في مقابلة تلفزيونية أثارت ردود فعل واسعة في المنطقة، أدلى السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي بتصريح لافت حين سُئِل عن تصورات دينية شائعة لدى بعض المحافظين في الولايات المتحدة حول "الحدود التاريخية/الدينية" التي يعتبرونها "حقًا" لإسرائيل، حيث قال إنه "لا يرى مانعًا إذا سيطرت إسرائيل على المناطق من النيل الي الفرات"، قبل أن يضيف لاحقًا أن إسرائيل ليست بالضرورة بصدد السعى إلى ذلك. اللافت هنا ليس مضمون العبارة وحده، بل صدورها عن ممثل رسمي للولايات المتحدة في أحد أكثر ملفات الشرق الأوسط حساسية.
وهاكابي ليس دبلوماسيًا بالمعنى التقليدي للكلمة. فهو قسّ إنجيلي سابق، وشخصية سياسية وإعلامية بارزة داخل التيار الجمهوري المحافظ، وصل إلى موقع رسمي يتيح له نقل أفكار ظلّت سنوات طويلة متداولة في أوساط دينية وإعلامية محافظة إلى خطاب الدولة. لذلك لا يُقرأ التصريح-حتى مع محاولات التخفيف اللاحقة-بوصفه "زلة فردية"، بل مؤشرًا على انتقال تصورات دينية عن إسرائيل من المجال المحافظ داخل المجتمع الأمريكي إلى مستوى التعبير الرسمي في السياسة والدبلوماسية.
وتكشف هذه "اللحظة" أن إسرائيل، داخل أجزاء من اليمين الأمريكي، ليست مجرد ملف في السياسة الخارجية، بل تحوّلت لدى قطاعات إنجيلية محافظة إلى قضية هوية تختلط فيها المعتقدات الدينية بالانتماء السياسي وبسرديات الأمن والصراع الحضاري. ومن المهم هنا تصحيح تصور شائع في الخطاب العربي حول مصادر الدعم الأمريكي لإسرائيل؛ إذ غالبًا ما يُختزل هذا الدعم في "اللوبي اليهودي" وحده، وكأنه المصدر الحاسم أو الوحيد. غير أن مسار العقود الأخيرة يُظهر أن أحد أعمدة الدعم الأكثر ثباتًا-وفي أحيان كثيرة الأكثر تعبئة-يقع داخل القاعدة الإنجيلية المحافظة في الحزب الجمهوري، أي داخل ما يُعرف بالصهيونية المسيحية وشبكاتها التنظيمية والإعلامية. وبعبارة أخرى، لا يقتصر الأمر على نفوذ جماعات ضغط يهودية، بل على تحالف سياسي-اجتماعي واسع يضم تيارًا دينيًا قادرًا على تحويل الموقف من إسرائيل إلى معيار هوية وانتخابات داخل اليمين الأمريكي.
يهدف هذا المقال إلى إضاءة هذا البعد انطلاقًا من "لحظة هاكابي" بوصفها مؤشرًا مكثفًا لمدى صعود هذا التيار وقدرته على نقل لغته من المجال المحافظ إلى المجال الرسمي. ومن هنا، تنطلق أسئلة المقال: كيف أصبحت "الصهيونية المسيحية" منذ سبعينيات القرن الماضي قوة مؤثرة قادرة على التعبئة والتمويل والضغط؟، من هم الفاعلون (أفرادًا ومؤسسات ومانحين) الذين رسخوا هذا الاتجاه داخل الحزب الجمهوري؟، وكيف تغيّر المشهد بعد غزة مع ارتفاع كلفة خطاب "الشرعية المطلقة" في الفضاء الأخلاقي والدبلوماسي؟
الإطار اللاهوتي: كيف تُبنى "الصهيونية المسيحية" دينيًا؟
يُستخدم تعبير "الصهيونية المسيحية" لوصف تيار داخل قطاعات من المسيحية الإنجيلية المحافظة في الولايات المتحدة يرى أن دعم إسرائيل موقف أخلاقي وديني قبل أن يكون خيارًا في السياسة الخارجية. وفي هذا التصور، لا تُعامل إسرائيل بوصفها دولة "عادية" في النظام الدولي، بل كقضية ذات معنى خاص داخل سردية دينية عن التاريخ والهوية، بما يجعل دعمها أكثر ثباتًا وأقل قابلية للمراجعة مقارنة بتيارات يمينية أخرى تنطلق من اعتبارات استراتيجية أو براجماتية.
يقوم التيار المعروف بالصهيونية المسيحية داخل قطاعات من الإنجيليين المحافظين على فهم ديني للتاريخ يرى أن الله يقود مسار العالم نحو "نهاية" أو اكتمال معيّن، وأن ما يجري في فلسطين/إسرائيل لا يُقرأ فقط كصراع سياسي، بل كجزء من قصة دينية أكبر. الفكرة هنا ليست تعاطفًا عامًا مع اليهود، بل تصور يعتبر أن قيام دولة إسرائيل وواقعها السياسي يحملان معنى دينيًا مباشرًا، وأن دعمها ينسجم مع هذا المعنى.
أحد مفاتيح هذا التصور هو الاعتقاد بأن الوعود الواردة في الكتاب المقدس لبني إسرائيل لم تنته بانتهاء الزمن القديم، بل ما زالت-في نظر هذا التيار-قائمة ولها أثر في الحاضر. لذلك يُنظر إلى إسرائيل كامتداد لكيان ديني-تاريخي، لا كدولة حديثة فحسب. ومن هنا تبرز فكرة ثانية: الفصل بين ما يراه هذا التيار "مسار إسرائيل" و"مسار الكنيسة" في خطة الخلاص. فبدل اعتبار الكنيسة قد "حلّت محل" إسرائيل دينيًا، يجري القول إن لكل منهما دورًا مستقلًا، وإن لإسرائيل مكانة خاصة في أحداث "نهاية الزمان".
وتتفرع عن ذلك فكرة "العودة/الاستعادة": رجوع اليهود إلى فلسطين، ثم قيام دولة إسرائيل، حيث يُقرأ كخطوة تمهّد لمراحل لاحقة في السردية الأخروية. وفي هذا السياق، تنتشر قراءة لعبارة سفر التكوين (12:3) "من يباركك أباركه" على نحو يجعل "مباركة إسرائيل" شرطًا لنيل البركة الإلهية للأفراد أو للأمم. لذلك يصبح دعم إسرائيل لدى كثيرين سلوكًا دينيًا له معنى روحي، بينما قد يُنظر إلى نقدها أو الضغط عليها بوصفه مخاطرة أخلاقية. بهذه العناصر يتحوّل دعم إسرائيل إلى موقف سابق على النقاش السياسي، ويصبح التفاوض حول الأرض والحدود أقل قابلية للقبول داخل هذه الرؤية.
من يدفع هذه الأجندة وكيف؟
غير أن الإطار اللاهوتي، وحده، لا يصنع نفوذًا سياسيًا مستدامًا. فما جعل الصهيونية المسيحية منذ السبعينيات قوة فاعلة هو تلاقي أربعة عناصر: خطاب ديني وإعلامي يحدد معنى الصراع، ومنظمات تحول القناعة إلى فعل منظم، وتمويل يضمن الاستمرارية، ثم شبكات تواصل منح هذا التيار مكانة في المجالين السياسي والدبلوماسي.
فعلى مستوى الخطاب، لعبت القيادات الدينية والإعلامية المحافظة دورًا محوريًا في ترسيخ سردية أخلاقية مبسطة: دعم إسرائيل يُقدَّم بوصفه موقفًا صحيحًا وواضحًا، بينما تُصوَّر الدعوة إلى توازن أكبر أو مساءلة السياسات الإسرائيلية باعتبارها ترددًا أو ضعفًا. ومع التكرار تتكوّن "لغة مشتركة" تضيق معها مساحة التعدد، وتُهمَّش غالبًا الأصوات الإنجيلية الأكثر تعاطفًا مع الفلسطينيين أو الأكثر نقدًا للنهج الإسرائيلي.
وعلى مستوى التنظيم، برزت منظمات نقلت القناعة من المجال الوعظي إلى التعبئة السياسية. المثال الأوضح هو منظمة مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل (CUFI)التي تقوم بدور تنسيقي واسع عبر مؤتمرات جماهيرية، ورسائل تعبئة سريعة، وفعاليات ضغط في واشنطن تربط الكنائس مباشرة بالكونجرس. وإلى جانبها تعمل كيانات بأدوار مكملة: السفارة المسيحية الدولية في القدس (ICEJ)تعزز البعد الرمزي والهوياتي عبر فعاليات وزيارات تُقدَّم بوصفها "زيارة للأماكن المقدسة" ضمن إطار تفسيري جاهز؛ بينما توفر الزمالة الدولية للمسيحيين واليهود (IFCJ)قناة تُوسّع المشاركة عبر التبرعات والمساعدات، فيشارك مؤيدون قد لا يرون أنفسهم ناشطين سياسيًا بقدر ما يرون أنفسهم يساندون "قضية دينية/أخلاقية". كما تُظهر CUFI نمطًا شبه دوري من العمل عبر ما تسميه "أيامًا للضغط" في واشنطن: تجمع آلاف المشاركين، وتزوّدهم برسائل موحّدة، ثم ترتب لقاءات مباشرة مع أعضاء الكونجرس وفرقهم. والغاية هنا ليست الإقناع الفكري بقدر ما هي تثبيت الإحساس لدى السياسي بأن وراء هذا الملف جمهورًا منظمًا ومتابعًا.
أما التمويل فيأتي من مزيج بين تبرعات قاعدية متكررة تُجمع عبر الكنائس والمنصات المحافظة، وبين تبرعات كبيرة وشبكات مانحين. ويمكن رصد ذلك في نمطين: نمط جمع التبرعات الواسع الذي تمثله كيانات مثل IFCJ، ونمط التمويل المرتبط بكنائس إنجيلية تعمل كقنوات دعم مباشرة، مثل John Hagee Ministries المرتبطة بمؤسس CUFI، فضلًا عن منح كبرى من مؤسسات خيرية خاصة. ويضاف إلى ذلك تفاعل مع أطراف إسرائيلية تعاملت مع الإنجيليين المحافظين باعتبارهم جمهورًا ذا قيمة سياسية في واشنطن عبر زيارات ومنصات مشتركة ورمزية اعتراف.
ومن أجل فهم مصادر الدعم الأمريكي لإسرائيل بدقة، من المهم عدم وضع "اللوبي اليهودي" و"الصهيونية المسيحية" في سلة واحدة. فالأول يشير إلى شبكات مؤسسية ومنظمات ضغط وتمويل تعمل منذ عقود داخل واشنطن، وتستند إلى علاقات ممتدة مع النخب الحزبية ومراكز صنع القرار. أما الثانية فهي قاعدة تعبئة دينية-سياسية واسعة داخل المجتمع المحافظ تعمل عبر الكنائس والإعلام الديني والمنظمات الجماهيرية، وتملك قدرة على تحويل الموقف من إسرائيل إلى بند انتخابي حاسم، خصوصًا في الانتخابات التمهيدية لاختيار مرشحي الحزب الجمهوري. ورغم اختلاف المنطلقات، تتقاطع الجهتان في أهداف سياسية محددة: تثبيت الدعم العسكري والدبلوماسي، وتوفير غطاء سياسي واسع لإسرائيل، ومقاومة أي محاولات لربط الدعم الأمريكي بمعايير حقوقية أو قانونية. وفي كثير من الأحيان، قامت العلاقة بينهما على "تقسيم عمل" غير معلن: جماعات الضغط اليهودية تتقن العمل داخل المؤسسات وإقامة التحالفات النخبوية، بينما تضيف الصهيونية المسيحية رصيدًا جماهيريًا يرفع كلفة الاعتراض داخل اليمين، ويحوّل إسرائيل إلى قضية هوية لا مجرد ملف خارجي.
كيف انعكست هذه المنظومة على السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل والشرق الأوسط؟
ينعكس التيار المسيحي الصهيوني على السياسة الأمريكية عبر ثلاث ساحات رئيسية: التنافس داخل الحزب الجمهوري، ثم ديناميات الكونجرس، ثم قرارات السلطة التنفيذية وتعييناتها ولغتها الرسمية.
في المنافسة داخل الحزب الجمهوري، يصبح "إظهار الالتزام بإسرائيل" جزءًا من اختبار الولاء أمام القاعدة المحافظة: حضور مؤتمرات المنظمات المؤيدة لإسرائيل، إطلاق تعهدات صريحة حول القدس والاستيطان، وتجنب أي لغة قد تُقرأ كتوازن بين الطرفين. هذه الإشارات تُترجم إلى مكاسب داخل القاعدة الملتزمة دينيًا وتوفر حماية من التشكيك في الانتماء داخل اليمين. ويزداد وزن هذا المعيار في الولايات التي يهيمن فيها الناخبون المحافظون على الانتخابات التمهيدية داخل الحزب الجمهوري، حيث يكفي في أحيانٍ كثيرة أن يلمّح خصم داخل الحزب إلى "لين" المرشح في ملف إسرائيل كي يضعه في موقع دفاعي أمام القاعدة.
وفي الكونجرس، تظهر آثار الضغط المنظم في صور متعددة: مشروعات قرارات تؤكد "الدعم غير المشروط" لإسرائيل، وتمرير حزم مساعدات عسكرية وأمنية، وتبني مواقف تشريعية تمنح إسرائيل غطاءً سياسيًا واسعًا في لحظات الأزمات. كما ينعكس ذلك في الدفع نحو تبني تعريفات وخطابات رسمية تُضيّق مساحة النقد، سواء عبر ربط بعض أشكال الاعتراض بتهم معاداة السامية، أو من خلال سياسات تُقيّد حركة مؤسسات أكاديمية ومدنية حين تدخل في سجالات حول الصراع. وفي هذا السياق، تأتي أيضًا إجراءات تمس أنشطة المقاطعة وغيرها من أدوات الضغط المدني، لكن المحصلة الأهم هي بيئة تشريعية يميل فيها كثير من النواب إلى الانحياز بوصفه "الخيار الآمن" انتخابيًا وإعلاميًا، بينما يصبح ربط الدعم الأمريكي باعتبارات قانونية أو حقوقية أكثر كلفة داخل اليمين.
أما في السلطة التنفيذية، فينعكس التأثير عبر قرارات ذات معنى رمزي وأخرى ذات أثر عملي: نقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل (2018)، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان (2019)، وإعلان إدارة ترامب أن المستوطنات "لا تتعارض بالضرورة" مع القانون الدولي. كما تلعب التعيينات دورًا مهمًا؛ إذ يحمل اختيار شخصيات قريبة من اليمين المؤيد لإسرائيل-ومنها تعيين هاكابي-رسائل سياسية للقاعدة ويؤثر في اللغة الرسمية وفي هوامش السياسة الممكنة.
وهكذا يُعاد إنتاج نمطٍ ثابت في السياسة الأمريكية: خطاب أقل قابلية للتفاوض، وغطاء سياسي أوسع لإسرائيل داخل المؤسسات، وكلفة داخلية أعلى على أي مسعى لإعادة ضبط الدعم أو اشتراطه. ومع الوقت تتحول إسرائيل من ملف خارجي إلى قضية داخلية مرتبطة بالهوية والتحالفات الحزبية، بما يجعل تغيير السياسة أبطأ وأصعب من الإبقاء عليها.
بعد غزة: هل تتغير الصهيونية المسيحية أم تعيد إنتاج نفسها؟
بعد حرب غزة، واجهت الصهيونية المسيحية اختبارًا مهمًا، لأن سرديتها قامت طويلًا على تقديم دعم إسرائيل بوصفه موقفًا أخلاقيًا واضحًا وسهل التبرير داخل الجمهور المحافظ. غير أن اتساع الدمار وتفاقم الكارثة الإنسانية-ومعهما التدفق اليومي للصور والشهادات عبر الفضاء الرقمي-قلّصا المسافة التي كانت تتيح لكثيرين النظر إلى الحرب بوصفها "خبرًا بعيدًا"، ورفعا كلفة الخطاب الذي يبرر الدعم بلا قيود أمام جمهور أمريكي أوسع.
ومع ذلك، لا يُرجَّح أن يفضي هذا التحول إلى تفكك سريع داخل القاعدة الأكثر التزامًا بالصهيونية المسيحية. ففي الدوائر الإنجيلية التي تتبنى الإطار اللاهوتي المشار إليه، تُستوعَب الصدمة غالبًا عبر إعادة تأطير ما جرى ضمن ثلاثة مسارات متداخلة: مسار أمني يرى الحرب دفاعًا عن النفس، ومسار حضاري يضعها في سياق مواجهة أوسع مع تهديدات للغرب، ومسار ديني يعتبر أن قسوة الحدث لا تغيّر المكانة الخاصة لإسرائيل في السردية التاريخية الكبرى. بهذه الآليات تستطيع القاعدة الصلبة الحفاظ على موقفها، حتى حين تزداد الأسئلة الأخلاقية، عبر منظومة تبرير مستقرة ومتكررة.
لكن التوتر الحقيقي يتبدى خارج هذه القاعدة. ففي المجتمع الأمريكي الأوسع-وخاصة بين الأجيال الأصغر-يتقدم الخطاب الحقوقي والإنساني، وتغدو فكرة "الدعم غير المشروط" أصعب دفاعًا في المجال العام. كما أن قطاعات دينية أمريكية خارج المجال الإنجيلي المحافظ، وأحيانًا داخل بعض الأوساط الإنجيلية نفسها، باتت أقل استعدادًا لتبني سردية أحادية، وأكثر حساسية للبعد الإنساني والقانوني للحرب، بما قد يفرض تعديلات في اللغة المستخدمة لتسويغ الدعم، وإن لم يمس ذلك بالضرورة جوهر القناعة لدى القاعدة الأكثر التزامًا. وتتزامن هذه الضغوط مع عامل آخر داخل اليمين المحافظ نفسه، لكنه لا يصدر دائمًا عن مرجعية دينية: فقد برزت أصوات قومية/انعزالية أقل حماسًا للالتزامات الخارجية وتعترض على منطق "الشيك على بياض" من زاوية الأولويات الداخلية وحدود الانخراط الأمريكي في الخارج.
ختامًا، يمكن القول إن الصهيونية المسيحية أسهمت خلال العقود الخمسة الماضية في ترسيخ ما يشبه "إجماعًا محافظًا" حول إسرائيل داخل السياسة الأمريكية: إجماع يمنح الدعم حصانة داخل الحزب الجمهوري ويجعل كلفة الاعتراض أعلى من كلفة الاصطفاف. غير أن غزة كشفت هشاشة هذه الحصانة خارج القاعدة التقليدية، وفتحت في الوقت نفسه نقاشًا داخل اليمين حول حدود الالتزام. ومن ثم يصبح السؤال الواقعي في المرحلة المقبلة ليس اختفاء الصهيونية المسيحية، بل كيفية استمرارها تحت ضغط متزايد: هل تتجه نحو مزيد من الانغلاق والتشدد داخل القاعدة لتعويض تراجع القدرة على مخاطبة جمهور أوسع؟، أم تفرض البيئة الجديدة تعديلات تدريجية في اللغة وربما في بعض المواقف لتقليل الكلفة الأخلاقية والسياسية؟. وفي كلتا الحالتين، فإن أثر هذه التحولات سيظل مباشرًا على المنطقة، لأنه يحدد سقف السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية، وحدود الممكن في أي مقاربة أمريكية لاحقة.