د. محمد عز العرب

رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

تمثل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران واحدة من اللحظات الفارقة في تاريخ إيران ومنطقة الخليج وإقليم الشرق الأوسط ككل، وإن كانت مدتها الزمنية ونتائجها الميدانية هي التي تبرهن مدى اقترابها أو ابتعادها عن الحرب العراقية الإيرانية أو الغزو العراقي للكويت أو الاحتلال الأمريكي للعراق أو الحراك الثوري العربي، ليصبح ما قبلها مختلفاً عن ما بعدها، فضلاً عن توابعها، وإن كان الحريق الأكبر في الإقليم يتعلق بتوابع ما بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، في إطار ما يعرف بنظرية "البيوت الخشبية" التي تشير إلى أن اندلاع النيران في دولة ما تمتد تأثيراته إلى بقية الدول.

نافذية الانتشار

تشير القراءة الأوّلية لأربعة أيام من عمر الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى أن ثمة تداعيات لتلك الحرب على الإقليم ككل، على النحو التالي:

1- خطورة عودة تغيير النظم السياسية من الخارج: يتمثل الهدف الرئيسي من هذه الحرب في إسقاط النظام الإيراني، وفقاً لرؤية الولايات المتحدة وإسرائيل، الأمر الذي أعاد إلى الأذهان الجدل المثار في الإقليم حول "التغيير من الداخل أم من الخارج" في بدايات العقد الأول والثاني من القرن الجاري، مما يتطلب تعظيم الاستقواء بالداخل في مواجهة ضغوط الخارج في العديد من دول الإقليم لأن النظم التي لا تحظى بتأييد شعبي أو وجود مؤسسة عسكرية وطنية احترافية تكون في مهب الريح وتصبح مستباحة لتدخلات الخارج.

وفي هذا السياق، حذر رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد دواود أوغلو في 1 مارس 2026 من أن أي انهيار محتمل في طهران لن يكون حدثاً معزولاً، بل قد يشكل نقطة انطلاق لما وصفه بـ"تسونامي الدومينو" الذي يمكن أن يمتد تأثيره إلى عواصم وعروش عدة في المنطقة. وأكد أن سقوط مركز ثقل إقليمي بحجم طهران من شأنه أن يطلق سلسلة تفاعلات سياسية وأمنية متلاحقة تعيد رسم موازين القوى وتفتح الباب أمام اضطرابات تتجاوز حدود الدولة المعنية، لتطال بنية الاستقرار الإقليمي بأكمله.

2- تحول إيران من مصدر تهديد محتمل إلى تهديد مباشر لدول الخليج: ثمة تحول في مسارات علاقات دول الخليج بإيران، بحيث يغلب عليها التوتر والتصعيد بعد استهداف الأخيرة في هجماتها لكل دول الخليج، بلا استثناء، بما فيها سلطنة عُمان التي كانت الطرف الوسيط في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تعرض ميناء الدقم التجاري لاستهداف بطائرتين مسيّرتين، فضلاً عن استهداف الإمارات ومنها إمارة دبي التي تعد الشريك التجاري الأول لإيران في الإقليم وكذلك استهداف السعودية التي وقعت معها اتفاق بكين في مارس 2023، إلى جانب العواصم الخليجية الأخرى على الرغم من دور دول الخليج في محاولة منع الحرب ووقف التصعيد ضد إيران على مدى شهور، الأمر الذي اعتبرته هذه الدول تجاوزاً للخطوط الحمراء، لاسيما مع عدم استهداف إيران قواعد أمريكية في دول أخرى مثل تركيا وأذربيجان وأرمينيا.

وعلى الرغم من إصدار دول الخليج، سواء بشكل فردي أو جماعي، بيانات للتنديد بهذه الهجمات التي تمس السيادة الوطنية، وتستهدف منظومة الرادارات وتمثل إضراراً بالمصالح الاقتصادية، فضلاً عن قيام السعودية باستدعاء سفير إيران لدى الرياض وسحب أبوظبي سفيرها وبعثتها كاملة من إيران، إلا أن هناك بعض الأصوات وخاصة داخل السعودية والكويت ترى أن هذه الردود محدودة، وتطالب بتعزيز القدرات الذاتية العسكرية الخليجية والتحول من الدفاع إلى الهجوم وتفعيل قوات درع الجزيرة في ظل المصلحة الخليجية المشتركة التي تستوجب التوحد لحماية المواطنين والمقيمين، الاستثمارات والمنشآت. غير أن هناك أصواتاً أخرى طالبت بضرورة التأني والعقلانية وعدم الانسياق وراء الدعوات الرامية إلى توسيع نطاق الحرب، وبما يؤدي إلى استنزاف دول الخليج والمساس بخططها التنموية على مدى سنوات.

3- انتفاء مقولة "خلجنة" الشرق الأوسط: كشفت الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران عن محدودية هامش الحركة لدى دول الخليج بعد تعرض سيادتها الوطنية للانتهاك المتكرر من إيران، وهو ما يشير إلى ضعف أنظمة الدفاع الجوي لها ومحدودية الاستفادة من الصفقات العسكرية الضخمة التي تنفق عليها بشكل سنوي لدعم أمنها الوطني. ورغم التأكيد المستمر من جانب هذه الدولة أو تلك على أن "الوضع الأمني تحت السيطرة" و"الجاهزية للتعامل مع أي تهديد"، إلا أن اللقطات التي تظهرها وسائل الإعلام للخسائر التي تلحق بقطاع الطيران أو النفط أو النقل البحري أو تعليق الأنشطة التعليمية والترفيهية والرياضية تشير إلى أزمات حقيقية تواجه دول الخليج.

وربما يكون الدرس الرئيسي من هذه الحرب هو ضرورة الانشغال بالأمن بشكل يوازي الاهتمام بتحقيق التنمية، التي جعلت بعض المثقفون يطلقوا عليها "اللحظة الخليجية" نتيجة التفوق النوعي لدول الخليج في التعليم والصحة والاقتصاد ومستويات الدخل وغيرها من مؤشرات التنمية البشرية. فحرائق الإقليم بدأت تؤثر على حدائقه، بل إن الأخطار قريبة إلى حد الملامسة، وهو ما عبر عنه المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات الدكتور أنور قرقاش بشكل غير مباشر في المنتدى الإعلامي الإماراتي الكويتي في 30 يناير 2026 قائلاً: "الانزلاق نحو صدام ستكون كلفته باهظة على الجميع، ولا سيما دول الخليج التي ستتحمل جزءاً من تداعيات أي تصعيد، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد أو السمعة الدولية". وهنا، فإن المشكلة لا تكمن في أن منطقة الخليج في خطر وإنما الحفاظ على الاستقرار وسط الطوق المشتعل.

4- توحش السياسات الإسرائيلية في الشرق الأوسط: إن أحد التأثيرات الرئيسية لتلك الحرب يتعلق بسعي إسرائيل للهيمنة على تفاعلات الشرق الأوسط ومحاولة تشكيل شرق أوسط جديد، بما يتفق مع مصالحها الاستراتيجية في مرحلة ما بعد 7 أكتوبر 2023، حيث تم إضعاف كبير لدور حركة حماس في غزة وحزب الله في لبنان بعد استهداف كوادرهما وقيادتهما في الصفوف المختلفة، وإسقاط نظام الأسد في سوريا، وتوجيه ضربات نوعية لبعض قيادات جماعة أنصار الله الحوثي في اليمن، واستهداف دقيق لقيادات محورية في الحرس الثوري والجيش الإيراني وتوجيه رسائل ردع لأطراف متعددة في الإقليم بضرورة التطبيع السياسي والاقتصادي معها تجنباً لتحمل تكلفة معاداتها مع تغذية اتجاه في الشرق الأوسط بأن أي نظام سياسي جديد في إيران بعد الحرب سوف يكون متحالفاً أو صديقاً لإسرائيل، وهو ما يعبر عن ما تسعى إليه تل أبيب لتدشين "الحقبة الإسرائيلية" في الشرق الأوسط.

5- تعزيز مضاعفات عدم الاستقرار الإقليمي: إن التصعيد العسكري لن يحقق الاستقرار في الإقليم بل يدفع في اتجاه عدم الاستقرار الممتد، ويتناسى الفاعلون الدوليون والإقليميون بعض القضايا الأولى بالاهتمام مثل القضية الفلسطينية وتعزيز الدولة الوطنية ومواجهة المليشيات المسلحة ومحاربة الإرهاب العابر للحدود والتسوية التفاوضية للصراعات، وهو ما ينسجم مع موقف بعض الأطراف الإقليمية الرئيسية مثل مصر الثابت الداعم للجهود الدبلوماسية لتسوية القضايا الدولية، ومواصلة المسار التفاوضى وتجنيب التصعيد بالمنطقة وتسوية الخلافات المعلَّقة فى المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران حول الملف النووى، والتوصل إلى حلول وسط بعيداً عن الحلول العسكرية وتداعياتها الوخيمة التي لن ينجو منها أحد، وهو ما يرفع منسوب المخاطرة المقبلة على دول المنطقة في ظل ظروف حرب مفتوحة وليس جولات تصعيد محدودة خبرناها سابقاً.

6- إثارة التوترات داخل بعض دول الإقليم: ولعل ذلك ينطبق على الدول التي تتضمن جماعات مسلحة بداخلها، والتي ترتبط بعلاقات مناوئة وداعمة لأطراف الحرب الحالية، ولبنان تعد حالة مثالية لذلك. وفي هذا الإطار، أعلن رئيس الوزراء نواف سلام، في 2 مارس 2026، الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية وحصر عمله بالمجال السياسي، وتسليم سلاحه للدولة اللبنانية، وهو ما قد يقود إلى مواجهات مفتوحة مع أجهزة الأمن وقوات الجيش في لبنان. كما أن ثمة انتقالاً لتأثيرات الحرب داخل الساحة العراقية وخاصة من جانب بعض القوى والأحزاب السياسية مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء-العراق لاستهداف المصالح الأمريكية بالعراق. فإدخال دول الجوار في هذه الحرب يفاقم ويعمّق حالة التوتر الإقليمي.

7- المساس بحركة الملاحة البحرية والتجارة العالمية: لاسيما في ظل محاولة إيران إشعال المنطقة وتوسيع دائرة النار وتهديد ممرات الطاقة وإغلاق المضايق وخاصة مضيق هرمز واستخدام الزوارق البحرية المفخخة والقنابل المائية، وهو ما انعكس في توقف عبور السفن وتعليق الرحلات عبر قناة السويس ومضيق باب المندب وتجنب مرور السفن بمضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات المائية الدولية، ويعبر من خلاله 20 مليون برميل يومياً من تجارة النفط العالمية، إذ أنه منذ 28 فبراير 2026 تراجعت حركة السفن بنسبة تتراوح ما بين 40-75 في المئة، وانخفضت صادرات النفط إلى 4 ملايين برميل يومياً من النفط، ويذهب 80 في المئة للاقتصاد الأسيوي، ويمر منه 20-25 من تجارة الغاز الطبيعي المسال، الأمر الذي يؤدي إلى اضطرابات حادة في سلاسل الإمداد. فاستقرار منطقة الخليج العربي ليس مسألة إقليمية فحسب بل هو ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي والملاحة البحرية.

8- استهداف البنية التحتية للطاقة في الخليج والتأثير على أسواق الطاقة العالمية: يرتبط هذا العامل بالعامل السابق، إذ تعمل إيران على رفع التكلفة الاقتصادية العالمية للحرب، حيث يمثل النفط والغاز شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، وقد استهدفت إيران بعض المصافي النفطية في منطقة الخليج، وهو ما أدى إلى إغلاق منطقة مصفاة رأس تنورة أكبر مصفاة للنفط في السعودية والشرق الأوسط وبها أكبر ميناء لتصدير التفط. فضلاً عن ارتفاع أسعار الغاز المسال بنسبة تتجاوز 50 في المئة في الأسواق الأوروبية بعد توقف منشأة قطر عن الإنتاج في أعقاب استهداف منشآتها التشغيلية. فالرسالة الإيرانية تتمثل في وضع الاقتصاد العالمي أمام خطر الركود.

9- تداعيات الحرب على الصراع على قمة النظام العالمي: خاصة بين الولايات المتحدة والصين؛ إذ يشير اتجاه في الأدبيات إلى أن هدف إدارة ترامب لا يتمثل في إيران وإنما في الصين التي تستحوذ على الاهتمام الأكبر في استراتيجية الأمن القومي الأمريكية 2026. فلا يمكن فهم هدف تغيير طبيعة وبنية النظام الإيرانى الحالى بعيداً عن هدف أمريكى أوسع هو إعادة هندسة بعض الأنظمة السياسية فى دول تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى نقاط ارتكاز بالنسبة للصين. اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو فى 3 يناير الماضى من خلال عملية عسكرية/ استخباراتية كان نموذجاً مهماً تحت هذا العنوان. إذا نجحت الولايات المتحدة من خلال هذه الحرب فى إزاحة النظام الحالى فى إيران وبناء نظام جديد، فمن المؤكد أن إعادة النظر فى طبيعة وحجم العلاقة مع الصين، بما فى ذلك الصادرات النفطية، ستكون من بين الاستحقاقات الجديدة على هذا النظام الوليد.

10- المستحيل يظل "ممكنا"ً في عهد ترامب: وهو ما يتم التعبير عنه Impossible become Possible وهنا يمكن تصور سيناريوهات تصعيد محتملة في الإقليم في المرحلة المقبلة، لاسيما في ظل وجود ترامب ونتنياهو وقادة آخرين في الشرق الأوسط، وبصفة خاصة في إيران، حيث يميل النسق العقيدي لهم إلى غطرسة القوة واستدعاء التهديدات وتوظيف أزمات الخارج لكسب شرعية في الداخل. وهنا، قد يؤدي حدوث هجمات إيرانية على بعض الأهداف الاستراتيجية في منطقة الخليج، وتنامي الخسائر البشرية والمادية، كاستهداف السفارة الأمريكية في الرياض أو شركة أرامكو والمصافي النفطية في الدول الخليجية الأخرى، فضلاً عن تعرض الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة لاستهداف كثيف إلى احتمال توسيع التحالف الدولي المناهض لطهران والانطلاق من الأراضي الخليجية لتنفيذ المستهدف الأولى الرامي إلى إسقاط النظام، وما ينطوي عليه من خسائر تطال الجميع.

مراجعات مطلوبة

خلاصة القول، إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران هي أقرب إلى المباراة، التي يمكن أن تتحول إلى حرب مفتوحة في حال تواصلت لمدى زمني أطول، وتعقدت أبعادها، وتدخلت دول أخرى فيها، منتمية لمناطق جغرافية مختلفة، لتصبح معززة لعدم الاستقرار الدولي ومفرزة لركود الاقتصاد العالمي، ما لم تظهر متغيرات تقود إلى مراجعات واجبة من الأطراف المتحاربة. فالحروب في الشرق الأوسط أثبتت أن بداياتها دائماً أسهل من نهاياتها.