سعيد عكاشة

خبير مشارك - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

طرحت افتتاحية صحيفة هآرتس الإسرائيلية، في الأول من مارس الجاري (2026) أسئلة تشغل المجتمع الإسرائيلي بعد الهجمات الإسرائيلية–الأمريكية على إيران بقولها: إن الإقرار بالتهديد الإيراني لا يُلغي السؤال عمّا إذا كانت الدولة مستعدة لحرب طويلة، وما إذا كان الجمهور، الذي لم يتعافَ بعد من الجولة السابقة في يونيو، يُدفَع مرة أخرى إلى الجبهة فيما جبهته الداخلية مكشوفة.

حددت الافتتاحية معنى الانكشاف في الجبهة الداخلية على النحو التالي: ما زال مئات السكان في المدن التي تضررت لم يعودوا إلى منازلهم؛ وعشرات المباني التي دُمّرت أو تضررت بشدة لم تُرمَّم بعد بما يسمح بالسكن فيها. حتى مراقب الدولة متنياهو إنجلمان، الذي يتحاشى كثيراً انتقاد الحكومة، حذّر من أوجه القصور في معالجة أوضاع الجبهة الداخلية. ومع ذلك، لم تُعرض على الجمهور خطة إعادة إعمار منظمة، ولا خطة إخلاء واسعة لسيناريو تطول فيه المعركة. عملياً، تدخل إسرائيل الحرب فيما عشرات آلاف المواطنين لا يزالون من دون تحصين ملائم.

ما أثارته تلك الافتتاحية كان في الواقع قضية خلافية منذ تسعينات القرن الماضي حول عنصرين رئيسيين في استراتيجية الحروب الإسرائيلية وهما:

1- مدى قدرة قيادة الجبهة الداخلية على إدارة الأزمات الناجمة عن تعرض البلاد لهجمات واسعة.

2- مدى إصرار الرأي العام الإسرائيلي على الاستمرار في تأييد الحرب، مهما طالت ومهما كان حجم الخسائر البشرية لتحقيق أهدافها في النهاية.

أولاً: التعريف بقيادة الجبهة الداخلية ومهامها

مع الحروب الإسرائيلية المستمرة منذ ولادتها عام 1948، اكتسبت مهمة معالجة الأزمات التي تواجه المجتمع أثناء تلك الحروب أو عند وقوع أزمات طارئة تهدد سلامة السكان وتماسك المجتمع أهمية كبرى. وقد أظهرت تجارب إسرائيل المتعددة في هذا الشأن ضرورة عدم الاعتماد على مؤسسات المجتمع المدني وحركات التطوع الفردية من جانب المواطنين للتصدي لتلك الأزمات.

لذلك وفي أعقاب تعرض إسرائيل للهجمات الصاروخية التي شنتها العراق على إسرائيل في بداية عام 1991 تم إنشاء ما يسمى بـ"قيادة الجبهة المدنية"، وهي قيادة عسكرية–مدنية تابعة للجيش الإسرائيلي، تأسست عام 1992، وتم تكليفها بالعمل على تدريب المدنيين-بالتعاون مع المؤسسات المدنية-على كيفية التعامل مع حالات الطوارئ. وتشمل هذه القيادة وحدات وألوية متخصصة، منها لواء البحث والإنقاذ الذي تأسس عام 2013، ووحدة التكنولوجيا والابتكار والوحدات اللوجستية. وتبرز مهامها الرئيسية في إنقاذ الأرواح وتعزيز صمود المدنيين في إسرائيل أثناء الحروب وفي حالات الطوارئ. وتشير آخر البيانات المتاحة عنها إلى أن مقر قيادتها يقع في مدينة الرملة ولها ستة مقرات فرعية موزعة في عدة مدن ويخدم فيها ما يقرب من 70 ألف جندي غالبيتهم من جنود الاحتياط. تضم الجبهة 26 كتيبة إنقاذ موزعة على مناطق متفرقة، و13 كتيبة متخصصة في الدفاع ضد الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، وتدير 14 مستشفى عسكرياً، و8 كتائب مشاة خفيفة، و6 وحدات لوجيستية. إضافة لـ4 كتائب مقاتلة. ويرأس الجبهة قائد برتبة عقيد يتمتع بعضوية هيئة الأركان.

ثانياً: تقييم أداء الجبهة الداخلية قبل الصدام الأخير مع إيران

تعرضت قيادة الجبهة الداخلية لعدة اختبارات منذ تأسيسها عام 1992 على النحو التالي:

1- كشفت حرب لبنان عام 2006 ثغرات كبيرة في القدرات التشغيلية للجبهة الداخلية الإسرائيلية، فقد كان يسقط أثناء الحرب نحو 120 صاروخاً يومياً على إسرائيل، وأسفرت تلك الهجمات عن مقتل 39 إسرائيلياً وإصابة نحو ألفين آخرين.

2- ركزت قيادة الجبهة الداخلية أثناء تلك الحرب على عمليات البحث والإنقاذ، لكنها فشلت في توفير الحماية الكافية للسكان، أو تأمين احتياجاتهم المعيشية أو تقديم الدعم النفسي والاجتماعي. كما برز ضعف التنسيق بينها وبين المؤسسات المدنية الأخرى.

3- نتيجة لذلك نزح آلاف من سكان المستوطنات الحدودية طوعاً دون صدور قرار حكومي، كما لجأ كثير منهم للإقامة في خيام مؤقتة.

4- لتلافي أوجه التقصير السابقة، ومع تزايد الحديث عن احتمالات دخول إسرائيل في حرب متعددة الجبهات، قامت قيادة الجبهة الداخلية بإطلاق مناورة كبرى في مارس 2021 تحاكي هجوماً واسع النطاق على مدينة القدس، واشتملت المناورة على تدريب يستهدف كيفية العمل على ألا يضطر كل سكان المدينة إلى الدخول إلى ملاجئ عندما يتعلق الأمر بوجود تهديد بسقوط صاروخ على حي واحد بعينه.

5- في يونيو 2023 وفى أعقاب المواجهات التي جرت بين إسرائيل وتنظيم الجهاد الفلسطيني، قدّم معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي تقييماً لأداء قيادة الجبهة الداخلية في أثناء الأزمة، واستنتج أنها كانت مرضية أو معقولة في إطار محدودية التهديد الذي شكلته هذه المواجهة، مؤكداً على ضرورة تطوير تلك القيادة وتدريب العاملين فيها على مواجهة أوضاع أصعب مثل الحرب على جبهات متعددة.

6- حسب التقرير نفسه، عملت منظومات الجبهة الداخلية جيداً، وتضمّن ذلك أيضاً منظومة الإنذار وإطلاق صفارات إنذار متطورة ومتقدمة، بالإضافة إلى خطوات إرشادية وتوجيهات للجمهور، إلى جانب الرد الأولي المدني.

7- كمؤشر للتقدير نفسه على الأداء الجيد للجبهة الداخلية أثناء تلك المواجهة: العدد القليل للمصابين في الجانب الإسرائيلي (قتيلان و32 مصاباً، و45 إصابة بالهلع). 

8- نوّه التقدير إلى ضرورة الاستعداد لمواجهات أصعب بتنفيذ الخطة المتعددة الأعوام لتعزيز الملاجئ في الجنوب والتي تأجلت عدة مرات منذ أعلنتها الحكومة في سنة 2018، لأن عملية بناء الملاجئ هي شرط ضروري كي تتعامل الجبهة الداخلية بشكل ناجع في حالات الطوارئ الأمنية، وبالتالي ضرورية لحصانة الجمهور المدني.

الأمر المؤكد أن قيادة الجبهة الداخلية عانت مثلها مثل قيادات الجيش والاستخبارات من الفشل في مواجهة هجوم حماس في السابع من أكتوبر2023، وبدا واضحاً أن التعويل على قيادة الجبهة الداخلية للتعامل الفوري مع الهجمات التي تم شنها ضد المدن الحدودية في غلاف غزة كان رهاناً كارثياً بعد أن قٌتل أكثر من ألف من المدنيين في هذا الهجوم.

وكان الإعلان عن تطبيق وضع ما يسمى بـ"الحالة الخاصة للجبهة الداخلية" Special Home Front Situation عقب هجوم السابع من أكتوبر نوعاً من التسليم بفشل قيادة الجبهة الداخلية، حيث يعتبر الإعلان عن تطبيق هذا الوضع بمثابة نقل كافة صلاحيات مؤسسات الدولة لقيادة الجيش بشكل مؤقت، وهو وضع مختلف عن إعلان حالة الطوارئ Emergency Situation.

إذ تعيش إسرائيل منذ نشأتها في ظل حالة الطوارئ بسبب حروبها المستمرة مع جيرانها، وتتولى أجهزة الشرطة والشاباك إدارة الأزمات الطارئة في مثل هذا الوضع الذي لا يرقى إلى مستوى التهديد الوجودي للدولة. ولكن عندما يكون الخطر الوشيك يشمل أراضي الدولة بأكملها، ففي مثل هذا الوضع يتم الإعلان عن وضع البلاد بأكملها في ظل الحالة الخاصة للجبهة الداخلية، ويجب أن يحظى هذا الإعلان بموافقة لجنة الشئون الخارجية والأمن في الكنيست بعد الاستماع لتقارير من مجلس الأمن القومي ولجنة الاستخبارات، وعادة ما يتم منح التفويض للجيش لإصدار الأوامر لكافة مؤسسات الدولة لفترة قصيرة قد لا تزيد عن أسبوع، ويمكن تجديدها بعد موافقة لجنة الخارجية والدفاع في الكنيست.

وعقب الهجوم المشترك الإسرائيلي–الأمريكي صدر الأمر التنفيذي بوضع البلاد في الحالة الخاصة للجبهة الداخلية حتى الثاني عشر من مارس الجاري، وسيتوقف تجديد هذا الأمر لاحقاً على تطورات الحرب الجارية حالياً، حيث توجد توقعات متضاربة بين إمكانية إنهاء هذه الحرب في غضون أسبوع، وبين امتدادها لشهر كامل. وحتى نهاية الحرب يبدو من الصعب حالياً تقييم  أداء قيادة الجبهة الداخلية أثناءها، بعد أن أصبح الجيش هو من يدير الأزمة بكافة أبعادها العسكرية والأمنية والاجتماعية، وبالتالي سيكون النجاح أو الإخفاق من نصيب الجيش وحده. رغم ذلك، فباستثناء حادث بيت شيمش (حي يقع على بعد 30 كيلو من مدينة القدس) والذي أدى سقوط صاروخ إيراني عليها إلى مقتل تسعة مدنيين، أوضح تقرير لجيروزاليم بوست في الثالث من مارس الحالي أن قيادة الجبهة المدنية تمكنت من توفير بدائل سكنية في بعض الفنادق لـ350 شخص تم إخلائهم من منازلهم المٌدمرة، وأن خطة الطوارئ تستهدف توفير 15 ألف غرفة فندقية أخرى لإسكان المتضررين من الهجمات الإيرانية إذا طال أمد الحرب.

ثالثاً: موقف الرأي العام الإسرائيلي قبل الحرب ضد إيران وبعدها

في الثالث من فبراير الماضى، نشر المعهد الإسرائيلي للديمقراطية نتائج استطلاع بينت أن 50% من المشاركين أعلنوا عن تأييدهم لشن الحرب ضد إيران في حالة واحدة وهي تعرض إسرائيل لهجوم إيراني، مقابل 44% أيدوا البدء بها في حالة مشاركة الولايات المتحدة فيها. كما أعرب 52% من المشاركين عن تفاؤلهم بمستقبل الأمن القومي على الرغم من احتمالات المواجهة مع إيران.

نشر المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي نتائج استطلاع أجراه في اليوم الثاني لبدء الحرب التي أطلق عليها اسم عملية الأسد الصاخب Roaring Lion  أوضح أن 81% من الجمهور الإسرائيلي يدعمون هذه العملية، كما أيد 63% استمرار العملية حتى يتم الإطاحة بالنظام الإيراني.

وفيما يتعلق بالمدة الزمنية التي يمكن أن تستغرقها الحرب، فقد أعرب 82% عن اعتقادهم أنها تصل إلى شهر واحد. أما فيما يتعلق بتقييم الوضع الأمني، فقد اظهر الاستطلاع الشعور بتحسن الوضع حيث صنّف 38% وضع إسرائيل على أنه جيد أو جيد جداً، ارتفاعاً من 30% قبل نشوب الحرب. ومع ذلك فقد ضعف الشعور الشخصي بالأمن، حيث انخفض أولئك الذين يشعرون بالأمان الشديد من 30% إلى 26% بينما ارتفع أولئك الذين يشعرون بانخفاض الأمن من 24% إلى 32%.

وفي جانب آخر، فإن مستوى القلق بشأن التصعيد مستقبلاً قد بلغ57%، وهو أقل من نسبة الـ70% المسجلة في بداية العملية الأسبق المسماة بعملية الأسد الصاعدRaising Lion  في يونيو 2025.

أما عن المدى الزمني الأقصى للحرب الذي يمكن للمواطنين تحمله فقد أجابت الأغلبية (62%) بأنه شهر واحد.

بقراءة هذه المعطيات يمكن استنتاج التالي:

1- إن المجتمع الإسرائيلي على الرغم من قناعته بضرورة تحييد الخطر الإيراني، إلا أنه كان متخوفاً من الحرب مع إيران، وأيّد بنسب ضعيفة الحرب في حالتين فقط وهما: أن تكون إيران البادئة بالهجوم، أو أن تبدأ إسرائيل الهجوم بمشاركة أمريكية.

2- إن توقعات الأغلبية بأن الحرب لن تدوم أكثر من شهر، مرتبطة بتصوراتهم عن المدة الأقصى التي يمكن أن يتحمل فيها المجتمع الإسرائيلي الحرب وتداعياتها الأمنية والاقتصادية.

3- إن نتائج هذا الاستطلاع تضع ضغوطاً على حكومة نتنياهو لإنهاء الحرب وتحقيق أهدافها (ضمان تدمير المشروعين النووي والصاروخي لإيران) في مدة لا تزيد عن شهر، وإلا واجهت إسرائيل مشكلات خطيرة، وواجه نتنياهو نفسه خطر إجراء انتخابات مبكرة في حالة فشله في تحقيق تطلعات الجمهور بشأن الحرب مع إيران في المدة الزمنية المتوقعة.

على جانب آخر، تظهر مواقف أحزاب المعارضة المؤيدة للحرب أن الوسط السياسي الإسرائيلي قادر على تجاوز الخلافات العميقة بينها وبين نتنياهو، حيث أظهر استطلاع كان موقع تايمز أوف إسرائيل قد نشره قبل الحرب (20 فبراير الماضي) أن من بين مؤيدي الحرب ضد إيران في حالة مشاركة الولايات المتحدة فيها 58% ينتمون إلى أحزاب المعارضة و74% ينتمون لأحزاب الائتلاف الذي يقوده نتنياهو.

وتعززت هذه الاستنتاجات بالتصريحات التي أطلقها قادة المعارضة بعد اندلاع الحرب. ففى أعقاب سقوط تسعة قتلي فى منطقة بيت شيمش جراء إصابة مباشرة من صاروخ إيراني، زار نتنياهو المنطقة وعقد جلسة إحاطة عن تطورات الحرب مع زعيم المعارضة مائير لبيد، كما قام منافس نتنياهو الرئيسى في الانتخابات المقبلة نفتالي بينت بزيارة عائلات القتلى وقد صرح لبيد وبينت بتأييدهما للحكومة في قراراتها الخاصة بالحرب على إيران.

والاستخلاص النهائي هنا أن المجتمع الإسرائيلي ومؤسسات الدولة والوسط السياسي يظهرون موقفاً موحداً حيال الحرب، ولكن من غير المؤكد أن تستمر هذه الحالة لفترة طويلة خاصة إذا ما ارتفعت أعداد القتلى من المدنيين والعسكريين في المواجهة مع إيران. لذلك سواء نتنياهو أو ترامب، وكلاهما لأسباب داخلية، ليس من مصلحتهما إطالة أمد الحرب، وهو ما ينذر بتكثيف الهجمات المتبادلة، مما سيرتب تداعيات أمنية إقليمية ودولية أكثر خطورة .