د. محمد عباس ناجي

رئيس تحرير الموقع الإلكتروني - خبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

عندما تواجه خصمك، لا تضعه أمام خيار واحد، لأنه في هذه الحالة قد يخاطر بكل شيء على نحو لا يتوافق مع حساباتك. ربما هذه القاعدة البسيطة في إدارة التصعيد بين الخصوم تنطبق على ما يجري حالياً بين الولايات المتحدة وإيران. وقد تفسر إلى حد كبير أسباب تأخر استخدام واشنطن للخيار العسكري ضد طهران حتى الآن.

فالرئيس دونالد ترامب لم يوفر فرصة وإلا وحاول "حشر" إيران في الزاوية. ففضلاً عن حشده قوات عسكرية غير مسبوقة منذ الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، فقد أيّد الاحتجاجات في الداخل الإيراني وبشَّر المحتجين بقرب وصول الدعم الأمريكي لهم، ودعا إلى تغيير النظام السياسي، وألمح إلى احتمال اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي، وطالب إيران بـ"الاستسلام" لشروطه الخاصة بتفكيك البرنامجين النووي والصاروخي والانسحاب إلى داخل حدودها.

هذه المعادلة "الصفرية" لم توفر خيارات متعددة أمام خامنئي، الذي اعتبر أن "المعركة الحالية" قد تكون الأخيرة بالنسبة له، وبالتالي خاطر بكل شيء. رفض الاستجابة لشروط ومطالب ترامب. ورد على تهديده باستخدام القوة بالتلويح بإغراق حاملات الطائرات الأمريكية وبتوسيع نطاق التصعيد ليصبح حرباً إقليمية بامتياز، ووصل الأمر إلى حد تلويح بعض رجال الدين بإصدار فتوى "الجهاد العالمي ضد الاستكبار".

بالطبع، فإن ذلك لا ينفي أن إيران في وضع حرج، ربما يكون الأصعب على مدى الأعوام السبعة والأربعين الماضية، على نحو قد يتطلب منها إجراء تغييرات بارزة في سياستها على المستويين الداخلي والخارجي. إذ تواجه أزمة داخلية غير مسبوقة بفعل السياسات التي تبناها النظام وتسببت في تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. كما تراجع النفوذ الإقليمي لإيران – الذي استنزف النظام موارد طائلة من أجل تعزيزه - بفعل الضربات القوية التي تعرض لها المحور الموالي لها في الأعوام الأخيرة. لكن رغم ذلك كله، كان خيار خامنئي في النهاية هو عدم الاستجابة لشروط ترامب.

هنا، وجد الأخير نفسه أمام معضلة. إذ يبدو أنه تصور من البداية أن مجرد حشد قوات عسكرية كبيرة بالقرب من حدود إيران سوف يدفع القيادة في طهران إلى "الهرولة" لتوقيع اتفاق "استسلام" لشروطه يستطيع أن يروج إلى أنه "اتفاق" أفضل بكثير من ذلك الذي توصل إليه أوباما في عام 2015، وهو ما يمثل متغيراً مهماً دائماً ما يستحضره ترامب في الداخل الأمريكي.

وبعبارة أخرى، فإن ترامب حاول استخدام "القوة الناعمة" لـ"القوة الخشنة" في ممارسة ضغوط غير مسبوقة على إيران بهدف تغيير سياستها وبالتالي الإذعان لمطالبه، بما يعني أنه راهن على "التأثير المعنوي" للحشد العشكري الكبير دون أن تكون لديه – في الغالب - نية بالفعل لاستخدامه.

ولذا، وعندما رفضت إيران الاستجابة لشروطه على نحو لم يتوقعه، بدا واضحاً أن حساباته ارتبكت. وقد عبّر المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف – الذي يقود حالياً التفاوض مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي - عن ذلك بشكل وضح، عندما قال أن الرئيس ترامب استغرب من عدم رضوخ إيران. وأضاف: "لماذا، في ظل هذه الضغوط، ومع وجود كل هذه القوة البحرية الهائلة هناك.. لماذا لم يأتوا إلينا قائلين "نعلن أننا لا نريد سلاحاً، لذا إليكم ما نحن مستعدون لفعله؟"، معترفاً بأنه "من الصعب نوعاً ما أن ندفعهم إلى تلك المرحلة".

في هذه اللحظة، بدأ ترامب التفكير في الخيار الذي لم يكن مستعداً له من البداية، وهو شن حرب ضد إيران. وعندما وصل إلى هذه المرحلة، كان واضحاً أن المسألة قد لا تكون سهلة، لاعتبارات ثلاثة رئيسية:

أولها، عدم وضوح المدى الذي يمكن أن تصل إليه هذه الحرب، فهل ستكون حرباً واسعة تشمل العمل على إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، أم حرب محدودة –على غرار حرب الإثنى عشر يوماً– تستهدف تدمير البرنامجين النووي والصاروخي.

وثانيها، حدود وطبيعة الرد الإيراني المحتمل، فهل سيشمل استهداف القواعد الأمريكية في الخليج فحسب، أم سيمتد إلى مهاجمة إسرائيل مجدداً، والعمل على تهديد الملاحة في الخليج، وربما استهداف المصالح الأمريكية في أنحاء مختلفة من العالم بفعل فتوى "الجهاد ضد الاستكبار"، والإيعاز للمحور الموالي بالانخراط في الحرب.

وثالثها، مدى تقبل الداخل الأمريكي نفسه للانخراط في حرب قد تكون واسعة النطاق في الشرق الأوسط، وربما تكون مُكلِّفة، في وقت تسعى الولايات المتحدة إلى الانسحاب تدريجياً من الانخراط بشكل مباشر وكثيف في أزماته وملفاته المختلفة.

لذا، كان القبول بإجراء مفاوضات مع إيران حول البرنامج النووي حصراً هو الحل الوسط الذي يمكن من خلاله تحقيق أهداف ثلاثة أيضاً: الأول، إبرام صفقة يمكن من خلالها تجنب استخدام الخيار العسكري على الأقل مؤقتاً. والثاني، كسب مزيد من الوقت لحشد أكبر قوة عسكرية استعداداً لاحتمال استخدامها بالفعل. والثالث، "إبراء الذمة"، عبر الترويج في الداخل الأمريكي ولدى الحلفاء إلى أن استخدام القوة ضد إيران كان اضطرارياً بعد أن رفضت كل الدعوات الخاصة بنزع فتيل الأزمة الحالية. وقد بدا اهتمام ترامب بـ"متغير" الداخل الأمريكي واضحاً عندما أشار إلى أن إيران تعمل على تطوير صواريخ عابرة للقارات يمكن أن تصل إلى الأراضي الأمريكية.

خيارات صعبة

المشكلة أن الوصول إلى صفقة مع إيران ما زال يواجه عقبات عديدة. صحيح أن جولات التفاوض ما زالت مستمرة، بل إن الجولة التي عقدت في جنيف في 26 فبراير الجاري شهدت تطورات مهمة تمثل مؤشراً على حدوث تقدم، مثل مشاركة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رفاييل جروسي بصفة مراقب فيها، فضلاً عن الاستعداد لعقد اجتماعات فنية في مقر الوكالة. لكن الصحيح أيضاً أن فجوة المواقف والمطالب ما زالت واسعة.

ولا يمكن تجاهل الضغوط القوية التي تمارسها إسرائيل، وخاصة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يرى أن إبرام صفقة بين طهران وواشنطن حول البرنامج النووي حصراً سوف تمثل ضربة قوية له، خاصة أنه يستعد حالياً لانتخابات الكنيست، حيث يسعى قبل الانخراط في المعركة الانتخابية إلى الحصول على ورقة إقليمية قوية ومهمة تعزز موقعه السياسي في مواجهة خصومه، سواء في إيران أو لبنان أو غزة.

وربما يمثل التصعيد العسكري الإسرائيلي في لبنان مؤشراً حول استعداد تل أبيب لسيناريوهين: الأول، احتمال فشل المفاوضات واندلاع الحرب، حيث تعمل في هذا السياق على "تحييد" الجبهة الإقليمية التي يمكن أن تشارك فيها. والثاني، احتمال نجاح المفاوضات وإبرام صفقة، حيث قد تعمد إلى شن حرب جديدة ضد حزب الله تكون هي الورقة التي يسعى نتنياهو إلى الحصول عليها قبل الانتخابات.

المهم في ذلك كله، هو أن ترامب بدا لأول مرة أنه أدرك "حدود" القوة. إذ أن ميل توازن القوى مع خصمك لصالحك لا يعني أن خياراتك مفتوحة في إدارة التصعيد معه. وهنا تتبدى المعضلة مرة أخرى أمام ترامب:

فإما أن يقبل بالوصول إلى صفقة مع إيران حصراً حول البرنامج النووي، وهو ما لا يستوعب مطالبه كلها، الخاصة بتخفيض مدى الصواريخ الباليستية ووقف دعم المحور الموالي لها، وهى صفقة قد تبقى مهددة بسبب حسابات إسرائيل المختلفة.

وإما أن يصدر الأمر بشن حرب واسعة النطاق على إيران، بكل ما يمكن أن يفرضه ذلك من كُلفة كبيرة على الولايات المتحدة وربما على الحلفاء، خاصة في حالة ما إذا تحولت إلى حرب ممتدة.

وإما أن يقبل بشن حرب محدودة سوف يروج خامنئي إلى أنها انتصار له، على غرار ما حدث في حرب يونيو الماضي.

وإما أن يتراجع عن استخدام القوة ويفضل تأجيله لإشعار آخر، حتى في حالة فشل المفاوضات، بكل ما يمكن أن ينتجه ذلك من عواقب على مكانة وموقع الولايات المتحدة باعتبارها القوة الرئيسية الأولى في العالم.