هشام حمدي

باحث مساعد - مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

 

أشارت كلمة رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في أول يناير 2026 حين قالت: "أتعهد للشعب بأنني سأجعل الأرخبيل الياباني قويًا ومزدهرًا وأخلق الأمل"، إلى اتجاهات عدة تتخذها اليابان نحو تجديد الاستراتيجية البراجماتية لديها. وعلى الرغم من ظهور هذا التحول بشكل تدريجي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى إعلان الاستراتيجية الدفاعية اليابانية في عام 2022، إلا أن التجديد البراجماتي تسارع بشكل ملحوظ بعد فوز تاكايتشي في الانتخابات البرلمانية في أكتوبر 2025.

وقد تبلور هذا التجديد في الانتقال العقائدي سواء كان عسكريًا عن طريق التحول من الدفاع السلبي إلى القدرة على توجيه ضربات استباقية وهو ما كان مقيدًا دستوريًا في السابق، والعمل على مضاعفة ميزانية الدفاع لتصل إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي، أو اقتصاديًا من خلال التركيز على تعزيز الشراكات الإقليمية والدولية، والابتكار التكنولوجي والتصنيع المتقدم، لاسيما في مجالات الطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي، لتقليل الاعتماد على الواردات الاستراتيجية وضمان الأمن الاقتصادي، أو دبلوماسيًا، حيث بدأت اليابان في اتباع سياسة مرنة ومتوازنة تجاه الخصوم والأصدقاء -على حد سواء- بما يخدم مصالحها، إذ تسعى لتعميق التعاون مع الدول الديمقراطية الحليفة، في حين تتبنى نهجًا حذرًا وتفاوضيًا مع القوى الإقليمية المنافسة مثل؛ الصين وكوريا الشمالية.

ويكشف ذلك عن مدى تراجع "سياسة يوشيدا" والتي تمثل الفكر الياباني منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، على عكس التجديد البراجماتي الحالي لليابان، ما يجعلنا نطرح تساؤلًا رئيسيًا وهو: إلى أي مدى تعكس البراجماتية اليابانية الجديدة سعي اليابان نحو استقلالية استراتيجية كبرى؟

أولًا: دوافع التحول الاستراتيجي لليابان

بدأ التحول الاستراتيجي لليابان نتيجة تغير البيئتين الإقليمية والدولية، وتصاعد التهديدات الأمنية في شرق وجنوب شرق آسيا، وتراجُع اليقين في المظلة الأمنية الأمريكية، والتوترات الإقليمية المرتبطة بدور الولايات المتحدة، مع الصين حول تايوان، والتفاعلات مع كوريا الشمالية، الأمر الذي دفع طوكيو لإعادة تقييم قدراتها الدفاعية والدبلوماسية، واعتماد مقاربة أكثر براجماتية لتعزيز استقلالها الاستراتيجي، وحماية مصالحها وأمنها القومي.

1-تحولات البيئة الأمنية الإقليمية: بحسب الرؤية اليابانية، تشهد البيئة الإقليمية عدة تهديدات أمنية مباشرة، فمن ناحية، تواجه اليابان على مدار عقدين تهديدات أمنية من تزايد النشاط العسكري الصيني في المنطقة، حيث توسعت الصين عسكريًا في الإقليم بهدف تغيير ميزان القوى في منطقة الاندو-باسيفيك. ففي عام 2012 حددت أجندة الرئيس الصيني، عنصرين رئيسيين هما؛ تطوير قوة نووية ثلاثية قادرة على البقاء، وبناء قوات تقليدية متقدمة تكنولوجيًا، بهدف خلق توازن نسبي مع الترسانة النووية الأمريكية، بالإضافة إلى التوازن العسكري في الإقليم، لاسيما داخل سلسلة الجُزر الأولى والتي تبدأ من اليابان مرورًا بتايوان ووصولًا للفلبين، والتي تمثل خط الدافع الأول للولايات المتحدة لتطويق الصين بحريًا. أسهم ذلك التوسع في وصول القوات البحرية الصينية وخفر السواحل بالقرب من جزر؛ سينكاكو، دياويوتاي، وكونداو. علاوة على تصاعد التوترات العسكرية في منطقة بحر الصين الجنوبي والشرقي نتيجة محاولة الصين ضم تايوان، الأمر الذي تراه اليابان تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي[1].

من ناحية أخرى، تُعد كوريا الشمالية ثاني أكثر مصادر التهديد المباشر لليابان، لطبيعة برنامجها الصاروخي-النووي وسلوكها العسكري غير القابل للتنبؤ، حيث لم يكن التهديد الكوري وليد اللحظة، بل يمتد إلى أكثر من عقدين، إذ بدأت التهديدات الصاروخية منذ تسعينيات القرن العشرين، ما دفع طوكيو لتطوير دفاعاتها الصاروخية عام 2008. أسهمت التجارب النووية الكورية في عام 2006، في تفاقم التهديدات الأمنية لليابان، ما جعلها في نظر الأخيرة تهديدًا وجوديًا. وفي أكتوبر 2024 شكل إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات، نقلة نوعية في مستوى وطبيعة التهديدات الكورية، إذ حلّق لمدة 86 دقيقة، أي ما يقرب من 7000 كيلومتر، ما حمل في مضمونه رسالة بأنها لا تستهدف اليابان فحسب، وإنما تمثل أيضًا أداة ردع للولايات المتحدة في حال تقدمها للدفاع عن اليابان[2].

2-تراجع الثقة في النظام الدولي الليبرالي: فى ظل التحديات الأمنية التي تواجه اليابان، يشهد النظام الليبرالي العالمي تراجعًا ملحوظًا في فاعليته واستقراره. وتبلور ذلك في عجز المؤسسات الدولية عن احتواء النزاعات المسلحة، وتزايد استخدام القوة خارج أطر الشرعية الدولية، وتآكل قواعد الاقتصاد الليبرالي نتيجة الحروب التجارية وسياسات الحماية، ما جعل اليابان تعيد النظر في تكوين سياستها، حيث اتبعت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية سياسة تابعة للنظام الليبرالي، فاعتمدت على التحالفات الأمنية والاقتصادية مع الولايات المتحدة وحلفائها لتعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي. ولكن مع صعود قوى عالمية جديدة، تنافس الولايات المتحدة والنظام الليبرالي، وبدء الأخير بالتراجع في فعاليته وبالتحديد في القضايا المتعلقة بدول مثل -روسيا والصين-، وذلك على غرار الحرب الروسية - الأوكرانية التي لم يتدخل فيها النظام الدولي بشكل مباشر، وهو ما لا يعكس ضعف النظام الليبرالي فحسب، وإنما تغير أولويات السياسة الأمريكية، تجلى ذلك في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة؛ والتي صدرت في نوفمبر 2025، وتوضح أن العالم يتكون من دول قومية ذات سيادة، وكل دولة معنية بحماية حدودها وهويتها ومصالحها الاقتصادية ما يحمل في طياته مبدأ "أمريكا أولًا". ركزت الاستراتيجية على نصف الكرة الغربي، مع تجنب انتقاد غزو روسيا لأوكرانيا، وتجاهل كوريا الشمالية، وهو ما عزز شعور اليابان بالقلق إزاء قدرة الولايات المتحدة والنظام الليبرالي على ضمان مصالحها الحيوية والأمنية، وذلك على عكس الاستراتيجية الأمريكية 2022[3].

3-ضغوط داخلية: مرّت اليابان بسلسلة من الأزمات الداخلية المعقدة، على مدار العقدين الأخيرين، فعلى الجانب السياسي، واجه النظام الحاكم أزمة في الشرعية السياسية، نتيجة تآكل التنافسية السياسية والحزبية في الدولة، ما نتج عنها ضعف المعارضة السياسية، وعدم قدرتها على تقديم بدائل سياسية واقعية. إلى جانب ظهور اتهامات بالفساد والتمويل السياسي، وتكرار قيادات سياسية بدون تجديد فعلي، ما أسهم في تراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات السياسية، نتيجة رؤيتهم للنظام الحاكم كأنه دائرة مغلقة. أدى تزايد الاعتماد على البيروقراطية في إدارة الملفات الكبرى، إلى الحد من فاعلية القرار السياسي، ما خلق رغبة في تعزيز مركزية السلطة التنفيذية وإعادة بناء الشرعية لاسيما في القضايا الاستراتيجية، المرتبطة بالأمن القومي والسياسات الاقتصادية.

على الجانب الاجتماعي، تعاني اليابان من أزمة ديمجرافية بنيوية، حيث وصل عدد السكان خلال 2020 إلى نحو 122 مليون نسمة، بانخفاض 868 ألف عن عام 2015، ورغم التحسن الملحوظ في عام 2025 ووصول عدد السكان إلى نحو 123 مليون، تظل الشيخوخة السكانية تحديًا رئيسيًا، إذ يشكل من تقترب أعمارهم من 65 عامًا نحو 30% من السكان، ما يؤدي إلى تقليص القوة العاملة وزيادة العبء على نظم الرعاية الاجتماعية. كما أسهمت هذه التحولات في اتساع الفجوة بين الأجيال واختلاف الأولويات، حول مفاهيم الهوية الوطنية ودور الدولة، ما أسهم في خلق ضغوط على متخذي القرار لضمان استقرار المجتمع، وتعزيز قدرة الدولة على الاستجابة لتطلعات مواطنيها[4].

اقتصاديًا، شهدت الدولة ركودًا اقتصاديًا طويل الأمد، مع ضعف النمو وارتفاع الدين العام الذي وصل في عام 2025 إلى نحو 230% من الناتج المحلي الإجمالي ما يجعلها بين أعلى دول العالم دينًا، وبجانب ذلك تزايد التكاليف المعيشية والاعتماد الكبير على سلاسل إمداد خارجية. بالإضافة إلى تأثير الضغوط الاقتصادية على الطبقة الوسطى، ما زاد من الضغط الشعبي على الحكومة، وتصاعد التوترات السياسية نتيجة عدم قدرتها على إدارة النمو الاقتصادي وتحقيق الاستقرار المالي، ما دفعها للعمل على إعادة التجديد البراجماتي، وإعادة تعريف العلاقة بين الاقتصاد والأمن الوطني، وتعزيز الصناعات الاستراتيجية لتقليل الاعتماد الخارجي وتنويع الشراكات الدولية[5].

ثانيًا: ديناميكيات تعزيز الاستقلالية اليابانية

يُعد التوجه الياباني نحو الاستقلالية الاستراتيجية مسارًا متعدد الاتجاهات، حيث يشمل؛ تطوير القدرات العسكرية، وتنويع الشراكات الأمنية، واعتماد سياسات اقتصادية براجماتية، بالإضافة إلى التحولات السياسية والاجتماعية داخليًا.

1-التحول العسكري والدفاعي: شهدت اليابان مؤخرًا تحولًا في النظام العسكري والدفاعي لديها، وكان أبرز محطات هذا التحول خلال عام 2022، حين تعهد كيشيدا فوميو رئيس الوزراء آنذاك بزيادة ميزانية الدفاع الياباني 2% بحلول عام 2027، حيث ارتفعت حينها الميزانية العسكرية من 5.4 تريليون ين في عام 2022، إلى 6.8 تريليون ين في عام 2023، ووصلت الميزانية العسكرية اليابانية إلى نحو 9.9 تريليون ين في 2025 بما يمثل نحو 1.6% من الناتج المحلي الإجمالي للسنة المالية 2025 [6].

وعلى غرار ذلك، أصدرت اليابان فى أكتوبر الاستراتيجية العسكرية اليابانية 2025، والتي تشكل عقيدة عسكرية جديدة لليابان، حيث تهدف الاستراتيجية إلى توسيع مفهوم الدفاع ليشمل؛ امتلاك قدرات "الضربة المضادة" وذلك بموافقة دستورية، لتعطيل أي مصدر تهديد خارجي. تركز الاستراتيجية على إعادة هندسة بنية قوات الدفاع الذاتي عبر تطوير صواريخ بعيدة المدى وتعزيز منظومة الاستخبارات والاستطلاع المبكر وتكثيف التكامل العملياتي مع الولايات المتحدة، كما تسعى اليابان إلى تعزيز صناعتها الدفاعية المحلية عبر مشاريع تطوير مشتركة مع حلفاءها وتوسيع صادراتها العسكرية، بعد تخفيف قيود تصدير الأسلحة، لتقوية أسس الصناعة الدفاعية ودعم الشركات اليابانية عالميًا. وتعمل أيضًا على تشكيل قوة قادرة على العمل المتزامن فى البحر والجو والفضاء السيبراني، مع إعطاء أولوية للبعدين البحري والجوي، لاعتمادها على خطوط الملاحة البحرية، واعتقادها بأن أي تهديد مستقبلي من الصين سيتركز على السيطرة البحرية والجوية. لذلك، تعمل اليابان على تحويل حاملات المروحيات من فئة (Izumo)  و(Kaga) لتكون منصات قادرة على تشغيل مقاتلات (F-35B)، كما تخصص الحكومة نحو 100 مليار ين لنشر مسيرات جوية وسطحية وتحت سطح البحر ضمن نظام (SHIELD) المقرر عمله فى مارس 2028، ما يُمكن اليابان من كسر مبدأ الدفاع إلى امتلاك أسلحة هجومية دون إعلان ذلك بشكل صريح. إلى جانب ذلك، تعطي الاستراتيجية أهمية للفضاء الخارجي والفضاء السيبراني، حيث لا يخلو أي صراع من وجود تلك الأبعاد، ما دفعها إلى تبني مفهوم "الردع الصامت" القائم على حماية المنظومة الحيوية، وبناء قدرات دفاعية وهجومية سيبرانية قادرة على إرباك العدو دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة. يسهم ذلك في التحول العسكري والدفاعي لليابان بما يدفعها إلى تجاوز عقيدة "الدفاع البحت" إلى أمتلاك قدرة "الضربة المضادة"[7].

2-تنويع الشراكات الأمنية: تُعد الولايات المتحدة أبرز حلفاء اليابان، ولكن مع إعلان اليابان عن الاستراتيجية العسكرية 2025، شهدت تحالفاتها الأمنية تحولات براجماتية واسعه دون التخلي عن أي من التحالفات القديمة وذلك بالتحول من مبدأ الاتكال إلى مبدأ تقاسم الأعباء والمسئوليات، بجانب الاعتماد على الذات. فعلى الرغم من التحول التدريجي في الاستراتيجية العسكرية اليابانية خلال السنوات الماضية، إلا أنه مع تولي ترامب ولايته الثانية وتصاعد النزعة الانعزالية للولايات المتحدة، إلى جانب سعى واشنطن لتحميل الحلفاء نصيبًا أكبر في تكلفة الحماية، وتغير التزاماتها وفق مصالحها، كل ذلك دفع اليابان إلى إعادة توجهها الاستراتيجي في نمط تحالفاتها الأمنية، حيث سلّطت الاستراتيجية العسكرية الضوء على تنويع الشركاء الأمنيين كسياسة تحوط استراتيجي تهدف إلى تقليل الاعتماد الأحادي وذلك دون فك التحالفات الأمنية مع الولايات المتحدة، أو إنشاء تحالفات عسكرية جديدة تقيد حركة أو سياسة اليابان أو تفرض التزامات تلقائية. بينما الاعتماد على شراكات أمنية متنوعة، ذات طبيعة جغرافية متميزة تمكن اليابان من تحويط الإقليم جغرافيًا لاسيما الصين، وظهر ذلك في التحالفات الأمنية بين اليابان وكل من؛ أستراليا والتي تمثل لليابان عمقًا استراتيجيًا بحريًا وجويًا، والفلبين التي تعد أقرب حليف ياباني من الصين، والهند التي تعد قوة استراتيجية موازية للصين فى الإقليم، ما يساعد اليابان في تحقيق استراتيجية "الردع الشبكي" والتي تُمكنها من توظيف تلك التحالفات فى الردع غير المباشر للصين وكوريا الشمالية، وذلك عبر تعقيد حسابات تصعيد كل منهما ضد اليابان ورفع التكلفة السياسية والعسكرية لديهم[8].

3-البراجماتية الاقتصادية الاستراتيجية لليابان: شهد الاقتصاد الياباني تحولًا براجماتيًا واسعًا فى فلسفة إدارته، من الاعتماد على النمو المرتبط بالقطاع الخاص وما يعرف بـ "النظام الليبرالي التقليدي"، إلى نموذج أكثر واقعية تكون فيه الدولة الأكثر توجيهًا. وتجلى ذلك في توجيه الاستثمارات وإعادة هيكلة القاعدة الصناعية بما يخدم أولويات الأمن القومي والتنافس الجيو-اقتصادي. وفي هذا السياق، أعيد إحياء استراتيجية نمو تقودها الدولة لمعالجة حالة الركود الهيكيلي، ولذلك خصصت الحكومة 17 قطاعًا استراتيجيًا لاستثمارات واسعة، تهدف إلى تعزيز القدرات الصناعية والتكنولوجية وتقليل الهشاشة أمام الصدمات الخارجية. تتجلى البراجماتية الاقتصادية اليابانية أيضًا في بنية مؤسسية جديدة تقودها الحكومة، عبر إنشاء "مقر مركزي لاستراتيجية النمو لتنسيق السياسات الاقتصادية -أن يكون بمثابة برج مراقبة لسياسة تاكايتشي الاقتصادية، التي تركز على "اقتصاد قوي" و"سياسة مالية مسئولة واستباقية"-، عن طريق تعيين وزير مسئول عن كل قطاع ويتم تكليفهم بوضع أطر ميزانية متعددة السنوات، وخطط استثمارية مشتركة بين القطاعين العام والخاص، لضمان توجيه الإنفاق بشكل انتقائي منتظم، وتستند هذه السياسة على ركيزتين أساسيتين؛ "الاستثمار في إدارة الأزمات" لتعزيز مرونة سلاسل التوريد المتعلقة بالأمن القومي، و"الاستثمار في النمو" لدعم التقنيات المتقدمة بما يحقق نهجًا براجماتيًا يوازن بين التحفيز الاقتصادي والانضباط المالي.

يعد الاقتصاد الياباني من أكثر اقتصادات شرق آسيا تنوعًا، حيث يرتكز على دمج قطاع الذكاء الاصطناعي كحجر أساس في الاستراتيجية البراجماتية الجديدة، بهدف تحويل اليابان إلى مركز إقليمي للذكاء الاصطناعي -ومنافسة الصين-، مستفيدة من بنيتها التحتية السحابية المتقدمة. وفي هذا الإطار أنشأت الحكومة "سحابة حكومية"، تعمل على دمج موارد الحوسبة والبيانات والنماذج في نظام موحد لدعم البحث والتطبيقات الصناعية. مع خطة لاستثمار نحو 66 مليار دولار حتى عام 2030، وذلك بالإضافة إلى تقديم إعفاءات ضريبية ودعم لمراكز البيانات.

كما تعطي الحكومة اليابانية أولوية بالغة لتطوير صناعة أشباه الموصلات، فبعد اعتماد استراتيجية "أشباه الموصلات وصناعة الأشباه الرقمية"، وسن قانون "تعزيز الأمن الاقتصادي"، عملت الحكومة وكبرى الشركات على تمويل هذا المشروع لإنتاج رقائق إلكترونية بحلول عام 2027، لإعادة تموضع اليابان داخل سلاسل التوريد العالمية، وتقليل الاعتماد على مصادر خارجية[9]. لذلك تقوم الاستراتيجية الاقتصادية على إدارة المخاطر بدلًا من تجاهلها، وعلى توظيف الدولة كفاعل اقتصادي منظم، يسعى لإعادة تنشيط النمو وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية في بيئة دولية غير مستقرة.

4-التحولات البراجماتية على المستويين السياسي والاجتماعي: نتج عن مصادر التنمية والانضباط في المجتمع الياباني واستقرار الأنظمة، تحديات جوهرية تؤثر على الاستقرار الداخلي، مثل ثبات الحزب الديمقراطي في الحكم لعقود، وزيادة الشيخوخة السكانية، وتراجع معدلات الإنجاب. نتيجة لذلك بدأت الحكومة بإجراء تغيرات براجماتية تعمل على إعادة إنتاج الاستقرار عبر التعديل بشكل تدريجي لتغيير حالة الجمود وتجنب الصدام وتفاقم الأزمة.

تبلور في الفترة الأخيرة إعادة تعريف مفاهيم القيادة والتمثيل السياسي، تجلى ذلك فى تولي تاكايتشي منصب رئيسة الوزراء، كأول سيدة تتولى هذا المنصب في تاريخ اليابان، شهد أيضًا الداخل السياسي مرونة في إعادة تشكيل التحالفات الحزبية، والتخلي التدريجي عن فكرة الهيمنة السياسية المطلقة، كما شهد الخطاب السياسي تحولًا من التركيز على الشعارات القومية والأيدولوجية، إلى الاهتمام بالقضايا المعيشية، ما يعكس إدراكًا متزايدًا لدي النخبة السياسية بأن معالجة تحديات الدولة والمجتمع تتطلب مقاربة واقعية لا أيديولوجية، وتبلور ذلك في فرض التحديات الاجتماعية نفسها كعامل ضغط رئيسي على النظام السياسي في معالجتها.

 يمر المجتمع الياباني بتغيرات ملموسة في بينة الأسرة والقيم الاجتماعية، حيث تراجع نموذج الأسرة التقليدية، واتسعت ظاهرة الأسر الفردية، ما دفع الحكومة إلى تعديل تدريجي للسياسات الاجتماعية، عبر توسيع الحماية الاجتماعية، والتركيز على الفرد، مع التكيف مع التحولات بدلًا من مقاومتها. لذلك، تُطرح البراجماتية في السياسة اليابانية كضرورة استراتيجية لضمان استمرار الدولة والمجتمع، أي بوصفها "تكيفًا من أجل البقاء".

ثالثًا: مستقبل الاستقرار الإقليمي في ظل البراجماتية الجديدة

تشير التحولات البراجماتية في اليابان إلى أنها لم تعد إطارًا لتعديل سياسات دفاعية أو اقتصادية، وإنما تسعى لإعادة تشكيل موقعها كقوة استراتيجية إقليميًا ودوليًا. فقد مكنت التحولات العسكرية والأمنية، من تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية، دون إحداث توترات مع حلفائها، ما يطرح تساؤلات حول دورها كقوة إقليمية مؤثرة، ومستقبل الاستقرار في شرق آسيا، فضلًا عن تراجع الثقة في المظلة الأمنية الأمريكية، وتصاعد التنافس مع الصين.

ونتيجة لسياساتها في الفترة الأخيرة، انتقلت اليابان من دولة مقيدة بإرث ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى قوة إقليمية مؤثرة في توازنات الردع. ظهر ذلك في المناوشات مع الصين حول جزيرة تايوان في نهاية عام 2025 وبداية 2026، حيث أصبح تطورها العسكري مصدر قلق للصين رغم تفوق الأخيرة، فاليابان قوة إقليمية أخذت في تعزيز قوتها العسكرية، بما يدعم قدرتها على التصدي للصين، ما يراه البعض تهديدًا للأمن القومي الصيني. من جهة أخرى، تنظر الصين إلى اليابان كشريك يمتلك أجندته الخاصة، وليس مجرد امتداد للسياسة الأمريكية، كما أسهمت التحولات اليابانية في تعزيز علاقاتها الأمنية والاقتصادية مع دول الإندو-باسيفيك، التي تراها عنصر استقرار نسبيًا في مواجهة التنافس مع القوى الكبرى، ما يشير إلى تصاعد دور طوكيو كقطب إقليمي أكثر استقلالية.

رغم أن ولاية الرئيس ترامب في 2025 سرّعت من التحول البراجماتي في اليابان، فإنها لم تكن العامل المؤسس لهذا التغيير، الذي بدأ تدريجيًا قبل عدة سنوات. لكن سياسة الرئيس ترامب ولاسيما مبدأ "أمريكا أولًا" والنزعة الانعزالية، عمّقت شعور اليابان بعدم موثوقية الالتزامات الأمريكية، ما دفعها للتعامل مع التحالف كونه تحالفًا قابلًا للتغيير، وترسخت لدى النخبة اليابانية قناعه بأن الاعتماد الأمني المطلق لم يعد خيارًا طويل الأمد. لذلك، يستبعد تراجع اليابان عن تحولاتها البراجماتية الحالية سواء استمر ترامب أو عادت إدارة ديمقراطية، لأن الثقة الاستراتيجية أصبحت مرتبطة بتقلب أولويات السياسة الأمريكية القائمة على المصالح، ما يعني أن التحالف الأمريكي - الياباني سيستمر، لكن في إطار شراكة استراتيجية وليس تبعية.

وفي ظل التنافس الصيني – الياباني المستمر، خاصة فيما يتعلق بمحاولة الصين ضم تايوان أو توسيع نفوذها في بحر الصين الشرقي، ما يهدد الأمن القومي الياباني، بالإضافة إلى تعزيز اليابان قدراتها العسكرية وشراكاتها الأمنية، فإن ذلك سيرفع حدة التوترات واحتمالات الصدام بين الدولتين، ولكن اليابان تدرك أن أي صدام عسكري مع الصين، يفوق قدرتها الحالية، ما دفعها إلى تبني سياسة "تعقيد الحسابات" بدلًا من "استفزاز الخصم". لذلك، تنوع اليابان تحالفاتها لتطويق الصين من خلال "الردع الشبكي غير المباشر"، وبالتالي، من غير المرجح أن يسهم التنافس الراهن في صراع مباشر، بل سيستمر التوتر المنضبط مع حدوث أزمات محدودة لا حروب شاملة.

في نطاق آخر، إذا استمرت اليابان في تبني هذا النوع من البراجماتية، فقد يؤدي ذلك إلى مجموعة من الفرص والتحديات، فمن ناحية يمكن أن يسهم في تحسين وضع الدولة من خلال توفير مزيد من المرونة الاستراتيجية، بالإضافة الى تقليص الهشاشة الأمنية والاقتصادية، والعمل على تحسين السياسة الخارجية اليابانية، والتكيف مع بيئة دولية متغيرة وأقل استقرارًا، ومن ناحية أخري، يفرض هذا المسار أيضًا أعباءً متزايدة، سواء التكلفة الاقتصادية لتعزيز القدرات العسكرية، أو تصاعد التوترات مع الصين، بجانب التداعيات الداخلية المتوقع أن تكون نتيجة إعادة تعريف دور الدولة سواء اقتصاديًا أو سياسًا، أو تداعيات اجتماعية نتيجة عدم تكيف المجتمع مع محاولات الحكومة لمعالجة العزوف عن الزواج والإنجاب وتزايد الشيخوخة السكانية.

ختامًا، يمكن القول إن البراجماتية الجديدة تعد حصيلة ضغوط داخلية وخارجية، دفعتها لإعادة ضبط مساراتها الاستراتيجية، عبر ربط الأمن والاقتصاد والتحولات السياسية والاجتماعية ضمن إطار واحد يسعى إلى تقليص الهشاشة وتعزيز القدرة على الصمود في بيئة دولية مضطربة. وتعكس هذه المقاربة إدراكًا بأن الاستقرار لا يتحقق عبر الالتزام بالنماذج التاريخية أو الأيديولوجيات الثابتة، وإنما بإعادة تفسير النماذج بما يلائم متطلبات المرحلة، ما يجعل البراجماتية مسارًا تراكميًا لإدارة التوازنات والسعي نحو استراتيجية استقلالية كبرى.


[1China's military rise: shaping the future of global security, Economy& politics, 8 December 2025, Available at: https://shorturl.at/xPK3O

[2] Embracing Arms: Securing Japan in a “New Era of Crisis”, Crisis Group, Available at: https://shorturl.at/heWg2

[3] National Security Strategy Of The United States Of America 2025, Available at: https://shorturl.at/Gtnoe  

[4] DKmm Watanabe, Japan's Aging Society: Challenges and Innovations, Nipino, 1 Feb 2025, Available at: https://shorturl.at/RWsYl

[5]Conte Niccolo, Mapped: Government Debt to GDP by Country in 2025, Visual Capitalist, October 27, 2025, Available at: https://shorturl.at/xXgqr

[6]  في تحول استراتيجي بارز... اليابان تمضي نحو إنفاق دفاعي بنسبة 2% من الناتج المحلي، اليابان بالعربي، 19 يوليو 2025. متاح على:

 https://shorturl.at/jGKZS

[7] On the Publication of “Defense of Japan 2025”, Minister of Defense of Japan , 2025. Available at: https://shorturl.at/Wu8HP.

[8] Ibid. 

[9]Delaney Siobhan, Japan Revives State-Led Growth Strategy, Targets 17 Strategic Sectors Including AI and Semiconductors—Can It Surpass China’s Technological Ascent?, the Economy,4 No, 2025, Available at: https://shorturl.at/p923a