د. محمد عز العرب

رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

تمثل دبلوماسية الصحة أو الأوبئة إحدى الركائز الرئيسية لسياسة مصر الخارجية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، عبر التنسيق بين وزارتى الخارجية والصحة والسكان، لدمج البعد الفني الصحي في صياغة المواقف السياسية، على نحو ما عكسته حالات مختلفة سواء مع شعوب منكوبة أو دول أفريقية وعربية شقيقة أو تجاه قوى إقليمية أو إزاء أطراف دولية، من خلال توجيه المساعدات الصحية خلال الأزمات الصحية العالمية، وإرسال القوافل الطبية بشكل دوري ومنتظم إلى الدول الموبوءة، وبناء المستشفيات الميدانية في بؤر الصراعات، وتأمين جرعات من اللقاحات وتوفير أدوية وأجهزة تنفس صناعية وبدلات واقية للأطقم الطبية وإرسال لجان علمية ونقل خبرات طبية ومكافحة أمراض معدية بما يحقق أهدافاً عديدة تمس المصلحة الوطنية أو تدعم التوجهات القومية العروبية أو تعبر عن الصورة الذهنية للدولة المحورية أو تعزيز التعاون بشأن الأولويات الصحية الإقليمية والعالمية، ومنها الحصول المُنصِف على المنتجات الطبية، وقدرة النظُم الصحية على الصمود، وتعزيز أنماط الحياة الصحية. 

وتحظى الدبلوماسية الصحية بأهمية خاصة في بلدان إقليم منظمة الصحة العالمية في الشرق الأوسط وشرق المتوسط نظراً لأن العديد من القضايا الإنمائية التي تواجهها البلدان تتعلق بالصحة مباشرة، وتتطلب حلولاً لمشاكل العمل والتعاون عبر الحدود، كما في متلازمة الشرق الأوسط التنفسية، والإغاثة الإنسانية الصحية، والأمراض غير السارية، والمقاومة لمضادات الميكروبات. وفي هذا السياق، أطلق المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية مبادرة الدبلوماسية الصحية في مجال الإدارة الصحية في عام 2012 لبناء القدرات في مجال الدبلوماسية الصحية بين الدول الأعضاء، مع التركيز على المسائل المتعلقة بالأولويات الرئيسية وأهمها للإقليم، وزيادة الوعي بالقيمة الناتجة عن دمج مفاهيم الدبلوماسية الصحية في السياسة الخارجية.

أبعاد حاكمة

هناك مجموعة من الأبعاد التي تكشف تصاعد نمط دبلوماسية الصحة في السياسة الخارجية المصرية، خلال العقد الأخير، على النحو التالي:

1- تعزيز قوة العلاقات المصرية مع الدول المستهدفة: يتم استخدام "الدبلوماسية الصحية" كمدخل لبناء الثقة والتقارب مع دول أخرى، إذ تعمل مصر على تبني أنماط مختلفة من السياسة الخارجية مثل دبلوماسية التنمية ودبلوماسية البناء ودبلوماسية المتاحف ودبلوماسية الرياضة لتعزيز التعاون مع العديد من الدول العربية والأفريقية. وفي هذا الإطار، التقى د. بدر عبد العاطي وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، بالسيدة أما أمواه، مفوضة الصحة والشئون الإنسانية والتنمية الاجتماعية بالاتحاد الأفريقي، وذلك على هامش اجتماعات قمة الاتحاد الأفريقي في 12 فبراير 2026، حيث تناول اللقاء سبل تعزيز التعاون المشترك لدعم أجندة الأمن الصحي على مستوى القارة.

وهنا، تجدر الإشارة إلى الجهود التي تبذلها المفوضة في دعم منظومة الأمن الصحي الأفريقي، ورفع كفاءة نظم الرعاية الصحية الأوّلية، وتعزيز قدرة الدول الأفريقية على الوقاية من الأمراض والأوبئة والسيطرة عليها، لاسيما في ظل جهود المفوضية في دعم الدول الأعضاء لتحقيق أجندة الاتحاد الأفريقي للقضاء على عدد من الأمراض وتعزيز دور مراكز التمويل الصحي الإقليمية، يتوازى معها إيلاء مصر أولوية متقدمة لتقديم مختلف أوجه الدعم للمؤسسات الصحية التابعة للاتحاد الأفريقي، بما في ذلك مركز الاتحاد الأفريقي لمكافحة الأمراض ووكالة الدواء الأفريقية، بما يمكنها من الاضطلاع بدورها في الاستجابة لحالات الطوارئ الصحية.

فضلاً عن المطالبات المصرية في المحافل الدولية والإقليمية بإدراك أهمية إيجاد حلول تمويلية مستدامة ومبتكرة لضمان تحقيق السيادة الصحية في أفريقيا، لاسيما في ضوء التحديات التمويلية المتزايدة التي تواجهها دول القارة وانخفاض حجم المساعدات الخارجية، إذ أن دعم أجندة التصنيع المحلي للأدوية واللقاحات يمثل ركيزة أساسية لتحقيق الاستدامة الصحية وتعزيز قدرة الدول الأفريقية على مواجهة الأزمات، وهو ما يصب في اتجاه تحقيق التنمية المستدامة في تلك الدول للترابط الوثيق بين الصحة والتنمية.

ولم تقتصر دبلوماسية الصحة التي تبنتها مصر على توثيق علاقاتها بدول عربية وأفريقية بل شملت قوى دولية كبرى مثل الصين وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة، في أوج فترات انتشار فيروس كورونا، وكتبت عبارة "من الشعب المصري إلى الشعب الأمريكي" على أطنان من الأجهزة الطبية، في مبادرة شملت أيضاً دولاً أخرى صديقة، وتعكس إرادة مصر في استخدام "دبلوماسية الصحة" لتعزيز علاقاتها الدولية في زمن كورونا.

2- محورية "الأنسنة" في التفاعلات الخارجية المصرية: على الرغم من أن المصالح "المادية" هي المحدد الحاكم لسياسة مصر الخارجية، إلا أن طابع الأنسنة صار غالباً على تحركات خارجية قامت بها مصر في مناطق وأقاليم جغرافية مختلفة. فالسياسة الخارجية المصرية ترتكز على التمسك بمبادئ وقيم الإنسانية، والتضامن بين الشعوب، وذلك من خلال تقديم المساعدات الإنسانية، وإغاثة الشعوب المتضررة، ونجدة الشعوب المنكوبة، وهو ما برز جلياً في جائحة كورونا وأزمات إنسانية مرت بها شعوب شقيقة.

وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى منظومة استقبال وعلاج الفلسطينيين الوافدين من قطاع غزة بعد فتح معبر رفح في يناير وفبراير 2026، شملت مشاركة نحو 150 مستشفى على مستوى الجمهورية، مع جاهزية كاملة للتوسع وتوفير قرابة 12 ألف طبيب في التخصصات الحرجة، وأكثر من 18 ألفاً من أطقم التمريض، فضلاً عن الدفع بـ 30 فريق انتشار سريع تابعين للإدارة المركزية للطوارئ، للتحرك الميداني خلال ساعات، وتجهيز ما بين 250 و300 سيارة إسعاف عالية التجهيز، وتأمين مخزون استراتيجي يغطي 1000 عملية نقل دم يومياً، وعيادات متنقلة ونقاط رعاية حرجة، وسيارات أشعة متطورة وفرق فرز متخصصة، وهو ما يأتي في إطار اتخاذ كافة التدابير والإجراءات اللازمة للتخفيف من معاناة الفلسطينيين.

3-تطوير العلاقات مع إيران: إذ أن ثمة توجيهاً رئاسياً إيرانياً لوزارة الخارجية باتخاذ الإجراءات اللازمة لتعزيز العلاقات مع مصر، وهو ما حدث من خلال قنوات عديدة وأبرزها الدبلوماسية الصحية، حيث زار وزير الصحة والعلاج والتعليم الطبي الإيراني، بهرام عين اللهي، القاهرة في أكتوبر 2023، وأشار في تصريحات مختلفة إلى أن "الدبلوماسية الصحية هي النقطة المشتركة بين جميع الدول، وتزيد التعاون بين الجيران في المنطقة"، وهو ما تزامن مع زيارة وزير الاقتصاد الإيراني إحسان خاندوزي، على هامش اجتماع البنك الآسيوي للبنية التحتية، إلى مصر، فضلاً عن لقاء رئيس مجلس النواب المصري السابق حنفي الجبالي رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني محمد باقر قاليباف، في سبتمبر 2023، على هامش انعقاد الجمعية البرلمانية التاسعة لمجموعة "بريكس" في جوهانسبرج. وقد كان لافتاً أن أكثر من 15 لقاء عُقد على مستوى وزيري الخارجية، إلى جانب اجتماعات قطاعية شملت وزارات الصحة والعدل والسياحة والطاقة.

ولعل هذه اللقاءات تعكس تقارباً مصرياً-إيرانياً قد يكون مقدمة لعلاقات دبلوماسية كاملة، وإن كانت هناك رؤية أخرى تشير إلى أن الهدف من تلك اللقاءات هو العمل على تخفيض التصعيد في المنطقة. وفي هذا السياق، نقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية، في 22 فبراير 2026، عن مصدر مصري مطلع نفيه اتخاذ قرار بين مصر وإيران لتبادل السفراء بين البلدين، وهو ما يمثل رداً على ما نقلته وكالة "تسنيم" الإيرانية، في 19 من الشهر نفسه، بشأن تصريحات مجتبي فردوسي بور، التي قال فيها إن قرار تبادل السفراء بين طهران والقاهرة "حُسم بصورة قاطعة واتُّخذ بشكل نهائي"، وهو بانتظار الإعلان الرسمي.

4- تحسين الصورة الذهنية عن الدولة الوطنية المصرية: قد يكون أحد الأهداف هو تغيير الصورة الذهنية عن مصر كدولة متلقية للمساعدات الخارجية، في فترات زمنية سابقة، من خلال تقديم المساعدات الطبية وخاصة في أوقات الجائحة، والتعاون في تصنيع اللقاحات والأدوية، مما يعزز مكانة مصر كمركز إقليمي. فضلاً عن تسويق المبادرات الصحية المصرية كنموذج يحتذى به في المنطقة. وهنا أشار وزير الخارجية المصري د.بدر عبدالعاطي، في 12 فبراير الجاري، إلى استعداد مصر لنقل خبراتها ومبادراتها الصحية الناجحة التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي في مجالات الرعاية الصحية والوقاية المبكرة، وعلى رأسها مبادرة "100 مليون صحة" ومبادرة دعم صحة المرأة، فضلاً عن إتاحة البنية التحتية المتقدمة التي تمتلكها مصر في مجالي صناعة الدواء واللقاحات، دعماً لجهود تعزيز الأمن الصحي على مستوى القارة الأفريقية.

كما أن مصر تعمل على توظيف رموزها العالمية في تعزيز نفوذها داخل القارة الأفريقية، إذ استقبل د. بدر عبد العاطي وزير الخارجية، في 22 يناير الفائت، جراح القلب العالمي د.مجدي يعقوب، لبحث آفاق "الدبلوماسية الإنسانية" وتوسيع المشروعات الطبية المصرية في عمق القارة. وقد تضمن اللقاء استعراض اللمسات النهائية لافتتاح "مركز مصر- رواندا للقلب" المقرر تدشينه العام الجاري، والذي يمثل مشروعاً استراتيجياً تهدف القاهرة من خلاله إلى تحويل رواندا إلى مركز طبي إقليمي لخدمة دول شرق ووسط أفريقيا.

وتمثل جهود د. مجدي يعقوب نموذجاً رائداً للتعاون مع "الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية"، إذ أن مصر تنتهج مساراً جديداً يعتمد على بناء جسور التعاون مع الأشقاء الأفارقة عبر تقديم خدمات رعاية صحية فائقة الجودة وتوطين التكنولوجيا الطبية في الدول النامية ونقل الخبرات المصرية المتقدمة للمنظومات الصحية في القارة، بما يعزز من مرونة تلك الدول في مواجهة التحديات الصحية. كما أن هيئة الدواء المصرية تعد أول جهة في أفريقيا تحقق مستوى النضج الثالث من منظمة الصحة العالمية في تنظيم الأدوية واللقاحات، مع التقدم نحو المستوى الرابع، ويمكن لمصر وضع هذه الخبرات في خدمة القارة لتوحيد المعايير وتعزيز موثوقية المنتجات وتسريع الإنتاج المحلي المستدام.

5- مواجهة التحديات الصحية وتعزيز الشراكات الاستراتيجية الدولية: وذلك عبر تفعيل دور مصر في تعبئة الجهود لمواجهة الأوبئة (مثل تجربة فيروس كورونا). فالدبلوماسية الصحية على الصعيد الوطني والإقليمي لها أهمية قصوى في تنفيذ البرامج الصحية من خلال الشراكات المتعددة أو النهوض بالتعاون المتعدد الأطراف، وتعزيز الأمن الصحي، ودعم المبادرات الإقليمية الرئيسية لمنظمة الصحة العالمية. فعلى سبيل المثال، يتوقف نجاح القضاء على شلل الأطفال في الإقليم على نجاح المفاوضات مع العديد من الأطراف المؤثرة، واكتساب ثقتهم، بغية تعزيز برامج المكافحة وإنشاء بيئة آمنة ومأمونة لحملات التلقيح.

قوة ناعمة

خلاصة القول، إن ما تفعله مصر في سياق توظيفها لدبلوماسية الصحة يُنظر إليه في أدبيات العلاقات الدولية كأداة للقوة الناعمة، من خلال توفير بيئة طبية داعمة لصحة شعوب شقيقة منكوبة كالشعب الفلسطيني بعد تداعيات حرب غزة الخامسة، ودعم نظم الصحة الوطنية في أفريقيا وإيفاد فرق طبية وتقديم معدات طبية وأدوية للبلدان المتلقية، علاوة على توثيق تعاون الحكومات جنباً إلى جنب مع الجهات الفاعلة غير الحكومية طبياً لمعالجة قضايا الصحة العالمية، والبحث عن مصادر تمويل جديدة لدعم منظمة الصحة العالمية بعد خروج الولايات المتحدة منها.

ويبقى التحدي الأكبر مرهوناً بزيادة الاهتمام الإقليمي، في الشرق الأوسط والبحر المتوسط وعلى المستويين العربي والأفريقي، بتعميق الفهم الحديث للتطورات في الدبلوماسية الصحية العالمية، وتزويد المشاركين بالمعرفة والمهارات اللازمة للتعامل مع تعقيدات حوكمة الصحة العالمية والدبلوماسية الصحية عبر دورات تدريبية متخصصة والتي تتمثل أهدافها في اكتساب فهم متقدم لمبادئ ونظريات وقضايا الدبلوماسية الصحية المعاصرة، واستكشاف دور الدبلوماسية الصحية العالمية في مواجهة التهديدات الصحية العالمية مثل الأوبئة ومقاومة المضادات الحيوية وعدم المساواة الصحية.

يضاف إلى ذلك تحليل دراسات حالة وأمثلة واقعية لفحص الاستراتيجيات الناجحة والتحديات في تنفيذ الدبلوماسية الصحية، وتطوير مهارات عملية في التفاوض، والتواصل، والتعاون ضمن سياق الدبلوماسية الصحية، وفهم الاعتبارات الأخلاقية وتأثيرات حقوق الإنسان في تدخلات الدبلوماسية الصحية، واستكشاف الأساليب المبتكرة لاستخدام التقنيات الرقمية والحلول القائمة على البيانات في مبادرات الدبلوماسية الصحية، وتعزيز الشبكات والشراكات مع المشاركين الآخرين لتسهيل التعاون المستمر وتبادل المعرفة في مجال الدبلوماسية الصحية.