د. أحمد قنديل

رئيس وحدة العلاقات الدولية ورئيس برنامج دراسات الطاقة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيحية

 

منذ مطلع عام 2026، ومنطقة الشرق الأوسط تعيش على إيقاع توتر متصاعد بين واشنطن وطهران. وهذا التوتر لا يبدو عابراً ولا معزولاً عن سياق أوسع من إعادة تشكيل موازين القوة في هذه المنطقة المضطربة. فقد عادت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى خطاب هجومي مباشر تجاه إيران، بعد مرحلة من الشد والجذب بلغت ذروتها في ما عُرف بـ"حرب الإثنى عشر يوماً" في يونيو 2025. البداية في التصعيد الأخير كانت رد فعل أمريكياً على قمع الاحتجاجات في الداخل الإيراني، لكن سرعان ما تحولت المسألة إلى ضغط أمريكي مكثف على البرنامج النووي الإيراني، في محاولة لانتزاع تنازلات استراتيجية من نظام يمر بظروف داخلية وإقليمية صعبة ومعقدة.

اللافت في هذا المشهد ليس فقط ارتفاع منسوب التهديد، وإنما طبيعة الأدوات المستخدمة. فالإدارة الأمريكية الحالية يبدو أنها تمزج بين استعراض القوة العسكرية، من خلال حشد عسكري غير مسبوق، والرهان على الضربات المحدودة لتحقيق مكاسب سريعة، من دون الانخراط في حروب طويلة. وقد عكست تصريحات الرئيس ترامب في 19 فبراير 2026 بشأن احتمال توجيه ضربة عسكرية خلال أيام حالة تأهب قصوى في الإقليم، لكنها في الوقت ذاته انسجمت مع نمط سابق تمثل في ضربات محدودة لإيران العام الماضي، وفي الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع هذا العام. فالرسالة الترامبية واضحة: ضغط مركز، ونتائج سريعة، وتجنب الاستنزاف.

غير أن ما يهمنا هنا ليس البعد العسكري في هذه "الرسالة الترامبية"، بل ارتداداتها الاقتصادية، وبالتحديد على أسواق الغاز الطبيعي العالمية، التي أصبحت أكثر حساسية من أي وقت مضى للتقلبات الجيوسياسية. صحيح أن النفط يحظى عادةً بالنصيب الأكبر من الاهتمام، لكن الغاز، وخاصة الغاز الطبيعي المسال، بات في قلب المعادلة العالمية للطاقة، سواء لأوروبا الباحثة عن بدائل للغاز الروسي، في ظل استمرار الحرب الأوكرانية، أو لآسيا التي يعتمد نموها الصناعي على تدفقات مستقرة ومنخفضة التكلفة للغاز الطبيعي المسال.

مضيق هرمز… عقدة الجغرافيا

في صميم التوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران يقف مضيق هرمز، بوصفه أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم. عبر هذا الشريان البحري يمر نحو 20% من صادرات الغاز الطبيعي المسال عالمياً. فدول مثل قطر والإمارات وعُمان تعتمد عليه بشكل شبه كامل لإيصال غازها إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية. وبالتالي، يمكن أن يتحول أي خلل في الملاحة هناك، حتى لو كان محدوداً أو مؤقتاً، إلى "صدمة عرض عالمية"، من وجهة نظر كثير من خبراء الطاقة.

إيران تدرك هذه الحقيقة جيداً، ولذلك تلوّح بين الحين والآخر بإغلاق المضيق أو استهداف ناقلات الطاقة إذا تعرضت لضربة عسكرية امريكية. وحتى من دون تنفيذ هذه التهديدات من جانب طهران، يكفي مجرد التلميح بها لإدخال الأسواق العالمية للغاز في حالة قلق حاد. وهذا القلق يُترجم فوراً إلى ما يُعرف بـ"علاوة المخاطر الجيوسياسية"، أي زيادة في الأسعار تعكس احتمال وقوع اضطراب مستقبلي. وقد ظهر ذلك بوضوح في ارتفاع أسعار العقود الفورية للغاز الطبيعي المسال، ومنها مؤشر TTF الأوروبي، في أعقاب تصاعد التصريحات الأمريكية في فبراير 2026 بشأن قرب شن الحرب على إيران.

الأسعار بين الواقع والخوف

الأسواق العالمية للغاز الطبيعي المسال لا تنتظر وقوع الأزمة حتى تتفاعل؛ فهي تتحرك وفق التوقعات. ومع كل تصعيد عسكري أو سياسي، ترتفع أسعار الغاز الفورية مدفوعة بثلاثة عوامل رئيسية. أولها علاوة المخاطر التي يضيفها المتعاملون تحسباً للانقطاع المحتمل للإمدادات، وثانيها ارتفاع تكاليف التأمين على ناقلات الغاز في الخليج العربي، وثالثها زيادة أسعار استئجار السفن Charter Rates لتأمين الإمدادات.

وهذه الزيادات لا تبقى في حدود السوق الفورية للغاز الطبيعي المسال، بل تمتد إلى العقود طويلة الأجل. فالمشترون باتوا يطالبون ببنود "مرونة الوجهة" Destination Flexibility، والتي تتيح لهم تغيير مسار الشحنات إذا تعطلت ممرات معينة، بينما يسعى الموردون إلى تثبيت أسعار حد أدنى أعلى  Floor Prices لتعويض المخاطر. وهكذا تتحول علاوة المخاطر من رد فعل مؤقت إلى عنصر هيكلي في بنية التسعير.

إذا وقع الانقطاع… من يدفع الثمن؟

السيناريو الأسوأ للتصعيد الأمريكي-الإيراني بالنسبة لأسواق الغاز الطبيعي العالمية يتمثل في انقطاع فعلي للإمدادات، سواء عبر حصار إيراني مؤقت للمضيق، أو استهداف منشآت إنتاج في قطر (أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم)، أو هجمات من أطراف حليفة لإيران على بنية تحتية للطاقة في المنطقة. وفي هذه الحالة ستكون آسيا في مرمى العاصفة أولاً، لأن معظم الغاز القطري يتجه إليها بعقود طويلة الأجل مرتبطة بأسعار النفط. دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند وباكستان وبنجلاديش قد تجد نفسها مضطرة للشراء من السوق الفورية بأسعار باهظة، ما يهدد أمنها الطاقي واستقرارها الاقتصادي.

أوروبا، وإن كانت أقل اعتماداً على الغاز القطري، لن تكون بمنأى عن الأزمة. فالمنافسة مع المشترين الآسيويين على الشحنات الفورية ستدفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة للغاية. كما أن تقلبات الأسعار ستنعكس على أسواق المشتقات المالية وعقود التحوط، ما يضع صناديق الاستثمار وصناديق التقاعد أمام مخاطر غير محسوبة.

صحيح أن هناك طاقات إنتاجية جديدة في طريقها إلى السوق، لكن جزءاً كبيراً منها يتمركز أيضاً في دول الخليج العربية (وخاصة في قطر والإمارات وسلطنة عمان)، ما يقلل من قدرتها على تعويض أي انقطاع إذا كان الصراع إقليمياً واسع النطاق.

تحولات هيكلية في سوق الغاز

الأخطر من الارتفاع اللحظي للأسعار هو التحول الهيكلي الجاري في سوق الغاز العالمية. فالتوترات المتكررة دفعت العديد من الدول إلى إعادة النظر في استراتيجياتها. فعلى سبيل المثال، سارعت العديد من الدول في أوروبا وآسيا إلى توقيع عقود مع موردين جدد، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، ليس فقط بسبب السعر، بل لتقليل المخاطر الجغرافية المرتبطة بمضيق هرمز. كما ازداد أيضاً الاهتمام بالاستثمار في التخزين الاستراتيجي للغاز، وبالطاقة المتجددة كوسيلة لتخفيف الاعتماد على واردات الغاز الطبيعي المسال في أوقات الأزمات.

ومع ذلك، يؤكد كثير من المراقبين على أنه لا يمكن للغاز الأمريكي وحده أن يملأ أي فراغ كبير قد ينشأ عن توقف تدفقات الخليج من الغاز الطبيعي المسال. فالسوق العالمية مترابطة، وأي نقص في منطقة ما سرعان ما ينعكس على الجميع. كذلك، فإن الاعتماد على التخزين الاستراتيجي للغاز أو على الطاقة المتجددة قد يحتاج استثمارات كبيرة ووقتاً طويلاً لكي يصبح مصدراً موثوقاً في تعويض أي نقص حاد في الغاز الطبيعي المسال القادم من منطقة الخليج العربي.

الاقتصاد والمجتمع تحت الضغط

ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي العالمية، وخاصة الغاز الطبيعي المسال، نتيجة استمرار التصعيد بين واشنطن وطهران، سوف يمتد أثره، على الأرجح، إلى حياة الناس اليومية أيضاً. فالغاز يدخل في توليد الكهرباء وتشغيل المصانع وصناعة الأسمدة والبتروكيماويات. وبالتالي، ارتفاع أسعاره يعني زيادة تكاليف الإنتاج الصناعي والزراعي، ومن ثم ارتفاع أسعار السلع، ما يغذي التضخم. وفي هذا السياق، قد تجد كثير من الحكومات، في اليابان وأوروبا، نفسها مضطرة لتقديم دعم إضافي للطاقة، وهو ما سوف يضغط بالضرورة على الموازنات العامة، ويقيد قدرة الدول على الإنفاق التنموي.

وفي آسيا، قد يؤدي ذلك إلى تباطؤ النمو الصناعي، بينما تواجه أوروبا تحديات مزدوجة بين الحفاظ على تنافسية صناعاتها وحماية المستهلكين من "صدمات الأسعار".

مصر… فرصة في قلب العاصفة

وسط هذا المشهد المضطرب، تبرز مصر بوصفها طرفاً يمكن أن يحول الأزمة إلى فرصة. فموقعها الجغرافي الفريد بين البحرين الأحمر والمتوسط، وامتلاكها لمحطتي إسالة الغاز في إدكو ودمياط، إضافة إلى قناة السويس، يمنحها أوراق قوة مهمة في معادلة الطاقة الإقليمية، خاصة وأن القاهرة لديها هدف استراتيجي يتمثل في أن تصبح مركزاً إقليمياً لإنتاج وتجارة الطاقة.

ففي حالة تعطل إمدادات الخليج جزئياً من الغاز الطبيعي المسال، يمكن لمصر أن تعزز دورها كمركز إقليمي لتجميع الغاز وإسالته وإعادة تصديره، سواء من إنتاجها المحلي أو من حقول شرق المتوسط أو من حقول الدول الخليجية الشقيقة. كما أن التقلبات السعرية في الأسواق العالمية، و"علاوة المخاطر الجيوسياسية"، تمنحان القاهرة هامشاً أفضل للتفاوض على عقود التصدير والاستضافة.

بعبارة أخرى، ومن الناحية الاستراتيجية، توفر هذه التطورات فرصة لمصر لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للطاقة، لا سيما من خلال ربط مشاريع الغاز المحلية مع شبكات التخزين والتصدير الإقليمية، وتعزيز قدراتها على التعامل مع العقود طويلة الأجل والفورية، بما يتيح لها استغلال علاوة المخاطر لتحقيق أرباح أكبر. ومع ذلك، يتطلب تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي استثمارات مستمرة في البنية التحتية للطاقة، وتأمين الملاحة البحرية، وتطوير السياسات التنظيمية لضمان موثوقية الإمدادات، بالإضافة إلى التنسيق الدبلوماسي مع القوى الكبرى.

على أية حال، يمكن القول إن التصعيد الأمريكي-الإيراني المستمر سوف يقود، على الأرجح، إلى مواجهة عسكرية محدودة بين واشنطن وطهران يعقبها احتواء سياسي، على غرار ما حدث في 2025. لكن حتى المواجهات العسكرية القصيرة تترك أثراً طويل الأمد في الأسواق العالمية للغاز الطبيعي، لأنها تعمق الإحساس بعدم اليقين. فمع كل جولة توتر، تتكرس قناعة بأن الجغرافيا السياسية أصبحت جزءاً دائماً من معادلة تسعير الغاز، خاصة بعدما أصبح أمن الطاقة مرتبطاً بالاستقرار الإقليمي وبقدرة المجتمع الدولي على منع انزلاق الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، إلى صراعات مفتوحة. وفي هذا السياق، وبينما تعيد القوى الكبرى ترتيب أوراقها، تجد دول المنطقة، وفي مقدمتها مصر، نفسها أمام اختبار تاريخي، وهو: إما أن تظل متلقية لارتدادات الأزمات، أو أن توظف موقعها وإمكاناتها لتصبح لاعباً محورياً في خريطة الطاقة العالمية الجديدة.