د. رابحة سيف علام

خبيرة - مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

 

أعلنت القيادة المركزية الأمريكية العاملة في الشرق الأوسط CENTCOM في بيان لها أن قواتها قد قصفت أكثر من 30 هدفاً لداعش خلال هجمات جوية متفرقة استمرت في الفترة بين 3 و12 فبراير الجاري (2026). تتكامل هذه الهجمات مع ما أعلن عنه سابقاً من تدمير نحو 70 هدفاً لداعش في ديسمبر الماضي، مما يرفع حصيلة الهجمات إلى 100 موقعاً ومقتل واعتقال نحو 50 من عناصر داعش في مناطق متفرقة من سوريا[1].

وتعتبر هذه الهجمات جزءاً من عملية تعقب واسعة أطلقتها واشنطن للثأر من مقتل اثنين من جنودها في عملية نفذها داعش قرب مدينة تدمر ضد قواتها العاملة في سوريا في 13 ديسمبر الماضي وأدت لمقتل جنديين أمريكيين ومترجم مدني وثلاثة جنود سوريين. ولكن اللافت أن هذه الهجمات تتزامن مع إخلاء القوات الأمريكية لقواعدها في سوريا وإفراغ السجون السورية من عناصر داعش من أجل نقلهم إلى العراق، على التوازي مع أنباء عن أدوار إقليمية مرتقبة للجيش السوري الجديد، وهو ما يتطلب البحث في أبعاد هذه التحركات وما تحمله من دلالات وأوزان نسبية في الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة داعش وفي منظومة الأمن الإقليمي في المنطقة.  

إخلاء القواعد الأمريكية وإجلاء سجناء داعش في سوريا

تنفذ القوات الأمريكية انسحابات متتالية من قواعدها في سوريا وتسلمها للجيش السوري. وأبرز هذه القواعد قاعدة التنف الواقعة في محافظة حمص في المثلث الحدودي بين سوريا والأردن والعراق، حيث اكتمل انسحاب القوات الأمريكية منها على مدار 14 يوماً حتى تراجعت هذه القوات إلى داخل الأردن ليل 11 فبراير الجاري. وبالمثل تواصل القوات الأمريكية انسحابها من قاعدة الشدادي في جنوب الحسكة وهي البلدة التي كانت تضم أيضاً أحد سجون عناصر داعش[2]. بينما تتردد أنباء عن أن القوات الأمريكية ستنهي انسحابها بالكامل من سوريا خلال شهرين.

على وقع هذا الانسحاب السريع وجدت دمشق نفسها أمام تحدٍ كبير من أجل إتمام انتشار عسكري محكم يسد فراغ الانسحاب الأمريكي ويستلم إدارة وتأمين هذه القواعد. وهكذا خصص الجيش السوري مجموعة من الفرق للانتشار في المناطق التي انسحب منها الأمريكيون، ليس فقط لسد الفراغ في القواعد المخلاة ولكن أيضاً من أجل منع ظهور بؤر غير مؤمنة تساعد داعش على التوطن فيها. وهكذا خصصت الفرقة 54 للانتشار في قاعدة التنف، والفرقة 70 لتأمين طريق ريف دمشق إلى بغداد من الجهة الغربية. أما من الجهة الشرقية، فانتشرت الفرقة 86 في المنطقة بين الميادين والبوكمال لحراسة هذه المنطقة التي تعد أحد أهم طرق التهريب بين العراق وسوريا. بينما انتشرت الفرقة 66 جنوب الرقة، وتُؤمِّن فرقة مدرعات 42 المناطق المفتوحة في عمق البادية، وهي مناطق لا يمكن حراستها في نقاط ثابتة بل يلزم تنفيذ انتشار متحرك فيها لتعقب المهربين والخلايا النائمة المفترضة لداعش[3].

وعلى التوازي مع تسليم هذه القواعد للجيش السوري، أتم الأمريكيون أيضاً نقل محتجزي داعش في سوريا إلى العراق. إذ أعلنت القيادة المركزية الأمريكية في بيان منفصل عن إتمام عملية نقل نحو 5700 عنصراً - من جنسيات مختلفة وأغلبهم سوريون - استمرت 23 يوماً استعداداً لمحاكمتهم[4]. وكانت الاشتباكات التي اندلعت بين قوات سوريا الديمقراطية – قسد - والقوات السورية الحكومية في يناير الماضي قد أدت إلى فرار عدد من سجناء داعش من سجن الشدادي قبل أن يتعقب الجيش السوري بعضهم ويعيد اعتقالهم، فيما لاذ آخرون بالفرار.

إزاء هذه التطورات، يبدو أن واشنطن تطلق استراتيجية جديدة منخفضة التكاليف لقتال داعش في سوريا لا تتطلب منها أن تُبقي على جنودها على الأرض، بل تعتمد على حلفائها من أجل هذه المهمة. فالتحالف الدولي لقتال داعش الذي أطلقته واشنطن منذ أغسطس 2014 كان يوجه ضربات جوية ضد التنظيم، ثم أصبح هناك ضرورة لوجود قوات على الأرض لتدريب وإعداد حلفاء محليين من أجل مهام القتال البري منذ عام 2015. ولذا رابط نحو 1000 جندي أمريكي لتدريب قوات قسد في الحسكة، وأيضاً قوات محسوبة على المعارضة السورية في قاعدة التنف. ولكن منذ هزيمة داعش في الباغوز – شرق البلاد - في 2019، تركزت الجهود على احتجاز عناصر داعش في السجون واحتجاز عائلاتهم بمخيميّ الهول وروج. ولكن يبدو أن عدد القوات الأمريكية في سوريا قد انخفض إلى ما دون 400 جندياً فقط، في ظل الانسحابات التي أعلن عنها مؤخراً، والتي من المفترض أن تتوالى حتى تخلي سوريا بالكامل من القوات الأمريكية[5]. بما يعني اكتفاء الأمريكيين بالقصف الجوي فقط، مع الاعتماد على الجيش السوري في المهام القتالية والاستخباراتية البرية، ويتم التعويل على بغداد لاحتجاز عناصر داعش ومحاكمتهم أمام القضاء العراقي، أو يتم النظر في استعادتهم من الدول التي يحملون جنسياتها.

فالعراقيون باشروا بالفعل إعادة التحقيق مع أكثر من 1300 من محتجزي داعش الذين نقلوا من سوريا. بينما تتواصل الاتصالات مع الدول التي يحمل عناصر داعش جنسيتها من أجل استلامهم لمحاكمتهم على أراضيها. وتمتنع دول أوروبية عدة عن استلام رعاياها من عناصر داعش، خوفاً من نقل أفكارهم المتطرفة إلى سجناء آخرين إذا ما تم احتجازهم على أراضيها. ومن الجنسيات التي يحملها عناصر داعش المنقولون حديثاً بخلاف السورية والعراقية، جنسيات عربية متعددة فضلاً عن الروسية والفرنسية والألمانية والاسترالية والسويدية والتركية[6]. ولكن اللافت أن معتقلي داعش من السوريين قد سُلِّموا أيضاً إلى العراق وعددهم يقارب 3543 عنصراً، إذ يبدو أن العراق سيتولى محاكمتهم ولكن من غير المؤكد أن يتم سجنهم بالعراق بعد إصدار الأحكام.

وفي المقابل، فاجأ الرئيس السوري أحمد الشرع الجميع بإصدار عفو رئاسي عن سجناء سوريين مدانين بجرائم بسيطة مثل الجنح والجنايات التي تحتمل العفو[7]. وجاء في تصريحات المسئولين السوريين المصاحبة لإعلان العفو الرئاسي المفاجئ أن الهدف هو تخفيف الكثافة في السجون السورية، بما يعني أن السجون السورية قد تكون مطالبة باحتجاز أعداد كبيرة لمدانين بجرائم أخطر، مما يرجح أن عناصر داعش السوريين قد يتم تسليمهم لاحقاً لدمشق من أجل سجنهم في سوريا، بعد إتمام محاكمتهم في العراق. ومما يرجح أن هذا العفو الرئاسي لإخلاء السجون لم يكن مخططاً له من قبل، أنه قد جاء بالمخالفة للإعلان الدستوري الذي صدر في 13 مارس 2025 ولا يخول الرئيس إصدار مراسيم عفو عن سجناء.  

تصفية مخيمات عائلات داعش

أما فيما يخص عائلات داعش المحتجزين في مخيم الهول، فقد انخفضت أعدادها من نحو 84 ألفاً في 2019 إلى نحو 24 ألفاً في يناير الماضي، بعد نقل الحكومة العراقية لرعاياها على مدار سنوات إلى مخيمات لإعادة تأهيل بالعراق. فيما بقى ما يزيد عن نحو 15 ألفاً من السوريين وبضعة آلاف أخرى من نحو 42 جنسية. وبعد أن تسلمت الحكومة السورية مهمة حراسته من قسد، بدأت تتعالى الشكاوي الإنسانية من سوء الأحوال ونقص الخدمات، بينما شكك آخرون في استمرار انتماء العائلات لفكر داعش.

وتواصلت جهود السكان المحليين - من نهاية يناير حتى منتصف فبراير الجاري - لاستلام ذويهم المحتجزين في المخيم بالتنسيق مع السلطات السورية، بينما عمد آخرون إلى المغادرة بشكل أحادي دون إبلاغ السلطات عن وجهتهم. وكانت الوكالات الإنسانية الأممية العاملة بمخيم الهول قد علَّقت تقديم خدماتها بعد تعرض مقرها للرشق بالحجارة من سكان المخيم الناقمين على تردي مستوى الخدمات[8]. فيما أعدت الحكومة السورية العدة لنقل ما تبقى من العائلات بالمخيم إلى مخيمات أخرى في ريف حلب من أجل إفراغ المخيم من ساكنيه وإغلاقه بالكامل. وبالفعل نسقت الحكومة السورية مع منظمات إنسانية عملية انتقال المئات من نحو 70 عائلة من مخيم الهول في الحسكة إلى مخيم أعد خصيصاً لاستقبالهم في ريف حلب الشمالي قرب اختيرين[9].

 ومن غير المعروف إذا ما كانت العائلات ستخضع لبرامج إعادة تأهيل فكري للتأكد من عدولها عن اعتناق أفكار داعش. ولكن الحكومة السورية أعلنت أنها ستباشر من خلال وزارة الشئون الاجتماعية بالتعاون مع الهلال الأحمر تنفيذ خطة متكاملة للاستجابة من أجل تقديم كل الخدمات للعائلات ومنها تجهيز مدرسة ومركز صحي وغيره مما يحتاجه نساء وأطفال المخيم[10].

أما مخيم روج الذي لا يزال تحت سلطة قسد، فقد انخفضت الأعداد فيه إلى نحو 2000 فقط من نحو 40 جنسية، وبدأت عائلات المحتجزين الأجانب استلام ذويهم منه بالتنسيق مع قسد. ووفق وكالة روداو  Rudaw الكردية نُقلت 11 عائلة استرالية مكونة من 34 فرداً إلى خارج المخيم بعد قدوم ذويهم بجوازات سفر استرالية جديدة كي تتمكن العائلات من العودة إلى استراليا. ولكن بعد انتشار نبأ خروجهم بوقت قصير، أعلن رئيس الوزراء الاسترالي أن حكومته لن تتعاون في تسهيل عودة عائلات داعش إلى البلاد. ثم أوضح أن موقف حكومته حاسم من عناصر داعش وفي حال عودة العائلات الاسترالية إلى البلاد سيتم النظر في مدى ارتكابهم لأية جرائم وسيحاسبون عليها بالقانون متى وصلوا إلى استراليا. أسفر هذا التخبط في التصريحات عن عودة وفد العائلات الاسترالية مرة أخرى إلى مخيم روج بعد تعذر وصولهم إلى دمشق من أجل السفر إلى استراليا، حيث يبدو أن قرار قسد بالافراج عنهم لم يكن منسقاً مع حكومة دمشق وبالتالي تم إلغائه.

 وإذ تأتي تصفية ملفات محتجزي داعش وعائلاتهم في شمال شرق سوريا كخطوة أخرى تمهيدية لمرحلة الاندماج الكامل لقوات قسد ضمن مؤسسات الدولة السورية، إلا أنها تعكس أيضاً صعوبة وتعقيد هذا الملف. فالتخبط الذي سيطر على أزمة العائلات الاسترالية قد بيّن ما قد ينشأ في هذا الاندماج من سوء تنسيق أو تضارب في الصلاحيات أو حتى أزمات مع أطراف وحكومات أخرى، مما قد يؤخر حل ملف عائلات داعش بشكل جذري في وقت قصير وخاصةً من الأجانب.  

وكانت سوريا قد دخلت رسمياً في التحالف الدولي لقتال داعش في نوفمبر 2025، في خطوة تعكس الثقة الأمريكية المتصاعدة في الحكومة السورية الجديدة وقدرتها على تولي مهام قتال داعش على الأرض. ومع تقدم القوات السورية لبسط سيطرتها على شرق البلاد على حساب قوات قسد، بدا أن واشنطن تبارك هذه الخطوة وتشجع قسد على الاندماج في قوات الجيش ومؤسسات الدولة السورية الجديدة. ولذا رعى المبعوث الأمريكي لسوريا توم براك مفاوضات مضنية بين قسد والحكومة السورية من أجل إتمام اتفاق الدمج الذي سمح بدخول القوات الحكومية إلى معاقل قسد في شمال شرق سوريا منذ 20 يناير 2026. وقد تكللت هذه الجهود بالنجاح النسبي باستلام القوات الحكومية لمنشآت الطاقة والسدود المائية، فضلاً عن البدء بتنفيذ اتفاق الدمج بين قوات الأمن الاسايش الكردية ووزارة الداخلية السورية. وكان لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع وزير الخارجية أسعد الشيباني ومظلوم عبدي وإلهام أحمد ضمن فعاليات مؤتمر ميونيخ للأمن – في 13 فبراير الجاري - إشارة إيجابية على نجاح الجهود الأمريكية في تعزيز الاندماج الكردي في مؤسسات الدولة السورية الجديدة.

ما حدود توزيع الأدوار في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة؟

تعيد واشنطن ترتيب خريطة حلفائها في قتال داعش، فهي لا تريد أن تتحمل تكلفة إضافية في بقاء غير مجدٍ على الأرض، بل تريد إيكال المهام لحلفاء موثوقين. وقد أثبتت الحكومة السورية الجديدة أنها جديرة بالثقة بعد تعاون استخباراتي وثيق على مدار الشهور الماضية، أسفر عن تحديد مواقع دقيقة لعناصر ومواقع ومخازن سلاح لداعش في سوريا، مما مكّن الطيران الأمريكي من قصفها بدقة وملاحقة الفارين منها. فهذا التعاون السوري-الأمريكي الناجح قد كشف عن عدم جدوى الإبقاء على الجنود الأمريكيين عرضة للخطر، خاصةً مع التكهنات المتزايدة عن قرب تنفيذ ضربات أمريكية طويلة نسبياً ضد إيران، والتخوف من قدرة هذه الأخيرة على استهداف القواعد الأمريكية في سوريا على سبيل الانتقام في حال فشلت المفاوضات الثنائية الجارية حالياً. فالجولات السابقة من الاستهداف الأمريكي لإيران قد كشفت عن أن القواعد الأمريكية في سوريا هي الحلقة الأضعف في الوجود الأمريكي بالمنطقة.  

من جهتها، تجد الحكومة السورية الجديدة مصلحة أكيدة في الانخراط في الجهود الأمريكية لقتال داعش، فهذه الأخيرة تعد الخطر الأكبر الذي يهدد استقرار سوريا وتوطيد سلطة حكومتها. إذ كشف تقرير أممي حديث عن تعرض قادة الحكومة السورية الجديدة، الرئيس أحمد الشرع ووزيريّ الخارجية أسعد الشيباني والداخلية وأنس خطاب لما لا يقل عن خمس محاولات اغتيال من تدبير داعش خلال العام الماضي[11]. وفي ظل ضعف إمكانيات المؤسسات الأمنية والدفاعية حديثة التكوين في سوريا، يصبح التعاون العسكري والاستخباراتي مع واشنطن وشركائها أمراً ضرورياً لتأمين سوريا ضد هجمات جديدة محتملة من داعش.

وكانت وزارة الداخلية السورية قد أعلنت خلال العام الماضي عن تفكيك العشرات من خلايا داعش وإحباط عدة عمليات قبل وقوعها. ولكن اعتدائين أساسيين وقعا في 2025 وشكلّا ذروة التهديد الداعشي في سوريا، أولهما تفجير كنيسة مار إلياس بحى الدويلعة بدمشق في فبراير وثانيهما تنفيذ هجوم ضد قوات أمريكية وسورية في تدمر في ديسمبر. بينما نجحت قوات الأمن في إحباط محاولة تفجير انتحاري في كنيسة وسط حلب ليلة رأس السنة. ولذا فالتعاون الأمني والعسكري بين السوريين والأمريكيين يعد حتمياً وناجحاً للغاية لكلا الطرفين، ولكن من غير المعروف إذا ما كان مقتصراً فقط على مكافحة داعش أم قد يمتد إلى ملفات أخرى.

إذ ترددت أنباء عن رغبة واشنطن في توسيع نفوذ الجيش السوري من أجل تنفيذ مهام إقليمية خارج الحدود. والمقصود هنا الزج بالجيش السوري لتنفيذ مهام هجومية داخل حدود لبنان من أجل نزع سلاح حزب الله أو المساهمة في إضعافه، استغلالاً للعداء التاريخي بين حزب الله - الذي ساند نظام الأسد - وبين المسلحين المعارضين المنخرطين في الحكومة السورية الجديدة. ورغم انخراط الجيش السوري في مهام دفاعية على الحدود بين البلدين لمكافحة تهريب المخدرات والسلاح وتفكيك شبكة العصابات المنتشرة في هذه المنطقة، فإنه من غير المحسوم كيف ستستجيب دمشق لهذه الطلب الأمريكي المفترض.

وكانت وزارة الداخلية السورية قد أعلنت في بداية فبراير الجاري عن تفكيك شبكة إرهابية نفذت هجمات أرعبت المدنيين في حي المزة في قلب دمشق، واتهمت حزب الله بالوقوف ورائها وتموليها ودعمها بمنصات لإطلاق الصواريخ والمسيرات، مما يعني أن لدمشق مصلحة في وقف تدخلات حزب الله في سوريا، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة استعداد دمشق لحشد جيشها لتنفيذ عمليات هجومية عميقة داخل الحدود اللبنانية. وفي المقابل، تنسق دمشق مع الحكومة اللبنانية من أجل إحباط محاولات التهريب أو زعزعة الاستقرار السوري المنطلقة من لبنان، ولذا فالتنسيق الرسمي الثنائي قد يغني عن التدخل الخشن من الجيش السوري في لبنان. وكان الرئيس أحمد الشرع قد أعلن مراراً أنه لا ينوي الاشتباك مع حزب الله على خلفية مشاركته القديمة في الحرب السورية، بل يريد أن تُبنى العلاقات السورية-اللبنانية الجديدة على أسس سليمة تراعي مصلحة البلدين[12]. ولكن يبدو أن طموحات واشنطن لتنفيذ مهام مكافحة الإرهاب عبر حلفائها المحليين قد تعني الزج بهم في معارك جديدة عابرة للحدود بدلاً عنها. فمن المعروف أن واشنطن تصنف حزب الله كتنظيم إرهابي مثله مثل داعش، وتريد نزع سلاحه إرضاءاً للرغبة الإسرائيلية. بينما ترى أن الحكومة اللبنانية لم تنفذ تعهداتها بحصر السلاح بيد الدولة رغم انتشار الجيش اللبناني بشكل كامل وحصري في الجنوب كما نصت اتفاقية وقف إطلاق النار التي رعتها واشنطن في نوفمبر 2024.

فيما يبدو أن التحالف الوثيق بين واشنطن ودمشق، والذي مكّن الأخيرة من بسط نفوذها على حساب قسد، قد يكون له أثمان يجب أن تدفعها دمشق خارج حدودها، وهو ما قد يورطها في انغماس سيء السمعة في لبنان خدمةً لمصالح إسرئيلية وأمريكية. ولذا يسود الترقب حول إذا ما كانت دمشق ستقبل هذه المهمة أو ستجد لنفسها مخرجاً لا يورطها في لبنان ولا يعقد علاقتها مع واشنطن. ومن المعروف أن دمشق سبق ونجحت في تغيير ترتيبات وشروط مسبقة كانت قد فرضتها واشنطن في ملفات مشابهة. فالرفض الأمريكي لضم الجيش السوري الجديد للمقاتلين الأجانب قد تغيّر فعلياً بعد تمسك دمشق بهم على اعتبار أن ضمهم يعني مراقبة سلوكهم والاحتفاظ بهم تحت سيطرتها بما يمنعهم من التكتل ضدها أو تنفيذ أجندات مستقلة عنها أو مناوئة لها. ولذا فإن الزج بالجيش السوري في مواجهة حزب الله قد لا يكون حتمياً رغم توفر مصلحة أمريكية تحض عليه.

من جهة ثانية، قد تكون هذه الأنباء مجرد "فقاعة اختبار" أو حتى "ورقة للتهديد" يتم الترويج لها في الأوساط اللبنانية للاستقواء بسوريا من جانب فريق لبناني على حساب فريق آخر. إذ ترافقت هذه الأنباء مع عودة سعد الحريري لإلقاء كلمة للجمهور اللبناني في ذكرى اغتيال والده، فيما يبدو أنه قد يكون مقدمة لعودته - وعودة التمثيل القوي للسُنة - في الحياة السياسية اللبنانية مرة أخرى. أو قد تكون مجرد ورقة ضغط مرافقة للمفاوضات الأمريكية-الإيرانية التي تتواصل بوساطة عمانية، وبتنسيق من أطراف إقليمية متعددة. فالتهديد الأمريكي بتوجيه ضربات عسكرية ضد إيران لايزال ماثلاً واحتمالاته قائمة خاصةً مع تزايد الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط من جهة، وتواصل المناورات العسكرية الإيرانية من جهة أخرى. وبالتالي فالتلويح بالزج بالجيش السوري في حرب مع حزب الله في لبنان ربما يكون تهديداً مصاحباً لجملة التهديدات الأمريكية الأخرى ضد إيران، كي تضطر الأخيرة للانخراط الجاد في المفاوضات وصولاً لاتفاق، ولا ينم بالضرورة عن مشروع فعلي معد للتنفيذ بشكل جدي.      


[1] Lucia I Suarez Sang, “US Strikes 30 ISIS targets in Syria as it continues relentless military pressure on terrorist network”, CBS News, 14-2-2026; https://2u.pw/9W0Q3Y

[2] Natasha Bernard and Zachary Cohen, US pulls last troops from key military facility in Syria”, CNN, 12-2-2026; https://2u.pw/2ehiS

[3]  منهل باريش، "أعباء الانسحاب الأمريكي من قاعدة التنف"، أساس ميديا، 19-2-2026: https://2u.pw/ipkKf

[4] عبد الله سليمان علي، "تفكيك مخيم الهول من ملف دولي ثقيل إلى جغرافيا مفتوحة"، النهار، 15-2-2026: https://2u.pw/PTTV4s

[5] Filip Timoji, “US preparing for pullout of all troops from Syria”, The Hill, 18-2- 2026; https://2u.pw/Mj6XY

[6] عملية استمرت 23 يوماً.. واشنطن تعلن إنجاز نقل سجناء "داعش" من سوريا الى العراق، يورونيوز، 13-2-2026: https://2u.pw/Pyuw3f

[7] نص مرسوم العفو العام رقم 39 لعام 2026، العروبة، 20-2-2026: https://2u.pw/0zgdD

[8] سوريا: احتجاجات عنيفة أوقفت كل أنشطة الأمم المتحدة في مخيم الهول، الشرق الأوسط، 13-2-2026: https://2u.pw/6Xtib

[9]سوريا تبدأ إخلاء مخيم الهول لنقل عائلات داعش إلى حلب"، يورونيوز، 17-2-2026: https://2u.pw/Dwd4BD

[10] السلطات السورية تبدأ نقل قاطني "الهول" إلى مخيم "أخترين"، الجزيرة نت،  18-2-2026: https://2u.pw/X7vMsG

[11] تقرير أممي: احباط خمس محاولات اغتيال للرئيس الشرع ووزيري الداخلية والخارجية، تلفزيون سوريا، 12-2-2-26: https://2u.pw/qvIK9Q

[12] تنازلنا عن الجراح التي سبّبها حزب الله.. الشرع يؤكد: لبنان سيخسر إذا لم يستفد من نهضتنا، يورونيوز، 25-8-2025: https://2u.pw/W9d3Oz