تكتسب العلاقة الارتباطية بين ثقافات القدر والديناميات السياسية طابعاً عالمياً عابراً للمجتمعات، إذ لا تقتصر مظاهرها وآثارها على دول الجنوب، بل تمتد إلى الشمال، حيث لم تمنع قيم الحداثة من حضور تلك الثقافة في المجتمعات الغربية، حتى لدى أكثر القادة انتهازية وازدراءً للقيم الإنسانية ومعادة للآخر مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يصور نفسه كقيادة شاءت الأقدار وضعها في البيت الأبيض بل وحمايتها. إذ قال في خطاب تنصيبه في يناير 2025: "إن الله أنقذني لأجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى"، في إشارة لنجاته من محاولة اغتيال أثناء حملته الانتخابية، ثم من بعدها بعام اعتبر أن "الله فخور جداً بإنجازاته" في السنة الأولى من ولايته الرئاسية الثانية [1].
قد يشي استخدام ترامب لمفردات قدرية ودينية بشكل عام في خطاباته العامة بنمط من التوظيف السياسي، الذي يستهدف من ورائه تعزيز قاعدته الانتخابية من الجماعات الدينية المحافظة في الولايات المتحدة، خاصة إذا علمنا أن معظم الأمريكيين لا يعتقدون بوجود "تدخل إلهي" في نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة. مع ذلك، فإن ثلثهم يؤيدون هذا الاعتقاد، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن الله وافق على سياسات الفائز، بينما تعتبر قلة قليلة أن الله اختار الفائز في الانتخابات بسبب سياساته، وفقاً لنتائج استطلاع رأي أجراه مركز بيو للأبحاث في مايو 2025[2].
غير أن ترامب ليس استثناءً عالمياً في مسار التوظيف السياسي للخطاب القدري، والذي ينتشر في بيئات مختلفة وبدرجات متفاوتة وفقاً لسمات القيادة وطبيعة الأنظمة السياسية، ونمط الثقافة المجتمعية. إذ تتوسع أغراض ذلك التوظيف ما بين إضفاء شرعية على استمرار السلطة في أوقات الاستقرار أو تسويغ الاستقطابات السياسية في مراحل الانتقال ما بعد التغيير، أو حتى التهرب من المسئولية عن الأزمات والقرارات ذات النتائج السلبية، عبر تصوير أنها ناتجة عن عوامل خارجة عن السيطرة البشرية.
على الجانب الآخر، قد تلعب خطابات القدر دوراً بنائياً أكثر عمقاً وتأثيراً في الديناميات المجتمعية عندما تتحول إلى جزء من ثقافة عامة تُسهم في تشكيل تصورات الأفراد والجماعات لهوياتهم ومواقفهم وتحديد مدى فاعليتهم، وهو دور يكتسب أهمية في مجالات كالتنمية الاقتصادية وتغير المناخ والاستعداد للكوارث والصحة النفسية ومواجهة الأوبئة وغيرها، إذ كان السؤال المطروح في تلك المجالات: لماذا تبدو هنالك مجتمعات أكثر استسلاماً وأخرى أكثر فاعلية في مواجهة التحديات؟ على أساس أنه لا يمكن مواجهة تحديات عالمنا المعاصر دون أن يؤمن الإنسان بقدرته على التغيير والفعل.
امتد هذا السؤال إلى السياسة ليثير جدالاً، إذ ربطت دراسات غربية بين ثقافة القدر في المجتمعات وظواهر كاللامبالاة السياسية، والتسلطية المزمنة، واليأس العام بعد الهزائم العسكرية للدول وفشل التحولات الكبرى كالثورات وبروز حركات سياسية قومية أو دينية متطرفة تصور نفسها على أنها الحل القدري المحتوم لأزمات المجتمعات، ناهيك عن تأثير النزعات القدرية على بعض القادة، عندما ينظرون إلى خوض الحروب بين الدول كمسار لا مفر منه لمواجهة الخصوم والتهديدات، بما يضعف فرص السلام والتسوية.
في المقابل، تحدت دراسات تجريبية هذا الفهم الغربي المطروح في العديد من الأدبيات، خاصة مع وجود شواهد من سياقات مختلفة على أن أثر ثقافات القدر أكثر تنوعاً وتعقيداً عند التفاعل مع الواقع، فقد تحفز على قيم وسلوكيات قبول الأمر الواقع أو على العكس قد تشكل دافعاً للمرونة ومجابهة التحديات، وفقاً لطبيعة معانيها ومدلولاتها لدى الأفراد والجماعات، وأنماط تفاعلها مع السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية.
من هنا، يسعى هذا التحليل، أولاً، إلى استكشاف النظرة الغربية لمضامين ثقافة القدر وكيف تماست مع مجال السياسة، وثانياً، يطرح أوجه النقد التي واجهت هذه النظرة مع الاستدلال بدراسات تجريبية عن اتجاهات النزعات القدرية في سياقات غير غربية سواء آسيوية وأفريقية، وثالثاً يتطرق إلى طبيعة ثقافة القدر في السياق العربي في ظل الفجوة بين أصول المعنى والواقع المأزوم، أما رابعاً وأخيراً، يحدد الآثار والتداعيات، مع التركيز على سياسات القادة والفاعلية السياسية للمجتمعات، ثم ينتهي باستنتاجات ختامية. على أن التحليل يأخذ بالحسبان عدة أمور أساسية:
أولاً: لا يخوض هذا التحليل في مناقشة الأبعاد الدينية والعقيدية والفلسفية لمسألة القدر، بقدر ما يسعى إلى فهم آثارها من منظور الثقافة السياسية في المجتمعات، أي ما تسهم به من أدوار في تشكيل القيم والمعارف والاتجاهات السلوكية السائدة في المجتمعات تجاه قضايا سياسية تتعلق بالسلطة ومؤسساتها والشرعية وصنع السياسات والمشاركة السياسية.
ثانياً: تعني ثقافة القدر مجموعة المعاني والقيم والسلوكيات التي تنشأ جراء التفاعل بين إيمان الأفراد والجماعات بأن هنالك إرادة عليا خارج سيطرة البشر تُسيِّر الأحداث والنتائج، والسياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية، وهي ثقافة تشترك فيها مختلف الأديان السماوية والعقائد التقليدية، لكنها تختلف من حيث تصوراتها حول طبيعة تلك الإرادة العليا، وعلاقتها بإرادة الإنسان بها من حيث حدود اختياراته.
ثالثاً: إن استخدم لفظة القدر لا يكتسب ذات الدلالة المعرفية والدينية والثقافية بين المجتمعات[3]، حيث تعبر مثلاً في السياق العربي الإسلامي عن إرادة الله ومشيئته دون منع الإنسان من الفعل وذلك لتمييزها أيضاً عن القدرية (جماعة نفاة القدر) في التاريخ الإسلامي. أما في السياق الغربي، فيجري استخدام ألفاظ كالقدر (fate) أو المصير (Destiny) أو القدرية (Fatalism) أو تقترن بالحتمية (Determinism) [4]، ضمن مدلولات متسعة ترتبط بالتصورات الدينية والهياكل المادية الاجتماعية المقيدة للإرادة الحرة للفرد (Free Will).
رابعاً: لجأ التحليل في بعض مواضعه إلى الاستدلال بنتائج دراسات تجريبية حول النزعات القدرية وآثارها في المجتمعات، والتي تقيس تلك النزعات عبر سؤالين مرتبطين في مسوح القيم واستطلاعات الرأي يعبران عن نقطتين حديتين بينهما درجات هجينة تشكل ثقافة القدر، وهما: هل كل شيء يحدده القدر أـم أن الناس يشكلون مصيرهم بأنفسهم لتقييم مدى حرية الاختيار والسيطرة التي يدركها الفرد على حياته. وتربط تلك الدراسات الإجابات بمتغيرات اجتماعية، كالعمر والتعليم والجنس والدخل والطبقة الاجتماعية وغيرها لفهم حدود الاختلافات في ثقافات القدر داخل أو بين المجتمعات.
الفهم الغربي للقدرية بين عدم الفاعلية وحتمية التحديث
يُشتق معنى القدر في السياق الغربي بالأساس من اللاتينية Fatalis، أي ما هو مقدر أو مكتوب أو الأشياء التي تجلب مصيراً قاتلاً أو نهائياً أو الأشخاص العاجزين عن تشكيل حياتهم الخاصة. وعندما يتحول هذا المعنى إلى اتجاه أو ظاهرة فإنه يسمى "القدرية"، أي ميل أو نزوع الأفراد والجماعات إلى الاعتقاد بأن جميع الأحداث محددة مسبقاً، من خلال قوى خارجة عن سيطرة البشر، لكن طبيعة تلك القوى تتعدد ما بين الحظ أو الصدفة أو القدر الإلهي أو عوامل نظامية وهيكلية أو أفعال الآخرين التي لا يمكن للمرء السيطرة عليها [5].
أي لا يقتصر فهم مسألة القدر على البعد الديني فقط في الفكر الغربي، إنما يشمل كذلك سياقات ومنظومات مادية خارجة عن سيطرة الإنسان، كأوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية قد ينظر لها الأفراد والجماعات على أنها سياقات حتمية لا فكاك منها: كالتسلطية والفقر وعدم العدالة والتمييز الاجتماعي وغيرها. لهذا، فرّق علماء الاجتماع بين نمطين أساسيين لظاهرة القدرية: الأول، "القدرية الكونية" لفيبر، وهي تنشأ من معتقدات الأديان أو العقائد التي تدفع الأفراد لقبول وجهات نظر حتمية حول العالم. والثاني، "القدرية الهيكلية" لدوركايم التي تنبع من ظروف نظامية وبنيوية داخل المجتمعات، كعدم المساواة والتنظيم الاجتماعي والسيطرة المفرطة [6].
في هذا الإطار، تبلورت القدرية السياسية Political Fatalism، أي الاعتقاد بأن الفاعلية البشرية لا يمكنها إحداث تحول سياسي أو اجتماعي أو تغيير نتائج الأحداث. انطوى هذا المفهوم على ثلاثة أبعاد أساسية: أولها، معرفية، أي معتقدات وأيديولوجيات تطرح أفكاراً حتمية أو سياقات إكراهية سواء دينية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو طبقية دون بدائل، بما يجعل قيمة السعي للتغيير بلا جدوى. وثانيها، نفسية، أي مشاعر يأس واستسلام وإحباط جماعي عام تولد لدى المجتمع شعوراً باستحالة التغيير أو مجابهة التحديات. وثالثها، عملية، أي تتحول ثقافة القدرية إلى عائق يكبح الطموحات والقدرة على التنظيم الاجتماعي والسياسي [7].
شكلت تلك الأبعاد المضامين القيمية والسلوكية للثقافة القدرية، من وجهة النظر الغربية، إذ تجلت في الاستسلام للأمر الواقع، وعدم الفعالية وعدم القدرة على إحداث التغيير أو التكيف مع الأزمات، بما يعني أن تلك الثقافة تقيد الإرادة الإنسانية. لذلك، فسر جرامشي تلك الثقافة بأنها رد فعل عاطفي على سياقات الهزيمة أو الانتكاسات العامة، معتبراً أنها تمثل عقبة أيديولوجية أمام إحداث التحول الاجتماعي، والاتجاه نحو القيم التحررية التي يعبر فيها الإنسان عن إراداته الحرة [8]. وعليه، فإن المفهوم المناقض للقدرية في الثقافة الغربية هو الفاعلية/ الوكالة Agency، أي إحداث الإنسان للتغيير عبر اتخاذ القرارات بإرادة حرة [9].
ترجع تلك النظرة الغربية للثقافة القدرية إلى تراكم عوامل فكرية وفلسفية وتاريخية وسياسية، إذ تأثرت بالفلسفة اليونانية، والتي انتقلت من الحتمية المرتبطة بالأساطير والآلهة إلى التفسيرات العقلانية، أي القدر المبني على الأسباب، فضلاً عن أن الحداثة التي نشأت من رحم الصراع مع الهيمنة الدينية للكنيسة في العصور الوسطى أنتجت فلسفات مادية كرّست قيم العقلنة وركزت على مركزية الإنسان ووكالته وفاعليته في تغيير الواقع. أضف لذلك، ظهور حركات فاشية في النصف الأول من القرن العشرين في ألمانيا وإيطاليا طرحت تصورات حتمية متطرفة تمجد القيادة والأمة والعرق والدولة، وتؤمن بالداروينية الاجتماعية (البقاء للأقوى) على حساب مصادرة حقوق الأفراد وحرياتهم، وأسهمت تلك الحركات في بناء أنظمة شمولية قادت العالم إلى الحرب العالمية الثانية.
مع مرادفة الثقافة القدرية بالعجز الإنساني، وتوسيعها من الديني إلى الهياكل والمنظومات الاجتماعية في التصور الغربي، مالت الأدبيات إلى فهم طبيعة نشأتها في ضوء أنماط السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية. تشير، على سبيل المثال، دراسة تجريبية لجابرييل ريو [10]، اعتمدت على بيانات مسح القيم العالمية، إلى أن الميل للنزعات القدرية في ثقافة المجتمعات يرتبط إجمالاً بالانتماء الديني ولا يخص طائفة بعينها. إذ يظهر لدى المسيحيين والمسلمين والهندوس والبوذيين وغيرهم. مع ذلك، اعتبرت أن هذا الميل يزداد في المجتمعات ذات الثقافة الجماعية أو الخاضعة لسيطرة الدولة والمقيدة لحرية واستقلالية الأفراد، مقارنة بمجتمعات أخرى تملك ثقافة فردانية يسعى فيها الأفراد إلى التعبير عن ذواتهم باستقلالية.
تذهب كذلك الدراسة إلى أنه كلما كان المستوى التعليمي والدخل والطبقة الاجتماعية أعلى داخل المجتمعات، انخفضت النزعات القدرية والعكس صحيح، وبالتالي تلعب انتماءات الأفراد في الأبنية المجتمعية والاقتصادية والثقافية دوراً أساسياً في تحديد المعنى المتصور لمسألة القدر وانعكاساته على قيمهم وسلوكياتهم، والذي قد يختلف بين أو داخل المجتمعات، فبرغم تشارك شمال وجنوب إيطاليا نفس الدين والمؤسسات، فإن الجنوب خضع تاريخياً لنظام قمعي إقطاعي صارم بما عزز انتشار النزعات القدرية أكثر من الشمال الذي كان أقل قمعية وتقييداً للأفراد.
لمواجهة أثر الثقافة القدرية بشقيها الديني والهيكلي الاجتماعي، طرحت التصورات الغربية نوعاً من الحتمية الثقافية على المجتمعات أو بالأحرى "قدرية غربية مضادة" لتعزيز الفاعلية واستقلالية الأفراد. فمن جهة، افترضت نظرية العلمنة أنه كلما اتجهت المجتمعات نحو التحديث والتعددية والتصنيع تراجعت أثر المعتقدات والممارسات الدينية على الديناميات السياسية والاجتماعية. من جهة أخرى، اعتبرت أن النموذج الديمقراطي الليبرالي يمثل أساساً للفاعلية البشرية، كونه يوازن حريات الأفراد وحكم الأغلبية ويكرِّس حقوق الاقليات والمساواة أمام القانون والملكية الخاصة والسوق الحر.
اكتسبت تلك التصورات الغربية قوة دفع في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي عبر الترويج لانتصار النموذج الليبرالي الرأسمالي، فقد طرح فوكوياما حينها نظرية نهاية التاريخ التي اعتقدت أن الديمقراطية الليبرالية هي القدر الحتمي الذي ستصل له المجتمعات، بينما جادلت نظرية صدام الحضارات لهنتنجتون بأن الصراع انتقل بين الرأسمالية والشيوعية ليأخذ نزاعاً ثقافياً بين الحضارات، خاصة الغربية والإسلامية. عبرت النظريتان، برغم النقد الذي وجه لهما حينها، عن عدسة غربية مترابطة ومدفوعة بالهيمنة، تنظر من خلالها لارتباطات الديناميات السياسية والاقتصادية في المجتمعات بنظيراتها الثقافية بما تحويه من قيم ومعتقدات وسلوكيات.
تتجلى تلك العدسة الغربية في خارطة للثقافة العالمية التي طرحها انجلهارت– وليزل التي اعتمدت على بيانات مسح القيم العالمية [11]. إذ تشير إلى أن القيم التقليدية ترتبط بالدين واحترام السلطة التقليدية والأسرة، وتظهر مستويات من القومية والفخر الوطني وغيرها، وهي تنتشر في الجنوب عموماً. في المقابل، تقلل قيم التحديث والعلمانية والعقلانية من التركيز على الدين ومؤسسات السلطة التقليدية، وترتبط بمستويات مرتفعة من السياسات الاجتماعية والتعليمية، وتظهر أكثر في أوروبا.
طرحت تلك الخريطة أيضاً نمطين آخرين من القيم، أحدهما البقاء والتي تعطي أولوية للأمن الاقتصادي والمادي وتفضل الحكومات التسلطية مقابل قيم تحررية تعبر عن الذات والاستقلالية والتي تصاعدت، مع بروز المجتمعات ما بعد الصناعية، حيث التركيز على اقتصاديات المعرفة والخدمات والديمقراطية الليبرالية. مع ذلك تلفت النظر إلى أن القيم التحررية باتت تتجاوز الخصوصية الغربية لتصبح أكثر تعولماً مع ارتفاع مستويات التعليم والتنمية في البيئات التقليدية التي يلعب فيها العامل الديني دوراً أساسياً في ثقافة المجتمعات، فضلاً عن أن ثمة نمطاً هجيناً بين القيم التقليدية والتحررية يظهر خاصة في الولايات المتحدة ، وهو ما يفسر حضور المعتقدات القدرية في السياسة الأمريكية وتوظيفها من قبل قادة كترامب كما أشرنا سابقاً.
نقد التصور الغربي.. واتجاهات قدرية غير غربية متنوعة
تعرَّض الفهم الغربي للثقافة القدرية على أنها تنتج مضامين قيمية وسلوكية تمحو الفعالية للأفراد والجماعات وتعيق مسار التحديث التنموي والاجتماعي، بما يتطلب التوجه "الحتمي" نحو الديمقراطية الليبرالية، إلى نقد واسع، كونه غير كافٍ لفهم وتفسير تلك الثقافات وأثرها في مجتمعات غير غربية تملك رؤى مختلفة ومشتركة في آنٍ واحد، ومن أبرز أوجه النقد تلك:
أولاً: حصر القدرية في ثنائية حدية ومدلول سلبي: يحصر التصور الغربي الثقافة القدرية بمصدريها الديني والهيكلي في زاوية صراعية، أي يقيم ثنائية حادة في العلاقة بين الإرادة الإنسانية (مركز السيطرة الداخلية) والقوى الخارجة عن سيطرتها (مركز السيطرة الخارجية)، فضلاً عن أنه يأخذ اتجاهاً سلبياً واحداً على عكس تعقيدات الواقع وتنوعاته. على سبيل المثال، خلصت دراسات نفسية إلى أن أثر النزعات القدرية على الأفراد والجماعات قد ينطوي على اتجاهين أحدهما سلبي قد يفقد فيه الإنسان التحكم كونه يعتقد أن الأحداث تجري دون أن يستطيع التأثير عليها، مما يزيد لديه اليأس والاستسلام والقلق، أما الآخر فهو إيجابي، حيث يملك فيه الإنسان القدرة على التكيف والتواصل بين الإيمان الديني والفعل الفردي والجماعي، أي يؤمن بأن أفعاله الإيمانية أو السلوكية ضرورية لتشكيل المستقبل [12].
ثانياً: تطور النظرة للحضور الديني في سياقات التحديث: تطورت المقاربات الغربية نفسها لحضور القيم والمعتقدات الدينية بما فيها القدرية في المجال العام حتى في ظل مسارات التحديث والديمقراطية الليبرالية. فبعدما هيمنت نظرية العلمنة السابق الإشارة لها على الأدبيات الغربية، افترضت نظرية اللاهوت السياسي لكارل شميت ويورجن هابرماس أن القيم والمعتقدات الدينية بما فيها المعتقدات القدرية تؤثر على الديناميات السياسية والاجتماعية، من خلال تشكيل الهويات وإضفاء الشرعية على السلطة والتأثير على القرارات والسياسات [13]. وفي هذا الاتجاه، صاغ هابرماس ما يسمى المجتمع ما بعد العلماني لاستيعاب المتدينين والعلمانيين، أي الاعتراف بحضور القيم والمعتقدات الدينية في المجال العام، لكن بشروط ألا يتناقض هذا الحضور مع الدستور العلماني والتعددية والديمقراطية الليبرالية [14].
ثالثاً: تآكل الحتمية الثقافية الليبرالية المضادة للثقافة القدرية: تعرَّضت نظريات كنهاية التاريخ للتآكل في العقدين الأخيرين، خاصة مع تراجع النموذج الديمقراطي في الغرب وصعود الشعبويات اليمينية المعادية للآخر، فضلاً عن تكيف الأنظمة التسلطية مع مسار التحديث بل وبروز بعضها كقوة تنموية كبرى كالصين، نتاج خصائص ثقافية مغايرة للغرب (الثقافة الكونفوشيوسية). من جانب آخر، بدا الواقع في السياسة العالمية متجاوزاً للمنطق الحتمي لصدام الحضارات، لأن تشابه العامل الثقافي أو الديني بين المجتمعات لم يمنع الصراعات داخل الغرب، كما أن اختلافه لم يمنع أيضاً وجود تحالفات غربية مع العالم الإسلامي [15].
لقد دفعت أوجه النقد تلك إلى مقاربات أكثر مرونة لفهم تنوعات الثقافات القدرية في المجتمعات، فلم يعد ينظر إلى العلاقة بين القدرية والفاعلية على أنها حدية ومتناقضة تماماً، بل تأخذ أنماطاً تفاعلية مختلفة، فيشير دومنيك تيرني إلى أن هنالك قدرية معتدلة (تؤمن بوجود قوى خارجية تُسيِّر الأحداث مسبقاً، دون منع الفعل الإنساني)، وقدرية متطرفة (تعبر عن رؤية الذات على أنها عاجزة على الأفعال)ـ وقدرية عقلانية (قد تدفع المعلومات المنطقية البشر إلى تقرير أنهم لا يملكون سوى القليل لفعله، كأن تنشأ كارثة كونية لا يمكن منعها ككوكب سيصطدم بالأرض)، وأخيراً، قدرية لاعقلانية (أي لا تؤدي المعلومات المنطقية إلى تغيير المعتقدات التي ترى بوجود قوى أكبر تسيطر على الأمور) [16].
يدعم ما سبق بعض الدراسات التجريبية حول النزعات القدرية في سياقات غير غربية التي وجدت أن اختلاف البيئات السياسية والتنموية والاجتماعية يلعب دوراً أساسياً في بناء معانٍ ومدلولات ثقافية متنوعة ومن ثم اتجاهات سلوكية متعددة لدى الأفراد والجماعات، ومن أبرز تلك الاتجاهات:
أولاً: تطور معاني القدرية مع التغيرات التنموية والاجتماعية: في الثقافة الصينية، على سبيل المثال، نشأ مفهوم yuanfen (القدر أو المصير) مع دخول البوذية للبلاد، ثم اندمج لاحقاً مع الثقافة الكونفوشيوسية التي تركز على الالتزامات الأخلاقية والروابط المجتمعية. ووفقاً لدراسة تجريبية على طلاب جامعيين صينيين، فقد كان مدلول هذا المفهوم في الماضي سلبياً في الإدراك والثقافة المجتمعية، إذ عنى التهرب من المسئولية، بينما اكتسب مع تطور عمليات التحديث التنموي والاجتماعي في البلاد مدلولاً توازنياً بين إرادة القدر والفاعلية الفردية، حيث بات يمثل مورداً للتكيف النفسي والاجتماعي للتعامل مع عدم اليقين وتقبل الانتكاسات والسعي لتنمية الذات والانسجام الاجتماعي[17].
هذا التطور للثقافة القدرية المرتبط بطبيعة سياقات الواقع يظهر في دراسة عن الفلبين، إذ تُستخدم مثلا عبارة "Bahala Na" (أترك الأمر لله)، كتعبير عن المعتقدات القدرية في اللغات المحلية، وهي تشير لمعنيين أحدهما استسلامي يسمح للقوى الخارجة بالسيطرة عبر التحكم في النتائج، ويتركز في المناطق الريفية الفقيرة التي تفتقر للتعليم والموارد. أما المعنى الآخر، فلا يهمل السببية ويقر بوجود قوى عليا في إطار "الخضوع النشط"، أي رؤية المستقبل كطريق مفتوح يمكن للمرء التكيف معه عبر الفعل والوكالة البشرية [18]. أيضاً، وجدت دراسة أخرى عن الفلبين أن المعتقدات القدرية ساعدت الناجين من الكوارث من ذوي الدخل المنخفض على الصمود، حيث لا يرون الكوارث كعقاب إلهي، بل تحدي يوفر فرصاً للنمو الشخصي، وتعزيز الروابط الاجتماعية [19].
ثانياً: توظيف القدرية للتكيف مع عدم الاستقرار: ففي منطقة جنوب القوقاز (أرمينيا وأذربيجان وجورجيا)، خلصت إحدى الدراسات إلى أن هناك تصوراً منتشراً في المنطقة عن صورة الإله الغاضب أو المتحكم في المصير، وإن كان بدرجات متفاوتة بين مجتمعات تلك الدول، وأرجعته إلى المناخ السياسي غير المستقر والعنف التاريخي والنزاعات الإقليمية والخضوع للقمع إبان الاتحاد السوفيتي السابق والمزج بين الهويتين القومية والدينية، واعتبرت أن هذا المناخ يخلق شعوراً بعدم اليقين لدى المواطنين بأن مستقبلهم تحدده قوى خارجة عن إرادتهم وليس وكالتهم الشخصية، وهنا تصبح النزعات القدرية بمثابة آلية للتكيف النفسي مع الاضطرابات [20]، وهي أمر قد يدلل على معنيين أحدهما تقبل الأمر الواقع، والآخر القدرة على امتلاك سردية تساعد على البقاء وسط الصراعات العنيفة.
ثالثاً: ارتباط القدرية بثقافة اجتماعية نشطة وفعالة: في السياق الأفريقي، تحدت دراسة تجريبية في الكاميرون المدلول السلبي للثقافة القدرية في الفهم الغربي. أجرت تلك الدراسة استطلاعاً للرأي على عينة من 515 كاميرونياً تضم مسيحيين ومسلمين وعقائد تقليدية، وخلصت إلى أن القدرية ثقافة نشطة حيث هناك علاقة إيجابية بين المعتقدات حول القدر والالتزام بالمعتقدات الثقافية واستخدام التحكم الاجتماعي الذاتي، إذ يلجأ الأفراد إلى الكيانات الروحية أو الأسلاف من خلال الطقوس والصلوات أو الاشكال الجماعية الاجتماعية كالتظاهرات والإدانات العلنية للتأثير على أحداث تبدو محددة سلفاً من قوى خارجية، أي أن الاعتقاد بوجود قوى خارجية تسيطر مسبقاً على الأحداث لا يمنع من التحرك والفعل الإنساني للتأثير عليها[21].
السياق العربي وثقافة القدر.. أصل متوازن وواقع مأزوم
ما بين سياقات الفهم الغربي لثقافة القدر والشواهد من الواقع على مضامين أكثر تنوعاً في سياقات آسيوية وأفريقية، يمكن تفهم حالة تلك الثقافة في السياق العربي، حيث يستند معنى وأصل مسالة القدر فيه على المرجعية الدينية الإسلامية، فكل شيء يحدث في الماضي والحاضر والمستقبل وفقاً لمشيئة الله وقدرته ودون أن يمنع الإنسان من الأخذ بالمسببات، والسعي في الأرض وإعمارها. شكّل هذا المعنى ركناً أساسياً للإيمان الديني لدى المسلمين خاصة بالقضاء والقدر. فوفقاً لعقيدة أهل السنة والجماعة، فالإيمان بالقدر خيره وشره يجلب طمأنينة النفس، ويحفز على الصبر والاستجابة للأزمات عبر التوكل على الله وليس التواكل [22].
من ثم، تحمل مسألة القدر في أصولها الدينية مدلولاً توازنياً للعلاقة بين الإرادتين الإلهية والإنسانية، أي لا تنطوي على تصور صراعي بينهما أو دافع لنمط ثقافي من القيم والسلوكيات التي تشي بعدم الفاعلية البشرية أو عدم النظر للمسببات للأحداث أو الاستسلام لسياقات وهياكل مفروضة في الواقع الاجتماعي. لكن هذا المعنى تعرَّض لسوء فهم أو تسييس عند تفاعله مع العوامل التاريخية والسياسية والاجتماعية في الواقع. ففي ظل الصراع المبكر على السلطة في التاريخ الإسلامي، خاصة في العصر الأموي، برزت تأويلات حدية لمسألة القدر من فرق كلامية كـ"الجبرية"، التي رأت أن الإنسان مجبر على ما يفعله، ولا إرادة له فيه ولا اختيار، وهو تأويل اُستخدم سياسياً لتبرير ثقافة قبول سلطة الأمر الواقع، بينما ذهبت "القدرية" إلى أن الإنسان وحده خالق أفعاله ومستقل بإرادته، لرفض تبرير سيطرة الحكام على السلطة باسم القدر الإلهي [23]، وكلا الاتجاهان تم رفضهما من عقيدة أهل السنة والجماعة.
تسربت التأويلات المتطرفة لمسألة القدر، خاصة النافية منها لقدرة الإنسان على الاختيار إلى الثقافة العربية والإسلامية، في ضوء سياقات محفزة عليها كهيمنة سلطة التغلب وتوريثها في إطار عائلي، وبيعات دينية صورية كرَّست ثقافة الجبر وقبول سلطة الأمر الواقع بحكم القوة وصادرت بالتالي حق الأفراد وحريتهم في اختيار ممثليهم في السلطة. امتد هذا النمط إلى المنطقة العربية، مع فترات الحكم الممتدة للمماليك والعثمانيين، ثم من بعدها حاول الاستعمار الغربي توظيف تلك التأويلات لتبرير احتلاله ونهبه ثروات المنطقة. لكنه واجه اتجاهاً مضاداً، إذ يذكر التاريخ كيف قاوم شيوخ الأزهر الاحتلال الفرنسي ثم الإنجليزي لمصر، رافضين اعتباره قدراً لا مفر منه، وهو ما برز أيضاً في حركات مقاومة المستعمر في المنطقة.
مع استقلال دول المنطقة عن المستعمر، برزت حواضن محفزة على استمرار سوء الفهم والتسييس لثقافة القدر، في ظل معاناة الدولة القومية ووظائفها من أمراض التسلطية، والفساد، وضعف التنمية وغياب العدالة والتدخلات الخارجية. وفي ظل تآكل العقد الاجتماعي لتلك الدولة على مدى عقود، طرحت تيارات دينية نفسها أمام المجتمعات كبديل في إدارة السلطة، موظفة هي الأخرى ثقافة القدر لكن من منظور الاستحقاق الديني، أي تصوير مشاريعها الأيديولوجية كحل حتمي لحل أزمات المنطقة، وعندما فشلت واصطدمت بواقع أكثر تعقيداً ومتجاوز لطروحاتها، بفعل مسار التحديث القيمي والاجتماعي وتجذر الهويات الوطنية، أفرزت تنظيمات عنيفة وإرهابية، على غرار القاعدة وداعش وغيرها
قادت تلك التراكمات التاريخية الممتدة لحاضر المنطقة، إلى فهم مغلوط لثقافة القدر، والتي باتت جزءاً من بنية العقل الجماعي العربي [24]، والثقافة الشعبية التي تستدمج مأثورات كـ"المكتوب على الجبين تراه العين" بمعانٍ تميل إلى الاستسلام أكثر من المواجهة. انطوت تلك الثقافة بالأساس على قيم وسلوكيات اتكالية تجعل المرء لا يثق في قدرته على التغيير، ويميل إلى الفكر الخرافي والتآمري لا العلمي والنقدي، ويستسلم لأسطورة غياب البدائل عندما تشتد أزمات الواقع، فضلاً عن انتظار الحلول للأزمات إما من القوى الخارجية أو زعيم منقذ.
من منظور نفسي، شكّل سوء الفهم هذا لثقافة القدر تبريراً لعدم قدرة الأفراد والجماعات على تغيير المنظومات والهياكل الاجتماعية المفروضة في واقعهم كالقهر والفقر والتخلف. هنا أصبح الإنسان المقهور، وفقاً للدكتور مصطفى حجازي، يلوذ بـ"الوضعية الاتكالية" على القوى الخارجية التي تعوض له ضعفه عن مجابهة التحديات [25]. ومن منظور معرفي، عطّلت تلك الثقافة منطق السببية وإعمال العقل، كما يذهب د. محمد عابد الجابري، في إطار مفهومه "العقل المستقيل"، أي الذي يتوقف عن استخدام الاستدلال والبرهان ليحل محلهما منظومة معرفية خارج حدود العقل [26].
مع ذلك، تخلل هذا المسار المأزوم لثقافة القدر انقطاعات عبرت فيها المجتمعات عن فاعليتها سواء عبر حركات المقاومة للمحتل الإسرائيلي أو الانتفاضات الشعبية المتقطعة ضد الاستعمار أو الأنظمة التسلطية أو رفض الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين، وصولاً إلى العقد الأخير عندما انطلقت الثورات بعد عام 2011. صحيح أن تلك الثورات الأخيرة تحولت إلى فوضى وعدم استقرار، لكنها على الأقل تتحدى الفهم الغربي في ربط الثقافة القدرية في المجتمعات سواء بنمطيها الديني أو الهيكلي الاجتماعي بعدم الفعالية البشرية.
تأثيرات سياسية متعددة من القادة إلى المجتمعات
إذا كانت مضامين ثقافات القدر وتجلياتها القيمية والسلوكية في المجتمعات تختلف بين السياقات الغربية وغير الغربية، لهذا، فإن فحص أثرها في المجال السياسي يبدو أكثر تعقيداً وتفاوتاً، مع ذلك يمكن تلمس ذلك الأثر في حالتي قرارات وسياسات القادة والفاعلية السياسية للمجتمعات، وفقاً لما طرحته أدبيات غربية، وبعض الدراسات التجريبية في سياقات غير غربية.
أولاً: قرارات وسياسات القادة: تشكل ثقافة القدر مكوناً أساسياً في منظومة العوامل المعرفية والإدراكية والنفسية التي تؤثر في قرارات وسياسات القادة السياسيين لا سيما على صعيد تعاملهم مع المعلومات المنطقية أو التحيز الإدراكي أو مدى قدرتهم على المبادرة وتشكيل النتائج من عدمه. إذ قد تصبح تلك الثقافة أكثر تأثيراً في قرارات أولئك القادة، وفقاً لطبيعة النتائج للأحداث، فعندما يجابه بعض القادة بنتائج سلبية لقراراتهم فقد يميلون لإبراز معتقدات قدرية (أي قوى خارجية لا يمكن السيطرة عليها) كآلية دفاعية نفسية لتجنب المسئولية مقارنة بالنتائج الإيجابية التي قد يرجعونها إلى فاعليتهم البشرية (السيطرة الداخلية)، ما يعكس تبايناً في النظر للمنطق السببي، وفقاً لمدى تأثير الأحداث على شرعية السلطة ([27]).
هنا، تجادل أدبيات غربية بأن طبيعة الثقافة القدرية قد تتلاقى مع البيئات اليمينية المحافظة وأنماط تفكير القيادات الشعبوية لاسيما على صعيد التفكير التآمري، ورفض التعددية والتنوع، وإعلاء نوع من القومية المتطرفة، فمع تمجيد القيادة في تلك البيئات، فإن ذلك قد يدفعها إلى التهرب من المسئولية عن الأزمات، كما يظهر في حالة ترامب الذي يرفض تحمل المسئولية عن أي قرارات أو أحداث سلبية وينسبها عادة إلى قوى خارج سيطرته أو نظريات تآمرية، بينما يحتفي بقدرته الشخصية حال كانت الأحداث إيجابية وينسبها لقدراته الشخصية [28].
من جانب آخر، إذا استنتج القادة أن أزمة أو حرباً ما باتت وشيكة، ولا يملكون خيارات لتجنبها، فقد تبرز حينها المعتقدات القدرية في خطاباتهم لتسرع خوضهم للقتال كمسار حتمي، ويزداد تأثير تلك المعتقدات حال كانت هنالك "نافذة فرصة"، أي امتلاك ميزة عسكرية مقارنة بالخصوم، وهو ما قد يحول الحرب إلى توقعات ذاتية التحقق. فقد اعتبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل غزوه لأوكرانيا في فبراير 2022 أن المواجهة الروسية في هذا البلد تبدو حتمية عندما اعتبرها "مسألة وقت". كذلك، فمع اقتراب الغزو الأمريكي لافغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر قال الملا عمر زعيم طالبان حينها أنه لا يوجد ما يمكن فعله سوى الاعتماد على الله القدير [29].
قد يُسهم أيضاً مدى تسلطية أو ديمقراطية الأنظمة السياسية في تحديد أثر المعتقدات القدرية في قرارات وسياسات القادة، حيث يجادل البعض بأن الأنظمة التسلطية أكثر ميلاً لتبني الثقافة القدرية الحتمية مقارنة بنظيرتها الديمقراطية، نظراً لعوامل تتصل بطبيعة القيادة التسلطية التي قد لا تتعرض لضغوط مؤسسية كما الحال عند اتخاذ قرارات الحرب. إذ اعتبر قادة اليابان أن خوض الحرب العالمية الثانية ضرورة حتمية لا مفر منها، وهو ما يرجع إلى طبيعة النظام الاستبدادي والثقافة القومية المتطرفة وهيمنة المنطق العسكري على قرارات السلطة. في المقابل، سعت الولايات المتحدة كنظام ديمقراطي إلى تجنب تلك الحرب عبر الردع والدبلوماسية، حتى وهي تقترب منها، حيث لم تدخلها إلا بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربر في عام 1941 [30].
لكن هذا الربط المتصور بين الثقافة القدرية وطبيعة الأنظمة السياسية وقرارات خوض الحروب تعرّض للنقد خاصة أن أنظمة ديمقراطية شنت حروباً صورتها على أنها حتمية لمواجهة التهديدات ثم اتضح أنها ليست كذلك بل وأنتجت تداعيات سلبية، كما جرى مثلاً في الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق بعد أحداث 11 سبتمبر.
ثانياً: الفاعلية السياسية للمجتمعات: ثمة اتجاهات مختلفة حول رؤية مدى تأثير ثقافات القدر على فاعلية المجتمعات، خاصة على صعيد المشاركة السياسية، حيث عادة ما يتم ربطها بمتغيرات البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية. بشكلٍ عام، وجد أن المعتقدات الدينية، بما تتضمنه من إيمان قدري للأفراد والجماعات قد تدفع إلى المشاركة السياسية من أصحاب الديانات والعقائد المختلفة. إذ خلصت دراسة تجريبية أجريت في آسيا على عينة من الذكور والإناث من أعمار مختلفة وخلفيات سياسية ودينية متنوعة (مسلمين ومسيحيين وهندوس وبوذيين وعقائد أخرى) أن تلك المعتقدات حفزت على التصويت في الانتخابات، خاصة مع وجود متغيرات وسيطة كالقادة الدينيين وشبكات الدعم الديني والتضامن الاجتماعي [31].
في هذا السياق، بدت الثقافة القدرية محدداً لطبيعة التفضيلات السياسية في أوقات الانتخابات، إذ يجادل البعض بأن الأشخاص الأكثر ميلاً للثقافة القدرية قد يميلون للتيارات الدينية المحافظة بينما من هم أقل قدرية قد يدعمون تيارات علمانية تتبنى قضايا العدالة الاجتماعية والقيم التحررية. على سبيل المثال، فحصت دراسة حول تركيا خيارات جيل زد خاصة من طلاب الجامعات إزاء القادة والأحزاب السياسية لتخلص إلى أنه برغم ثقافة هذا الجيل المرتبطة أكثر بالتكنولوجيا، فإن سلوكياته السياسية تتماشى مع الثنائيات الأيديولوجية التقليدية بين اليمين التقليدي مقابل اليسار العلماني. إذ أن الشباب الأكثر ميلاً للقدرية والقيم التقليدية بشكل عام دعموا أحزاب وقادة محافظين مثل الرئيس رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية بينما الشباب الأقل قدرية دعموا قادة وأحزاب علمانية مثل كمال كيليجدار أوغلو وحزب الشعب الجمهوري بحكم ميلهم للقيم العلمانية والتحررية [32].
في المقابل، ربطت اتجاهات أخرى بين النزعات القدرية وظاهرة الأغلبية الصامتة، أي الأفراد الذين لا يدعمون أو يشاركون في العمل الاحتجاجي ضد المظالم. إذ أشارت إحدى الدراسات على عينة من الشباب في جامعات إندونيسية إلى أن تلك النزعات القدرية مثلت محركاً نفسياً لتلك الظاهرة، لكن ربطتها بمتغيرات أخرى، كالقومية أو الاعتزاز الوطني، حيث بدت العلاقة أقوى بين الثقافة القدرية والأغلبية الصامتة عندما كانت النزعات القومية أعلى لدى الأفراد.
لفتت تلك الدراسة إلى أن عدم المشاركة السياسية قد لا يعني لا مبالاة من قبل المجتمعات، بل تعبر عن تفاعل معقد بين الامتثال الثقافي والايمان القدري بالسيطرة الخارجية، والرغبة في الحفاظ على الوضع الراهن. ففي المجتمعات ذات الثقافة الجماعية، قد تصبح هنالك خشية من السلطة وشعور جماعي بأهمية تجنب الغموض وتفضيل الاستقرار، وإذا تقاطع ذلك مع حالة من تزايد القومية والفخر الوطني فقد تعزز حينها المعتقدات القدرية الميل للصمت الجماعي [33].
كذلك، بدت هنالك علاقة ارتباطية بين النزعات القدرية خاصة ذات الطابع الهيكلي الاجتماعي وعدم المشاركة السياسية. إذ خلصت دراسة حول الانتخابات العامة في جنوب أفريقيا في عام 2019 [34] إلى أن هنالك عزوفاً شبابياً كبيراً عن المشاركة السياسية مدفوعاً بنزعات قدرية وحالة من الإحباط لديهم من سياق سياسي يتسم بالفساد والفشل في معالجة أزمات اقتصادية مثل البطالة، ناهيك عن ضعف الثقة في الأحزاب والأطر السياسية التقليدية.
غير أن هذا العزوف قد لا يعبر أحياناً عن عدم الفاعلية السياسية، أي القدرية بالمنظور الغربي، حيث وجد في حالات أخرى أن الشباب قد لا يشاركون بفعالية في الانتخابات، لكنهم قد يمارسون أنشطة احتجاجية في أطر غير تقليدية أتاحتها التطورات التكنولوجية كوسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، بفعل ضعف الثقة في المؤسسات التقليدية، وهو ما برز في السنوات الأخيرة مع صعود أجيال زد من الشريحة الشبابية كفاعل سياسي في العديد من الاحتجاجات الشعبية التي جرت مؤخراً في بلدان كالمغرب ومدغشقر وبنجلاديش ونيبال وكينيا.
في ظل تلك الاتجاهات المتعددة لأثر النزعات القدرية على الفاعلية السياسية للمجتمعات، تخلص دراسة تجريبية حول أثر النزعات القدرية على العمل السياسي والاجتماعي في مصر في عام 2012 إلى أهمية التفرقة بين نمطي القدرية الدينية والهكيلية الاجتماعية المترابطين في المنظور الغربي، حيث وجدت تلك الدراسة أنهما غير مرتبطتين ببعضهما البعض ولهما نتائج مختلفة في مجال الاحتجاجات أو الفعالية السياسية، فالأولى تنتشر بين من هم أقل تعليماً والرجال لكنها لا تؤثر على الاحتجاج، أي الفعل السياسي، أما الثانية فترتبط بكبار السن والنساء وتشكل رادعاً كبيراً لاحتمالية الاحتجاج [35].
ختاماً، ثمة استنتاجات أساسية يمكن طرحها حول ارتباطات وآثار ثقافات القدر في الديناميات السياسية في السياقات الغربية وغير الغربية:
أولاً، إن التصورات الغربية حول ربط المضامين القيمية والسلوكية لثقافات القدر بعدم الفاعلية البشرية أو إعاقة مسار التحديث في المجتمعات تعرّضت للنقد، خاصة مع وجود شواهد وأدلة من سياقات غير غربية على أن تلك العلاقة أكثر تعقيداً وتنوعاً وتهجيناً بين القدرية والفاعلية في الواقع بفعل تفاوت الرؤى والخصوصيات والتجارب التاريخية بين المجتمعات.
ثانياً، إن الأثر السياسي لثقافة القدر في الديناميات السياسية يمر عبر متغيرات وسيطة سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية، وهو ما يفسر بروز اتجاهات مختلفة لذلك الأثر في الدراسات التجريبية في مجتمعات مختلفة، فتارة قد تسهم في التكيف النفسي في أوقات الأزمات والاضطرابات وتارة أخرى توظف لإضفاء الشرعية على قرارات وسياسات القادة، وتارة ثالثة تصبح مورداً لبناء رأس المال الاجتماعي والسياسي، وتارة رابعة قد تدفع للمشاركة السياسية أو على العكس تحفز على الصمت السياسي.
ثالثاً وأخيراً، إن المعنى الذي تخلقه ثقافة القدر سواء أكانت ذات طبيعة دينية أو هكيلية اجتماعية في أذهان الناس ويتمثلونه سلوكياً هو الذي يحدد ما إذا كانت تلك الثقافة تقود إلى فاعليتهم السياسية من عدمه. فحال إدراك معناها، كحالة استسلامية للقوى الخارجة عن السيطرة فإنها قد تُغيِّب إرادة الإنسان وتدفع لإهمال السببية والتهرب من المسئولية في مجابهة التحديات. أما عند النظرة المتوازنة بأن الإيمان القدري لا يمنع الفعل الإنساني، فإنها قد تمثل دافعاً لأولئك الأفراد والجماعات لتشكيل مستقبلهم وإحداث تحولات سياسية واجتماعية.
[2] Most Americans Don’t Believe God Played a Role in Recent Presidential Election Outcomes، pew research September 10, 2025. https://www.pewresearch.org/religion/2025/09/10/most-americans-dont-believe-god-played-a-role-in-recent-presidential-election-outcomes/
[3] Mohammed Farghal, Arab Fatalism and Translation from Arabic into English International Journal of Translation Studies 5(1):43-53 January 1993 DOI:10.1075/target.5.1.04far
[4] تتقاطع القدرية والحتمية عند دفع المرء للخضوع لقوى أكبر منه، وإدراك ثبات النتيجة المستقبلية لمسار الأحداث، لكن هناك فارقاً أساسياً بينهما، فالحتمية ترى الحاضر والمستقبل "نتيجة سببية" لظروف وقوانين ومعطيات سابقة في الماضي أو البيئة العامة تتحكم في مسار الأحداث، مثلما اعتبرت الماركسية أن التناقضات الداخلية للرأسمالية ستقود حتماً لانهيارها وصعود الاشتراكية، بينما تتجاوز القدرية المنطق السببي لتسلم بأن الواقع مرسوم مسبقاً من قبل قوى خارجة عن سيطرة البشر. أنظر:
Wilfrid Sellars, 'Fatalism and Determinism', in Kyle Ferguson, and Jeremy Randel Koons (eds), The Metaphysics of Practice: Writings on Action, Community, and Obligation ,Oxford, 2023 https://doi.org/10.1093/oso/9780192866820.003.0012
[6] Gabriele Ruiu, The Origin of Fatalistic Tendencies: an Empirical Investigation, Economics & Sociology, Vol. 6, No 2, 2013, pp. 103-125. DOI: 10.14254/2071-789X.
[7] Lukas Slothuus, Political fatalism and the (im)possibility of social transformation. Contemp Polit Theory 24,pp 41–59 (2025). https://doi.org/10.1057/s41296-024-00685-1
[8] Lukas Slothuus, Antonio Gramsci and the problem of fatalism. In M. Mrovlje & A. Zamalin (Eds.), Revolutionary hope in a time of crisis: Political dissolusion, democracy, and utopia. Routledge 2024
[10] Gabriele Ruiu, op.cit.
[11] The Inglehart-Welzel World Cultural Map, World Values Survey 7 2023 https://www.worldvaluessurvey.org/WVSContents.jsp?CMSID=Findings
[12] Shahid F, Beshai S, Del Rosario N. Fatalism and Depressive Symptoms: Active and Passive Forms of Fatalism Differentially Predict Depression. J Relig Health. Dec;59(6) 2020 doi: 10.1007/s10943-020-01024-5.
[13] Asha, C.. Religion, Culture, and Politics: Analyzing the Influence of Religious Beliefs on Sociopolitical Dynamics. International Journal of Culture and Religious Studies, 4(2), 22–38. 2023 https://doi.org/10.47941/ijcrs.1347
[14] نبأ كاظم شاكر، الدولة والمواطنة في مُجتمعات مابعدَ العلمانية في فكر يورغن هابرماس، المركز الديمقراطي العربي، 13 سبتمبر 2025،
https://democraticac.de/?p=106395
[16] Dominic Tierney,op.cit.
[17] Heger-Laube, Isabel. “Between Fatalism and Voluntarism: The Concept of Yuanfen (Fated Chance) and Its Role for Young Adults’ Psychosocial Adjustment in Contemporary China.” In Self-Development Ethics and Politics in China Today: A Keyword Approach, edited by Gil Hizi, Amsterdam: Amsterdam University Press. 2024 https://doi.org/10.2307/jj.18108218.15.
[18] Joaquin, Jeremiah Joven , Bahala Na: Fatalism or an Open Future? In Soraj Hongladarom, Jeremiah Joven Joaquin & Frank J. Hoffman, Philosophies of Appropriated Religions: Perspectives from Southeast Asia. Singapore: Springer Nature Singapore2023
[19] Bagnas, N.C., Choy, A.H.C. “Come What May”: An Interpretative Phenomenological Analysis of Disaster Survivors’ Resilience and Meaning-making of Fatalism. BMC Psychol 13, 1175 (2025). https://doi.org/10.1186/s40359-025-03423-3
[20] Christopher D. Bader Andrea Molle Benjamin Gurrentz James J. Coyle ،For the Wrath of God: Fatalism and Images of God in Violent Regions of the World March ,Sociology of Religion 78(1) 2017 DOI:10.1093/socrel/srx010
[21] Ngueutsa, R., Tchagneno, C. L., Wassouo, E., & Kouabenan, D. R. Fatalistic Beliefs, Cultural Beliefs and Socio-Instrumental Control Beliefs: What are the Links? Can We Speak of an Active Fatalism? Psychological Reports, 127(6), 2023, https://doi.org/10.1177/00332941231153799
[22] بوابة الأزهر، الإيمان بالقدر وأثره في سلوك الفرد والمجتمع، 23 يوليو 2025، https://hosturl.info/OAw49z
[23] لتفاصيل أنظر : د. عبد المنعم الحفني، موضوعة الفرق والجماعات والمذاهب الإسلامية، دار الرشد، 1993.
[24] مبارك بوعلي، مسالة القضاء والقدر في الفكر الإسلامي، وتأثيرها على واقعنا المعاش..من الطرح الفقهي وتشكيله للعقل الجماعي إلى تصور محمد شحرور للمسألة، مجلة المقدمة للدراسات الإنسانية والاجتماعية، مجلد 7، العدد1،يوليو 2022.
[25] د. مصطفى حجازي ، التخلف الاجتماعي، مدخل إلى سيكولوجية الانسان المقهور، المركز الثقافي العربي، المغرب، 2005.
[26] محمد عابد الجابري، تكوين العفل العربي (نقد العقل العربي، 1)، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1984
[27] Dominic Tierney,op.cit.
[28] Marco Verweij ,A cultural theory of populist leadership: fatalism, authoritarianism and the first Trump presidency، June 2025 Frontiers in Political Science 7 DOI:10.3389/fpos.2025.1579906
[29] Dominic Tierney,op.cit.
[31] Koralage, K., Touseef, M. & Begam, A. The Influence of Religious Beliefs on Political Participation. Interdisciplinary Studies in Society, Law, and Politics, 1(2), 2022. https://doi.org/10.61838/kman.isslp.1.2.2
[32] Aksakal, İ.; Avcı, M. The Effect of Generation Z’s Understanding of Free Will and Fatalism on Their Political Choice: A Field Study. Soc. Sci. 2024, https://doi.org/10.3390/socsci13020086
[33] Ali Mashuri Sukma Nurmala E. Zaduqisti "Silence is Golden": Explaining the Silent Majority Based on Fatalism, Culture, and National Attachments Psychological Research on Urban Society 8(1):18 April 2025 DOI:10.7454/proust.v8i1.1175
[34] Gilbert Tinashe Zvaita and Darlington Tshuma Political fatalism and youth apathy in South Africa : an analysis of the 2019 general election conflict trends 2019 https://www.eleqta.org/wp-content/uploads/2019/05/Zvaita-Tshuma-Conflict-Trends-2019-3.pdf
[35] Rashwan, B., & Jenkins, J. C. Fatalism and revolution: expanding our understanding of fatalism during a unique political opening in Egypt. The Journal of North African Studies, 22(4), 2017 https://doi.org/10.1080/13629387.2017.1316716