د. أحمد قنديل

رئيس وحدة العلاقات الدولية ورئيس برنامج دراسات الطاقة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيحية

 

في السياسة الدولية، لا تتحرك الصواريخ في الفراغ، ولا تُعلن الصفقات في التوقيت الخطأ. ومن هنا، لا يمكن فصل الخبر الذي نقلته وكالة رويترز للأنباء، عن ستة مصادر مطلعة، حول اقتراب طهران من إبرام صفقة لشراء صواريخ كروز صينية مضادة للسفن من طراز "سي إم 302" عن سياق أوسع يتمثل في وجود إدارة أمريكية تبدو واثقة من قدرتها على توجيه ضربة جديدة لإيران من دون الوقوع في مستنقع، وقيادة إيرانية تشعر أن لحظة الحسم تقترب وأن عليها أن تعيد ترسيم قواعد الردع قبل أن تُفرض عليها من الخارج.

المسألة، في جوهرها، لا تتعلق بصاروخ مداه 290 كيلومتراً، ولا بسرعته التي توصف بأنها تفوق سرعة الصوت، وإنما بالسؤال الأكبر، وهو: من يملك زمام المبادرة بشن الحرب في مياه الخليج؟، ومن يضع قواعد الاشتباك في لحظة تختلط فيها أوراق التفاوض حول النووي بالعقوبات بالحشود العسكرية؟

الصاروخ الذي تسوقه شركة الصين لعلوم وصناعة الفضاء ليس سلاحاً عادياً وإنما سلاحاً متطوراً من شأنه إعادة الحسابات الاستراتيجية في منطقة الخليج العربي. فهو سلاح حديث جداً، صُمم ليقترب من سطح البحر، ليُخفِّض زمن الإنذار، وليجعل من اعتراضه عملية معقدة. صحيح أن التوصيف الأدق يضعه في فئة "الصواريخ الأسرع من الصوت" (supersonic) لا في فئة "المركبات الانزلاقية الفرط صوتية"(hypersonic glide vehicles)، لكن ذلك لا ينتقص من دلالته السياسية. فمجرد امتلاك طهران قدرة صاروخية متقدمة قادرة على تهديد حاملات الطائرات الأمريكية العملاقة يعني أن معادلة "حرية الحركة" الأمريكية في الخليج العربي لم تعد مطلقة كما كانت.

الجدوى العملياتية للصواريخ الصينية سوف تبقى عاملاً حاسماً في تحديد حسابات الحرب خلال الأيام المقبلة لدى واشنطن وطهران. فامتلاك الصاروخ الصيني لا يعني بالضرورة قدرة إيرانية فورية على استخدامه بفعالية. فإدماج منظومة متقدمة كهذه يتطلب بنية قيادة وسيطرة متطورة، وتدريباً تقنياً، ومرونة في مواجهة حرب إلكترونية كثيفة. كما أن البحرية الأمريكية، المزودة بأنظمة دفاع متعددة الطبقات، قادرة على التكيف مع تهديدات جديدة. ومع ذلك، فإن مجرد إدخال هذا النوع من الصواريخ الصينية إلى الترسانة العسكرية الإيرانية يرفع كلفة أي عملية بحرية هجومية أمريكية ضد إيران، ويقيد هامش المناورة العملياتية.

توقيت الإعلان عن الصفقة

خبر صفقة الصواريخ الصينية إلى إيران جاء في توقيت لا يمكن تجاهله. ففي واشنطن، ثمة قناعة راسخة لدى الرئيس دونالد ترمب بأنه قادر على تكرار نمط بات مألوفاً في سلوكه: عمل عسكري حاسم، ثم انسحاب سلس، من دون كلفة استراتيجية باهظة في منطقة الشرق الأوسط المضطربة. تجربة نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس عام 2018، والانخراط في ضربات ضد البرنامج النووي الإيراني في يونيو 2025، وحتى رهاناته في فنزويلا مطلع عام 2026، عززت لديه هذا الإحساس بأن التحذيرات من أجهزة الاستخبارات ووزارة الدفاع مبالغ فيها، وأن "الضربة المحدودة" يمكن احتواؤها.

وفي المياه القريبة من إيران ترابط، وقت كتابة هذه السطور، حاملتا الطائرات USS Abraham Lincoln وUSS Gerald R. Ford، بما تحملانه من طائرات ورجال وقوة نارية. وفي هذا السياق، يرفع الرئيس الأمريكي سقف التهديد، مانحاً طهران مهلة زمنية محدودة للتوصل إلى اتفاق نووي، مشيراً إلى أن البديل قد يكون عملاً عسكرياً واسعاً.

وهنا يصبح التسريب الإعلامي لصفقة الصواريخ الصينية لإيران، قبل أن تصبح الصفقة واقعاً فعلياً، جزءاً من المشهد الاستراتيجي في منطقة الخليج العربي. فإيران، التي استنزفت جزءاً من قدراتها الصاروخية خلال مواجهة العام الماضي مع واشنطن وتل أبيب، تسعى إلى إعادة بناء ترسانتها بوسائل أكثر تطوراً. ويشير باحثون في معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى أن امتلاك "سي إم 302" سيمنح طهران قدرة ردع بحرية متقدمة، خاصة في مضيق هرمز، حيث تمر نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية. كما أن تقارير عن محادثات لشراء أنظمة دفاع جوي محمولة وأسلحة مضادة للصواريخ الباليستية، وحتى قدرات مضادة للأقمار الاصطناعية، تعكس توجهاً إيرانياً لبناء مظلة ردع متعددة الطبقات.

من جهة ثانية، تشعر طهران، التي خرجت من جولات التصعيد السابقة وهي أضعف عسكرياً، اليوم أن تعزيز قدراتها الصاروخية، عبر صفقة صواريخ متطورة محتملة مع الصين، جزء من محاولة استعادة توازن مفقود، خاصة بعدما أصبح برنامجها الصاروخي الباليستي، وهو حجر الزاوية في عقيدتها الدفاعية، هدفاً مباشراً لإسرائيل، التي حصلت، وفق تقارير متعددة، على ضوء أخضر أمريكي لضرب هذا البرنامج متى شاءت.

وفي هذا الإطار، يمكن قراءة خبر الصواريخ الصينية بطريقتين: إما أنه يعكس صفقة بلغت مراحل متقدمة فعلاً، في ظل شراكة استراتيجية متنامية بين بكين وطهران؛ أو أنه تسريب سياسي مقصود، هدفه رفع كلفة أي ضربة أمريكية محتملة، وإرسال إشارة بأن إيران لن تبقى مكشوفة بحرياً. وفي الحالتين، قد يكون في الأمر رسالة مضادة، من جانب الإيرانيين والصينيين، لرسائل الحشود البحرية الأمريكية، مفادها أنه إذا كانت حاملات الطائرات "أداة ضغط"، فإن الصواريخ المتطورة "أداة ردع".

وهنا تتقاطع الحسابات الصينية. إذ تدرك بكين، التي تربطها بطهران شراكات طاقة واستثمارات استراتيجية، أن انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية مفتوحة سيهدد مصالحها. لكنها في الوقت ذاته ترى في إيران ورقة في لعبة التوازن مع واشنطن. ومن ثم، قد تكون الصفقة الصينية-الإيرانية، إن تمت، جزءاً من سياسة دعم صيني محسوب، لا يصل إلى حد المواجهة المباشرة مع واشنطن، لكنه يكفي لتعديل ميزان الردع، وبالتالي منع الحرب، من وجهة النظر الصينية.

أسئلة قانونية واقتصادية وعسكرية

صفقة الصواريخ الصينية إلى إيران تثير العديد من علامات الاستفهام من الناحيتين القانونية والاقتصادية. فحظر السلاح المفروض على إيران منذ 2006، والذي عُلّق عام 2015 في إطار الاتفاق النووي، أُعيد تفعيله مؤخراً. غير أن الجدل القانوني حول آلية "سناب باك" وإعادة فرض العقوبات على طهران يخلق "منطقة رمادية". فهل ترى بكين، في الوقت الراهن، أن القيود على تصدير السلاح إلى طهران ملزمة بالكامل؟، أم تعتبرها محل خلاف قانوني بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق؟، وهذا الغموض قد يمنح الصين، التي تنفي عادة أي خرق لالتزاماتها الدولية وقرارات مجلس الأمن الدولي، هامش مناورة، لكنه لا يلغي مخاطر العقوبات الثانوية أو التصعيد السياسي مع الولايات المتحدة في الفترة القادمة.

ومن ناحية أخرى، لا يقل السؤال الاقتصادي المرتبط بهذه الصفقة الصاروخية أهمية. فإيران ليست في وضع مالي مريح، والعقوبات الدولية المفروضة عليها تخنق قنوات التمويل التقليدية. إذاً، كيف سوف تُمول طهران صفقة كهذه؟. الأرجح أنها لن تكون صفقة نقدية صافية، بل جزءاً من ترتيبات أوسع بين طهران وبكين، ربما ضمن اتفاقات استراتيجية طويلة الأمد، أو عبر مقايضات في الطاقة والتكنولوجيا. وفي هذا السياق، يصبح السلاح الصيني لإيران حلقة في سلسلة مصالح متشابكة، لا عملية منفصلة، من شأنها تعديل معادلات القوة في منطقة الخليج العربي.

أما من الناحية العسكرية العملياتية، فإن إدخال منظومة متقدمة إلى ترسانة ما لا يعني تحولاً فورياً في ميزان القوى العسكرية. فالسلاح الصيني، ضمن منظومات التسليح الإيرانية، يحتاج إلى بنية قيادة وسيطرة، وإلى تدريب، وإلى تكامل مع أنظمة استطلاع واستهداف. وغياب مثل هذه الأمور قد يضعف كثيراً في المدى المنظور من فاعلية هذا السلاح.

تداعيات إقليمية ودولية مهمة

إقليمياً، لا يمكن تصور أن تمر صفقة الصواريخ الصينية إلى طهران، إن أنجزت، من دون صدى. فدول الخليج العربي التي اعتادت الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية ستعيد النظر في حساباتها الدفاعية. وإسرائيل، التي تنظر بعين حساسة إلى أي نقل نوعي للسلاح إلى إيران، ستقرأ الخبر في سياق عقيدتها القائمة على ضرورة منع أعدائها وخصومها من امتلاك أدوات تغير قواعد اللعبة. وهكذا، سوف تتحول الصفقة الصاروخية الثنائية بين طهران وبكين، إذا تحققت على أرض الواقع، إلى عنصر جديد مؤثر في معادلة إقليمية أوسع.

ويبقى البعد الدولي الأعمق. فبالنسبة للصين، المسألة تتجاوز صفقة سلاح. فإيران تمثل شريكاً مهماً في أمن الطاقة ومبادرة "الحزام والطريق"، كما تشكل أيضاً ورقة ضغط في التنافس مع الولايات المتحدة. غير أن بكين حريصة في الوقت ذاته على عدم الانزلاق إلى مواجهة مباشرة في منطقة الخليج العربي، حيث لا تزال الهيمنة العسكرية الأمريكية واضحة. لذلك قد تلجأ بكين إلى إدارة محسوبة للصفقة، عبر تأجيلات أو ترتيبات مرحلية، بما يحقق التوازن بين دعم شريك استراتيجي في طهران وتجنب تصعيد شامل مع واشنطن.

أما روسيا، الشريك العسكري لإيران في السنوات الأخيرة، فقد تنظر إلى صفقة الصواريخ الصينية إلى طهران من زاويتين. فمن جهة، الصفقة تعزز محوراً مناهضاً للغرب؛ ومن جهة أخرى، الصفقة توسع الحضور الصيني في سوق السلاح الإيراني. ومع ذلك، فإن التنسيق السياسي بين موسكو وبكين وطهران في ملفات عدة يوحي بأن الاعتبار الاستراتيجي العام قد يطغى على حسابات المنافسة التجارية بين موسكو وبكين.

وفيما يتعلق بأثر الصفقة، إن تحققت، على المفاوضات النووية. يمكن توقع اتجاهين بارزين: الأول هو أن تستخدم طهران ورقة الصاروخ الصيني "سي إم 302" لرفع سقف التفاوض، في إطار استراتيجية تحسين شروط التفاهم المحتمل مع الولايات المتحدة. والثاني هو أن تندفع واشنطن إلى تشديد موقفها أو تسريع جهودها لفرض تسوية قبل أن تتغير معادلات الردع.

وفي النهاية، يمكن القول إننا، على الأرجح، أمام صفقة حقيقية لصواريخ صينية متطورة إلى إيران. فهناك، على ما يبدو مفاوضات حقيقية بهذا الشأن منذ حرب "الإثنى عشرة يوماً" في يونيو الماضي. لكن تسريب خبر هذه الصفقة، في هذا التوقيت، ليس بريئاً من الحسابات الاستراتيجية لدى الجانبين الإيراني والصيني. فهذا التسريب جزء من معركة الإرادات الجارية، حيث تُستخدم الأخبار كما تُستخدم الأساطيل.

وفي تقديري، الأهم من السؤال عن حدوث هذه الصفقة هو إدراك أنها تعكس تحوّلاً عميقاً، يتمثل في انتقال التنافس الأمريكي–الصيني إلى قلب التوازنات الأمنية في منطقة الخليج العربي، وتحول إيران إلى ساحة تقاطع بين مشاريع القوى الكبرى.

وفي هذا السياق، يعلمنا التاريخ أن التوازن في هذه المنطقة الحيوية من العالم لم يكن يوماً مسألة سلاح فقط، بل مسألة إرادات متقابلة. وإذا كانت الصواريخ الصينية تقترب من إيران، فإن ما يقترب في الحقيقة هو مرحلة أكثر تعقيداً من الصراع، تختلط فيها حدود "الردع" بحدود "المغامرة". وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الخطر في امتلاك السلاح، بل في سوء تقدير اللحظة التي قد يُستخدم فيها .فهل تدرك بكين وطهران أن كل خطوة في هذه اللعبة تقترب بهما من نقطة يصعب عندها التحكم في مسار الأحداث؟، ففي منطقة اعتادت العيش على حافة الهاوية، قد يكون أخطر ما في الصواريخ الصينية ليس سرعتها، بل سرعة الانزلاق إلى مواجهة أوسع مما خطط له الجميع.