربة من حزب الله لم تستوعب دخوله الحرب، حيث اعتبرت في البداية أن الأمر ينطوي على ادعاء وخدعة إسرائيلية كاذبة في سبيل جرّ حزب الله للحرب والتذرع لضرب لبنان بشكل موسع. ولكن مع صدور البيان الرسمي عن حزب الله فجر الاثنين 2 مارس، بدا أن قرار حزب الله كان واعياً رغم ما يترتب عليه من مخاطر جمّة على لبنان وعلى السلم الأهلي.

وهكذا أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إجلاء لأكثر من 40 قرية في الجنوب والبقاع شرقاً، فضلاً عن تنفيذ غارات مكثفة على الضاحية الجنوبية تعد الأعنف منذ انتهاء جولة الصراع السابقة في 27 نوفمبر 2024. قبل أن تتردد أنباء -غير مؤكدة- عن اغتيال زعيم الكتلة البرلمانية لحزب الله النائب محمد رعد مع عدد آخر من قيادات الحزب لم تعرف بعد أسمائهم بدقة[5]. وهؤلاء كانوا في بيوتهم بشكل معتاد ولم يكونوا على علم بمعاودة حزب الله لإطلاق الصواريخ. بينما شهدت الطرق المحيطة بالضاحية الجنوبية زحاماً شديداً مع خروج الأهالي إلى خارج الضاحية ونزوح العائلات من الجنوب إلى نقاط أكثر أمناً شمالاً. فيما عملت الحكومة اللبنانية على افتتاح المدارس لإيواء النازحين وتنسيق استضافتهم خلال أيام الحرب.

وكانت الحكومة اللبنانية قد باشرت اتصالات مكثفة قبل اندلاع الحرب من أجل تحصين لبنان من أي استغلال إسرائيلي لحالة الفوضى في المنطقة لتوسيع هجماته ضد لبنان. وحينها كان الهدف بناء ظهير عربي ودولي يؤيد لبنان في مساعيه في تنفيذ خطة تدريجية لنشر الجيش اللبناني لفرض حصرية السلاح بيد الدولة في الجنوب. إذ نفذ الجيش اللبناني بالفعل انتشاراً ناجحاً جنوب نهر الليطاني منذ سبتمبر 2025، وكان بصدد البدء في تنفيذ المرحلة الثانية خلال الشهور الأربعة القادمة. ولذا نسقت فرنسا مع لبنان لعقد مؤتمر دولي لدعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية مالياً وفنياً من أجل تنفيذ هذه الخطة المتدرجة بشكل يضمن سيادة لبنان على كافة أراضيه، ولكن اندلاع الحرب أدى لتأجيل مؤتمر باريس[6] رغم عقد الاجتماع التحضيري له في القاهرة في 24 فبراير الماضي[7].

في مقابل هذه الخطة كانت واشنطن تريد الضغط على لبنان لتنفيذ خطة متعجلة تقوم بموجبها الحكومة اللبنانية بتجريم أنشطة حزب الله فوراً وملاحقة وجوده العسكري بالقوة، بدلاً من تنسيق ذلك على أساس التفاهم بين الجيش وحزب الله[8]. ولكن في مقابل هذه الجهود التي كان يبدو حزب الله أنه يقدرها ويتجاوب معها بشكل إيجابي، فاجأ الجميع وقرر بشكل منفرد اختطاف قرار الحرب والسلم من الدولة اللبنانية والزج بها في الحرب. وهكذا حذر الأمريكيون الحكومة اللبنانية بضرورة اللجوء لتجريم فوري لنشاط حزب الله وإلا واجهت الحكومة نفسها عواقب هذا النشاط. وهنا لم تعد الحكومة اللبنانية قادرة على التمسك بالخطة التدريجية التي روجت لها لشهور بين الحلفاء والداعمين من أجل فرض حصرية السلاح بيد الدولة.

تجريم النشاط العسكري لحزب الله

عقب صدور بيان مسئولية حزب الله عن إطلاق صواريخ من لبنان، أعلنت الحكومة اللبنانية عن عقد جلسة لمجلس الورزاء في الثامنة من صباح الاثنين 2 مارس الجاري، حيث اجتمع مجلس الوزراء في أجواء متوترة للغاية وسط تواصل القصف المكثف على الضاحية الجنوبية لبيروت وازدحام الطرقات بالنازحين الخارجين منها. اعتبر رئيس الجمهورية جوزيف عون أن من أطلق الصواريخ هو من يتحمل المسئولية ولا يراعي مصالح الوطن وأن مؤسسات الدولة لن تسمح بتكرار استخدام لبنان كساحة إسناد لحروب ليس للبنان مصلحة بدخولها[9].

من جانبه، اعتبر رئيس الحكومة نواف سلام أن لبنان يرفض كل الأعمال العسكرية المنطلقة من أراضيه معلناً أن أنشطة حزب الله الأمنية والعسكرية باتت مجرمة وملاحقة بالقانون. ووجه سلام الجيش اللبناني إلى البد فوراً في المرحلة الثانية من خطة انتشاره شمال نهر الليطاني ووجه القوى الأمنية لمنع أي عملية لإطلاق الصواريخ وملاحقة مطلقيها واعتقالهم. وهكذا اتخذت الحكومة اللبنانية قراراً بحظر نشاط حزب الله العسكري وحصر الاعتراف بنشاطه على المستوى السياسي فقط.

وكان وزراء حزب الله المشاركون ضمن جلسة مجلس الوزراء قد عارضوا هذه القرارات، بينما أيد وزراء حركة أمل - الحليف المقرب من حزب الله - هذه القرارات، وهو تطور لافت للغاية إذ عادةً ما يكون تصويت وزراء حزب الله وحركة أمل منسجماً حول القرارات الحكومية المختلفة وبخاصة ما يتعلق بأنشطة حزب الله العسكرية، الأمر الذي يؤشر على حدوث صدع في العلاقات بين حزب الله وحركة أمل بعد إقدام الأول بشكل منفرد على تجاهل الإجماع اللبناني والالتحاق بإيران في حربها ضد إسرائيل دون مراعاة لتداعيات هذه الحرب المدمرة على لبنان. 

وعلى النهج نفسه، أيد حليف حزب الله جبران باسيل زعيم التيار الوطني الحر - الذي لا يشارك في الحكومة - قرارات رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء معتبراً أن أي حرب إسناد يراد الزج بلبنان فيها لن تنقذ إيران ولن تأتي إلا بالخراب على لبنان. ودعا باسيل الجيش اللبناني إلى تنفيذ قرارات الحكومة بدقة دون المساس بالسلم الأهلي، ودعا المجتمع اللبناني إلى احتضان الأهالي الهاربين من خطر الحرب. فيما اعتبر رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري - الذي لا يشارك في الحكومة - أن تصرف حزب الله غير مسئول ويعرض حياة الشعب اللبناني للخطر وأنه قد آن الأوان أن يكف حزب الله عن استخدام لبنان كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية[10]. كما أيد وليد جنبلاط قرارات الحكومة اللبنانية معتبراً أن قرار دخول الحرب قد جاء من إيران، ودعا اللبنانيين إلى الالتفاف حول الجيش اللبناني والتمسك بالوحدة الوطنية والحوار[11].

أما الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم فقد أطل في خطاب متلفز ليل الأربعاء 4 مارس الجاري ليبرر موقف حزبه، إذ اعتبر أن دخول حزب الله للحرب قد جاء بعد صبر خمسة عشر شهراً من الخروقات الإسرائيلية، وأنه قد جاء ليدافع عن السيادة اللبنانية وثأراً لاغتيال المرشد الإيراني. وانتقد قاسم قرارات الحكومة اللبنانية معتبراً أن المشكلة تكمن في الاحتلال وليست في سلاح المقاومة، متعهداً بمواصلة التصدي للعدوان الأمريكي الإسرائيلي رغم عدم تكافؤ الإمكانيات وأنه ليس بوارد الاستسلام[12]. من جانبه اعتبر نائب رئيس المجلس السياسي محمود قماطي أن الحكومة اللبنانية قد مُنحت الفرصة للتحرك واستعادة السيادة اللبنانية طوال خمسة عشر شهراً ولكنها لم تنجح ولذا تدخل حزب الله. ورفض قماطي قرارات الحكومة اللبنانية بتجريم نشاط حزب الله معتبراً أن المقاومة حق مشروع يكفله القانون الدولي ولا يمكن للحكومة اللبنانية أن تلغيه.

يتضح من هذه التصريحات حجم الفراغ الكبير في موقع القيادة داخل حزب الله، فعلى عكس هؤلاء، كانت خطابات الأمين العام الراحل السيد حسن نصرالله لها وقع كبير تحفز الجمهور الموالي وتعدهم بالحماية والتعويض والنصر. كما كانت تبني جسوراً من التفاهم مع الطبقة السياسية اللبنانية ضمن خطاب وطني جامع ثم توجه للجانب الإسرائيلي إنذارات وتهديدات جدية قابلة للتنفيذ على نحو بنى مصداقية كبيرة لنصرالله بين الإسرائيليين أنفسهم. ولكن اختفاء نصرالله من المشهد أدى لظهور باهت لقيادات حزب الله يبررون فيه قرار دخول حرب خاسرة غير متكافئة مع إسرائيل لمجرد الانصياع للقرار الإيراني دون التحسب للتداعيات على المستوى اللبناني. 

يبدو أن حزب الله قد أصر على تنفيذ أجندة أحادية دون تنسيق مسبق حتى مع حلفائه التقليديين. وبعد إطلاق الصواريخ التي أشعلت الحرب مرة أخرى، توقف الحزب عن أية أعمال عسكرية أخرى لعدة ساعات، قبل أن يصدر عن الحكومة اللبنانية قرار حظر نشاطه العسكري. وفي ظل هذه القرارات وفي ظل رفض حلفاء حزب الله لتحركه الأخير، يبدو أنه سيواجه بحالة من العزلة الداخلية رفضاً لأجندته المنفردة. فيما تواصل إسرائيل قصف أهداف متفرقة في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية تتوزع بين مقار لجمعية "القرض الحسن" ومقار ومواقع تدّعي أنها تابعة لحزب الله. ولكن من المتوقع ألا تقتصر الهجمات الإسرائيلية على هذه الأهداف التقليدية ويُخشى من توسعها لتطال أهدافاً أخرى كالمرافق العامة أو المناطق الحيوية. بينما تتردد أنباء عن احتمال استمرار الضربات الإسرائيلية لعدة أيام أو أنها قد تطول إلى خمسة أسابيع، مع احتمالية اللجوء لخيار الاجتياح البري.   

من غير المعروف حتى الآن الأسباب الكاملة لقرار حزب الله بالخروج عن الإجماع الوطني اللبناني ومدى جدواه خاصةً أن قدرات حزب الله العسكرية باتت مكبلة، وقدرته على توجيه ضربات موجعة لإسرائيل باتت محدودة بعد انتشار الجيش جنوب نهر الليطاني. فالخسائر السياسية التي طالت حزب الله خلال الأيام الأولى لدخوله الحرب تبدو أكبر من أي مكاسب عسكرية يمكن له تحقيقها خلال هذه الحرب مهما طالت. فيما يبدو قراره هذا تأكيداً على ولائه التام لإيران التي تريد خوض حرب فوضوية متعددة الجبهات لاستنزاف القدرات الإسرائيلية والأمريكية المرصودة في المنطقة. وهنا سيكون لبنان بمثابة "إسفنجة" لامتصاص بعض الهجمات بدلاً من أن تتحملها إيران وحدها. ولكن تجريم نشاط حزب الله العسكري يضع الحزب في مواجهة مباشرة مع قوات الجيش والأمن اللبناني بما قد ينذر بانزلاق البلاد لاشتباكات داخلية، وليس فقط مواجهة عدوان خارجي من إسرائيل. 

سيناريوهات التصعيد المرتقبة

كانت وزارة الصحة اللبنانية قد أعلنت عن حصيلة أولية لضحايا العدوان الإسرائيلي على لبنان تفيد باستشهاد 102 مواطناً وإصابة نحو 638 آخرين، فيما أفادت وزارة الداخلية أن عدد النازحين بسبب التصعيد الإسرائيلي قد بلغوا نحو 91 ألفاً حتى 5 مارس الجاري[13]. لاحقاً أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء لمنطقة واسعة من الجنوب تشمل نحو 140 بلدة من بينها مدينتي بنت جبيل وصور وهي مدن يتخطى تعدادها 50 ألف نسمة. كما أصدر أوامر إخلاء لعدد من الأحياء الكبرى من الضاحية الجنوبية مثل الحدث والشياح والغبيري وحارة حريك والليلكي وبرج البراجنة، بما يعني نية إسرائيل إفراغ الضاحية من سكانها بالكامل وتهجير ما يقارب المليون نسمة، مما أدى لخروج مئات الآلاف من بيوتهم في الضاحية الجنوبية إلى مناطق بيروت المختلفة تحسباً لقصف الضاحية وبانتظار توفير منازل بديلة أو أماكن لاستضافتهم في مختلف المناطق اللبنانية.

والثابت أن إسرائيل تريد أن تحدث فوضى شاملة في البيئة الحاضنة لحزب الله على نحو يضغط عليه ليس فقط سياسياً وعسكرياً بل ديموغرافياً أيضاً. فالسخط الشعبي المصاحب للتهجير المفاجيء في ليالي الشتاء الباردة وخلال شهر رمضان تدفع الكثيرين للتفكير بشكل نقدي في مدى جدوى خيارات حزب الله المنفردة. في حين أن العزلة السياسية التي باتت مفروضة عليه بعد تجريم أنشطته العسكرية والصدع الذي أصاب تحالفاته الداخلية قد يكون له ثمن سياسي كبير لا يمكنه تحمله والنجاة منه. فالضغط الشعبي الكبير المتولد من التهجير المفاجيء لسكان الجنوب والبقاع والضاحية قد يؤدي إلى توترات مذهبية تنشأ من رفض استضافة السكان النازحين أو إيوائهم في مناطق الشمال والجبل. هذا الأمر قد ينذر بتحول العدوان الإسرائيلي هذه المرة إلى توترات داخلية تهدد السلم الأهلي اللبناني.

وبالتزامن مع دعوة مختلف الزعماء اللبنانيين لاستضافة وإيواء النازحين الهاربين من القصف في الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع، يتوافد النازحون إلى مناطق بديلة خارج المناطق الموالية لحزب الله. ولكن ذلك لا ينفي تصاعد الخوف من اتساع العدوان الإسرائيلي ليشمل مناطق لبنانية خارج نفوذ حزب الله بهدف تأليب الرأى العام اللبناني ليس فقط ضد حزب الله ولكن أيضاً ضد أبناء الطائفة الشيعية الذين يؤيدون خيارات الحزب، وهو ما قد يكون أخطر سيناريوهات التصعيد المحتملة، أي إشعال صراع أهلي داخلي لبناني بين مؤيدي ومعارضي حزب الله.  

أما السيناريو التصعيدي الثاني فيتعلق بتنفيذ جيش الاحتلال الإسرائيلي اجتياحاً برياً عبر الحدود وانطلاقاً من النقاط الخمسة التي كانت تحت سيطرته. إذ تفيد التقارير بأن الاحتلال الإسرائيلي قد وسّع بالفعل وجوده البري في الجنوب من النقاط الخمسة إلى عشر نقاط وبعمق يزيد عن سبعة كيلومترات، الأمر الذي يذكر بالخطط الإسرائيلية لتحويل منطقة جنوب نهر الليطاني بالكامل لمنطقة عازلة منزوعة السلاح ومخلاة من السكان. فيما يرشح بعض المراقبين أن الأطماع الإسرائيلية قد لا تتوقف عند نهر الليطاني وقد تتوسع شماله أيضاً إذا لم تجد أي مقاومة لتقدمها تمنعها من التوغل الإضافي شمال الليطاني ومن إصبع الجليل وصولاً للبقاع.

وبخلاف التوغل البري لفرض أمر واقع عسكري جديد في الجنوب، يعتبر بعض المراقبين أن الهدف الإسرائيلي لم يعد خلق بؤر عسكرية جديدة في الجنوب اللبناني، بل التقدم لتحقيق مهمة نزع سلاح حزب الله بالقوة ليس فقط من الجنوب ولكن من البقاع، وهو المعروف بأنه الخزان الإستراتيجي لصواريخ الحزب النوعية بعيدة المدى. وقد يصاحب ذلك قصف جوي مكثف على جميع أنحاء لبنان بهدف لفت الانتباه عن الترتيبات العسكرية الجديدة في البقاع والجنوب، بما قد يطال البنية التحتية والمرافق العامة. ولعل هذا السيناريو التصعيدي يهدف إلى فرض شروط قاسية على لبنان من أجل إنهاء أي نفوذ محتمل لحزب الله بعد هذه الحرب الجارية. ومن غير المعروف مدى قدرة حزب الله على المواجهة العسكرية لوقف التوغل الإسرائيلي لتنفيذ خطط التوغل الواسعة تلك. فقد تم سحب أغلب قدراته العسكرية من جنوب الليطاني بالفعل خلال الأشهر الماضية، فيما حل محله الجيش اللبناني وهو غير مدعم بالعتاد والسلاح اللازم لصد أي توغل من هذا النوع.

فيما يحاول الرئيس اللبناني عقد اتصالات مكثفة لمنع إسرائيل من التمادي في استهداف لبنان، حيث طالب الرئيس جوزيف عون الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بالسعى لدى إسرائيل لمنع تنفيذ تهديداتها بقصف الضاحية الجنوبية بالكامل[14]. فعلى عكس الحرب السابقة، كان الإنذار الإسرائيلي بالإخلاء يستهدف حي أو حيين في المرة الواحدة، ولكن الإنذار الأخير الذي أطلق في 5 مارس الجاري كان يستهدف كل أحياء الضاحية بالكامل في تهديد سافر وغير مسبوق بالتهجير والتدمير الموسع. ولكن من غير المتوقع أن تتجاوب إسرائيل مع جهود الوساطة الفرنسية خاصةً أن الأولى قد عملت خلال الشهور الماضية على تهميش دور الأخيرة في آلية "الميكانيزم" التي كان من المفترض أن ترصد الخروقات الإسرائيلية في لبنان.   

أما السيناريو الثالث للتصعيد فينطوى على تدخل عسكري سوري من جهة الشرق ضد لبنان ليتزامن مع العدوان الإسرائيلي من الجنوب. إذ توافدت بصمت وعلى مدار أسابيع حشود عسكرية سورية كبيرة في غرب حمص المحاذية للحدود مع لبنان. وتتنتشر الحشود العسكرية غير المسبوقة في منطقة القصير ويغلب على تكوينها المقاتلون الأجانب الذين ضمهم الجيش السوري إلى صفوفه بعد سقوط الأسد. ويعرف عن هؤلاء أنهم الأشرس في القتال والأكثر ميلاً لتنفيذ عمليات قتالية انتحارية. وتزيد المخاوف من احتمالية الدفع بهؤلاء إلى داخل الحدود اللبنانية بإيعاز من الولايات المتحدة لحسم المعركة البرية على هامش المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران ومن ثم تفرعها لمواجهة بين حزب الله وإسرائيل.

من جانبها، نفت دمشق هذه المزاعم، وشددت على أن الأمر لا يتخطى إعادة انتشار فرق الجيش السوري من أجل منع تفشي التهريب والجريمة المنظمة عبر الحدود وليس لها أي أدوار إقليمية خارج الحدود السورية. بينما ينظر حزب الله - بحسب مصادر مقربه منه - بقلق لهذه الحشود العسكرية ويعتبرها هجومية وموجهة ضده رغم أنها في داخل الحدود السورية ولم تخرق الحدود اللبنانية مطلقاً[15].

ولكن من المرجح أن هذا الحشد العسكري السوري يستهدف منع حزب الله من استخدام الأراضي السورية كساحة خلفية لإعادة تنظيم صفوفه أو تهريب قادته أو تخزين سلاحه على هامش المواجهة مع إسرائيل، وهو ما دأب عليه الحزب خلال الحرب السابقة في عام 2024. بل يعتقد البعض أن حزب الله كان قد سحب جزءاً مهماً من سلاحه النوعي إلى داخل سوريا في محاولة لحمايته من الاستهداف الإسرائيلي خلال حرب عام 2024، وأن الحشود العسكرية السورية في القصير تمنعه من استرداد هذا السلاح لاستخدامه مرة أخرى.

ختاماً، يمكن القول إن دخول حزب الله في أتون الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران سوف يصعب من فرص تجنيب لبنان الانخراط الكامل في هذه الحرب حتى نهايتها. ولذا فمن الصعب توقع نجاح الجهود الدولية التي تسعى لإبرام صفقة فرعية لوقف الحرب في لبنان أو تجنب التدمير الشامل أو التوغل البري فيه. بينما يبدو حزب الله في صورة أضعف مما كان عليه في الحرب السابقة، سواء سياسياً أو عسكرياً، ولذا من غير المتوقع أن ينجح بشكل كامل في عرقلة التوغل الإسرائيلي كما كان الحال في جولة الحرب الماضية. وبالتالي يبدو أن العدوان الإسرائيلي على لبنان سيستمر ويبقى حسمه مرهوناً بحسم الصراع الرئيسي بين إيران من جهة وبين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.